تبلیغات
بانک مقالات عربی - ملامــح أسلوبیــة فـی شعــر البردونــی

ملامــح أسلوبیــة فـی شعــر البردونــی

1395/07/15
21:14
دکتر كشاورز
     د. إبراهیم جوخان

د. علی احمد مومنی

 

مقدمة

انفتحت القصیدة العربیة الحدیثة «العمودیة» على تنویع مدهش وتعددیة هائلة فی تكوین شعریاتها، وأصبح لزاماً على الشَّاعر الحدیث أن ینجو بفنه الشعری من احتمال السقوط فی التقلید أو التكرار، فراح یشتغل بذكاء وثقافة عالیة على البناء واللغة والصورة والتضاد والإیقاع والقصة والأسطورة.... حفراً وتركیزاً من أجل إظهار شعریته القادرة على حمل صورته والتعبیر عن واقعه الملیء بالمتناقضات الذی یعكس أزمة الإنسان العربی وواقعه المضطرب الذی أوشك أن یؤول به إلى فقدان شخصیته العربیة الأصیلة.
 لقد وقف عبد الله البردونی كل شعره على قصیدة الشطرین دون غیرها لما فیه من نزعة خطابیة تستنهض الجمهور بنحو سهل، فضلاً عن القافیة الموحدة إمعاناً فی التأثیر على جمهور یسمع بالأذن دون أن یقرأ بالعین، كما أن لها صلة أعمق بضمیر الشعب، ذلك الذی قفّی رموزه وحكایاته وأمثاله الشعبیة.

وشعر الشطرین فی جمیع الأحوال یجمع بین المضمون وكثیر من عناصر الشعریة أو الإبداعیة، كاللغة والبناء اللفظی المتین والتصویر المنبعث من إیحائیة شفافة بعیدة عن الغموض والإیغال، ویمثل شعر البردونی ظاهرة تستحق الدراسة، فهو أحد الأصوات البارزة فی حركة الشعر الیمنى المعاصر، وصاحب رحلة طویلة مع الشعر، یقف صامداً فی قلب الحركة الشعریة المعاصرة فی الوطن العربی محافظاً على الشكل الكلاسیكی متحرراً من قیوده – فی الآن – محاولاً خلق روافد جدیدة، فقد فتح البردونی «لقصیدة الشطرین» طاقات المعاصرة والحداثة، مما میز شعره بشعریة تمثلت بملامح أسلوبیة متعددة فاق غیره من الشعراء، وجعلته یتمتع بشاعریة عالیة ضاهت أقرانه من الشعراء الأكفاء أمثال أبی العلاء وبشار وغیرهم من الشعراء، ومن أهم تلك الملامح الأسلوبیة الشعریة:

§        الصــورة الشعریــة:

تعد الصورة الشعریة من أهم عناصر البناء الشعری، وهی المركز البؤری فیه وهی تركیبة لغویة من أبرز ما یمیز اللغة الشعریة، وهی روح الشعر وجوهره وعماده، وتشكل مع الإیقاع ركنی اللغة الشعریة الأساسین، وتبرز أهمیة الصورة بأنها هی التی تحقق خاصیة الشعریة فی النص وهی جزء حیوی فی عملیة الخلق والإبداع الفنی. ووسیلة الشاعر وأداته فی نقل أفكاره وتجسید عواطفه ومشاعره إلى متلقیه، وهی «آلة ومرآة لمشاهدة ذات الصورة، وهی الشبح والمثال والشبیه بالمتخیل فی المرآة، ومنها ما یتمیز به الشیء مطلقا سواء كان فی الخارج ویسمى صورة خارجیة، أو فی الذهن ویسمى صورة ذهنیة وتوضیحیة..»([1]).

فالصورة فی الأدب هی: الصوغ اللسانی الذی بوساطته یجری تمثیل المعانی تمثلا جدیدا ومبتكرا، بما یحیلها إلى صورة مرئیة معبّرة، وذلك الصوغ المتمیّز والمتفرّد، هو فی حقیقة الأمر عدول عن صیغ إحالیة من القول إلى صیغ إیحائیة تأخذ مدیاتها التعبیریة فی تضاعیف الخطاب الأدبی. وما تثیره الصورة فی حقل الأدب یتصل بكیفیات التعبیر لا بماهیاته، وهی تهدف إلى تحویل غیر المرئی من المعانی إلى المحسوس، وتعویم الغائب إلى ضرب من الحضور، ولكن بما یثیر «الاختلاف» ویستدعی «التأویل» بقرینة أو دلیل. الأمر الذی یغذی المعنى الأدبی بفرادته المخصوصة لدى المتلقی، إذ تنحرف الألفاظ فی التشكیل الصوری عن دلالتها المعجمیة إلى دلالات خطابیة حافة وجدیدة، ومن ثم تمنح النص هویته التی یتجدد، دائما، مع كل قراءة ([2]).

