تبلیغات
بانک مقالات عربی - تقنیة اللغة الشعریة ومداراتها /بقلم یوسف یوسف

تقنیة اللغة الشعریة ومداراتها /بقلم یوسف یوسف

1395/07/17
10:29
دکتر كشاورز
لغة تفتش عن بنیها
عن أراضیها وراویها
تموت ككل من فیها
وترمى فی المعاجم
محمود درویش
" حصار لمدائح البحر"

تتنوع المقتربات النقدیة التی یمكن للناقد أن یختارها عندما یحاول دراسة تجربة شاعر ما، ولكن تظل تقنیة اللغة الشعریة فی هذه التجربة أو تلك من تجارب الشعراء، واحدة من بین أهم هذه المقتربات فی اعتقادنا، وذلك لأنها تحقق للناقد فرصة طیبة، لتقدیم قراءة نقدیة ناضجة، لا تغیّب جمالیات التجربة لصالح المضمون أو العكس. وهذه التقنیة بدون تحققها بشكل واضح وملموس، فإن ما نقرأه سوف یبقى أقرب إلى العبث باللغة والمفردات، منه إلى الحفر الابداعی، ذی السیاق الشعری الرصین، والبنیة اللغویة الراقیة. ولعله من المفید فی بدایة هذه المقالة، طرح السؤال على النحو التالی: كیف یكون فی مقدور الشاعر الوصول إلى حالة من التعبیر فی مختلف مستویاته، تسمح للناقد القول بأن تجربة هذا الشاعر تمتاز بالشعریة الحقة ومثل ذلك أیضا بالبنیة اللغویة الرصینة ذات الجذب الذی لا یقاوم؟
 یرى كثیر من المهتمین بالشعر وبجمالیاته، بأن التجربة الشعریة من أجل أن تتمیز وتختلف عن سواها من التجارب، علیها أن تكون أولا وقبل أی شیء آخر، تجربة فی اللغة، على اعتبار أن المفردة هی أصغر الوحدات التی تقوم علیها بنیة القصیدة. وهؤلاء الذین یحملون فی رؤوسهم مثل هذا التصور، إنما یقصدون فی الغالب كلا من المعنى والمبنى معا، ولیس أحدهما دون الآخر. صحیح أنه ثمة هناك ما اصطلح على تسمیتها بلغة الاشارة ، والأخرى التی تسمى بلغة الانفعال، إلا أنه علینا من أجل أن

تكون أحكامنا النقدیة دقیقة وحكیمة، الانتباه بدقة إلى كیفیة قیام الشاعر باختیار الكلمات ومن ثم معرفة كیفیة ربطها ببعضها، وذلك لأن بنیة اللغة تؤلف جانبا مهما من جوانب القیمة الجمالیة للقصیدة، على اعتبار أن للكلمات سلوكا یرتبط بالتغییرات التی تصیب الثروة اللفظیة فی ضوء تحلیل المعنى (1).

