تبلیغات
بانک مقالات عربی - الانزیاح الدلالی فی الشعر الحدیث

الانزیاح الدلالی فی الشعر الحدیث

1395/08/7
15:21
دکتر كشاورز

الأسلوبیة التعبیریة والدلالة فی النقد الحدیث ترتكز على أنماط من التحولات الأسلوبیة فی الشعر ومنها الانزیاح بأشكاله. نظام الربط فی الجملة الشعریة والتكرار .. وبناء على ما ذكر یمكن تناول بعض من هذه الانزیاحات كمدخل أول لهذا الموضوع المتشعب مع ضرب الأمثلة المبسطة.
الانزیاح الدلالی :
إذا كان الانزیاح أو الانحراف عن المعیار من أهم الظواهر التی تمیز اللغة الشعریة عن السردیة مع منحها شرف الشعر وخصوصیته. فإن هذا النوع من الانزیاح یتسم ببعض السمات المصاحبة له كالابتكار والجدة والنضارة والإثارة. ومن الأمثلة على الانزیاح الدلالی ما یسمى بانزیاح النعوت عن منعوتاتها المتعارف علیها، وكمثال عل ذلك من قصیدة للشاعر بدر شاكر السیاب " أنشودة المطر ":
عیناك غابتا نخیل ساعة السحر
أو شرفتان راح ینأى عنهما القمر
فجعل بدر العینان غابتا نخیل رغم قسوة شجر النخیل لكن جاءتا فی هذا السیاق على نحو مغایر تماماً خاصة مع إضافة دلالة السحر وهی اللحظة القریبة من طلوع الفجر وانبثاق الشعاع الأول للشمس مما أضاف لیونة وطرافة على المعنى . كذلك الشرفتان هذا الجسم الرخامی القاسی، حیث ظهرتا على غیر ما هما علیه بإطلاق صفة ابتعاد ضوء القمر عنهما قلیلاً قلیلاً، فی هاتین الصورتین استطاع الشاعر السیاب أن یخلق انزیاحاً دلالیاً غایة فی الروعة.
الاستعارة التنافریة
وهی صورة بلاغیة تقوم على الجمع بین متنافرین لا علاقة جامعة بینهما؛ لخلق منظومة شعریة ذات دلالة ومغزى . وكمثال بسیط من النثر وهو الكلام الذی یحقق الملائمة الإسنادیة للموصوفات، كأن تسند الألوان أو الصفات إلى موصوفاتها، على سبیل المثال: البحر أزرق .. العشب أخضر .. الطین بنی .. وهكذا .
لكن فی الشعر یختلف الأمر لیتحقق التنافر المطلوب وهو ابتداع شعری تخیلی بحت وكمثال على ذلك قصیدة " لم هذا الخوف "محمد ثلجی
یومیاً
یختلطون جلوداً كالسمك المكبوبِ
على شبك الموتِ
فأسرح مع لون العشب البنیِّ
ونافذة فارغة فی الخلفِ
الآنَ سأهرب للزحمةِ
آهٍ ... ما أبطأ هذا العمرَ
وما أقصرْ
فالتعبیر العشب البنیُّ أحدث تنافراً مع تقدیر النوع واللون والتنافر الحاصل بینهما هو ما ضمن خلق بعد جدید للمعنى المراد منه . فالعشب بدلالة الجسد كما أخبر عنه "یختلطون جلوداً" ودلالة العشب للكثرة ولیست للنوع وهذه المفارقة هی من صنعت من هذه الجملة، الشعریة المطلوبة.
الإسناد النحوی
الجملة نوعان: الاسمیة والفعلیة: باتساق وانسجام فیما بینهما تتشكل الجملة النثریة العادیة أو ( الإیصالیة ) أما على مستوى الشعر فالاختلاف كلی على سبیل المثال حین نقول: "شقت السفینة عرض البحر" جمله عادیة إیصالیة بحیث أوصلت المعنى على أكمل وجه، بالمقابل لو قلنا: شقت عیونك قلب البحر .. اختلف المعنى كلیاً وأصبح لدینا جملة شعریة متسقة منسجمة مع الابتداع الشعری. وكمثال على الإسناد النحوی قصیدة "مستوحشاً مثل رقیم " للشاعر شكری بوترعة :
وكنت سجین المكان الذی لست فیه ..