وهی على هذا الأساس الأداة التی تتربع مع سائر الأدوات الشعریة والعمود الأساس فی النص الشعری، فبحضورها أو غیابها یحكم على هذا الكلام الذی نسمیه شعراً فهی قلب كل عمل فنی ومحور كل نقاش نقدی، والشعر من خلال الصورة عالم تذوب فیه ظواهر الأشیاء.. لتنقلب أوضاعا فكریة وروحیة لا یمكن تحدیدها أو تقیید حركتها... وبهذا لا یبقى الشعر زخرفا جمیلا، وإنما یتحول إلى تلوین داخلی عمیق یستثار بالكلمة والصورة والإیقاع([3]). فهی وسیلة فی محاولته إخراج ما بقلبه وعقله وإیصاله إلى غیره، وذلك لأن ما بداخله من مشاعر وأفكار یتحول بالصورة إلى أشكال وصفت بأنها أشكال روحیة، بالصورة تتحقق خاصیة الشعر، فهی كما قیل عنها جوهر العالم([4]).

والصورة الشعریة باعتبارها تركیبة لغویة فی الدرجة الأولى، تصبح من أبرز الأمور التی تمیز اللغة الشعریة، بمعنى «أن خصوصیة اللغة الشعریة تتحقق من خلال خلق جدید لعلاقات جدیدة بین المفردات فی إطار التراكیب، كما تتحقق من خلال عنصر التصویر الذی یثری الدلالات سواء بالنسبة للشاعر أو بالنسبة للمتلقی([5]).

ویعرّف س. دای لویس الصورة بأنها: «رسم قوامه الكلمات»([6])، ومثل هذا التعریف یمثل الدلالة الحرفیة لمصطلح الصورة التی تهتم بالنمط البصری المرئی وارتباط الصورة التی تستقی من الحواس الأخرى بهذا النمط، وهو من أشد مفاهیم الصورة سذاجة عند لویس([7]).

فالصورة الشعریة تعكس شخصیة الشاعر ومزاجه النفسی وتركیبه الفسیولوجی، ولون أفكاره، وهی كما تقول كارولین سبیرجن: «أما إذا كان شاعرا فأرى أن یقدم إلینا ذاته عن طریق الصورة الفنیة فی شعره بصبغة أساسیة وإلى حد ما بطریقة لا شعوریة... والصورة الفنیة التی یستخدمها الشاعر بطریقة غریزیة وإلى حد بعید لا شعوریة فی لحظة من لحظات الإحساس العمیق المركز، تكشف لنا عن تركیب ذهنه وتیارات أفكاره([8]).

فالصورة تعكس ما یتشكل فی العقل الباطن أو اللاشعور للمبدع للتعبیر عن أحواله، فهی أشبه ما تكون بالرسم التشكیلی لدى الفنان، لكن الصورة عند الشاعر تكون الرسم باللغة معتمدا على الخیال والواقع بنوعیه الحسی والذهنی، وما یتعلق بهما من مؤثرات تتجانس فی الصورة وتمتزج امتزاجا جدلیا بحیث یصعب ردها إلى مصدر ما من هذه المصادر«ولذا ینبغی أن ننظر إلیها طبقا لتجانسها وتناغمها فی الصورة الشعریة وتأثیراتها غیر المباشرة فیها، والأساس الآخر أن هذه التأثیرات تتجلى فی طرائق صیاغة الصورة وبراعة الشاعر فی انتقاء موضوعاته وإضفاء قیمة متفردة علیه وتقدیمه على تحد خاص یتحد فیه الشكل بالمضمون ویتآلفان، والأساس الآخر هو أن دراسة مصادر الصورة الشعریة لا تنأى عن أن تكون محاولة لرصد آفاق المخیلة طبقا لعلاقة الذات بالموضوع فی الصورة الشعریة، وما تنطوی علیه من مشكلات تعكس طبیعة مواقف الشعراء من حدّی هذه العلاقة التی توجه جانب انتقائهم لموضوعات الصورة وطبیعة نسجها وتشكیلها والتعبیر عنها. فالصورة هی المرآة العاكسة لهذه العلاقة ونمطها وكیفیة امتزاج عناصرها على نحو یكشف خصوصیة ذهن الشاعر والمؤثرات فیه([9]).

والصورة عند البردونی تعبّر فی بعض جوانبها عن فرادة إبداعیة تمیز بها الشاعر، وهی عنده تعتمد على وسائل عدة منهاً ذلك التبادل بین الحواس وتغلُّب حاسة فی مكانها على حاسة أخرى كتغلب حاسة السمع فی الإمتاع على حاسة النظر، أو حاسة الشم فی التحدید على حاسة اللمس([10]).

فالحركة ركن مهم من أركان تكوین الصورة الفنیة، إضافة إلى التعامل مع اللون، لأنها بأبعادها التی تعتمد على المخیلة والإحساس، وتغییر تركیب الأشیاء المحیطة بتفكیكها وإعادة تركیبها، كما یحس الشاعر بما یجب أن تكون علیه، لا كما هی علیه، فتسهم فی إیجاد صورة مدهشة للنفس.

فالصورةَ الفنیة «تمثیل وقیاس لما نعلمه بعقولنا على الذی نراه بأبصارنا؛ لأن أفكار الشعراء وعواطفهم لا بد أن تكون ضمن إطار حی من العالم الخارجی، وأن یعبر عنها بألفاظ حسیة، إذ إن المحسوسات هی مادة الشعر شریطة أن تكون المحاكاة فی الأمور المحسوسة تساعد الممكنة من الوجوه المختارة بالأمور المحسوسة، وبها یحسن بأن تحاكی الأمور غیر المحسوسة حیث یتأتى ذلك ویكون بین المعنیین انتساب([11])

یقول فی قصیدة «بین المدیة والذابح»([12]).

