بانک مقالات عربی

مقالات مربوط به رشته زبان وادبیات عربی - دکترای عربی - ارشد عربی - ترجمه عربی

أحوال الأدیب وإبداعه لا یمكن الفصل بینهما وبین جوانب الحیاة المختلفة التی تضفی أثرها عبر الأجواء والمتغیرات الحیاتیة والانهزامات والانكسارات التی تتعرّض لها أمته ، ذلك لأنها تعكس أثرها فی الخطاب الإبداعی من خلال عدسة قلمه التی یلتقط به النص فیتجاوز الإبداع الاستثنائی الذی یمیّزه عن غیره من الأدباء ، ویتعرّف حینها القارئ شخصیة الأدیب وبیئته ومراحل حیاته من بین سطوره ...
من مصر العربیة ومن على ضفاف نهر النیل بمحافظة دمیاط نشأت وترعرعت الأدیبة العربیة المسلمة
عائشة عبد الرحمن
التی نسجت خیوطها الإبداعیة بجدّ ونشاط ، لتكون من أوائل الأدیبات المبدعات من النساء اللواتی أثبتن بجدارة عظیمة مكانتهن وحضورهن على مستوى الفكر الإسلامی والأدبی....
فی عام 1913 ولدت حفیدة علماء الأزهر عائشة عبد الرحمن وسط بیئة ریفیة محافظة لم تقبل لأبنائها أن تتأثر بتوجهات الفكر والثقافة الغربیة ما دامت قادرة أن تبنی لها حصنا قویا من تعالیم دینها ...
طموحاتها وتوجهاتها دفعتها إلى أن تتجاوز الصعاب والعوائق التی واجهتها من داخل أسرتها ، بغیة إكمال دراستها وتعرّف ثقافة العصر الحدیث التی فرضت وجودها ، واستطاعت بمساعدة جدها أن تتابع مسیرتها وتكمل طریقها مع التعلیم الجامعی لتجمع بین ثقافتها الدینیة ، وما ینفعها ویزیدها علما ومعرفة من ثقافة عصرها ...
اختارت البدایة فی توجهاتها أن تبدأ عالم الصحافة باسم مستعار نظرا للبیئة الریفیة الملتزمة التی كانت تفرض علیها آنذاك ألا تفرغ مواهبها وقدراتها الإبداعیة خارج حدود أسرتها ...
فكانت من أوائل الأدیبات العربیات التی كان لها حضور إعلامی بارز ومتمیّز فی مشاركاتها مع عالم الصحافة والنشر لیكون أول عمل لها فی مجلة النهضة النسائیة یحمل اسما مستعارا
" بنت الشاطئ "
اختارته لنفسها لتكون بالقرب من قضایا أمتها وعلى كل المستویات الفكریة والاجتماعیة والثقافیة عامة ، وقضایا المرأة العربیة المسلمة وتحریرها ومكانتها فی الإسلام بوجه خاص ...ومن ثم تتابع طریقها دون توقف فی النشر فی جریدة الأهرام أكبر جرائد مصر العربیة ....
انتسبت لجامعة القاهرة فی كلیة الآداب قسم اللغة العربیة لتلتقی هناك بأستاذها فی علوم القرآن أحد أعلام الفكر والثقافة آنذاك " الأستاذ أمین الخولی " وتستجیب لنصیحته التی كان مفادها إن أرادت أن تجعل من الدراسات الإسلامیة جلّ اهتمامها فما علیها إلا أن تهضم وتفهم الأدب واللغة التی أنزل بها القرآن الكریم . وقد ساعدها أن تكون أهلا للعمل بنصیحة أستاذها أنها ترعرعت فی بیت علم وفضل ، نهلت منه غزیر العلوم والدراسات الإسلامیة والأدبیة .
تزوجت من أستاذها الشیخ أمین الخولی وأنجبت منه ثلاثة أبناء ، وكانت مثلا للمرأة الصالحة والأم المربیة التی أرادت من خلالها أن تقول بأن المرأة المثقفة الواعیة قادرة على أن تكون مثلا للزوجة الصالحة القانتة ، والمربیة الفاضلة ، والأدیبة المثالیة فی توجهاتها ونبل غایتها وهدفها .