وینبغی أن لا یفهم مما سبق، بأن اهتمام الناقد بكیفیة قیام الشاعر باختیار كلمات قصیدة ما، لیست الغایة منه الحدیث حول صلاحیة هذه الكلمات للتعبیر الشعری أو عدمها، وإنما الغایة كما یقول عناد غزوان الكشف عن دلالاتها العقلیة بهدف رؤیة قوة الادراك عند الشاعر، ومعرفة مدى ابتعاده عن السطحیة والعبثیة(2). إن الألفاظ فی صورها المجردة، لیس فی مقدورها وحدها نفخ روح الحیاة فی القصیدة، وإنما هی علاقاتها بعضها بالبعض الآخر هی التی یمكنها تحقیق ذلك. أو فلنقل فی تعبیر آخر، إنه النسق الفنی المعنوی الذی یظهر بسبب علاقة المفردات ببعضها، هو ما ینبغی الانتباه إلیه، ذلك أنه الذی من خلاله نتبین تقنیة اللغة الشعریة، ومعرفة مدى رقیها. وهكذا إلى السؤال السابق الذی طرحناه وإلى الجواب علیه، فإن استخدام الكلمات كما هی فی أوضاعها القاموسیة المعجمیة مجردة من أی امتداد معنوی أو دلالی، لا یمكن أن ینتج الشعریة، وإنما ینتجها الخروج بها عن طبیعتها الراسخة إلى طبیعة أخرى جدیدة(3). ولعل القارئ إذا ما توقف أمام نص شعری من هذا الطراز، سرعان ما یرى اكثر من علامة، تبین قدرة الشاعر على استثمار خصائص اللغة بوصفها مادة بنائیة، وهذه واحدة من أبرز ممیزات الشعر الجید كما یرى محمد غنیمی هلال(4). ولما كان من أهم وظائف النقد تركیز الاهتمام على النص الشعری ذاته، والابتعاد عن كل ما لیس له علاقة بجوهره الابداعی، فماذا عن اللغة الشعریة ومدارتها الفكریة فی فی دیوان (سلالتی الریح.. عنوانی المطر) للشاعر موسى حوامدة؟

من بین ما یلفت الانتباه فی هذه اللغة، الانزیاح فی المعانی، وتنوع طبقاته، وذلك لأن حوامده یمنح الكلمات التی یستخدمها سلوكا علیها المشی فی ثیابه، التی هی من نوع الثیاب التنكریة التی یختلف المخفی تحتها عن الظاهر من معنى القصیدة. صحیح أن القصیدة التی یحمل الدیوان اسمها هی واحدة من بین قصائد عدیدة یحتوی الدیوان علیها، إلا أنه یمكننا اعتبارها المثال الأقرب إلى ما نحن فی صدد الحدیث علیه، والذی یتمثل بالانزیاح وتعدد الطبقات. وحوامده الذی نراه هنا یحاول الابتعاد قدر المستطاع عن العفویة، إنما أراد أن یجعل الممكنات المحتملة باستخدام هكذا عنوان، أحد مراكز الثقل الدلالی حتى فی غیرها من القصائد وإن اختلفت طریقة التبعیر، دون أن یغیب عن أذهاننا میله القوی إلى التلمیح، ولیس إلى التصریح والمباشرة. ولعلنا لا نبتعد عن الحقیقة إذا قلنا بأنه یبحث له عن طرس خاص یمیزه عن غیره من الشعراء، ولا یكون فیه صدى لسواه، لیس فی هذه القصیدة وحدها، وإنما فی بقیة القصائد التی تبتعد اللغة الشعریة فیها عن السطحیة والانفعال، كلیهما معا، وتنحو باتجاه إرسال صور وإیحاءات غایتها الارتقاء بالحالة الشعریة، بدرجة لا تقل عن اهتمامه بالمعنى.

هنا وباتجاه فهم القصیدة والكشف عن طاقتها الشعریة وجمال لغتها، یصبح من بین أهم واجبات القارئ الذی یحبذ إقامة الجدل مع قصائد الدیوان، البحث عن السبب الذی جعل الشاعر یقارب بین السلالة والریح، وبین عنوانه كشاعر ـ إنسان وبین المطر، ودلالات هذه المقاربة والغایة منها. وبصرف النظر عن شكل هذا التأویل واتجاهه واختلافه من قارئ إلى آخر، فإنه فی هذه المقاربة الابداعیة بینه كإنسان وبین الریح والمطر معا، إنما أراد واعتبارا من اللحظة الاولى التی تقع فیها أنظار القارئ على المفردات، وضع هذا القارئ أمام صدمة القراءة، وتوجیهه إلى حیث یظنها الطریقة الأفضل لقراءة قصائد الدیوان جمیعها، ونقصد هنا على وجه التحدید، القراءة التی یتوخى صاحبها منها البحث عن أیة علامة من علامات تفسیر القصیدة، قد ترد هنا وهناك بین الأسطر، ولیس الاكتفاء برؤیة الظاهر الذی قد یكون مضللا أحیانا.

