تبلیغات
بانک مقالات عربی - أهمیة المكان فی النص الروائی

أهمیة المكان فی النص الروائی

1395/07/11
00:24
دکتر كشاورز

تمهید:

یعیش الإنسان فی عالم یتصف ببعدین أساسیین هما: الزمان والمكان, ففیهما یحیا الإنسان وینمو الجنس البشری ویتطور.

والمكان تاریخیا  أقدم من الإنسان, والإنسان بوجوده وكینونته فی المكان یعید تشكیله وتحویله إلى أشكال مختلفة حسب احتیاجاته الحیاتیة, ووفق ثقافته.

ورغم أن المكان والزمان عنصران متلازمان لا یفترقان, فإن المكان ثابت على عكس الزمان المتحرك, وهو فی ثبوته واحتوائه للأشیاء الحسیة المستقرة فیه یدرك بالحواس إدراكا  مباشرا . ذلك أن »المكان صورة أولیة ترجع إلى قوة الحساسیة الظاهرة التی تشمل حواسنا الخمس« (1) , على عكس الزمان الذی یدركه الإنسان إدراكا  غیر مباشر من خلال فعله فیه.

ووجود الإنسان فی المكان أدى إلى تعضید العلاقة بینهما, تلك العلاقة التی أخذت فی التنامی »حتى أصبح المكان واحدا  من القضایا التی یخترقها الإنسان بالبحث بغیة  التعمق فی هذا المحسوس وتمام إدراكه« (2) . مما ترتب علیه وجود دراسات كثیرة عنیت بدراسة المكان فی مختلف المجالات, بل وجد علم خاص بدراسة المكان وهو علم الطوبولوجیا (Topology) الذی قام بدراسة »أخص خصائص المكان من حیث هو مكان, أی العلاقات المكانیة المختلفة كعلاقة الجزء بالكل, وعلاقات الإندماج والانفصال والاتصال, التی تعطینا الشكل الثابت للمكان, الذی لا یتغیر بتغیر المسافات والمساحات والأحجام«. (3)

وتنوع الدراسات عن المكان أدى إلى تقسیم المكان حسب التخصصات; إذ تم تقسیم المكان بموجب السلطة التی تخضع لها الأماكن (4) , كما أ عطی المكان بعدا  فلسفیا  فأصبح المكان »هـو ما یحل فیه الشیء أو ما یحوی ذلك الشیء ویحده ویفصله عن باقی الأشیاء« (5). كذلك تم تقسیم المكان إلى »المكان التصوری, والمكان الإدراكی الحسی, والمكان الفیزیائی, والمكان المطلق«. (6)

الدراسات الروائیة والمكان:

وفی مجال الدراسات الروائیة اهتم دارسو الروایة بدراسة عنصر المكان, مما نتج عنه مجموعة من المصطلحات الخاصة بدراسة هذا العصر, مثل المكان الروائی, والفضاء, والفضاء الجغرافی, والفضاء الدلالی, والفضاء النصی, والفضاء بوصفه منظورا . (7)

وقد آثر المشتغلون بدراسة عنصر المكان فی الروایة استخدام مصطلح الفضاء الروائی عن مصطلح المكان الروائی; حیث وجدوا فی الأول شمولیة أوسع, لكونه یشمل المكان. فالمكان الروائی, مكان بعینه تجری فیه أحداث الروایة, بینما یشیر الفضاء الروائی إلى المسرح الروائی بأكمله, ویكون المكان داخله جزءا  منه. (8)

وقد حظی كل من الفضاء والمكان فی الروایة باهتمام كثیر من الدارسین; لأن المكان فی النص الروائی یتجاوز كونه مجرد شیء صامت أو خلفیة تقع علیها أحداث الروایة, فهو عنصر غالب فی الروایة حامل لدلالة, ویمثل محورا  أساسیا  من المحاور التی تدور حولها عناصر الروایة, لذا یرى البعض »أن العمل الأدبی حین یفتقد المكانیة, فهو یفقد خصوصیته وبالتالی أصالته«. (9)

وللمكان تأثیره خارج النص الروائی, إذ یلعب ؛دور المفجر لطاقات المبدع »(10) و؛یعبر عن مقاصد المؤلف«.(11).