وحشة الخارج تعوی حوله
غربة الداخل ترمیه... إلى
راحل منه إلیه... دربة
بعضه یسأله عن بعضه
باحث عن قتله یعدو على
یأكل الموت بقایا عمره
فمه أصغر من صبحته
    

 
   

ثم تنفیه إلى داخله
مائج یبحث عن ساحله
شارد أضیع من راحله
رده أحیر من سائله
مدیة الذبح إلى قاتله
ویغنى فی یدی آكله
عبثه أكبر من حامله

فالصورة جاءت معبرة عن انفعالاته ومشاعره الوجدانیة المتأزمة مما أثار دواخل متلقیه لمشاركته قلقه ووحشته، وتمثل هذه الصورة الفنیة دعوة لمتلقیه للمسیر على دروبه الشائكة.

والبردونی فی تحریكه للصورة خارجیاً وداخلیاً باعتباره أعمى، كان یعتمد الشكل النفسی فی إطارها ولونها وحركتها، ملغیاً حاسة البصر شاهراً بقیة الحواس التی تخدم تولیف الصورة بأبعادها كلها من حركة ولون وحوار.

والبردونی مصور ماهر لا تعجز ریشته عن تصویر ملامح الواقع وتجسید الدلالة وتعمیق الإحساس بها، وتتشكل الصورة عند البردونی من خلال المعنى، ولیس من خلال الشكل الخارجی، فالبردونی عاش محروماً، والحرمان طبع شعره بطابع غریب جعله یجمع فی صوره بین النقیضین، بین مشاعر الحزن والفرح، وبین الصورة المبهجة والصورة المحزنة فی البیت الواحد، فیحس القارئ باضطراب الصورة الكلیة وتداخل ألوانها، والسبب فی ذلك طابعه الحزین الذی یأبی مفارقته حتى فی ساعات صفوه القلیلة ومن ذلك قوله «من أرض بلقیس» ([13]).

یكاد من طول ما غنىّ خمائلها
یكاد من كثر ما ضمته أغصنها
كأنه من تشكی جرحها مُقَلٌ

 
   

 
   

یفوح من كلّ حرف جوها العطر
یرف من وجنتیها الورد والزهر
یُلحُّ منها البكا الدامی وینحدر

 

فالبردونی یرسم هذه الصورة للأم الحنون والحبیبة الحسناء، الفاتنة الراقصة، إنها أرض بلقیس، هذا الفردوس، الأرض، هذه الحبیبة الغارقة فی العطر والنور، یغنی لها ویبكیها، فلا یستطیع الفصل بین غنائه وبكائه.

وفی قصیدة «طائر الربیع» یضطرب الشاعر أمام نفسه، وأمام الأشیاء فلا یدری هل هذا الطائر یبكی أم یغرد، بل إنه یتخیل الحزن كامناً وراء مظاهر فرحته فیناجیه بقوله([14]).

یا شاعر الأزهار والأغصان
ماذا تغنیّ، من تناجی فی الغنا
هذا نشیدك یستفیض صبابةً
فی صوتك الرقراق فنٌّ مترفٌ
كم ترسل الألحان بیضاً إنما
هل أنت تبكی أم تغرّد فی الرّبا

 
   

 
   

هل أنت ملتهب أو هانی
ولمن تبوح بكامن الوجدان؟
حرّى كأشواق المحب العانی
لكن وراء الصوت فنّ ثانی
خلف اللحون البیض دمع قانی
أم فی بكاك معازفٌ وأغانی

 

وفقده بصره جعله یؤثر الصور المسموعة أو الصوتیة على الصورة المنظورة والمرئیة، فهو یرسم صورته من خلال الهاجس الداخلی فی نفس الموصوف، فما یثیره من المحبوبة لیس حواراً فی العیون، أو روعة فی الترائب بل هو الكلام الموقع یفوه به ثغرها([15])، وتبدو مثل هذه الصورة فی قوله فی قصیدة «نار وقلب»([16]).

كلُّ حرف من لفظك الحلو فردو
كلما قُلتِ رفَّ من فمك الفجرُ
أنت فجرٌ معطرٌ وربیع
أنت فی كلِّ نابض من عروقی

 
   

 
   

س ندیُّ وسلسبیل مسلسل
وغنَّی الرّبیع بالعطر وأخضل
وأنا البلبلُ الكئیب المبلبل
وترٌ عاشقٌ ولحن مُرَّتلُ

 

وهو لا یرجو من الحبیبة نظرة، بل سیمنحها تحیة لأنه یسمع التحیة، فیطرب لها، أما النظرة فی الهواء إلى غیر رجعة، یقول([17]):

فانفحینی تحیة وتلقّى

 
   

 
   

نغماً من جوانح الحب مُرسل

 