وحینما یعتبر الشاعر نفسه من سلالة الریح، فإن هذا یعنی حركته كمثلها، وانتقاله من مكان إلى آخر محملا بما تحمل من الخیر والمطر. وإذ یجعل عنوانه المطر، فإن التبادل الحاصل بین المكان الأرضی الذی یفترض أن یكون عنوانه كإنسان فیه والحالة المتمثلة بما یشیر إلیه المطر الذی یعد سببا للحیاة، إنما تؤكد بمجموعها رغبة حوامده بالخروج من عزلته، إلى رحابة الحیاة، التی یتوحد فیها مع غیره من البشر، بصرف النظرعن لغاتهم وأمكنة وجودهم. ومعنى هذا فإن الشاعر الذی یقف أمام ذاته، ویحاول الكشف عن القیم النبیلة فی الانسان، فإنما باستخدام لغة لها اتجاهان: واحد للاشارة، والآخر للتعبیر عن انفعاله بما حوله. وإذا صحت المقابلة، فإننا أمام صورة فنیة تحتم الالتفات إلیها والتمعن فیها، كمثل ما تحتم ذلك الأسئلة فی الریاضیات والفیزیاء وسواهما من العلوم . بمعنى آخر، فإنه یجب علینا إذا ما رغبنا فی تحلیل هذه القصیدة، تقدیم تحلیل شامل یوجب البحث عن الانسجام بین أجزائها جمیعها، دلالیا وتركیبیا وجمالیا، وذلك لاكتشاف المعنى الحقیقی ومعرفة آلیة تمظهره فی اللغة الشعریة:

لعلی من أسلاف مغول
أو من نسل قاتل رومانی
لعلی من سلالة آشوریة
أو من عائلة كردیة
من بقایا الهنود الحمر
أو من كاهن أندونیسی

ومما یجب علینا ونحن نقرأ القصیدة ونحاول فهمها والكشف عن أبعادها الجمالیة، الانتباه إلى أن حوامده یستخدم ضمیر المتكلم. ولعله فی اختیار هذا الضمیر دون سواه، إنما أراد اختصار المسافة المعنویة التی یمكن أن تفصله عن المتلقی. وعلینا أیضا الانتباه للمجازات فی صیاغاته، وللصور الاستعاریة، ومثل ذلك لعملیة تكریر مفردات بعینها

معی ومضة من سلاح الاله مارس
قبس من نار برومیثیوس
ومعی آیات من القرآن
مزامیر من داود
تراتیل من بولص
مقاطع من بوذا
كلمات من عبد البهاء

ومن المهم القول بأن عنوان القصیدة، ومثله عنوانات لقصائد أخرى، جمیعها تشیر إلى أن الشاعر لم یرغب فی تقدیم اعترافات مجردة عما حوله من الواقع، وإنما هی مما یدل كذلك على أن حوامده فی صراع متواصل مع الوسط الاجتماعی والسیاسی والانسانی، وكل هذا تعبیر عن حرارة التجربة وصدقها :

منذ أن تكلم الجبل
أصغت الودیان لغناء النهر
منذ أن تلعثم آدم
هبطت بنا الأرض إلى قبوها
من یرفع الظلم عنی
من یعلق الصمت لأشنق عبد الذل
من یرفع الحبل قلیلا
لأدرب عینی على اختراق السموات

عندما كتب الشاعر الكردی أحمدی خانی رائعته الشعریة الشهیرة (مم وزین)(5)، لم یجد أفضل من لغته الأم الكردیة لیكتب بها، على الرغم من إجادته الكتابة بكل من العربیة والتركیة والفارسیة. وآنذاك وحینما سئل عن السبب قال: خشیت إن كتبتها بغیر لغة شعبی أن یقال بأننا شعب لا أساس لنا، فاللغة هی علامة الوجود الأساسیة. واللغة أیضا وبحسب الشاعرة نازك الملائكة كنز الشاعر وثروته. وهی أیضا جنیته الملهمة، ومصدر شاعریته ووحیه(6).