أرى فی المنام
یدی تزرع الریح فی قرى المحبطین ..
أصیح : هنا مات قرینی بضربة زهر ..
هنا اشتبك العاشق مع الحدائق وسقط فی الأسر ...
إن القضیة الأساسیة فی لغة شكری هی نقده للواقع بالهروب نحو اجتراء الحلم والأفعال التی استعملت فی هذا الجزء جلها ماضیة، كأنه یشیر لماضٍ بقصد فعل المقارنة والمفارقة ومفردة الموت التی جاءت فی نهایة المقطع عبارة مؤلمة بتضمین الضربة ونهایة مفروضة لهذا الحلم، بحیث نقل الدلالة المفضیة عن حلم المحبطین من یبحثون عن العیش الكریم فی أحلامهم للواقع المریر، الذی یصطدم بالموت المحتوم. فكأنه أعاد تشكیل الدلالة الإنسانیة وإسنادها لواقع مریر لا یقبل وجود هؤلاء مما جعل من الأحلام الطریق الوحید للتعبیر عن أحلامهم وطموحاتهم.
الانزیاح الإضافی :
هی المفاجئة التی ینتجها حصول اللامنتظر من خلال المنتظر؛ أی أن یتوقع المتلقی مضافاً إلیه یتلاءم والمضاف. كأن تتوقع بعد كلمة طعنة الرمح أو السیف، لكن أن یضاف لها كلمة طعنة الریح أو الخوف هكذا یصبح لدینا انزیاح اضافی شعری بحت: وكمثال مبسط على ذلك قصیدة جمیلة بعنوان "أغنیة الرحیل" للشاعر مجد أبو شاویش، یقول فیها :
یَبتَلِعُنَا الفَرَاغُ ،
تُوصَدُ نَوافِذُ العُمْرِ ،
وَتَتَهَاوَى شَظَایَا أیّامِنَا فُتَاتَاً
إِثْرَ طَعَنَاتِ الرِّیحْ
یبتلعنا الفراغ هذا الابتكار الذی صنعه الشاعر كان غایة فی الروعة والجمال بحیث زاوج بین الابتلاع والفراغ وحرك على نحو ما المجال التقریری ساعیاً إلى دائرة الشعر رغم كونهما لا یتفقان "إضافة" فی بینهما فالابتلاع شیء والفراغ شیء آخر. فی النهایة جعل من هذا التزاوج قیمة شعریة وفنیة ممیزة.
الانزیاح التركیبی
وهو مخالفة التراتبیة المألوفة فی النظام الجملی. من خلال بعض الانزیاحات المسموح بها فی الإطار اللغوی كالتقدیم والتأخیر فی بعض بنى النص، كتقدیم الخبر على مبتدئه. أو الفاعل على الفعل أو النتیجة على السبب. كذلك الحذف الفنی الذی یستغنی عن بعض البنى والمفردات سعیاً وراء التلمیح لا التصریح، الذی هو أبلغ أثراً وأعمق دلالة. كذلك حذف بعض الكلمات والاستغناء عنها ببعض النقاط كدلالة مسكوتة عنها. وهذا فی العادة ما یشمل النصوص ذات البعد السیاسی والغزل الحسی. ومن الأمثلة على تلك الانزیاحات التركیبیة قصیدة " حتى تراه " للشاعرة آمال الساعی:

وهل تجدی السخریة ملهاة
تضج سمعك
أنا الوحل وهذا الحوض لی
وماءك یستغیث ... الفراغ
فجوة تصحو فی لیلك.... مرآة
یلاحظ تقدیم المفعول به "وماءك "على الفعل "یستغیث" وأصل الجملة:
" یستغیث الفراغ ماءك" لكن الشاعرة آثرت قلب النظام الجملی لتثیر بذلك شهوة القارئ وتضیف للمعنى والفكرة بعض الغموض والنسق الشعری للسیاق.
شعریة عنوانات القصائد والدواوین
لا شك أن العنوان أصبح ذا أهمیة كبیرة فی الشعر الحدیث، إن لم یكن جزءًا من بنیة القصیدة والعمل المكتوب. ولو بحثنا فی أردان التاریخ ونبشنا صنادیقه لوجدنا كثیراً منها كان على نحو ممیز ملفت للانتباه.