فالصورة الفنیة فی شعر البردونی تأخذ من حیث توجهها وتعریفاتها النقدیة عدة مناحٍ كأنها ارتبطت عن وعی مقصود، أو عفویة غیر مقصودة بتطور مصطلح الصورة الفنیة فی تاریخ الأدب العربی، إذ إن للصورة الفنیة مفهومین: أحدهما قدیم یقف عند حدود الصورة البلاغیة فی التشبیه والمجاز، وأخر حدیث یضم إلى الصورة البلاغیة نوعین آخرین هما: الصورة الذهنیة، والصورة باعتبارها رمزاً، حیث یمثل كل نوع من هذه الأنواع اتجاهاً قائماً بذاته فی دراسة الأدب الحدیث([18])، فنجد فی صور البردونی الشعریة بلاغة أعمدتها التشبیه والمجاز، وفیها تبرز صورته المحافظة وبدایاته الشعریة، وكذلك نجد فی صوره خصوصیة ذهنیة انماز بها، وبخاصة عندما یبعثر أشلاء القائم ویعید تركیبه باحتفالیة حركیة ولونیة، كما تكثر فی شعره الصورة الرمزیة، وغالباً ما یكون الرمز لدیه مستنداً إلى الموروث الشعبی والأسطورة العربیة والقصص الشعبی، والرمز التاریخی المبنی على الواقع.

§        الانحــراف الأسلوبــی:

الانحراف الأسلوبی من الملامح البارزة فی شعر عبد الله البردونی، وهی ظاهرة معقدة تشترك فیها عوامل كثیرة وقدرات هائلة، أهمها الانتقاء والاختیار، وخلق العلاقات الجدیدة بین عناصر العمل المبدع، وقد تمثل الانحراف الأسلوبی من خلال مجموعة من الملامح الأسلوبیة كالتصویر والتوازی والمفارقة والمقابلة والتكرار والتصریع وغیرها.

والأسلوبیة اتجاه جدید فی النقد الأدبی قام على أنقاض البحوث البلاغیة القدیمة، وهی تقوم على دارسة أسلوب المبدع؛ تستجلیه وتنظر فیما یمیزه عن غیره، وترده إلى مكوناته وبناه الأصلیة، كاشفة عن البنى السطحیة والبنى العمیقة فیه، وما تحدثه من شعریة فی نفس المتلقی.

والأسلوب نظام أو طرائق التعبیر، و یعرّف بأنه انحراف عن قاعدة ما، أو انزیاح عن معیار هو قانون اللغة ولكنه لیس انزیاحاً موضوعیاً بل هو محكوم بقانون یجعله مختلفاً عن غیر المعقول، ویذهب إلى أن الانزیاح هو الشرط الضروری لكل شعر، بل لا یوجد شعر یخلو من الانزیاح([19]).

وقد أشار النقد القدیم والحدیث إلى هذه الملمح لكن بمسمیات مختلفة، فقد عد مصطفى ناصف الاستعارة والتعبیر المجازی انحرافاً للغة عن طبیعتها الأصلیة، تمنحها مجالات أوسع للتعبیر عن الانفعالات والمشاعر والمواقف التی یعیشها المبدع([20])، ورأى شكری عیاد أن اللغویین العرب أشاروا إلى هذا الملمح باسم الاتساع والتوسع، وربطها بعضهم كالقاضی الجرجانی بالاستعارة([21])

وملامح الانحراف الأسلوبی فی شعر البردونی كثیرة، ویصعب حصرها لكنها أكثر ما تكون فی دیوانه «وجوه دخانیة فی مرایا اللیل» لما فیه من معان هامشیة تفتقر إلى الكل النسبی المشترك من الفهم بین الناس، وتتصف بعدم الثبات، ولا تدخل ضمن الوحدة المعجمیة، لأنها دلالة فردیة مختلفة من شخص لآخر تبعاً للمستوى الثقافی والتجربة والمزاج والعاطفة والعوامل الوراثیة. «إنها محاولة تطمح إلى تسویغ رؤیة البردونی من خلال منظور لغوی یقوم على الانحراف عن المعانی المألوفة، ولكنه لیس انحرافاً فوضویاً، وإنما هو انحراف منظم، یؤكد عبقریة اللغة بما تحدثه من وقع لذیذ على الوجدان([22]).

وأوضح ما تكون ملامح الانحراف الأسلوبی فی «العنوانات»، وهی عتبات النص، إذ تتلقانا هذه الشعریة بدءا من عنوان الدیوان «وجوه دخانیة فی مرایا اللیل» الذی یصف فیه الوجوه بوصف غیر مألوف فی اللغة، فقد تكون الوجوه حزینة شاحبة، أو فرحة مسرورة، أما أن تكون دخانیة فهذا انحراف عن الأصل المتعارف علیه، والانحراف یحتاج إلى دلیل فی غیر الشعر؛ أی على مستوى العقل والمنطق، أما على مستوى الإبداع، فإن سبل التصرف والإبداع فی الاستعمال یسمح بذلك ویطلبه.