وقصائد حوامده التی تبین هویته بوضوح، وكذلك المناخ الأیدیولوجی الذی یحلق فیه، تزدحم بالاشارات، التی تحتم علینا البحث عن مختلف المعلومات المتراكمة فیها، على المستویین الجمالی والفكری، وبغیر ذلك فإننا لن نصل إلى حكم نقدی صائب، یبیح لنا القول بأنه قد نجح هنا، وأخفق هناك. على سبیل المثال فإنه فی قصیدة (لا ندّعی ورعا فی الموسیقى ) یكثر من استخدام المجازات. وكما هو معروف فإن المجازات عند استخدامها فی حاجة إلى دواعی لذلك، وهذه الدواعی هی ما یجعلها تتجاوز حدود ما هو ظاهر من هذا الاستخدام، ومنها على سبیل المثال لا الحصر التالیة: خاتم الغیم رحم الفكرة. نشوة البنفسج .. مناجاة القرنفل. دالیة السماء. صهیل الماضی سمع الزیزفون. حقیبة اللیل. نشوة الطین، وسواها الكثیر.

لیس من المعقول نفی القصدیة فی العملیة الكتابیة. واللغة الشعریة إنما تقوم عادة على أرضیة تقترن بذات الشاعر، الذی من طبعه السعی لإنتاج أشكال مختلفة من هذه اللغة، وبحسب ما یحمله مخیاله إلیه :

نسكن ؟
سوف نسكن فی قصیدة جبلیة
فوق شرفة من جبال عمان
فی حارة من حارات مكة
زقاق من أزقة استانبول
جادة من جادات الحی اللاتینی

ومما نلاحظه فی قصائد الدیوان، كتابة حوامده عن الانسان فی أهم تجلیاته كمخلوق من طبیعته النظر إلى ما حوله، وعدم محاباة الصمت والقبول بالثبات فی المكان. یكتب عنه فی وقوفه أمام ذاته ومرایاه، كفرد، یعیش فی واقع ما، على النص الشعری هو الآخر الارتباط به، والمشی فیه ولیس فی غیره. وهنا وبحكم میل الشاعر إلى استخدام كل ما فی اللغة العربیة من الطاقات، والعمل على تفجیرها، فإنه یرتحل فی همس شدید القوة مع أبنیته الشعریة، لیعلن تمرده على الكثیر مما هو سائد، فإذا اللغة عنده تأتی فی حلل جمیلة، یبتعد فیها عن الرطانة، ویحلق بها بعیدا فی فضاءات تمتاز بخصب اللغة، التی صار بفضلها للقصائد مستویات، أو طبقات، ینبغی التریث أمامه لفهمها

وأنا أقرأ ماركیز
وأنا أعیش مع الجنرال المتقاعد العجوز
تذكرت أسلاف الهنود الحمر
صقیع الغابات الجنوبیة
خریر میاه الأمازون
لهیب الشمس فی الصومال
سلاسل العبید غرب إفریقیا
فقر السوریین أیام الأتراك
جوع الماشیة والبشر أیام السفر برلك
بناة الأهرامات الفقراء
حفاری قناة السویس الموتى
أعواد الثقاب المحترقة
عند جدول ناشف

قوة احتكاك حوامده بما حوله بالغة الشدة. وما نعتبرها المداخل لتقییم اللغة الشعریة، تحملنا إلى البحث عن أشیاء كثیرة أخرى من بینها ما یعرف بالمعادل الموضوعی، للحالات الواقعیة التی یتناولها شعریا. ومن هذه المعادلات ما یختص بمسائل الخطیئة والعذاب والتماهی فی عذابات الآخرین من البشر. ثم إنه معنی بمسألة التمرد على شروط النص المألوفة، وعلى البنیة الاجتماعیة فی شروطها المتوارثة، فكیف استطاع التعبیرعن كل ذلك؟

جاعلا فضائی ممرا للبوم
سریرا للغرباء
كأس حلیب لطائر الرخّ
أبیض أبیض قلب العتمة
تبزغ الخرافة من بیتی القدیم
من بیتی الجدید
من ممر مظلم فی نور الشمس

ومن ذلك قوله كذلك :

سامحینی یا امرأة
حملتنی قبل أن أبصر المهانة
سامحینی أیتها النائمة الجمیلة
تحت طین الذكریات.