لم تتوقف مسیرتها فی عالم الأدب والفكر فكان لها أن حصلت على نیل رسالة الماجستیر والدكتوراة فی تحقیق ودراسة رسالة الغفران لأبی العلاء المعری ویكون لها السبق بأن یناقشها عمید الأدب العربی الدكتور طه حسین .
عائشة عبد الرحمن " بنت الشاطئ " سجلت للتاریخ والأجیال مواقف حاسمة فی دفاعها عن الإسلام وقضایا أمتها ، ودعوتها لتعلیم المرأة المسلمة وفق طبیعتها ، وفطرتها الأنثویة التی تتیح لها أن تحافظ على مكانتها ووجودها ، وتفرض احترامها بعیدا عن كید الخائضین والمتشدقین بتحریر المرأة الذین یریدونها سلعة تباع وتشترى وفق أهوائهم ...
بل إنها أرادت أن تحفظ للمرأة العربیة المسلمة مكانتها ؛ فلا تمتهن أنوثتها التی فطرها الله علیها ، ولا تنسى طبیعتها الهادئة الرقیقة ودور الأم المتفرّغة لأمومتها ، وإلا فالدمار والهلاك لأسرتها ومن حولها ...
وقد أطلقت على المرأة العصریة المتحررة التی أرادت أن تتخلى عن فطرتها عنوان " الجنس الثالث " الذی یُعرف باسم المرأة المسترجلة، وذلك فی مقال نشرته جریدة الأهرام فی حدیث لها مع صدیقتها الطبیبة النمساویة ، وذلك حینما رأت صدیقتها الطبیبة – أثناء زیارتها لها - تعمل فی المطبخ فی عطلتها الأسبوعیة من یوم الأحد ، فاستغربت منها وقالت لها :
" أما العمل یوم الأحد فربما فهمته ، وأما اشتغالك بالطبخ مع ما أعرفه من إرهاق مهنتك فهذا ما لم أنتظره .
فردت :
لو عكست لكنت أقرب إلى الصواب . فالعمل فی عطلة الأحد هو المستغرب عندنا . لولا أنه فرصتی الوحیدة لكی أقف هنا حین ترین . وأما اشتغالی بالمطبخ فلعلی أتجاوز به نطاق مهنتی . إذ هو نوع من العلاج لحالة قلق أعانیها وتعانیها معی سیدات أخریات من المشتغلات بالأعمال العامة .
ولما سألتها عن سر هذا القلق - مع استقرار الوضع الاجتماعی للمرأة الغربیة أجابت بأن ذلك القلق لا صلة له بمتاعب الانتقال المفروضة على جیل الطلیعة من نساء الشرق وأنما هو صدى شعور ببدء تطور جدید یتوقع حدوثه علماء الاجتماع والفیسیولوجیا والبیولوجیا فی المرأة العاملة .. وذلك لما لحظوا من تغیر بطیء فی كیانها لم یثر الانتباه أول الأمر ما سجلته الاحصاءات من اطراد النقص فی الموالید بین العاملات .. وكان المظنون أن هذا النقص اختیاری محض وذلك لحرص المرأة العاملة على التخفف من أعباء الحمل والوضع والإرضاع تحت ضغط الحاجة والاستقرار فی العمل .. ولكن ظهر من استقرار الإحصاءات أن نقص الموالید للزوجات العاملات لم یكن أكثره عن اختیار بل عن عقم استعصى علاجه .. وبفحص نماذج شتى منوعة من حالات العقم اتضح أنه فی الغالب لا یرجع إلى عیب عضوی ظاهر .. مما دعا العلماء إلى افتراض تغیر طارئ على كیان الأنثى العاملة نتیجة لانصرافها المادی والذهنی والعصبی عن قصد أو غیر قصد عن مشاغل الأمومة ودنیا حواء وتشبثها بمساواة الرجل ومشاركته فی میدان عمله." (1)
