تبلیغات
بانک مقالات عربی - قراءة جدیدة لملحمة الفردوسی الشعریة «الشاهنامة»

قراءة جدیدة لملحمة الفردوسی الشعریة «الشاهنامة»

قراءة جدیدة لملحمة الفردوسی الشعریة «الشاهنامة»
بقلم هاشم عبود الموسوی
المقدمة :

اشتهرت إیران منذ القدم بشعرائها الذین أنتشرت أشعارهم وقصائدهم الرائعة فی كل الأنحاء .. فكانت مدرسة الشعر القدیم والمعاصر حیث أمتلأت هذه الأرض الرائعة بأروع القصائد وعرفت لغة الشعر منذ المیلاد الأول لها ...
حیث الشعراء: "حافظ الشیرازی" .. ذاك الذی تعلق أسمه بإیران وتنقل فی دیوانه بین حقول الغزل والحب والجمال، الوصف والعرفان ... سعدی الشیرازی: الشاعر الذی زرع من قصائده بستاناً رائعاً من الورد یملأ عبیره الأفق، ثم نجد بحور الحكمة تفیض من دیوان الشاعر الحكیم "عمر الخیام"، الشاعر والعالم الفلكی الذی أشتهر برباعیاته المعروفة، "الفردوسی" الشاعر الذی صور الحیاة فی لوحة ملحمیة مستحیلة التكرار.


"خاجوی كرمانی"، "العطار النیشابوری"، "جلال الدین المولوی" .. شعراء وشعراء لن تغیب أسماؤهم عن ذاكرة إیران حیث خلدتهم فی دواوین طبعت بأروع الطبعات، ومراقدهم ضمتهم بأروع ما تملكه إیران من مواهب فنیة معماریة وأجمل ما لدیها من طبیعة وورود.

یُنظر إلى الشاعر الكبیر (أبو القاسم الفردوسی) الذی عاش خلال الفترة (329-411، أو 416 هجریة) كأبرز شعراء الفارسیة فی نظم الملاحم الشعریة الحماسیة.. بل أنه یُعتبر من ألمع شعراء الملاحم البطولیة والأساطیر التراثیة والتاریخیة على المستوى العالمی.

تمیّز الفردوسی بنبوغ وكفاءة وموهبة سمّاها الكثیرون بأنها موهبة إلهیة ونسج الخیال الشعری.. بل ویُشار إلیه كآیة كبرى فی فنه، وسیبقى اسمه لامعاً متألقاً فی تاریخ الأدب والثقافة فی إیران.
حیث أن ملحمته الشعریة (الشاهنامة)، التی لا نظیر لها فی التاریخ، تتضمن القصص والأساطیر الوطنیة وتسجیلاً للأحداث التاریخیة التی عصفت بإیران منذ بدایة الحضارة الإیرانیة القدیمة، وحتى اضمحلال السلالة الساسانیة.

إن ملحمة الفردوسی الشعریة (الشاهنامة)، والتی جاءت على شكل شعرٍ عمودی، ومقفّى بموسیقیة مُرهفة، تضم كما هو معروف روائع الأبیات الشعریة التی تسجّل الملاحم التاریخیة والأدبیة العریقة والتقالید والسنن والعقائد الإیرانیة القدیمة، أی أنها تتضمن الثقافة القدیمة والخالدة للشعب الإیرانی خلال قرون سحیقة وعهود طویلة.. وكذلك فهی تتضمن العدید من الموضوعات والجوانب الأخلاقیة والدینیة والاجتماعیة الملیئة بالعبر والدروس التربویة لبنی الإنسان: وهذا مما یُضاعف من قیمتها المعنویة ویجعلها مورد رضا الناس، ویمكننا اعتبار أقسام لا بأس بها من الملحمة مشبعة بالدروس والحكم الأخلاقیة المربیة والمفیدة لتهذیب الأخلاق وتنقیة الأذهان وتوعیة العقول ویقظة الأفكار، ولا سیما بالنسبة للشباب الذین یجهلون أحداث التاریخ ووقائع الدهر والأیام.

