بانک مقالات عربی

مقالات رشته زبان وادبیات عربی - دکترای عربی - ارشد عربی - ترجمه عربی - تدریس خصوصی عربی - عربی آموزش و پرورش

الیسار وصلب المسیح فی الأدب العربی المعاصر

یعتبر الیساریون صلب المسیح أمرا مسلما به
یعتبر الیساریون صلب المسیح أمرا مسلما به
من بین كل قصص الأنبیاء لم أنس نهایة المسیح عیسى ابن مریم، وما زالت القصة ماثلة فی وعیی بین كل الحكایات التی حكاها لی أبی؛ لأنها لم تنته بالموت مثل كل الأنبیاء بل انتهت بأن رفعه الله إلیه.

لم یكن أبی یعرف من تفاصیل القصة إلا مشهد القبض على المسیح عندما ألقى الله شبهه على تلمیذه -یهوذا- الذی وشى به والذی نال جزاءه بالقتل، أما المسیح فقد رفعه الله إلیه. وحسب العقیدة الإسلامیة ستكتمل قصة المسیح بعودته إلى الأرض كعلامة على نهایة الحیاة.

سنوات وأصابتنی حرفة الأدب قراءة ودراسة فلاحظت -فی الشعر تحدیدا- أن معظم الشعراء والمثقفین ذوی الاتجاهات الیساریة یغلبون -بوعی أو بدون وعی- العقیدة التی تعتمد ما ورد ببعض الأناجیل من أن المسیح صلب؛ خلافا للعقیدة الإسلامیة المشهورة.

الیسار والأدب وصلب المسیح

قرأت ما قاله الشاعر المصری الشهیر صلاح عبد الصبور سنة 1954 فی قصیدة "عید المیلاد" فی دیوانه "الناس فی بلادی":

یا عید یا نبعی الكئیب یا ذكر إنسان غریب

حمل الذنوب عن القطیع فمات من وقر الذنوب

یا لاهثا فوق الصلیب یكاد یسألك الصلیب

لما مت من دون الصلیب

وهی رؤیة تطابق العقیدة المسیحیة التی یقع فیها الصلب والفداء موقع القلب.. أما زمیله الشاعر نجیب سرور فهو یصور مشهد العشاء الأخیر بین المسیح وتلامیذه بشكل تسجیلی فی قصیدة "العشاء الأخیر" من دیوانه "لزوم ما یلزم":

أغدا أكون مع الصلیب أنا العریس

نفدیك بالدم یا معلم… بالنفوس

لا تقسموا فلسوف یسلمنی الذی من بینكم یشاركنی الغموس

أأنا أخونك؟!

أنت قلت!!

وأنا؟!

ستنكرنی ثلاثا قبلما الدیك یصیح

إنا لنقسم یا مسیح…

لا تقسموا فغدا أكون على الصلیب

ولم یتوقف الأمر على الشعراء المصریین فللشاعر العراقی الكبیر بدر شاكر السیاب قصیدة أسماها "المسیح بعد الصلب" یقول فیها:

… بعدما أنزلونی، سمعت الریح فی نواح طویل تسف النخیل، الخطى وهی تنأى، إذن فالجراح والصلیب الذی سمرونی علیه طوال الأصیل لم تمتنی…

ألقیت الصخر على صدری أوما صلبونی أمس؟

إنی فی قبری.

وكذا الحال مع الشاعر الفلسطینی محمود درویش فیشیع فی شعره التأثر بالكتاب المقدس بشكل عام فله قصیدة "أغنیة حب على الصلیب" یقول فیها:

أحبك كونی صلیب

وطعم الدم على جبهتی قمر لا یغیب

وله قصیدة أخرى اسمها "أغنیة ساذجة عن الصلیب الأحمر" وفیها یقول:

یا أبی! هل تنبت الأزهار فی ظل الصلیب

هل یغنی عندلیب

فلماذا نسفوا بیتی الصغیر؟

‏***‏

جعلونی أحمل الأثقال عن ظهر أبی

ویقول فی قصیدته "المزمور الحادی والخمسون بعد المائة":

یسقط البعد فی لیل بابل

وصلیبی یقاتل

أمل دنقل

حتى الشاعر الثوری المصری أمل دنقل الذی عرف بالنزعة العروبیة واهتمامه بالتراث العربی ورموزه وشخصیاته وقع فی الشرك نفسه فنراه یقول فی قصیدة "كریسماس":