فی الشعر الحدیث اختلف الأمر وأخذ بعداً آخر. فبعض العناوین كان رمزاً بعیداً عن جو النص ومضمونه، وبعضها معبراً عن القصیدة بأسرها. كما عمل الشاعر الفطن على صیاغة عناوینه باتجاهات عدة كأن یصوغ منها صفات متنافرة، نحو: "طریق الحریر" آمال الساعی ، "قرن كنعان" مصطفى الصالح، " قصب الملح " محمد ثلجی. "ملامح خیبة"حیان حسن. أو أن یصوغها بأشباه الجمل، نحو: "بیت فی الغیم "محمد بوحوش. "من أوراق عابر سبیل"ربیع عقب الباب.
أیضاً هناك ثمة نوع من العناوین لتشكیل الإثارة والإغراء لما تحمله من عناصر ببعد وتوقیعات إما سیاسیة أو دینیة أو جسدیة.
توظیف أدوات الربط " وجوداً وعدماً "
هذه التقنیة الأسلوبیة ظهرت بشكل جلیّ فی الشعر العربی الحدیث. حتى باتت تشكیل أسلوبی فنی، یمكن أن یفید منه النص، ویحقق له مستوى جمالیاً فریداً.
قدیماً صنف هذا النوع من الأسلوب تحت مسمى ( الوصل والفصل ) بمعنى أن الوصل هو عطف جملة على أخرى. وعكسه الفصل، وهذا مألوف ومتبع فی الجملة النثریة الإیصالیة. أما على مستوى الشعر فیصبح الأمر مختلفا، إذ یكتفی الشاعر بربط جزئیات السطر الشعری بتجاوز دوالیه. مع احتمالیة ترك العطف بفعل أنه أبلغ من ذكره.
ومن الأمثلة على تصدر أداة العطف كل السطر الشعری فی المقطع الواحد قصیدة للشاعر احمد جنیدو بعنوان" تفاسیر كان "
إننی وجعٌ، لا یحیدُ، فهل یدركون.؟
دعینی بصمتی، ففی لغة العشق ألف قتیل ْ.
وألف دلیل ٍ، وألف سبیلْ؟ ولا یعبرون.
على صفحة الحب أرسم وجها ً،
وأبدأ خطـّیْ الصغیر
ففی لغة العشق ألف قتیل / وألف سبیل/ وألف دلیل/ ولا یعبرون. هذا التكرار خطر جداً فی أغلب الأحیان فكون التكرار وخاصة أحرف العطف یؤثر فی كون المعنى منطلقاً مع كل جملة شعریة، إلا أنه قد لا یبعث على الملل ومبدأ عطف الجملة على سابقتها كدلالة رجعیة للمعنى المترابط المتراص مع بعضه.
التقنیة الثانیة هو خلو المقطع من أدوات الربط وهذا أبلغ من الأول، ویكون الاستغناء عنه بتوالی أفعال الأمر أو الماضیة. ومثال على ذلك قصیدة للشاعرة سلیمى السرایری " جولیت "

أخذته جنیّة الریاح الأربعة
أسكنته قصرها العاجیّ
ألبسته آخر ما نسج الموج..
أخذته / أسكنته /ألبسته .. كلها أفعال ماضیة استغنی معها عن أحرف العطف تقدیراً من الشاعرة ورغبة منها لتوسیع نطاق المعنى وتركه بلا ركیزة معطوفة؛ لیظل محلقاً على نحوٍ مستقل.
ما غایة استخدام الانزیاح فی الشعر؟؟
قدیماً كان الشعر أكثره مناسبات. وتشكل ما بین المدیح والهجاء والفخر والغزل العذری والتغنی بالذات والشاعریة الخ وهذه النوعیة من النصوص الشعریة تحتاج على الأغلب لمحسنات بدیعیة ملصقة على جسد الكلام كالاستعارات والتشبیهات والتكرار والتكلف والصناعة الشعریة والجزالة اللغویة والسجع والجناس وغیرها..