تتمیز الموضوعات الأخلاقیة الموجودة فی (الشاهنامة) بأنها على نوعین:
النوع الأول: تشمل المواعظ والحكم العدیدة التی یوردها الفردوسی فی بدایة ونهایة كل مقطوعة شعریة تسجّل الحوادث والوقائع التی تؤول إلى هزیمة السلاطین والفرسان وانقراضهم: وهو بذلك یطبق ما تملیه علیه میوله الفطریة والباطنیة، ویهدف من ذلك إلى الدعوة إلى الاتعاظ والاعتبار والنصیحة.

النوع الثانی: تشمل المواعظ والحكم والوصایا والنصائح التی یوردها الفردوسی فی أشعاره بلسان السلاطین والوزراء والفرسان أبطال الملحمة: مثل مواعظ وإرشادات الأردشیر إلى شاهبور، ومواعظ هرمز إلى نجله بهرام، والحدیث المشبع بالحكم الذی تبودل بین بوزرجمهر وأنوشیروان، فضلاً عن مواعظ بوزرجمهر نفسه وغیرها.. وهی تعبّر عما یكنّه الفردوسی فی قلبه وأحاسیسه، رغم أنه ینسبها لأبطال ملحمته.
وهكذا فإن الشاعر الفردوسی، عندما یؤكد على مثل هذه الحكم والمواعظ بنوعیها فی ملاحمه الشعریة، فإنه یثبت فی الواقع تعلّقه القلبی بالمبادئ والأسس الأخلاقیة.. وهی تذكّرنا بما قاله الفیلسوف الألمانی الشهیر (عمانوئیل كانط المتوفی عام 1804م): أن هناك شیئین یأخذان بالروح إلى درجة الإعجاب، وكلما یفكّر المرء بهما ویتأمل أكثر فإن إعجابه واحترامه لهما یزداد تبعاً لذلك، الأول: فی السماء الملیئة بالنجوم التی نراها فوق رؤوسنا لیلاً، والثانی: القانون الأخلاقی الكامن فی قلوبنا.

أجل، إن هذا القانون الأخلاقی كان مترسخاً فی قلب الفردوسی وممتزجاً مع روحه وفكره إلى حدٍ بحیث نراه جلیاً وواضحاً فی أغلب أشعار الشاهنامة.

قبل الغوص فی أعماق هذا الموضوع المهم (الأخلاق الإسلامی فی ملحمة الفردوسی الشعریة) لابد أن نلفت الأنظار إلى ملاحظة وهی: أن المواعظ والحكم الواردة فی فصول (الشاهنامة)، والتی یعتبرها أرباب البصیرة منبعثة من عقل ومعرفة قائلها، قد تطغى أحیاناً على الموضوع الرئیسی للأشعار بحیث یؤدی ذلك بالقارئ أو المستمع إلى الشك فی الهدف الأصلی للشاعر، هل هو التأكید على المبادئ الأخلاقیة، أم تسجیل الحوادث التاریخیة والأساطیر القدیمة؟!.

بالتأكید فإن استشهاد الفردوسی المتكرر فی أشعاره بمثل هذه المفاهیم الأخلاقیة والإنسانیة السامیة قد أكسب (الشاهنامة) امتیازاً فریداً، قلما نجد مثیله فی الملاحم الشعریة لشعراء آخرین، وهی بحد ذاتها: "... فن معرفة العالم"، الذی یقول عنه تولستوی: "بأنه ذو ملاك ثابت ومعتبر، وأن هذا الملاك المتمثل بالمعرفة الدینیة والروحانیة هو الذی یملی الأفكار والعقائد.. وهو من النقاط المشتركة بین كافة أمم الدنیا فی جمیع الأعصار والأزمان".

إن هذه المعرفة الدینیة والروحانیة تعتبر فی الواقع أساس المكارم الأخلاقیة وقاعدتها.. ومن الشخصیات التاریخیة التی تمیزت بمثل هذه الفضائل السامیة والأخلاق العالیة فی القرون المنصرمة والقرن الحالی نذكر: كانط وتولستوی وعدد من علماء التعلیم والتربیة فی أوروبا وأمریكا مثل: الدكتور كارل، وأناتول فرانس، واشبینجر، وكیزلینك وجان دیوی.

