بانک مقالات عربی

مقالات مربوط به رشته زبان وادبیات عربی - دکترای عربی - ارشد عربی - ترجمه عربی

مظاهر التجدید فی الشعر العباسی
( أ ) التجدید فی الأغراض القدیمة :

ظلَّ العباسیون یَنْظِمون فی الأغراض القدیمة التی كان ینظم فیها الجاهلیون و الإِسلامیون ، و مع التقدم العقلی الخصب ، و الذوق المتحضِّر المُرْهَف ، سار التجدید فی الشعر العباسی .
و أبرز الأغراض التی جدّد فیها العباسیون :
1 - المدح :
كان الشاعر الجاهلی و الإِسلامی یرسم فی ممدوحه المثالیة الخُلُقیة الرفیعة التی تقدِّرها الجماعة ، و قد مضى الشعراء العباسیون فی مدیح الخلفاء و الولاة على هذا الرسم ، مضیفین إِلى هذه المثالیة مثالیة الحكم ، و ما ینبغی أن یقوم علیه من الأخذ بدستور الشریعة و تقوى الله و العدالة . یقول أبو العتاهیة فی الخلیفة هارون الرشید :
وَرَاعٍ یُرَاعِی اللَّهَ فِی حِفْظِ أُمَّةٍ
یُدَافِعُ عَنْهَا الشَّرَّ غَیْرَ رَقُودِ
تَجَافَى عَنِ الدُّنْیَا وَ أَیْقَنَ أَنَّهَا
مُفارِقَةً لَیْسَتْ بِدَارِ خُلُودِ


و ربما غلا الشاعر المادح ذلك الغُلُوَّ غیر المقبول ، الذی لا تجده فی القدیم و بالصورة التی یقول فیها أبو نواس :
وأَخْفَتْ أهْلَ الشِّرْكِ حَتَّى إنَّهُ
لَتَخَافُكَ النُّطَفُ التِی لَمْ تُخلَقِ


و لم یقتصر المدیح على تلك المعانی و الصور الجدیدة ، فإذا كان القدماء قد اختاروا الأوزان الطویلة ، و الموسیقى ذات الإیقاعات القویة و اللغة المختارة ، فإن الشعراء المجدِّدین قد قلبوا الوضع و أتوا بعكس ما هو مألوف من رقَّةٍ فی الأسلوب ، و خفّةٍ فی اللحن ، و بساطة فی التصویر ، كقول سَلْم الخاسر فی مدح الخلیفة الهادی :

مُوسَى المَطَر غَیْثٌ بَكَرْ
ثُمَّ انْهَمَرْ أَلْوَى المرَرْ
كَمِ اعْتَسَرْ وكَم قَدَرْ
ثُمَّ غَفَرْ عَدْلُ السَّیَرْ

و لم یقتصر المدیح على الرجال، بل عداه إِلى مدح المدن المحبَّبة إِلى قلوب ساكنیها ، و هو فنّ یزدهر فی الأندلس أیضًا . یقول عمارة بن عقیل فی مدح بغداد :
أعَایَنْتَ فِی طُولٍ مِنَ الأرْضِ والعَرْضِ
كَبَغْدَادَ دَارَاً إِنَّهَا جَنَّةُ الأرْضِ
صَفَاالعَیْشُ فِی بَغْدَادَوَاخْضَرَّ عُودُهُ
وَ عَیْشُ سِوَاهَا غَیْرُ صَافٍ ولا غضِّ

2 - الهجاء :
لقد حاول الشعراء العباسیون أن یجدِّدوا فی غرض تقلیدی آخر ، و هو الهجاء ، و یمكن تمییز لونین منه : هجاء سیاسی و هجاء شخصی . و قد امتاز اللونان معًا بالسخریة الشدیدة و الإیذاء المؤلم . كما امتاز الهجاء بأنه أصبح شعر مقطوعات قصیرة ، و لیست قصائد مطولة كالتی یتطلبها المدیح أو كما كان الهجاء فی العصور القدیمة . و لم یعد الهجاء القَبَلی كما رأینا فی شعر النقائض فی العصر الأموی أساسًا لموضوع الهجاء ، بل مال إلى الشعبیة و الهزل . و قد شاع الهجاء السیاسی فی الخلاف الذی وقع بین الخلیفتین الأمین و المأمون و انتهى بقتل أولهما . یقول أحد الشعراء من أبیات له فی هجاء الأمین :
لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ مَا حَدُّ الرِّضَا
لاَ وَلاَ تَعْرِفُ مَا حَدُّ الغَضَبْ
لَمْ تَكُنْ تَصْلُحُ لِلْمُلْكِ وَ لَمْ
تُعْطِكَ الطَّاعَةَ بِالمُلْكِ العَرَبْ