فلو استبدلنا بكلمة «دخانیة» وصفاً آخر كـ «حزینة» لأصبح السیاق مألوفاً عادیاً، لفقدت الجملة شعریتها. فإذا انتقلنا إلى الجزء الثانی من العنوان وهو: «فی مرایا اللیل»، لاحظنا أنه یجعل للیل مرایا، فكیف یسوغ ذلك؟ لعله أراد أن یوحى بحالة نفسیة تستشعر الحزن والتمزق والانسحاب والضیاع وعبثیة الأشیاء. فالوجوه الدخانیة لیس لها تحدید دقیق، وإن خصها بالوصف، فكیف إذا انعكست فی مرایا اللیل؟ هل تستشعر هذه الدهشة؟ لو قال: «وجوه حزینة فی مرایا الزجاج» لا یمكن ذلك ؛ لأن التعبیر یصبح مألوفاً ضمن معارفنا العادیة، وینسحب الانحراف على القصیدة كلها، فمن ذلك قوله([23]):

الدجى یهمی... وهذا الحزن یهمی
یتعبُ اللیل نزیفاً.... وعلى
یرتدی أشلاءه یمشی على
یرتمی فوق شظایا جلده

 
   

 
   

مطراً من سهده، یظمی ویُظمی
رغمه یدمی، وینجرُّ ویدمی
مقلتیه جانباً، یهذی ویومی
یطبخ القیح بشدقیه ویرمی

 

فقد أسند التعب والمشی والهذیان، والارتداد، والإیماء، والارتخاء إلى اللیل، ومثل هذه الأفعال لا تسند إلا إلى عاقل، فإسنادها لغیر العاقل شكّل بنیة أكسبت الأبیات جمالاً وشاعریة لما فیها من انزیاح عن المألوف، وهنا یبدو أثر الإقحام كما سماه كمال أبو دیب، وهو وضع مكونات وجودیة غیر متجانسة فی بنیة لغویة متجانسة فی خلق الشعریة، وتظهر أهمیة الإقحام فی مصدر من مصادر الشعریة، فلو أسندنا هذه الأفعال إلى ما یعقل، سیختفی عند ذلك حس الفجوة مسافة التوتر القائمة بین عناصر غیر متجانسة([24]).

ویضاف إلى ذلك قوله([25]):

داخلی یسقط فی خارجه
«نُقُم) یرنو بعیداً سیدی
طحنت وجهی لآتی جبل

 
   

 
   

غربتی اكبر من صوتی وحجمی
هل ترى فی ضائع الأرقام رقمی؟
خیل كسرى عجنته خیل نظمی

 

فالأبیات توحی لنا بحالة نفسیة غریبة تجسد الحرمان المادی والمعنوی، فحین یجعل الشاعر جبل «نقم» یرنو لكونه شاهداً على التأریخ والأجیال، وحین یعقد علاقات بین أشیاء غیر متآلفة، فإن للانحراف معنى شعریاً واضحاً.

كما وتبرز ملامح الانحراف الأسلوبی بشكل جلی واضح بقوله([26]):

سیدی هذی الروابی المنتنة
«نقم» یهجس یعلی رأسه
«یسلح» یومی یرى میسرة
لذرى «بعدان» ألفا مقلة

 
   

 
   

لم تعد كالأمس كسلى مذعنة
«صبر» یهذی بحد الألسنة
«یرتئی» «عیبان» یرنو میمنه
رفعت أنفاً كأعلى مئذنة

 

فإذا ما عرفنا أن «نقم» و«صیر» و«یسلح» و«عیبان» لیست إلا جبالاً وروابی وحقولاً، وظفها البردونی فی تفجیر طاقات تعبیریة هائلة وشحنها بشحنات ثوریة مضیئة، «فنقم» یهجس ویغلی، و«صیر» یهذی و«یسلح» یومی، و«عیبان» یرنو میمنة، و«یعدان» له ألفا عین، ویرفع أنفه كأعلى مئذنة، وهنا یبدو أثر الإقحام، إذ وضع مكونات وجودیة غیر متجانسة فی بنیة لغویة متجانسة فی خلق الشعریة، وتظهر أهمیة الإقحام كمصدر من مصادر الشعریة، ولو أسندنا الغلیان والهذیان إلى البشر، عند ذلك سیختفی حس الفجوة ومسافة التوتر القائمة بین عناصر غیر متجانسة([27]).

إن هذه الأفعال المسندة إلى الجبال تشكل علاقات جامعة بین التفكیر والتعبیر عن الفكرة، فلیست هذه الجبال والروابی إلا المعادل الموضوعی لكل یمنى حر، أبی یتململ، ویغلی فی داخله الف بركان، وفی مثل هذا التعبیر تبرز المفارقة بشتى أنواعها، سیاسیة، واجتماعیة، وجمالیة، من خلال بنیة لغویة عمیقة.

وملمح العنوانات فی شعر البردونی لافت للنظر، حیث یعد مدخلاً لفهم القصیدة، وعتبة من عتبات ولوج النص وفهمه وقراءته، ومن ذلك إدراك قصائد «لعبة الألوان»، و«وجه الوجوه المقلوبة»، «ترجمة رملیة لأعرس الغبار» ([28])، وغیرها.

فللعنوان أو العنوانات بوصفه العتبة التی تفضی إلى بهو النص، أهمیة كبیرة، ومهما یكن الأمر فإن اختیار الشاعر لعنواناته لم یكن اختیاراً عشوائیاً، بدلیل أن العنوان ومرادفاته ومشتقاته قد تردد غیر مرّة فی النص، ومثل هذا التكرار یلقی الضوء من حیث یشعر القارئ والمبدع أو لا یشعر بالمغزى الذی لأجله كان العنوان.

§        المفــارقــة:

هی تكنیك فنی یستخدمه الشاعر لإبراز التناقض بین طرفین متقابلین بینهما نوع من التناقض، إذ تقوم بدور مهم فی تجلیة معنى كل منهما فی أكمل صورة، منطلقاً من الحكمة المشهورة، «والضد یظهر حسنة الضد».