أعترف للنار بأخطاء المجوسی
أعترف للكاهن بآثام الصلیب
أقرّ هنا أن الأنبیاء شعراء الزمان
دهنوا الشعر بالتراتیل
كسروا الدائرة
نفذوا لمعاصی الطین

إننا وكما یقول الناقد عناد غزوان قد نحسن القراءة دون استناد إلى نظریة جمالیة أصیلة، ولكنا لا نعدّ ممن یحسنون القراءة إلا إذا تكونت لدینا القدرة على أن نحكم بأنفسنا على ما نقرأ(7). فی قصیدة (حكمة الكولونیل) مثلا نلاحظ مقدمة تصحّ تسمیتها بالمقدمة الافتتاحیة إلى ما متن القصیدة من المعنى

وأنا أقرأ ماركیز
(8)
وأنا أعیش مع الجنرال المتقاعد العجوز
تذكرت أسلاف الهنود الحمر
صقیع الغابات الجنوبیة
خریر میاه الأمازون

وهذه المقدمة هی نفسها التوطئة التی یحمل فیها الجنرال المتقاعد كاتب النص ـ الشاعر إلى كل ما سوف ترهص به مقابلته له . وإذا ما اندفعنا فی قراءتنا كأفراد نحسن القراءة ونقدر على الحكم بأنفسنا على ما نقرأ فی الوقت نفسه، فسوف نرى بأن حوامده إنما یسعى إلى رجم الواقع بحجارة الغض :

وأنت أیها الروائی الطاعن فی الصبر والرویّ
أما توقفت قلیلا
لتطعم الحوعى من نثار السرد
أما كان ینبغی
أن تدبّج للكولونیل تلك الرسالة المرتجاة
ولو من باب الخداع والتزییف
أو على سبیل المتعة الذهنیة؟

وباتجاه معرفة مركز الثقل الدلالی فی القصیدة، فإن حوامده الذی یقف فیها أمام جنرال الروائی ماركیز، یرى الهزیمة فی النیاشین التی یعلقها هذا الجترال فوق صدره. وهی قطعا رؤیته نفسها للجنرالات العرب، یتم التعبیر عنها بطریقة باذخة الجمال، یقول فیها للجنرال ـ نافذته إلى واقعه العربی:

لم تكن بیكیت لتحرم غودو من المجیء
أو موسى لتمتحن شعبك فی التیه
ولم تكن محمدا لتعلمنا السعی والطواف
أو المسیح لتمدّ ذراعیك فوق الصلیب
ورحیلك للمسامیر
لكنك عن سبق تفكیر وترصّ :
تربّصت بالهزیمة والاحباط
حتى آویتهما إلى فراش النیاشین
ربّ ذنب جرّه العار
ربّ أوسمة لم تنم على أكتاف حاملیها
(9)

أمور كثیرة علینا معرفتها ونحن نتوقف أمام هذه التجربة الشعریة الحافلة بالمدهش. لماذا الاحساس بالمتعة مثلا عند قراءة هذا المقطع من قصیدة (راودتنی الغزالة عن شرودها)؟

أنت مملكتی
طحین الطفولة وخبز السنوات
أنت وجه قریتی
حیطانها ، بساتینها
ملامح أهلها
هلع حكایاتها ، برودة كهوفها
معاصر العنب فیها
أنت جبال التین والزیتون
سهوب الفضة
وطنی أنت
رائحة أمی
وفكرتها عن النصیب

سوف تتنوع الاجابات، ولكن من المؤكد أن النص الشعری الذی منه هذا المقطع، استطاع أن یحقق رغباتنا بدون تردد. ربما یرى البعض أن المماهاة بین المرأة والأرض لیست جدیدة، وأن شعراء كثیرین سبقوا حوامده إلى هذه النظرة، إلا أنه علینا الاعتراف فی موازاة هذا، بأنه استطاع تحویل رغباتنا إلى ما یعادلها على المستوى الفنی التعبیری.