بالطبع فإن مثل هذه الإشارات إلى الفضائل والمكارم الأخلاقیة والتأكید علیها، نراها جلیة فی الأحادیث والروایات المنقولة عن رسول الإسلام الأكرم محمد (صلى الله علیه وسلم)، وكذلك فی الآیات القرآنیة المباركة.. كما جاء فی الحدیث الشریف الذی نقله مالك فی (الموطأ): "إنما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق".. وكذلك فی الآیة الشریفة: "هو الذی بعث فی الأمیین رسولاً منهم یتلو علیهم آیاته ویزكیهم ویعلّمهم الكتاب والحكمة" (سورة الجمعة/3).
كما توضحه الآیة الكریمة، فإن القرآن الكریم یؤكد على تزكیة النفوس قبل التعلیم.. حیث أن الهدف الأساسی من بعثة الأنبیاء والرسل لا سیما نبی الإسلام الأكرم (صلى الله علیه وسلم)، هو تتمیم مكارم الأخلاق وتهذیب النفوس الإنسانیة.
ولأن الشاعر الفردوسی كان من الأتباع الحقیقیین للنبی الأكرم (صلى الله علیه وسلم) ومن المؤمنین بالإسلام والعارفین بالقرآن والأحادیث الشریفة وبمبادئ الأخلاق الإسلامیة، التی یقول عنها علماء الأخلاق أنها ذات منشأ عقلانی، وتستند إلى الإیمان بالمبدأ والمعاد، لذا فإنّه اتخذ من الأخلاق الإسلامیة والمكارم والفضائل الأخلاقیة منطلقاً لعمله، ومطلعاً لأكثر مقطوعاته الشعریة، كما یبدو ذلك فی هذه الأبیات الرائعة التی افتتح بها ملحمته الشعریة (الشاهنامة):

[باسم الله خالق الحیاة والعقل، الله الذی یرزق ویهدی، الله رب الكون، والنور الأزلی، وأعلى من التصور فی الخیال، ولابد للإنسان أن یعبد الله لأنّه أهل للعبادة].

وفی مكانٍ آخر من الملحمة، وفی إثباته للتوحید وعبادة الواحد الأحد، ورفضه لاحتجاجات المادیین من أدعیاء الحكمة والفلسفة، وبأسلوب بسیط وجریء نراه یقول:
[أیها المتفلسف الثرثار، لن أسلك طریقك الذی توصینی به، لأنه لا عقیدة أفضل من التوحید، حیث أن الله واحد شئت أم أبیت، إنك تقبل الشیء الذی تراه، وأعلم أن الله هو غیر الذی تفكر به أنت، حیث الله الأحد، وأن عقیدة التوحید هی الأصالة دون غیرها].

یبدو أن الفردوسی كان قد اقتبس تلك المعانی فی وصف هذه الزمرة من الناس من القرآن الكریم، حیث جاء فی الآیة السابعة من سورة الروم: "یعلمون ظاهراً من الحیاة الدنیا وهم عن الآخرة هم غافلون".
الشاعر الفردوسی فی مطلع ملحمته (الشاهنامة) وبعد حمده لله جلّ وعلا، هكذا یقول
إن مكانة العقل:

[لابد أن یراقب العقل أعمال الملوك والسلاطین، حیث أن العقل زینة الأبرار، اعلم أیها الإنسان أن العقل یعنی الخلود فی الحیاة والعقل هو أصل الحیاة، حیث أن منزلة الإنسان فی الدارین ترتبط بالعقل فاتخذ من العقل مرشداً فی طریقك، لأنه یصونك من الضلال].

بعد ذلك یؤكد الفردوسی على لزوم الانتهاج بنهج النبی (صلى الله علیه وسلم) ووصیة علی (ع) كما یبدو ذلك فی هذه الأبیات:

[أو أردت أن ننجو من أی انحراف ولا تقع فی البلایا، فاتخذ من كلام الرسول دلیلاً لك فی الحیاة، ولو أردت السعادة فی الآخرة فتمسّك بالنبی ووصیة المرتضى].

