عبدالله الجعیثن
اعتقادی الشخصی ـ وقد أكون مخطئاً فی ذلك ـ أنّ هناك فروقاً بین الأدب الرجالی والأدب النسائی، وحین نذكر كلمة (أدب) هنا فإنما نعنی الأدب المبدع الذی یعكس الروح، وأكثر ما یتجلى ذلك فی الشعر والقصة القصیرة.

اعتقد، فی هذا المجال، أن هناك فروقاً بین الأدبین، النسائی والرجالی، وإن كان جُل مَنء یسألون فی هذا الموضوع حدیثاً یقولون انه لا فرق بین أدب المرأة وأدب الرجل، فالأدب عطاء إنسانی یعكس (الإنسان) بشكل عام، وبغض النظر عن جنسه، ویعتبر بعضهم مجرد ذلك السؤال أو إثارة تلك النقطة نوعاً من التأخر، ولا أعتقد هذا، صحیح أن الأدب یعكس الإنسان بشكل عام، ولكنّ هناك فروقاً بین المرأة والرجل تنعكس فی أدبیهما، فالأدب مرآة الروح، وروح الأنثى تختلف عن روح الرجل فی الغالب، والأدب یعكس ذوق مبدعه، وذوق المرأة یختلف عن ذوق الرجل أیضاً..

فی المحصلة الأخیرة یعكس الأدب الشامل العمیق آفاق مبدعه، وآفاق الرجل تختلف عن آفاق المرأة، ونوع الاهتمامات ومداها یختلفان بین الجنسین..

ولو جئنا إلى (الجمال) على سبیل المثال، وهو مصدر أساسی من مصادر الإبداع، فوق أنه الهدف النهائی لكل إبداع، فبدون التعبیر الجمیل لن یكون هناك أدب قط..

لو أخذنا (الجمال) مثلاً لوجدنا فارقاً بین الرجل والمرأة فی تذوق الجمال، والحكم علیه، والإحساس به، فالرجل یتذوق الجمال بوجدانه، والمرأة تتذوق الجمال بعینها.. وقد لا یكون هذا التعبیر دقیقاً فی الوصول إلى ما أهدف إلیه، ولكننی أعزِّزه بمثال مشاهد، ومعروف، وهو نظرة المرأة والرجل للجمال البشری، فالمرأة تنظر للوجه الجمیل، بالتفصیل الدقیق، وتكاد تُشرِّحه تشریحاً، فتقول لك هذا الوجه عیناه جمیلتان، وبشرته جمیلة، ولكنَّ فیه عیباً قبیحاً.. وهو (الفم) مثلاً.. فهو غیر جمیل إطلاقاً.. والرجل لا ینظر هذه النظرة، ولا یحكم بهذا الشكل، ولكنه ینظر إلى ذلك الوجه ككل، فقد یقول لك أنه (جمیل) تماماً، مع أن ذلك (الفم) الذی استقبحته المرأة جداً.. موجود.. ولكن الرجل یأخذ صورة الوجه كاملة غیر مجزأة ولا مشرحة ویحكم علیه بهذا الشكل، وقد یرى أن ذلك الفم الواسع.. أو البارز.. مثلاً.. من أسرار جمال ذلك الوجه.. لأنه منسجم تمام الانسجام مع ما حوله، ویعطی (ملاحة) مطلوبة.. مثلاً..

المرأة تحكم على الجمال بشكل مجزأ، والرجل یحكم علیه بشكل عام، وأظن أن كل واحد منهما ینظر إلى الجمال الفنی والأدبی أیضاً بذلك المنظار، سواء أكان متلقیاً أم كان مبدعاً.. وإذا صح هذا ـ وأعتقد أنه صحیح ـ فهو یؤكد وجود فرق جوهری بین الأدب الرجالی والأدب النسائی ولكنه یحتاج إلى المزید من البحث والاستقراء والتعمق والاستعانة بمختلف العلوم المساعدة فی هذا المجال كعلم النفس وعلم التشریح (فیما یخص مخ الرجل والمرأة) والنقد الأدبی بمختلف مذاهبه ثم إجراء تطبیقات واسعة على مختلف النصوص الإبداعیة رجالیة ونسائیة.. وإلى أن یتم ذلك ـ إن تم ـ فإننی من خلال ملاحظاتی الانطباعیة أرى أن الأدب النسائی ـ بشكل عام ـ یشبه البحیرة الجمیلة المحدودة، والأدب الرجالی ـ بشكل عام ـ یشبه البحر الزخار، الأدب النسائی یشبه حدیقة جمیلة منسقة والأدب الرجالی یشبه غابة هائلة، الأدب النسائی فیه جمال یندر معه الجلال، والأدب الرجالی فیه جلال عظیم، كأنك مع الأول فی سهل أخضر منبسط، وكأنك مع الثانی فوق قمم جبال شماء ترى فوقها ما لا یرى وتحیط بما لا یحیط به الذی یتنزه فی السهل..