إن البناء الشعری لا بدّ أن یتأسس من المعنیین: المباشر وغیر المباشر، ضمن علاقات نفسیة واجتماعیة وفكریة متداخلة، على الناقد السعی لاكتشاف القاسم المشترك بینها، ومثله الذی یجمع بین المعنیین المباشر وغیر المباشر (8). فأما المعنى المباشر فی قصیدة (یا دم العراقی) فإنه لیس هو نفسه المعنى غیر المباشر فیها، الذی نصل إلیه بالحدیث عن زمن النص الممتد بلا نهایة مرئیة :

الیوم یذوب حدید السماء
تذوی جدائل التمور
تنزّ جثة الشعر دما حراما
مرارة النشید
لم تحرس نشوة القصیدة
بیاض الموت
ینام فی أرض الرافدین

إن الشاعر الحق كما یقول محمد غنیمی هلال هو الذی تتضح فی نفسه تجربته، ویقف على أجزائها بفكره، ویرتبها ترتیبا قبل أن یفكر بالكتابة. ولقد سبق القول بأن استخدام الكلمات بأوضاعها القاموسیة لا ینتج الشعریة. وفی حالة حوامده الشاعر القادر على التلاعب بالمفردات وعجنها وتقدیمها فی صیاغات متنوعة، فإنه یعید إلى الكلمات قوتها الفطریة التی تسمو بها القصائد، وتنأى عن الثرثرة

فلیس شعرا هذا الذی یتناثر بلا موسیقى
یسیل بلا قافیة أو فراغ مقصود
كنت أدخل القصیدة كما ضباب تجتاحه غیمة
لم یكن یربطنی بالإیقاع
نای أو أنین
قلت : أقول ما یجول بخاطری
أبدأ بما ...
أو كأنما ..
أو كما بدأت ذات مرة بالكاف
لكنها لم تصمد أول السطر
وفرت باتجاه المصطافین فی أروقة الكتب
تعلمت من حب الكلمات كره العالم

إننا نتحدث عن صور توحی الصیاغات الشعریة بها. وهو حدیث حول تجربة فی اللغة أیضا، غایتها البحث عن حیاة أكثر استقرارا. ربما تبدو كتابة حوامده عن الأم قریبة من حیث المعنى إلى كتابات سواه من الشعراء الذی یبجلون أمهاتهم، إلا أنه وهذه میزة تعتبر لصالحه، حینما یدرك فكرة من الأفكار، وهذا ما ینطبق على فكرة الأمومة، إنما یدركها فی صورة من الكلمات، وهذه الصورة من الكلمات، سوف تكون الأساس الجوهری لأسلوبه.

إنه بهذه الذائقة، یمیز قصائده عن غیرها، فتصبح الاشارة إلى ما یسمیها (معاصی الطین ) أكبر من أن یستوعبها حدیث طویل حول خطایا الانسان الذی هو ذائقة الطین ومادة شهوته الاولى ولنقرأ التالی:

أعترف للنار بأخطاء المجوسی
أعترف للكاهن بآثام الصلیب
أقٌرّ هنا أن الأنبیاء شعراء الزمان

ومعنى هذا فإن طریق حوامده إلى امه ملیحة، لا بدّ إلا أن تمر من باب الاعتراف بالخطیئة (مضى نحو باب الخطیئة طفل الحرمان)، وهو نفسه الطریق الذی فیه تعربش خمائل المجرات على ید أمه ( كیف آتیك یا دفقة الخلق/ على یدیك تعربشت خمائل المجرات). وكل ذلك لأن أمه تختلف عن سواها من مخلوقات الله ( انفردی بالعذوبة/ تلك التی تصاحب الغزالة / تسابق النسیم). وما یكتب عنه حوامده یتمثل فی انحطاط الانسان، ووقوعه فی الحضیض ( منذ أن تلعثم آدم / هبطت بنا الأرض إلى قبوها). لقد تحدث عن رحم أمه ، المكان الأكثر دفئا وأمنا فی الحیاة، ولكنه إنما یكتب عن المرأة حیثما كانت ولیس عن أمه وحدها:

سامحینی یا ملیحة
تحت عینیك أقیم خرابی
ومن بین یدیك أصنع تماثیلی
هنا الجمع بین حسرة البلوط ونشیج الكستناء
هنا العزف بین رقصة النار وشق صدر القبر
هنا لا فرق بین أمك التی مضت وأمك التی بین یدیك

هنا یصبح فی مقدور القارئ العارف التمییز بین صورتین للمرأة: المرأة الأم ( سامحینی یا امرأة / حملتنی قبل أن أبصر المهانة ) ، والمرأة الزوجة أو المعشوقة ( عمّرینی ببیت یتیم من صنیعك / امنحینی شعبا لینا / وأتباعا مأخوذین).
وحوامده فی كلمات أخیرة، یظهر اهتمامه الكبیر بالمفردات ودلالاتها العقلیة. وهو فی هذا الاهتمام، أبعد ما یكون عن السطحیة والعبثیة، بل ومما یركز اهتمامه علیه فی الاختیار، حرصه الشدید على السمو بذائقة القارئ
الفنیة، ودعوته للتفكیر العمیق وعلى غرار ما یمكن أن یحدث عند وقوع النظرات ـ نظرات القارئ على ما یلی من المفردات أو الصیاغات ( للمشانق حكمة تخفیها الرهبة ) و( رائحة الطین) و( معاصی الطین) و( من یعرف تاریخ جسدی قبل ألفی سنة/ من یملك بیضة الرخ فی یده/ من یدلنی علیّ) و(إن الجیوش لا تعمّر أرضا/ ولا تحمی بنفسجة) و( أغوانا الزبد) و( أنام على العتبة/ لا أطمح إلى سفك دم اللغة / لأثبت فحولة الشعر) و( بعد أن فتح نابلیون عقول المشرقیین / بعد أن قارعته عكا / بعد أن ألقى طاقیته من على أسوارها/ بعد ان صار إماما للمسلمین / وشیخا للرهبان / صار قلبی معبدا للبوذیین / جنة للبوذیین من دیار الأزهر / ومن نعمة الاستعمار ).

الهوامش :

د. عناد غزوان/ التحلیل النقدی والجمالی للأدب/ بغداد 1985،ص30
د. عناد غزوان/ نفسه ص22
جان كوهن / بنیة اللغة الشعریة / دار توبقال / المغرب 1976،ص129
د. محمد غنیمی هلال / النقد الدبی الحدیث ، بیروت 1973،ص417
مما یقوله فی هذه الرائعة الشعریة
إن الدنیا التی هی مثل العروس
یكون حكمها عن طریق السیف المسلول
لقد سألت من الدنیا من باب الحكمة
فقلت ما هو مهرك؟ فقالت إن مهری هو الهمة
ولكن ماذا أعمل فالسوق كاسدة
ولیس هناك من شمترین للقماش
فالمحبوبة غیر مخطوبة لأحد
لذا فهی ذات خط أسود وغیر موفقة

نازك الملائكة/ الشاعر واللغة/ مجلة الآداب البیروتیة / تشریناول 1971

د. عناد غزوان / نفسهص49

د. صلاح فضل / أسالیب الشعریة المعصارة ص19


حبیب کشاورز
عضو هیأت علمی گروه زبان و ادبیات عربی دانشگاه سمنان
در صورت داشتن سؤال می توانید سوالات خود را از طریق ایمیل زیر ارسال کنید.
ایمیل: habibkeshavarz@gmail.com
تمامی حقوق این وب سایت متعلق به بانک مقالات عربی است. || طراح قالب avazak.ir