ومن الهجاء الساخر یقول أبو تمام فی وصف بخیل:
قدْ كَانَ یُعْجِبُنِی لَوْ أنَّغَیْرَتَهُ
عَلَى جَراذِقِهِ كَانَتْ عَلَى حُرَمِهْ
إِنْ رُمْتَ قَتَلْتَهُ فَافْتِكْ بِخُبْزَتِهِ
<b>فَإِنَّ مَوْقِعَهَا من لَحْمهِ وَدَمِهْ
و قد ظهر من هذا الهجاء الساخر لون یعتمد على تولید المعانی و استقصائها ، مثال ذلك قول بشار فی رجل ثقیل یُسمَّى أبا سفیان :

ربما یَثْقُلُ الجَلِیسُ و إنْ كَا

نَ خَفِیفًا فِی كِفَّة المِیزَانِ
كَیْفَ لا تَحْمِلُ الأمَانَةَ أرْضٌ
حَمَلَتْ فَوْقَهَا أَبَا سُفْیانِ





و كما مدح الشعراء المدن هجوها أیضاً . و ذلك حسب انطباع و خبرة كل واحد منهم بها . فهذا ابن أبی الزوائد أحد شعراء المدینة ، كان قد زار بغداد زمن الخلیفة المهدی ، فقال فیها هاجیاً :

یَا بنَ یَحْیَى مَاذَا بَدَا لَكَ مَاذَا

أَمُقَامٌ أَمْ قد عَزَمْتَ الحِیَاذَا؟
فَالبَرَاغِیثُ قَدْ تَثُورُ مِنْهَا
سَامِرٌ مَا نَلُوذُ مِنْهُ مَلاَذَا
فَنَحُكٌّ الجُلُودَ طَوْرَاً فَتَدْمَى
وَ نَحُكُّ الصُّدُورَ والأَفْخَاذَا
فَسَقَى اللَّهُ طِیبَةَ الوَبْلَ سَحًّا
وَ سَقَى الكَرْخَ وَالصَّرَاةَ الرَّذَاذَا




3 - الرثاء :
إِذا كانت الدوافع الدینیة أو الإنسانیة الصادقة هی التی تحفز الشعراء إلى الرثاء ، فإِنهم فی هذا العصر أخذوا یرثون لدوافع أخرى كالفكاهة مثلاً .
و لا شك أن إخراج الرثاء مخرج الفكاهة یُعَدّ شیئاً جدیداً فی الشعر العباسی ، فهذا أحمد بن أبی كریمة یرثی قمیصاً له أغار علیه فأر فقرضه ، یقول :

مَا إِنْ تَمَلَّیْتُهُ حَتَّى أُتِیحَ لَهُ

خَفِیُّ دَبٍّ لَطِیفُ الخَطْمِ والأذن
قَدْ صِرْتَ نَهْبَ هُمُومٍ مُذْ أُصِبْتَ بِهِ
حَلِیفَ حُزْنٍ مِنَ البَأْسَاءِوَالعَطَن



و إِذا كان الشعراء مدحوا المدن و هجوها فقد رثوها أیضاً ، وكانت نكبة بغداد أیام الفتنة بین الأمین و المأمون هی الحادثة التی أثارت خیال الشعراء و حرَّكت عواطفهم ، فقد احترقت قصورها ، و حُرقت حدائقها ، و خُربت طرقها ، و قُتِل أهلها ، و هُجِرَت مساجدها إلى أن تولى المأمون الخلافة و بدأ فی إعادة الحیاة إلیها ، و تبعه فی ذلك الخلفاء من بعده . یقول عبد الملك الورَّاق راثیًا مدینته :



مَنْ ذا أصَابَكِ یَا بَغْدَادُ بِالعَیْنِ

ألَمْ تَكُونِی زَمَاناً قُرَّةَ العَینِ
أَلَمْ یَكُنْ فِیكِ قَوْمٌ كَانَ مَسْكَنُهُم
وَكَانَ قُرْبَهُمْ زَیْنًا مِنَ الزَّیْنِ
صَاحَ الغُرابُ بِهِمْ بالبَیْنِ فَافْتَرَقُوا
مَاذَا لَقِیت بِهِمْ مِنْ لَوْعَةِ البَیْنِ





4 - الوصف :

    لقد شغل الوصف فی الأدب الجاهلی و الإسلامی معظم قصائد الشعراء فی تصویرهم لمظاهر الطبیعة حیَّة و جامدة ، غیر أن الشعراء العباسیین اهتموا بتصویر الجانب المادی من الحضارة الجدیدة . یقول علی بن الجَهْم یصف قصراً به نافورة :


    وَ قُبَّةِ ملْكٍ كَأَنَّ النُّجُو

    مَ تُصْغِی إِلَیْهَا بِأَسْرَارِهَا
    وَفَوَّارةٍ ثَأرُهَا فِی السَّمَاءِ
    فَلَیْسَتْ تُقَصِّرُ عَنْ ثَارِهَا
    تَرُدُّ عَلَى المُزْنِ ما أَنْزَلَتْ
    إِلَى الأرْضِ مِنْ صَوْبِ مِدْرَارِهَا