عائشة عبد الرحمن " بنت الشاطئ " الأدیبة العربیة المسلمة كانت تنادی ، وبصوت عال بأن لغة العرب وقوّتها وعالمیتها مرتهنة بقوّة شعوبها فی الحفاظ علیها والتمسك بها ، وأن وجه الخطورة والتحدیات التی تتعرض لها اللغة العربیة أكبر من الغزو الفكری والعقائدی والاعتداء على أراضیها ونهب ثرواتها ؛ وما على العرب إلا أن ینتبهوا لتراث أسلافهم وأمتهم ، وأن یكونوا دائما محافظین على لغتهم ، وألا ینسلخوا عن قومیتهم وشخصیتهم العربیة الإسلامیة التی رفعهم الله إلیها .
وتتساءل هل لمثل هذه الأمة أن تقبل بأن تُمتهن لغتها ویُسرق لسانها ؟.
" الأمة قد تُمتحن باحتلال أرضها فتناضل من أجل الحریة حتى تستردها على المدى القصیر أو الطویل .
وتُمتحن باغتصاب خیرات أرضها وأرزاق بنیها ، فتتحمل الجوع والحرمان ، وتقتات من أملها المرجو فی الخلاص .
بل قد تحارب فی عقیدتها ، فیتصدى الضمیر الشعبی لحمایتها ، بالرفض والتعدّی .
لكنها حین تُمتحن بسرقة لسانها تضیع !
تُمسخ شخصیتها القومیة وتبتر من ماضیها وتراثها وتاریخها ، ثم تظل محكوما علیها بأن تبقى أبداً تحت الوصایة الفكریة والوجدانیة للمستعمر ، حتى بعد أن یجلو عن أرضها ."(2)
بل إنها ذهبت إلى أبعد من ذلك فی الدفاع عن قدسیة لغتنا العربیة الخالدة شعار العرب والإسلام حینما تناولت هذا المیراث اللغوی البیانی فی كتابها " التفسیر البیانی للقرآن الكریم " لتمضی منافحة عن دلالات وأصول لغتنا العربیة بما تحتویه من ذخائر بیانیة ، وفكریة أدبیة خالدة .
ومما جاء على لسان الأستاذة إیمان الوزیر :
" برعت بنت الشاطئ فی إبراز دور اللغة العربیة والغوص فی أسبارها وتقفی بحورها عن طریق كتابها الشهیر "التفسیر البیانی للقرآن الكریم" الذی تناولت فیه تفسیر السور القصار من القرآن الكریم وذلك من وجهة نظر خاصة ، حیث فسرت ألفاظ القرآن الكریم من الناحیة اللغویة فعملت على تلمس الدلالات اللغویة الأصلیة فی مختلف استعمالاتها الحسیة والمجازیة ، زاوجت من خلالها بین العقل والنقل فی نقلها البیانی ، فثبتت ما نقله الأقدمون من تفسیر مع ما یتفق والمنطق العقلی فی قبول هذا التفسیر، فاستطاعت بهذه الخطوة التجدید فی التناول والهدف والتفنید لآراء القدماء والمحدثین ، موجدة بذلك منهجاً جدیداً ساهم فی البناء الفكری للحضارة الإسلامیة ومدافعاً عن اللغة العربیة فی عصر اعتبرت فیه هذه اللغة قاصرة عن إیجاد مصطلحات وافیة فی مختلف جوانب التقنیة العلمیة التی وصلت إلیها البشریة فی عصرنا الحدیث. "(3)
عائشة عبد الرحمن "بنت الشاطئ " فی سطور :
" مفكرة وكاتبة مصریة، وأستاذة جامعیة وباحثة، معروفة بدفاعها عن الإسلام وعن حریة المرأة، اشتهرت بلقب ببنت الشاطئ.
وُلدت عائشة عبدالرحمن فی مدینة دمیاط بشمال دلتا مصر فی 6 نوفمبر 1913، وهی ابنة لعالم أزهری، وحفیدة لأجداد منعلماء الأزهر ورواده، وتفتحت مداركها على جلسات الفقه والأدب، وتعلمت وفقاً للتقالید الصارمة لتعلیم النساء وقتئذ فی المنزل وفى مدارس القرآن (الكٌتَّاب)، ومن المنزل حصلت على شهادة الكفاءة للمعلمات عام 1929 بترتیب الأولى على القطر المصری كله، ثم الشهادة الثانویة عام 1931، والتحقت بجامعة القاهرة لتتخرج فی كلیة الآداب قسم اللغة العربیة 1939، ثم تنال الماجستیر بمرتبة الشرف الأولى عام 1941.