وبهذا المعنى قال الفردوسی، وهو یهجو السلطان محمود الغزنوی:

[أساؤوا القول بشأنی، لأنی أحب النبی وعلی ولهما مكانة كبیرة فی قلبی، ولیعلموا أن حبی للنبی وعلی أكثر بمائة مرة من حبی لمحمود].

وفی مكانٍ آخر من الملحمة یؤكد الفردوسی على إیمانه بما جاء فی القرآن الكریم حول تكریم الإنسان كخلیفة لله فی الأرض، كما جاء فی الآیة المباركة: "وإذ قال ربك للملائكة إنی جاعل فی الأرض خلیفة...". (سورة البقرة/29).
والآیة الأخرى: "ولقد كرمنا بنی آدم وحملناهم فی البر والبحر ورزقناهم من الطیبات وفضلناهم على كثیر ممن خلقنا تفضیلاً". (سورة الإسراء/73).
حیث أن الشاعر الفردوسی جمع هذه المضامین الرائعة فی بیتین ملیئین بالحكمة والموعظة، وهو یخاطب الإنسان بالقول:

[أنت أیها الإنسان خلیط من المادة والروح، وقد سخرت كل إمكانات الدنیا من أجلك، فلا تحط من قیمتك، واعرف قدر نفسك].

ومن هذه النظرة الحكیمة یدعو الشاعر الفردوسی الإنسان إلى تزكیة نفسه، ویحثه على التعلم والتفكیر، ویحذره من ادعاء الكمال الذی یعتبره سبباً للخسران، حیث یقول:

[لا تترك التعلم أبداً حتى للحظة، متى ما ظننت أنك أمسیت عالماً وتعرف كل شیء فهذا هو الجهل بعینه، اعلم أنك لو تركت التعلیم والتعلم، ولم تصغ لكلام العلماء والحكماء فإنك أجهل بنی الإنسان].
وقد اقتبس الشاعر الفردوسی هذه المعانی مما ورد مراراً فی القرآن الكریم والأحادیث النبویة الشریفة فیما یخص الحث على التعلم... وللاختصار فإننا نكتفی بالآیة 13 من سورة (الزمر).

(... قل هل یستوی الذین یعلمون والذین لا یعلمون إنما یتذكر أولوا الألباب).
والحدیث النبوی الشریف: "اطلبوا العلم ولو بالصین، فإن طلب العلم فریضة على كل مسلم، وأن الملائكة تصنع أجنحتها لطالب العلم رضى بما یطلب".
ومن الأمراض الخطیرة التی تصیب طالب العلم الغرور والعجب، فإن أصیب طالب العلم بمثل هذه الآفة فسینطبق علیه حدیث الإمام أمیر المؤمنین (ع): (إعجاب الرجل بنفسه برهان نفسه وعنوان ضعف عقله).
ولأن الفردوسی كان ینظر للإنسان كمظهر للكمال والجمال المطلق من الناحیة المعنویة ومرآة لانعكاس الأنوار الإلهیة ولكی لا یتأخر عن نیل السعادة الأبدیة، فإن الشاعر یحثّه على كسب العلم والمعرفة ویحذّره دوماً من الصفات السیئة مثل:

حب الهوى، والحرص، والطمع، والكذب، والنفاق، والكسل، والأسوأ من ذلك الظلم.
وعن طریق أشعاره الملیئة بالحكم والمواعظ، كان شاعرنا یدعو الإنسان إلى الخوف من العقاب الإلهی وإلى الصبر والعمل الصالح والحسن والاعتدال فی الحیاة ومجالسة العلماء والعارفین، والابتعاد عن الجهلة، وأخذ العبر والدروس من وقائع الحیاة، فضلاًَ عن الكثیر من الصفات الإنسانیة الأصیلة.وهكذا فإن ملحمة (الشاهنامة)، فضلاً عن احتوائها على الأشعار الحماسیة والقتالیة وسرد الملاحم البطولیة والأسطوریة وتسجیلها للوقائع التاریخیة، فإنها كما قلنا آنفاً تعتبر خزاناً نفیساً من الدرر والمجوهرات الثمینة والحكم والمواعظ المشبعة بالأخلاق والخصال الحسنة.. وسنشیر أدناه إلى نماذج من الأبیات الشعریة التی جاءت فی الشاهنامة بشأن الخصال الأخلاقیة التی ذكرناها آنفاً وهی كالآتی:
[لو تغلّب الهوى علیك، فإن العقلاء لن یعاملوك كإنسان، ولا یُمكن لأی أحد أن یفر من وساوس الأهواء.. ومن یتغلّب على هواه فهو كالأسد المغوار].