وهی طریق من طرق الأداء تنهض على الخداع، وتعتمد على وجود الازدواج والتنافر فی حیزها. وهی صیغة بلاغیة وشكل من أشكال البلاغة، وتعنی قول المرء نقیض ما یعنیه، أو أن یقول شیئاً ویقصد غیره، وهی التی عبّر عنها أرسطو «الاستخدام المراوغ للغة ونمط كلامی أو طریقة من طرق الأداء والتعبیر، یكون المعنى المقصود فیها مناقضاً أو مخالفاً للمعنى الظاهر، وهی انحراف لغوی یؤدی بالبنیة إلى أن تكون مراوغة وغیر مستقرة ومتعددة الدلالات»([29]) فهی لعبة لغویة ماهرة وذكیة بین طرفین: صانع المفارقة وقارئها على نحو یقدم فیه صانع المفارقة النص بطریقة تثیر القارئ وتدعوه إلى رفض معناه الحرفی، وذلك لصالح المعنى الخفی الذی غالباً ما یكون المعنى الضد، وهو أثناء ذلك یجعل اللغة یرتطم بعضها ببعض، بحیث لا یهدأ للقارئ بال إلا بعد أن یصل إلى المعنى الذی یرتضیه لیستقر عنده([30]) فهی نوع من التضاد بین المعنى المباشر للمنطوق والمعنى غیر المباشر، أو بین المعنى ومعنى المعنى على وفق تعبیر عبد القاهر الجرجانی([31])، وهی على حد تعبیر سیزا قاسم «لعبة عقلیة من أرقى أنواع النشاط العقلی... وطریقة لخداع الرقابة.. وهی إستراتیجیة الإحباط واللامبالاة وخیبة الأمل، ولكنها فی الوقت نفسه تنطوی على جانب إیجابی فقد ینظر إلیها على أنها سلاح هجومی فعال، وهذا السلاح هو الضحك، لكنه الضحك الذی یتولد عن الكومیدیا، بل الضحك الذی یتولد عن التوتر الحاد والضغط الذی لا بد أن ینفجر»([32])، فی حین یرى سی. میومیك «أن المفارقة وسیلة تطلق نوعاً من اللذة التی من شأنها أن تساعد على التخلص من المكبوتات شأنها فی ذلك شأن النكتة» ([33])

وقد ظهر هذا المصطلح قدیما فی نقدنا العربی والبلاغة العربیة القدیمة تحت مسمیات مختلفة تقوم فی مجملها على التضاد، وعالجته تحت مسمى «الطباق فی صورته البسیطة»، «والمقابلة فی صورته المركبة»، ولكن المفارقة التصویریة تكنیك مختلفة تماماً عن الطباق والمقابلة سواء من ناحیة بنائه الفنی أو من ناحیة وظیفته الإیحائیة، وذلك لأن المفارقة تقوم على إبراز التناقض بین طرفیها وهذا التناقض قد یمتد لیشمل القصیدة برمتها. ومجمل القول: إن المفارقة لغة اتصال بین المبدع والقارئ، فهی الكلام الذی یقول شیئاً ویعنی غیره، وهی رفض للمعنى الحرفی للكلام لصالح المعنى الآخر أو المعنى الضد الذی یعبر عنه المبدع، ومن ذلك قول الشاعر([34])

لكی یستهل الصبح من آخر السُرى
لكی لا یفیق المیتون لیظفروا
لكی ینبت الأشجار: یمتد تربة
لكی یستهل المستحیل كتابه
لان به كالنهر أشواق باذل
یروّی سواه وهو أظمى من اللظى
لكی لا یعود القبر میلاد میت
لان دم الخضراء فیه معلب
لان خطاه تنبت الورد فی الصفا
هنا أو هنا ینمو لان جذوره

 
   

 
   

یحن إلى الأسنى ویعمى لكی یرى
بموت جدید یبدع الصحو أغبرا
لكی یصبح الأشجار والخصب الثرى
یمد له عینیه حبرا ودفترا
یعانی عناء النهر یجری كما جرى
ویهوی لكی ترقى السفوح إلى الذرى
لكی لا یوالی قیصر عهد قیصرا
یذوب ندى یمشی حقولاً إلى القرى
وفی الرمل أضحى یعشق الحسن أحمرا
بكل جذور الأرض وردیة العرى

 

واضح من خلال الأبیات السابقة كیف تتجاور المتناقضات أو تتناقض المتجاورات فی بنیة عمیقة یكسوها وشاح من الأسى، حتى إنه لیجمع بین الصورة المبهجة والصورة المحزنة فی البیت الواحد أو البیتین المتجاورین، فالمفارقة هنا تكتسب شعریتها من خلال طبیعتها البنیویة لا من خلال كلمة وكلمة، أو جملة وجملة، إنه كامن فی مستوى التعبیر وفی بنیة النص، فكل لفظة هنا تشع باتجاهات متنوعة متعاكسة، وتكمن شعریة هذه القصائد، بالإضافة إلى تحقیقها اللحظتین الأولى والثانیة للانحراف الأسلوبی، فی أنها لیست موجودة طبیعیا فی الفكر أو العالم الخارجی، وإنما هی سمة الفرد المبدع، إذ تتجذر فی رؤیة فردیة للعالم وللذات وللكائنات، رؤیة تحویلیة تتناول موجودات العالم وتفتق منها عوالم جدیدة لیست كائنة فیها، بل هی ولیدة الفاعلیة الشعریة، فهذه التراكیب تحمل نظامها الجمالی المتكامل، الذی یشكل معجم البردونی وفلسفته الجمالیة الشعریة على أكمل وجه، فی مجازیة الكلمة الشعریة، وقوتها، من خلال ارتباطها بغیرها، فیتجاوز المعنى المركزی إلى معان هامشیة أكثر خصبا وشعریة، ویمكن أن نرى مستویات المفارقة التی تكسب توترا داخلیاً من خلال المقارنة والتفضیل:

یحن إلى الأسنى
وهو أظمى من اللظى
الخفض إلى الأعلى
الرفع إلى الأسفل
التوق إلى الأقسى
یعمى – لكی یرى
یهوی – لكی ترقى السفوح
یوالی – ویرفض
یروی سواه– وهو أظمى من اللظى

 

والمفارقة فی القصیدة تعمل على إثرائها، من خلال إبراز التناقض بین وضعین متقابلین هما طرفا المفارقة، كما تسهم المفارقة اللفظیة فی تقویة النص ومنحه مزیداً من الترابط والعمق، فهی تعمل على دفع المتلقی للبحث عن المعنى الحقیقی القابع فی أعماق النص، یضاف إلى ذلك قوله([35]):

ننجر... لا نمضی... ولا ننثنی
نعفو بلا نوم ونصحو بلا

 
   

 
   

لا نحن أیقاظ... ولا نوُّمُ
صحو... فلا نرنو ولا نحلم

 

فالحركة هنا تتشكل فی فراغ، ولكنها تنقلنا إلى ما یمكن أن نسمیه بالحالة الثالثة، فنحن نمشی لكننا لا نمضی، ونحن لسنا أیقاظاً ولا نّوماً، نحن نمر بحالة جدیدة حالة درامیة، التقطها الشاعر وأهداها إلینا، فلا سیر ولا توقف، لكننا لا نصل إلى ما نرید حتى الأشیاء فقدت طعمها لدینا، فنحن نغفو بلا نوم ونصحو بلا صحو، إن الحركة التی تنشأ فی داخلنا هنا تحفز فینا البحث والتساؤل عن هذه الحالة الثالثة التی وصلنا إلیها، فلا تقدم ولا تأخر لكنه شیء من هذا وشیء من ذاك، إنه إحساس بالملل والیأس یجسده لنا الشاعر، بل هو الحالة الفنیة التی یعیشها الفنان، وینقلها إلینا عسى أن یحدث فینا التأثیر نفسه إذ یلعب بها الشاعر على مستویین: المستوى القومی حیث إننا لا نعطی للأشیاء معانیها المحددة، وكل الأمور مختلطة علینا، وعلى المستوى الشخصی كتجربة فنیة تنقل إلینا هذا الدفق الحی للحیاة القائمة أساساً على التناقض.

ومن أمثلة المفارقة، وهو اللامعقول، وهو انزیاح مفرط تعدى درجة تستعصی على التأویل، ومن ذلك قوله([36]):

یا حزانى... یا جمیع الطیبین
قررّوا اللیلة... أن یتجّروا
فافتحوا أبوابكم واختزنوا
وَقَّعُوا مشروع تقنین الهوى
قررّوا بیع الأمانی والرؤى
فتحوا بنكین للنوم بنوا

 
   

 
   

هذه الأخبار... من دار الیقین
بالعشایا الصفر... بالصبح الحزین
من شعاع الشمس ما یكفی سنین
بالبطاقات لكل العاشقین
فی القنانی رفعوا سعر الجنین
مصنعاً یطبخ جوع الكادحین

 

ففی الأبیات السابقة تأخذ المفارقة بعداً آخر هو «اللامعقول» فی هذه القصیدة یعقلن، لان الأخبار آتیة من دار الیقین «على المفارقة» والأخبار هی([37]):

قرروا اللیلة أن یتجروا

 
   

 
   

بالعشایا الصفر بالصبح الحزین

 

ووقعوا مشروع تقنین الهوى، وقرروا بیع الأمانی والرؤى، ورفعوا سعر الحنین، وفتحوا مصرفین للنوم، وبنوا مصنعاً یطبخ جوع الكادحین، وبدؤوا تجفیف شطآن الأسى.

إن المعقول فی هذه الحالة أن یفتح مصرفان للدم، وأن تفتتح المصانع وأن تجفف المستنقعات الآسنة، بید أن الشاعر لو فعل ذلك لسقط فی النثریة ولما استحق أن یسمى شاعراً، فالمفارقة هنا تكتسب بعداً مأساویاً من خلال التناقض بین الإنسان بآماله ومخاوفه وأعماله وبین ما یقدم له، وبعدا آخر تحریضیاً فالشاعر «یسخر یستهزئ، یعیّر، یغمز، یتهكم، یحتقر»، وفی كل ذلك یخلق لغة شعریة دون أن یسقط فی شرك اللامعقول(37).