فی عام 1950 حصلت على شهادة الدكتوراه فی النصوص بتقدیر ممتاز، وناقشها فیها عمید الأدب العربی د. طه حسین.
تدرجت فی المناصب الأكادیمیة حتى أصبحت أستاذاً للتفسیر والدراسات العلیا فی كلیة الشریعة بجامعة القرویین فی المغرب، حیث استمرت هناك لمدة 20 عاماً، وأستاذ كرسی اللغة العربیة وآدابها فی جامعة عین شمس بمصر، وأستاذاً زائراً لجامعات أم درمان 1967 والخرطوم، والجزائر1968، وبیروت 1972، وجامعة الإمارات 1981 وكلیة التربیة للبنات فی الریاض 1975ـ1983.
وكانت عضواً بكل من المجلس الأعلى للشؤون الإسلامیة بمصر، والمجالس القومیة المتخصصة، والمجلس الأعلى للثقافة.
بدأت د. عائشة عبد الرحمن النشر منذ كان سنها 18 سنة فی مجلة النهضةالنسائیة، ثم بعدها بعامین فی جریدة الأهرام، ونظراً لشدة محافظة أسرتها آنذاك والتی لم تعتد انخراط النساء فی الثقافة اختارت التوقیع باسم "بنت الشاطئ".
وعقب ذلك بعامین بدأت الكتابة فی جریدة الأهرام فكانت ثانی امرأة تكتب بها بعد الأدیبة می زیادة، وظلت تكتب بجریدةالأهرام حتى وفاتها، فكان لها مقال أسبوعی طویل، فكانت آخر مقالة نُشرت لها بتاریخ26 نوفمبر 1998 وكانت بعنوان "علی بن أبی طالب كرم الله وجهه".
أهم الأعمال:
كتب ودراسات:
"التفسیر البیانی للقرآن الكریم"، "الإعجاز البیانی للقرآن"، "بنات النبی"، "نساء النبی"، "أمالنبی"، "السیدة زینب"، "عقلیة بنی هاشم"، "السیدة سكینة بنت الحسین"،"الإسرائیلیات فی الغزو الفكری"، "نص رسالة الغفران للمعری"، "الخنساء الشاعرة العربیة الأولى"، "مقدمة فی المنهج ، وقیم جدیدة للأدب العربی"،"المرأة المسلمة"،"رابعة العدویة"، "القرآن وقضیة الحریة الشخصیة الإسلامیة"، "الحدیث النبوی: تدوینه ومناهج دراسته".
أعمال أدبیة:
"على الجسر"، "الریف المصری"، "سر الشاطئ"، "سیرة ذاتیة".
حصلت بنت الشاطئ على الكثیر من الجوائز منها جائزة الدولة التقدیریة للأدب فی مصر فی عام 1978، جائزة الحكومة المصریة فی الدراسات الاجتماعیة والریف المصری عام 1956، ووسام الكفاءة الفكریة من المملكة المغربیة، وجائزة الأدب من الكویت عام 1988، وفازت أیضا بجائزة الملك فیصل للأدب العربی مناصفة مع د. ودادالقاضی عام 1994.
منحتها العدید من المؤسسات الإسلامیة عضویة لم تمنحها لغیرها من النساء مثل مجمع البحوث الإسلامیة بالقاهرة، والمجالس القومیة المتخصصة، وأیضاً أَطلق اسمها على الكثیر من المدارس وقاعات المحاضرات فی العدید من الدول العربیة.
وقد توفیت د. عائشة عبدالرحمن فی 1 دیسمبر 1998، إثر إصابتها بأزمة قلبیة أدت إلى حدوث جلطة فی القلب والمخ وهبوط حاد بالدورة الدمویة" .(4)

المصادر :


(1) الإسلام الجزء الرابع لـ سعید حوى
ص 44-45
(2) لغتنا والحیاة لـ الدكتورة عائشة عبد الرحمن
" بنت الشاطئ "ص 163
(3)
http://www.syrianstory.com/b.alchty.htm
(4)

http://www.egybox.org/vb/showthread.php?p=219180
بقلم :
أمینة أحمد خشفة" بنت الشهباء "


[ شنبه 4 اردیبهشت 1389 ] [ 21:37 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


با کلیک بر روی 1+ بانـــک مقــــالات عربـــی را در گوگل محبوب کنید