طرائق الروائی فی خلق المكان:

إن المكان الروائی بناء لغوی, یشیده خیال الروائی, والطابع اللفظی فیه یجعله یتضمن كل المشاعر والتصورات التی تستطیع اللغة التعبیر عنها; ذلك أن »المكان فی الروایة لیس هو المكان الطبیعی أو الموضوعی وإنما هو مكان یخلقه المؤلف فی النص الروائی عن طریق الكلمات ویجعل منه شیئا  خیالیا«. (12) فالمكان فی النص الروائی مكان متخیل وبناء لغوی »تقیمه الكلمات انصیاعا  لأغراض التخییل وحاجته, (فالمكان إذن) نتاج مجموعة من الأسالیب اللغویة المختلفة والمختلقة فی النص» (13) . من ثم یرى بعض الدارسین أن »عبقریة الأدب, حقا , حیزه«. (14)

وللروائی سبل شتى فی تشیید الفضاء أو المكان الروائی, منها: الوصف, استخدام الصورة الفنیة, توظیف الرموز, ولكل منها دوره الفعال فی النص الروائی.

فالروائی حین یلجأ إلى الوصف, یبذل قصارى جهده للبرهنة على قدرته أن یجعلنا نرى الأشیاء أكثر وضوحا . ذلك أن الوصف هو: »ذكر الشیء كما فیه من الأحوال والهیئات» (15) , أی ذكر الأشیاء فی مظهرها الحسی الموجودة علیه فی العالم الخارجی. فالوصف یقدم الأشیاء للعین فی صور أمینة تحرص على نقل المنظور الخارجی أدق النقل.(16)

ولما كان الوصف »یلائم الأشیاء التی توجد بدون حركة« (17) , فإنه یختص بتمثیل الأشیاء فی سكونها.

والروائی حین یلجأ إلى وصف المكان أو الفضاء الروائی, فإنه یرمی من وراء ذلك إلى بث المصداقیة فیما یروی, بجعل المكان فی الروایة مماثلا  فی مظهره الخارجی للحقیقة, نابعا  من مرجعیته الواقعیة. ذلك أن الروائی حین یصف المكان الطبیعی, یستثمر عناصره الفیزیائیة لتجسیده, بحیث یجعلنا »نقف على الصور الطوبوغرافیة للمكان, والتی تخبرنا عن مظهره الخارجی« (18); إذ إنه ؛یرسم صورة بصریة تجعل إدراك المكان بواسطة اللغة ممكنا«(19) , جاعلا  من الوصف أداة لتصویر المكان وبیان جزئیاته وأبعاده. وهو بتوظیفه عناصر المكان المحسوسة لتشكیل مكانه المتخیل, إنما »یدخل العالم الخارجی بتفاصیله الصغیرة فی عالم الروایة التخییلی وی شعر القارئ أنه یعیش فی عالم الواقع لا عالم الخیال, ویخلق انطباعا  بالحقیقة أو تأثیرا  مباشرا  بالواقع«.(20)

والروائی حین یعمد إلى إسقاط مجموعة من الصفات الطوبوغرافیة على الفضاء أو المكان الروائی, والتی هی عبارة عن »المعانی الوصفیة التی تدخل فی تركیب صورة المكان والقیم الرمزیة المنبثقة عنها« (21) , إنما یفعل ذلك بغیة البرهنة على العلاقة بین المكان والشخصیة فی النص الروائی. كما أن اختلاف هذه الصفات وتنوعها من مكان إلى آخر فی الفضاء الروائی, یمكن أن یعكس لنا الفروق الاجتماعیة والنفسیة والأیدیولوجیة لدى شخوص الروایة. هذا فضلا  عن أن الدلالات النابعة من هذه الفروق یمكن أن تكون تعبیرا  عن رؤیة شخوص الروایة للعالم وموقفهم منه, كما قد تكشف عن الوضع النفسی للشخوص وحیاتهم اللاشعوریة, بحیث یصیر للمكان بعد  نفسی یسبر أغوار النفس البشریة, عاكسا  ما »یثیره المكان من انفعال سلبی أو إیجابی فی نفـس الحال فیه«. (22)