§        التكـــرار:

التكرار ملمح أسلوبی أصیلة فی الأدب، وله صلة وثیقة بدواعی القول ومثیراته النفسیة والفنیة، لأنه اتكاء على اللفظ، والألفاظ المحركة لأوتار النفوس، وهو من الأسالیب البلاغیة التی استخدمها الشعراء قدیماً وحدیثاً، فهو أسلوب لغوی وفنی إیحائی للتعبیر عما تجیش به النفوس من ظواهر ومشاهد، وذلك بترداد الشاعر عبارات بعینها من أجل توظیفها فی جمالیة البث لإشاعة هذه الجمالیة ذاتها فی نفس المتلقی، والتكرار مكون جمالی فی النسیج الأدبی بعامة والشعری منه بخاصة، على أن هذا التكرار الفنی لا یتخذ له سیرة معینة یقفوها الأدیب لیزین بها كلامه بل هی حالة عفویة یفرضها السیاق، تنبع انطلاقاً من إلهام اللحظة الإبداعیة، تكراراً بعینه فیردد ألفاظاً، أو جملاً بأعیانها، لا على سبیل العی والضحالة، ولا على أساس العجز، ولكن على سبیل توظیف اللغة فی تجلیاتها المتكررة وتصبح فی نفسها جمالاً فنیاً فی حد ذاته، عبر النسیج الأسلوبی. وإذا كان النحاة العرب قد فسروا معنى التكرار اللفظی على أنه یأتی توكیداً لحدوث الشیء ووقوعه، فإن "التكرار الفنی فی الكتابة الأدبیة لا یأتی لمجرد توكید الشیء وتقریره، ولكن لغایة، بل ربما لغایات فنیة یراد من ورائها، إشاعة الجمال الفنی لدى المستقبل: متلقیاً وقارئاً معاً([38]). فالتكرار بحد ذاته یدخلنا إلى أعماق الشاعر، فنتعرف على دوافعه وبواعثه المختلفة. فالبردونی یستخدم أسلوب التكرار لیحط بأفكاره ولیبرزها فی شكلها الأثیر، حسب ما تقتضی تجربته الفنیة، فهو إلحاح لفظی، یتم عن طرق الخیال للفكرة والمعنى بأكثر من طریقة لغویة أو أسلوبیة، لیهتدی إلى مستوى إیحائی مكیف، یعادل صورة التجربة. ولتكرار الحرف فی الكلمة مزیة سمعیة وأخرى فكریة، الأولى ترجع إلى موسیقاها والثانیة إلى معناها، وتكرار الحرف فی السیاق یمثل بعداً أسلوبیاً فی شعر الشاعر وله دلالات نفسیة، إذ إنه یحدث جمالیة أسلوبیة تتعلق ببناء النص العضوی ووحدته وتماسكه.

ویعد تكرار الحرف من أبسط أنواع التكرار، وهو یأتی بوعی من الشاعر، یسعى فیه إلى الالتزام بقافیة واحدة وبحر وروی واحد، یحدث خلاله إیقاعاً صوتیاً متكررا فی القصیدة، وقد یأتی أحیاناً دونما وعی من الشاعر، وتكرار الحرف ظاهرة أسلوبیة واسعة فی شعر البردونی، فقد التزم فیه فی جمیع قصائده قافیة واحدة إضافة إلى تركیزه على بعض الأحرف فیها حسب الحالة الشعوریة لها، ومن ذلك قوله: ([39]).

یا حزانى... یا جمیع الطیبین
قررّوا اللیلة... أن یتجروا

 
   

 
   

هذه الأخبار... من دار الیقین
بالعشایا الصفر... بالصبح الحزین

 

لعل أول ما یشد انتباه المتلقین لهذه الأبیات تكرار حرف النون والیاء الذی یشی بالحزن والانكسار الذی آلت إلیه حالته الشعوریة نتیجة الأوضاع المأساویة الساخرة الحزینة التی یعیشها الشعب الیمنی.

وتكرار الكلمة سواء «الفعل أو الاسم» أسلوب من أسالیب بناء اللغة الشعریة، حیث یعمل على ترابط وشائج النص وعلائقه، ویعمل على إبراز دواخل الشاعر وإیضاح مرامیها، لان اللفظ المكرر ینبغی أن یكون وثیق الصلة بالمعنى العام، وقد اعتمد البردونی على تكرار الكلمة لأنها وسیلة من وسائل التأثیر وإثارة المشاعر، إضافة إلى المبالغة وإثارة انتباه المتلقی إلى ما یكرر، وهو كثیر فی شعر البردونی یصعب الوقوف علیه، ومن ذلك قوله([40]):

یا شعری الفواح غرد تحتفل
شعری وأنت الفن أنت رحیقه
شعری تبناك الخلود فأنت فی
شعری تناجی الحسن فیه والهوى

 
   

 
   

فیك العطور وتعبق الأنسام
شفتاك كأس واللحون مدام
ربواته الأنغام والنغام
وتناغت الآمال والآلام


حبیب کشاورز
عضو هیأت علمی گروه زبان و ادبیات عربی دانشگاه سمنان
در صورت داشتن سؤال می توانید سوالات خود را از طریق ایمیل زیر ارسال کنید.
ایمیل: habibkeshavarz@gmail.com
تمامی حقوق این وب سایت متعلق به بانک مقالات عربی است. || طراح قالب avazak.ir