و یقول إبراهیم بن المهدی فی وصف زهر النَرْجس :


    ثَلاَثُ عُیُونٍ مِنَ النَّرْجِسِ

    عَلَى قَائمٍ أَخْضَرٍ أمْلَسِ
    یُذَكِّرْنَنِی طِیبَ رَیَّا الحَبِیـ
    ـبِ فَیَمْنَعُنِی لَذَّة المجلِسِ




لقد تعدّدت الموضوعات الوصفیة ، فشملت جمیع مظاهر الحیاة عند العباسیین ، حتى إننا نرى الشعراء یسجّلون الحیاة داخل البیوت و القصور ، و ما فیها من وسائل اللهو و التسلیة ، بل إنهم یَصِفون وسائل الثقافة فی عصرهم و أدواتها ، فیصفون الكتب و الخطوط و الأقلام ، یقول كلثوم بن عمرو العتَّابی فی وصف الكتب :

لَنَا نُدَمَاءَ مَا نَملُّ حَدِیثَهُمْ

أَمِینُون مَأْمُونُونَ غَیْبًا وَمَشْهَدَا
یُفِیدُونَنَا مِن عِلْمِهِمْ عِلْمَ مَا مَضَى
وَرَأیًا وتَأدیبًا وَأمْرًا مُسَدَّدَا
بلا علَّة تُخْشَى و لا خَوْف رِیبةٍ
ولَا نَتَّقِی مِنْهُمْ بَنَانًا ولا یَدَا
فإِنْ قُلْتُ هُمْ أحْیَاءُ لَسْتُ بِكَاذِبٍ
وإِنْ قُلتُ هُمْ مَوْتَى فَلَسْتُ مُفَنَّداً


5 - الزهد :




لقی شعر الزهد فی العصر العباسی اهتماماً كبیراً و شُغف الناس بقراءة قصائده و إنشادها و كانت محاولات التجدید فیه أكثر شمولاً و تأثیراً .
لم یَعُد الزهد كما كان فی العصر الإسلامی و العصر الأموی مجرَّد مَیْل فِطْری إلى الزهادة و تقوى الله ، أو حالة من حالات الإِیمان یصوِّرها الشاعر ، بل أصبح فكرة یعتنقها ، و تَتَغَلَْغَلُ فی نفسه و قلبه ، و یتلبَّس بها شعره ، و لا یكاد یصور سواها من المشاعر و الأحاسیس أو من الصور التی یقع علیها بصره .
و لم تكن دوافع الزهد فی هذا العصر دوافع دینیة فحسب ، حقیقة كان الدافع الدینی أساساً فیها ، و لكن إلى جانب ذلك أصبح یمثل حركة مضادَّة لبعض مظاهر المجون و الزندقة ، التی شاعت فی هذا العصر . لقد تحولت حركة الوعظ التی نشطت فی مساجد الكوفة و البصرة و بغداد إلى زهد حقیقی ملأ قلوب الناس و أبعدهم عن تیَّارات الانحراف . و عُرِفت عشرات الأسماء التی اشتهرت بزهدها من أمثال : الفضیل بن عیاض ، و محمد بن سیرین ، و سفیان الثوری ، و یحیى بن معاذ ، لذلك لم یكن غریبًا أن یظهر مجموعة من الشعراء طغتْ على شعرهم عواطف الزهد و أفكاره . یقول أبو العتاهیة :







دَعْنِیِ مِنْ ذكْرِ أبٍ و جَدِّ
و نَسَبٍ یُعْلیكَ سُورَ المجْدِ
ماالفَخْرُ إِلا فِی التُّقَى و الزُّهْدِ
و طَاعَةٍ تُعْطِی جِنَانَ الخُلْدِ


و یقول :

فَلاَ تَعْشَقِ الدُّنْیَا أُخَیَّ فَإِنَّمَا

یُرَى عاشقُ الدُّنْیَا بِجُهدِ بَلاَءِ
حَلاَوَتُهَا مَمْزُوجَةٌ بِمَرَارَةٍ
وَ رَاحَتُهَا مَمْزُوجَةٌ بِعَنَاءِ




و من الشعراء الزهَّاد محمود بن الحسن الوراق ، و یظهر أنه كان مطَّلعًا على ثقافات عصره المنطقیة إِذ یقول :

تَعْصِی الإِلهَ وَ أنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ

هَذَا مُحَالٌ فِی القِیَاسِ بَدیعُ
لَوْ كَانَ حبُّكَ صادقًا لأطَعْتَهُ
إِنَّ المُحِبَّ لِمَنْ یُحبُّ مُطیعُ




طبقه بندی: العصر العباسی،

[ چهارشنبه 1 اردیبهشت 1389 ] [ 10:45 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


با کلیک بر روی 1+ بانـــک مقــــالات عربـــی را در گوگل محبوب کنید