وفی عصرنا الحالی لم یعد الشعر وسیلة رئیسة فی حفظ الموروث القبلی والدینی والاجتماعی مع دخول وسائل أخرى وأسالیب أكثر مرونة وقبول من الجمهرة، فاتجه الشاعر لقضایا أكثر حمیمة وقرب من الشارع كالقضایا الإنسانیة والاجتماعیة والسیاسیة إضافة لتأثره الكبیر بالطبیعة ومحاولته خرق سننها العادیة والتحلیق فی فضائها وكل هذا یحتاج لفنون أخرى غیر الدارجة والمتعارف علیها فجاءت الانزیاحات لتلبی رغبه وتشبع روحه وغریزته.
فالانزیاح عبث بالجملة الشعریة ذاتها ومحاولة لتقلیل المحسنات البدیعیة على جسدها وإدخالها فی روحها؛ لیكون الشعر أكثر ملائمة وأقرب من التفكر والتبصر والإغراق، وهذا یتطلب استدعاءات تاریخیة وأسطرة العمل وموروثا ثقافیا واجتماعیا، كذلك أحداث اللبس فی المعنى بإفضاء رموز متشابكة متداخلة، واستعمال جمل مركبة بلغة قریبة من المجتمع مفهومة غیر مبتذلة، والأهم الصورة بدلاً من الإطباق على المعنى والتركیز على الفكرة.
وهناك ما یمكن أن نسمیه شعریة الكلمة وتطورها، ومنها التحولات فی هذا الجانب إذ أن التناسب بین الكلمة / المعنى وبین الغرض / الموضوع كان الأساس الذی یتم به قیاس شعریة / شاعریة الكلمة إلا أن الشعر الحداثی بدایة من الرومانطیقیة أو الرومانسیة أخذ فی التحول بهذا المقیاس إلى آفاق أخرى مبرزا الانزیاح فی المعنى، ولعل الانزیاح قد یخفى على الكثیرین لذا فیمكن لنا ( كما عبر عنه أستاذنا الدكتور أحمد مطلوب فی كتابه فی المصطلح النقدی) أن نعتبر الكلمة ذات مستویات متوالیة تنازلیة للمعنى أعلاها المعنى المعجمی لها، ویلیها ما یمكن أن نعطیه مستویات دلالیة له تكون محور ابتكار الشاعر الحداثی وقدرته فی الانحراف بمعنى الكلمة إلى معنى ذات دلالة جدیدة ( تجدید اللغة ) كما جاء فی قصیدة بلقیس للشاعر الكبیر نزار وبدایته ( شكرا لكم ) فهذا الأسلوب أو تلك الجملة ذات محمول توصیلی إلا أن الشاعر وظفها فی الموقف ( اغتیال زوجته) لتأخذ معنى دلالیا ساخرا غاضبا تعجبیا مقترنا بالحزن معا، وهنا یبدو لنا تحول بین المعنى المعجمی السطحی للكلمة والجملة إلى آفاق أخرى دلالیة أعطت لها صفة الشاعریة ما یعنی انفتاح جمیع الكلمات وقدرتها على أن تعطی ذات الصفة شریطة أن یجید الشاعر بقدرته على توظیفها فی الموقف؛ لتأخذ المعنى الدلالی المراد الجدید.
هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن قوة المعنى الدلالی لتتحول معه إلى كلمة شعریة / شاعریة تكمن فی المسافة الفاصلة بین المعنى المعجمی / السطحی وبین المعنى الدلالی الجدید والموظف فی الموقف الشعری، وكلما اتسعت هذه المسافة كانت الكلمة / الجملة ذات شعریة أكثر من غیرها وبالتالی سقط بهذا ما یسمى المعجم الشعری والعكس صحیح كلما وصل المسافة بین المعنیین حد التطابق كلما تحولت الكلمة للصفة العلمیة وابتعدت عن الشعریة / الشاعریة . 


حبیب کشاورز
عضو هیأت علمی گروه زبان و ادبیات عربی دانشگاه سمنان
در صورت داشتن سؤال می توانید سوالات خود را از طریق ایمیل زیر ارسال کنید.
ایمیل: habibkeshavarz@gmail.com
تمامی حقوق این وب سایت متعلق به بانک مقالات عربی است. || طراح قالب avazak.ir