وكما یقول الرسول الأكرم (صلى الله علیه وسلم): [أشجع الناس من غلب هواه]، ویقول أمیر المؤمنین علی (ع): (لا یجتمع العقل والهوى).

وقبل كل هذا، جاء فی القرآن الكریم: "ومن أضل ممن اتبع هواه بغیر هدى من الله" (سورة القصص/151).
"... ولا تتبع الهوى فیضلك عن سبیل الله" (سورة ص/26).
"وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هی المأوى" (سورة النازعات/41 و42).
وعن التقتیر والطمع یقول الفردوسی:

[لا یحترم أی شخص فی الدنیا المقتّر والطماع، ما دمت تعرف أن الدنیا غیر باقیة، إذن لم تعذب بدنك وروحك بالطمع والحرص علیها، اكتف بما عندك ولا تحاول الاستزادة منها، لأن التقتیر والطمع یقضیان على سمعة الإنسان].
ویقول الرسول الأكرم (صلى الله علیه وسلم): (یهرم ابن آدم ویشب منه اثنان: الحرص على المال والحرص على العمر) كما جاء الحدیث نفسه بصورة أخرى: (یشیب ابن آدم وتشب فیه خصلتان: الحرص وطول الأمل).
ویقول الإمام علی (ع): (الحرص لا یزید فی الرزق ولكن یذل القدر).
وفی الكذب والنفاق:

یقول الشاعر الفردوسی:

[الكلام المعسول والمزین والنفاق والكذب لا شأن له أمام أنظار العقلاء، ومن یتخلّ عن عمل الخیر فإنه سینحرف ویضل على السواء. الكذب یسوّد وجه الإنسان ویحول دون سموه].
وبهذا الشأن یقول الرسول محمد (صلى الله علیه وسلم): (أخوف ما أخاف على أمتی كل منافق علیم اللسان).
ویقول الإمام علی (ع) أیضاً: (إیاك والنفاق فإن ذا الوجهین لا یكون وجیهاً عند الله)، (أقبح الخلائق الكذب).
وفی بیتٍ شعری رائع آخر یقول الفردوسی:

جو كاهل بود مرد برنابكار

أزوسیر كردد دل روزكار..

وهو یعنی:

[لو تقاعس الإنسان فی عمله، فإن الدنیا ستملّ من وجوده].

وفی الكسل یقول الشاعر الفردوسی:

[تخلّ عن الكسل، واسع وابذل جهدك حتى تقطف ثمار عملك. ففی هذه الدنیا لا ثمار بلا تعب، فالكنز یكمن فی السعی وبذل الجهد، وبدونه لا ینال الإنسان ذلك الكنز].
الآیتان المباركتان 41 و42 من سورة النجم تتضمنان المعنى ذاته: "وأن لیس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعیه سوف یرى".
كما ورد عن الرسول القائد (صلى الله علیه وسلم): (اللهم إنی أعوذ بك من العجز والكسل...).
وفی موضوع الظلم والجور
یقول الشاعر الفردوسی عن لسان أنوشیروان:
[هكذا قال أنو شیروان، لو أن الملك ظلم الناس وهجر العدل فإنه سیخسر فی الدنیا، فإن الظلم یعنی بدایة زوال الجبابرة والملوك].
وقد أشارت الآیات المباركة إلى الظلم فی مواضیع كثیرة:
"إن الذین كفروا وظلموا لم یكن الله لیغفر لهم ولا لیهدیهم طریقاً إلا طریق جهنم خالدین فیها أبداً وكان ذلك على الله یسیراً" (سورة النساء/167-168).
كما جاء فی الحدیث النبوی الشریف: (الظلم ظلمات یوم القیامة).
وروی عن الإمام علی (ع): (لا تظلم كما لا تحب أن تُظلم).
ویقول الإمام علی بن الحسین (ع) فی وصیة لابنه محمد الباقر (ع): (إیاك والظلم لمن لا ناصر له علیك إلا الله).