اثنان لم یحتفلا بعید میلاد المسیح

أنا… والمسیح

ونظرا لمكانة هؤلاء الشعراء وموقعهم فی الثقافة العربیة الحدیثة فقد تأثر بهم فی منطقهم هذا تیار عریض من الشعراء الأحدث منهم، وكانت المفارقة أنهم قلدوهم دونما أی إبداع حقیقی فجاء ذكر كثیر منهم للصلب والغفران والغداء مجرد تشبیهات أقرب للتشبیهات المدرسیة التی یرددها تلامیذ المدارس خاصة، وأنها كانت ترد من دون ضرورة فنیة تجبر الشاعر على اللجوء إلى رمز من خارج ثقافته خصوصا إذا كان یضاد عقیدته ویصادمها. وبدا الحال كأن معظم الشعراء والروائیین العرب لم یجدوا فی الرؤیة الإسلامیة لصلب المسیح وسیلة ما للإلهام الفنی باستثناءات قلیلة منها الروائی سعید جودة السحار الذی وجد فی شخصیة یهوذا التلمیذ الذی خان نبیه ومعلمه، ثم استسلم للعذاب والصلب تكفیرا عن خیانته ما یمكن أن یكون وسیلة للإلهام الفنی فی روایته "المسیح عیسى ابن مریم" التی ربما كانت الروایة الوحیدة تقریبا التی اعتمدت الرؤیة الإسلامیة.

أغنیة وحیدة عن المسیح

وكانت هناك مفارقة أخرى هی أن الأمر لم یقف عند هؤلاء الشعراء بل امتد إلى الشعر العامی والشعبی الذی تتداوله العامة ویغنونه، فنسمع الشیخ إمام عیسى من كلمات الشاعر المصری الفاجومی أحمد فؤاد نجم أغنیة "دعاء الكروان" التی یعقد فیها مقارنة بین الشعب والمسیح المصلوب:

ملیون یهوذا وخان أمانك وانهلك

وفضلت باقی ع السواقی ومنجلك

یفرش حصیر القمح فوق دم المسیح

وإن لم تلق الأغنیة انتشارا واسعا بین الجماهیر على شهرتها فی أوساط الیسار المصری.

وكتب شاعر العامیة ومؤلف الأغانی المعروف عبد الرحمن الأبنودی أغنیة "المسیح" التی غناها عبد الحلیم حافظ أول مرة فی قاعة ألبرت هول بلندن بحضور ثمانیة آلاف متفرج ونشرت الصحف وقتها أن البولیس الإنجلیزی ضبط بینهم 4 یهود فی حوزتهم مسدسات لاغتیال عبد الحلیم!!

الأغنیة قدمت كنوع من الدعایة السیاسیة عقب هزیمة 1967 فالمسیح هو الشعب الفلسطینی الذی ینزف دمه مثلما نزف المسیح دمه وهو یحمل صلیبه یقول الأبنودی:

تاج الشوك فوق جبینه

وفوق كتفه الصلیب

دلوقت ابنك یا قدس زی المسیح غریب

خانوه نفس الیهود

ابنك یا قدس زی المسیح لازم یعود على أرضها

انطلقت هذه الأغنیة فی مناخ قومی شدید الكره للیهود الذین یحملهم المسئولیة عن دم المسیح، وهو مناخ غلب السیاسی على العقائدی حین خالف ما تقوله العقیدة الإسلامیة فی صلب المسیح.. ورغم ذلك لم تذع الأغنیة إلا مرات معدودة منذ أن غناها عبد الحلیم منذ ثلاثة عقود وبحذر شدید وربما كانت المرة الوحیدة التی استخدمت فیها الرؤیة المسیحیة المخالفة للعقیدة الإسلامیة فی عمل فنی على نطاق جماهیری واسع.

ویمكننا القول إن الشعر أو الكلمة المكتوبة كانت الأكثر تأثرا بالعقیدة المسیحیة فی مسألة الصلب ربما لأنها لغة خاصة إلى حد كبیر ولا تصل إلى الناس إلا فی أضیق الحدود بعكس السینما والمسرح وغیرها من الوسائل الجماهیریة، وإلى وقت قریب وقبل فیلم آلام المسیح لم یكن عرض الأفلام التی تناولت مسألة الصلب والأنبیاء عموما یتجاوز العروض الكنسیة وفی أوساط معتنقی المسیحیة فقط لحساسیة عرض هذه الأفلام بین جماهیر مسلمة وأحیانا لسبب تجاری یرجع لأسلوبها الرتیب الذی لا یعطی الشخصیات بعدا إنسانیا.

البدایة والأسباب

سألت عن بدایة ظاهرة استخدام الصلب عند الشعراء كحقیقة، فأفادنی الناقد والشاعر المصری شریف رزق أنها بدأت مع شعراء الرابطة القلمیة، أوائل القرن الماضی -العشرین- وكلهم مسیحیون مثل میخائیل نعیمة وجبران خلیل جبران الذی تمجد أعماله كلها فكرة صلب المسیح، ثم استمر الأمر مع شعراء مجلة فكر فی الستینیات من الحداثیین العرب وعلى رأسهم یوسف الخال وأدونیس وخلیل حادی وتوفیق صایغ، وهؤلاء كتبوا عن مسیح عصری مصلوب أیضا.