ویلزم التنویه إلى أن وصف الروائی للمكان قد یقتصر على بؤرة بعینها أو یكون شاملا  بحیث یعرض مشهدا  أو مشاهد مكانیة كاملة. والروائی, بفعلـه ذلك, یهـدف إلى »تهدئة الحركة السردیة الصاخبة, والتخفیف من حدة الأحداث القهریة, من خلال بث صـور بصریـة تتسم بالرومانسیة… ما أن تقع علیها العین حتى تستشعر الهدوء والسكینة«.(23)

وتجدر الإشارة إلى أن الصفات الطوبوغرافیة التی یسقطها الروائی على المكان, محددة  إیاه من حیث الشكل والنوع, تؤكد لنا مدى استثمار الروائی لتلك الصفات لتجلیة دلالات معینة تغذی نصه الروائی, وتمثل منعطفات مشعة فی عالم النص. من هذه الدلالات – على سبیل المثال لا الحصر – تحدید حركة المكان, وهی حركة تنطوی على أهمیة نظرا  لأنها تكشف عن »مفهوم الحریة, حریة الإنسان فی استخدام المكان ومحاولته أن یجعـل المكـان – على الرغـم مـن محـدودیته – حقلا  واسعا  یتحرك فیه كیفما شاء«. (24)

وغنی عن القول إن وصف المكان لا یقتصر على إسقاط الصفات علیه أو على بعض متعلقاته بشكل مباشر – والتی بواسطتها یرصد الروائی خلفیات المكان – إذ قد یستخدم الروائی وصفا  غیر مباشر من خلال توظیف الصورة الفنیة التی هی »نتاج لفاعلیة الخیال. وفاعلیة الخیال لا تعنی نقل العالم أو نسخه, وإنما تعنی إعادة التشكیل, واكتشاف العلاقات الكامنة بین الظواهر, والجمع بین العناصر المتضادة أو المتباعدة فی وحدة« (25) , وهذه الصورة الفنیة لا تتوافر إلا حین یكتسب المكان »صفة سمیوطیقیة من خلال إعطائه قیمة دلالیة تمیز بین الظواهر المكانیة التی لا یختلف بعضها عن بعض فی الواقع» (26) . ذلك أن الشیء فی وجوده الخارجی قد یكون له وظیفة وهی الإشارة إلى حقیقة واقعة فی العالم ولكن وجوده داخل النص یجب أن یحمل دلالة خاصة ویتعدى مجرد كونه إشارة. (27)

إن الصورة الفنیة تتعدى – بوصفنا متلقین – حدود الرؤیة للمكان بعناصره الفیزیائیة, إلى المشاركة الوجدانیة, وهو ما یؤكد لنا أن »الصورة الفنیة لا تثیر فی ذهن المتلقی صورا  بصریة فحسب, بل تثیر صورا  لها صلة بكل الإحساسات الممكنة التی یتكون منها نسیج الإدراك الإنسانی ذاته« (28) . وهنا تكمن عبقریة اللغة الروائیة حیث تتمكن من »إعطاء أبعاد حسیة لما لا وجود له إلا بالوعی وفیه, وفی إضفاء صفة الواقعیة على ما هو تصوری محض«. (29)

من ثم یتسنى لنا القول بأن التصویر اللغوی إیحاء لا نهائی یتجاوز الصور المرئیة لكونه صورة فنیة »تمتاز بأنها ثمرة انتقاء وتهذیب للمادة المحسوسة, المستمدة من الطبیعة أو من الحیاة الإنسانیـة, وغایة هذا الانتقاء هو إثارة التأثیر أو الانفعـال الجمالی«. (30)

إن وظیفة الكلمات فی المحیط الخارجی لا تعدو أن تكون مجرد إشارات لأشیاء بعینها, بید أن وجودها داخل سیاق النص الروائی یعطیها بعدا  دلالیا  أعمق, إذ تخرج هذه الكلمات من مجرد كونها إشارات وإلى كونها رموزا  ذات كثافة دلالیة, وهی بذلك تنتقل من معناها الدلالی المباشر إلى مستوى أعلى فی الدلالة.