وحین نقول (بشكل عام) فلأن تلك الأحكام تنطبق على معظم الأدب النسائی والأدب الرجالی ولیس على جمیعهما، كما أنها تختلف فی مداها من مبدع إلى آخر، ذكراً كان أم أنثى، فقد تكون البحیرة الأدبیة التی أبدعها شعور امرأة واسعة تكاد تشبه البحر، وقد یكون بحر الرجل المبدع خلیجاً أقرب إلى البحیرة.. وهكذا.. هذا من ناحیة.. ومن ناحیة أخرى فإن علمی التشریح والنفس أثبتا أنه لا یوجد (رجل) كامل، أی ذكر خالص مئة فی المئة، ولا أنثى خالصة مئة فی المئة، فی كل ذكر جزء ضئیل من هرمونات الأنوثة، وفی كل أنثى جزء ضئیل من هرمونات الذكورة، ولكن هذا الجزء الضئیل (كما هو الغالب) قد یزید عند بعض الرجال.. أو بعض النساء.. فیكون بعضهم ذكراً بنسبة 80% وأنثى بنسبة 20% والعكس.. كما أن النسب قد تختل أكثر.. والشاهد فی هذا أن النتاج الأدبی یتأثر ـ هو الآخر ـ بنسبة الذكورة أو الأنوثة تبعاً لتأثر العواطف والغرائز والمیول...

÷ ÷ ÷

وإذا جئنا إلى شعر الغزل عند الرجل وعند المرأة، فإننا لابد أن نجد فروقاً متمیزة، فالحب نفسه یختلف موقف المرأة منه عن موقف الرجل، وأهم تلك الاختلافات:

1ـ ان الرجل فی موقف المهاجم وإن كان سلاحه هنا هو الغزل الرقیق، ولكنه یرید بهذا أن یستولی على تلك القلعة..

أما المرأة فهی فی دور التسلیم والخضوع لرجلها الذی تحبه وتتغزل به، ومع أن النساء (یمتنعن وهن راغبات) إلا أن الشعر فضیحة یعری أعماق المرأة فیمحو الامتناع ویبقی الرغبة ولكن الأنثى هنا تكسو تلك الرغبة بالحرایر والعطور والكلمات الرقیقة المبعدة كل البعد فی ظاهرها عن الرغبة، وقد تدافع فی شعرها الغزلی ببعض الدلال الذی هو ـ لإغرائه ـ دفاعاً خیرٌ منه الاستسلام.

2ـ أن الحب عند المرأة ـ بشكل عام ـ أقوى وأبقى منه عند الرجل بشكل عام، فللرجل آماله وأعماله وطموحاته وآفاقه الواسعة ولكن جل آمال المرأة وطموحاتها أن تكون جمیلة محبوبة محبة تجد الرجل الذی (یستاهلها) بمعنى تجد الرجل الذی (تعشقه)..

قال فیلسوف غاب عنی اسمه الآن:

(الرجل یحب المرأة مثل الظمآن یطلب شراباً.. والمرأة تحب الرجل مثل من یكون فی مناخ حار ویبحث عن مكان بارد.. إذن فحب المرأة یدوم أطول).

3ـ الحب عند المرأة غایة.. وعند الرجل وسیلة للسعادة واللذة.. الرجل یحب لیسعد بالحیاة أما المرأة فتحیا لتسعد بالحب نفسه..

4ـ الرجل یحب من عینیه أكثر.. والمرأة تحب من أذنیها أكثر.. الرجل فی الأغلب لابد أن تدخل المرأة قلبه وذوقه ورغبته لكی یحبها أما المرأة ـ والفتاة خاصة ـ فكثیراً ما تحب رجلاً لأن بنات كثیرات من لداتها یحببنه ویتحدثن عنه بوله وإعجاب فتحبه هی وحتى إذا رأته ولم یكن یرضیها تماماً فإنه صار (هو هو) وهذا یكفی..

5ـ الرجل حین یحب المرأة یرید أن یأتی منها برجل على مثاله هو، أی لیكرر نفسه، أما المرأة فحین تحب الرجل لا ترید أن تأتی منه ببنت على مثالها هی، بل ترید أن تأتی بابن على مثال الرجل الذی عشقته، ترید أن تكرر محبوبها وتخلده قبل نفسها، ولا أظن أن النواحی الاجتماعیة لها دور أساسی فی هذا، ولكنها الطبیعة الغالبة وقد عمقتها التقالید والأجواء الاجتماعیة، ولكن المرأة بشكل عام تسعد بحبها وهی سالبة تتلقى وتمنح والرجل یسعد بحبه وهو إیجابی یأخذ، وإذا خیر الرجل فی الزواج بین امرأتین إحداهما تحبه بعنف ولكنه لا یحبها، والأخرى لا تحبه ولا تكرهه ولكنه هو یحبها فإنه لا یحتار بل یختار التی یحبها هو، أما المرأة فی نفس الموقف ـ فتواجه صراعاً عنیفاً مع نفسها ینتهی فی الغالب بتفضیلها الرجل الذی یحبها وإن كانت هی لا تحبه، أن تكون المرأة محبوبة فهذا الهدف الأول، وأن یظفر الرجل بمحبوبته فهذا هدفه، وقد سئلت أعرابیة بعد زواجها بقلیل:

ـ عساك تحبین زوجك؟

فقالت:

ـ لیس هذا هو المهم.. المهم أن یحبنی هو