أما الأسباب فیرجعونها إلى انبهار الشعراء بالكتاب المقدس وتأثرهم بالتجربة اللغویة له وتأثرهم بالتصوف المسیحی الذی اهتم بفكرة الصلب، هذا بالنسبة إلى المجموعة الأولى. أما الأجیال الجدیدة من الشعراء فقد ظهرت إبداعاتهم فی سیاق الاهتمام بالقضایا الكبرى مثل القومیة والاشتراكیة وإحساس الشعراء بالوحشة والوحدة والقهر العنیف والذی یتماس مع تجربة المسیح فی نضالها الفردی إضافة إلى الرغبة فی جلد الذات عقب هزیمة 1967.

لم یعد الیسار وحده

كنت أعتقد أن الیسار كان السبب فی شیوع استلهام عقیدة الصلب فی العمل الفنی، غیر أن استقبال الإعلامیین والمثقفین العرب لفیلم آلام المسیح كشف عن أن الأمر لم یعد یقتصر على الیسار فقط بل صار هناك مناخ یسمح بذلك. فكثیر من الكتاب -بمن فیهم بعض الإسلامیین- ناصر الفیلم؛ لأنه یهاجم الیهود الذین تسببوا فی قتل المسیح، محاولین دق إسفین بین المسیحیین والیهود، ملمحین إلى وثیقة الفاتیكان ولتبرئه الیهود من دم المسیح!!

وعشرات المقالات التی تعلق على أحداث فیلم آلام المسیح فی الصحف العربیة لم تلتفت إلى اختلاف العقیدة الإسلامیة عن المسیحیة التی یعتمد علیها الفیلم لا لشیء إلا للثأر من الیهود، فكتب رفیق الصبان فی جریدة القاهرة عدد 209 الصادر فی 13 إبریل 2004 یذكر أسبابا ثلاثة أذهلته فی الفیلم منها أن عذاب المسیح وقدرته على تحمل الألم مشابه لعذاب الشعب الفلسطینی. وكتب إیهاب البدوی فی جریدة المیدان المصریة فی 18 مارس 2004 الذی یرى فی شارون قیافا (من حرض تلمیذ المسیح على قتله) جدیدا.

أما الناقد السینمائی سمیر فرید فیسخر من هؤلاء جمیعا فی مقال بعنوان ساخر: "جیبسون الدین بطل العروبة ومحرر فلسطین!" بعد أن رأى الكثیرین یمجدون میل جیبسون مخرج الفیلم باعتباره مدافعا عن القضیة الفلسطینیة، وبیّن مخالفة الفیلم للرؤیة الإسلامیة واتفاق وثیقة الفاتیكان التی تبرئ الیهود من دم المسیح مع الإسلام.

من معارك الماضی

فی الستینیات وعقب نشر جریدة الأهرام مقالا لمستشارها الثقافی لویس عوض حول تأثر أبی العلاء المعری بالثقافة الیونانیة التی تحمل مفاهیم الصلب والفداء بدأ العلامة المحقق الشیخ محمود شاكر معركة شرسة حول الدور الذی لعبه المستشرقون فی الثقافة الإسلامیة والذی أدخلوا خلاله عددا من المفاهیم المغلوطة حول رموز ثقافتنا، موضحا أخطاء لویس عوض الواضحة وعدم دقته العلمیة، كتب ذلك فی 26 مقالا نشرتها مجلة الرسالة وضمها كتابه الشهیر "أباطیل وأسمار". والذی یعنینا بشكل محدد هو دفاع الناقد المعروف محمد مندور عن لویس عوض فی مجلة روزالیوسف رافضا اتهام شاكر للشعر الحدیث بالخروج على الإسلام لمجرد استخدام ألفاظ تتردد فی الدین المسیحی مثل الخطیئة والصلب والفداء والخلاص، معتبرا أن هذا من قبیل التراث الروحی للمسلمین ولكل البشر.

ولم یخرج رد شاكر -الذی رفضت روزالیوسف نشره- عن أن استخدام هذه الألفاظ فی الشعر یصبح بلا معنى للمسلم الذی لا یعتقد فی المفاهیم التی تحملها هذه الألفاظ رافضا فكرة أن الیهودیة والمسیحیة من التراث الروحی للمسلمین، خصوصا أن للمسلم وجهة نظر فی هذه الدیانة خلافا لأصحابها.

أتذكر ذلك لأقول إنه ربما كان هذا السبب فی أننی -وربما كثیرون مثلی- لم أستطع التفاعل أو التجاوب مع قصة وأحداث فیلم "آلام المسیح" مثلما لم أستسغ هذا شعرا یقوم على مفاهیم الصلب والفداء والخلاص حتى وإن تحققت فیها درجة فائقة من الإبداع الفنی!




[ دوشنبه 6 اردیبهشت 1389 ] [ 09:04 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


با کلیک بر روی 1+ بانـــک مقــــالات عربـــی را در گوگل محبوب کنید