وجدیر بالذكر أن الكلمات تصیر رموزا  فی سیاق النص الروائی حینما تكون موحیة وتوعز بمعان كثیرة. تلك المعانی التی یمكننا التوصل إلیها من طبیعة الكلمة ذاتها, ومن تكرارها داخل النص الروائی, ومن كیفیة توظیفها فی إطار الصورة الفنیة, فضلا  عن علاقتها ببقیة عناصر الروایة من شخصیات وحدث وزمان … إلخ.

ولتوضیح ما سبق بصدد الرمز, رأینا من الأفضل أن نسوق بعض الكلمات كأمثلة. فكلمات مثل القمر, الأفعى, الأرض, الماء, النار – حال توظیفها داخل النص الروائی واستنادا  إلى ما ذكرناه آنفا , ومن خلال ربطها بدلالات فی أصولها المرجعیة الأسطوریة والدینیة والشعبیة والتاریخیة – تكتسب دلالات مزدوجة مثل البدایة والنهایة, الحیاة والموت, وهی دلالات مغایرة للدلالات المباشرة لهذه الكلمات.

وكلمة الصحراء – مثلا  – تشیر فی دلالتها المباشرة إلى مكان بعینه, إلا أنها فی سیاق النص الروائی قد تحمل دلالة رمزیة هی الحریة. ذلك أن الصحراء »لا تخضع لسلطة أحد (و) لا یملكها أحد, وتكون الدولة وحاكمها بعیدة بحیث لا تستطیع أن تمارس قهرها. ولذلك تصبح أسطورة نائیة«.(31)

وإذا ما تصورنا كلمة الصحراء بما تشیر إلیه من مكان بعینه خال  من العوائق والحواجز, وجدنا أنها تؤكد التحرر باعتباره »المعنى الأعلى لكل وجود إنسانی« (32) , كما أنها تتمشى مع أبسط صور الحریة التی هی »مجموع من الأفعال التی یستطیع الإنسان أن یقوم بها دون أن یصطدم بحواجز أو عقبات, أی بقوة ناتجة من الوسط الخارجی, لا یقدر على قهرها أو تجاوزها«. (33)

إلا أنه ینبغی التنبیه إلى أن الدلالة المستوحاة من المكان, لا تنبثق – بالضرورة – من المكان برمته, إذ یمكن أن تنبثق من أحد عناصره أو أحد متعلقاته. والفیصل فی ذلك هو السیاق المكانی فی النص الروائی وتفاعل عناصر الروایة داخل هذا السیاق. فتحلیق الطیر فی السماء – مثلا  – یمكن تفسیره على أنه رمز للحریة والأنا الأعلى بما تنطوی علیه من مثالیة وأهداف نبیلة (43) . كما أن السماء فی حد ذاتها یمكن أن تكون رمزا  للاعتلاء والصعود الروحی والقوة والخلود. ذلك أن السماء تعد فی كثیر من المعتقدات الشعبیة مقرا  للآلهة. (35)

واستنادا  إلى ما تقدم یمكن أن ترمز الشمس إلى الحیاة والقوة والخیر وكل ما هو طیب. (36) كما أنها قد ترمز إلى التسامی والعقل والإیمان. (37)

وإذا كنا قد سقنا بعض الأمثلة لما یمكن أن ینبثق من دلالات من المكان أو بعض متعلقاته, فإنه یجدر بنا التأكید على أن تحدید شكل المكان أو بعض متعلقاته من زوایاه المختلفة له دلالته.



حبیب کشاورز
عضو هیأت علمی گروه زبان و ادبیات عربی دانشگاه سمنان
در صورت داشتن سؤال می توانید سوالات خود را از طریق ایمیل زیر ارسال کنید.
ایمیل: habibkeshavarz@gmail.com
تمامی حقوق این وب سایت متعلق به بانک مقالات عربی است. || طراح قالب avazak.ir