وفی موضوع عدم إلحاق الأذى بالغیر
یقول الفردوسی فی هذا الشأن:
[لا تؤذی النملة التی تحمل حباتها، لأنه حیة وتحب حیاتها. من یؤذی نملة، فإنه أسود القلب، وشدید القسوة، الكبار والصغار یعتقدون أن الدنیا لا تستحق أن تؤذی الآخرین فیها].

ویقول الرسول الأكرم (صلى الله علیه وسلم): (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ویده).
وعن الجزاء والثواب یقول الشاعر الفردوسی:
[لو قمت بعملٍ سیء فی الدنیا، فإن حسابك یكون فی الآخرة، وستجنی هناك ثمار ما زرعته فی الدنیا.
تذكّر الله واخش منه حتى ما عزمت على عمل السوء أو حدّثت نفسك بذلك.
إن أحسنت فإنك ستلقى الثواب.
وإن أسأت فإنّك ستلقى العقاب].
وقد جاء فی القرآن الكریم: "یومئذً یصدر الناس أشتاتاً لیروا أعمالهم، فمن یعمل مثقال ذرةٍ خیراً یره، ومن یعمل مثقال ذرةٍ شراً یره" (سورة الزلزلة/7-9).
وفی التذكیر على أهمیة العدل یقول الفردوسی:
[لو كنتَ عادلاً أیها الباحث عن الشهرة، ستحقق ما تصبو إلیه من آمال، التزم العدالة فی العمل سواء خیراً أم شراً].
وقد جاء فی الآیة 12 من سورة المائدة: "ولا یجرمنكم شنآن قومٍ على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبیرٌ بما تعملون".
كما یقول الإمام علی (ع): (أنصف الناس من نفسك وأهلك وخاصتك، ومن لك فیه هوى، واعدل فی العدو والصدیق).

وعن موضوع البر والإحسان یقول الفردوسی:
[ما دمت حیاً، فإن علیك أن تعمل الخیر، حتى تفوز فی الآخرة، اعمل الخیر فی الدنیا لأن عقاب الأعمال السیئة تلقاه سریعاً فی الدنیا، الخیر والإحسان هما اللذان یبقیان فی الدنیا].
وقد جاء فی القرآن الكریم إشارات عدیدة إلى عمل الخیر والبر والإحسان منها الآیة 90 من سورة النحل: "إن الله یأمر بالعدل والإحسان وإیتاء ذی القربى".. وكذلك فی الآیة الثامنة من سورة الإسراء: "إن أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها...".

یقول الإمام علی (ع): (لا فضیلة أجلّ من الإحسان).
وفی مسألة الحلم والصبر یقول:
[الصابرون لا یغضبون أبداً، ویبتعدون عن الأعمال المحطمة، ویحذرون من الوقوع فی التهلكة.. لكن الصبر لو زاد عن حده فإنّه سیؤدی إلى الكسل والضعف].
وكما یلاحظ فإن الشاعر الفردوسی لا یقبل بالحلم والصبر الذی یزید عن حده، ویُضمر فیه الضعف والانحلال.
وهناك حدیثٌ نبوی شریف بهذا المعنى: (خیر الأمور أوسطها).
وكذلك: (أوتیتُ جوامع الكلم).. وهذا الحدیث یتمیّز بالعمومیة والإطلاق، وهو یدل على الاعتدال فی جمیع الصفات الإنسانیة.
وكذلك یقول الرسول (صلى الله علیه وسلم): (اللهم أغننی بالعلم وزیّنی بالحلم)، (الحلم سید فی الدنیا وسید فی الآخرة).

كما یقول أمیر المؤمنین علی (ع): (الحلم یُطفئ نار الغضب).
وفی مجال الاعتدال فی الإنفاق یقول الشاعر الفردوسی:
[لا تسرف فی إنفاق الأموال عبثاً أو للتظاهر: إذا التزمت الاعتدال فی الإنفاق فإنّك ستستمر فی حیاتك سعیداً، والعقلاء یؤیدون مثل هذا العمل].
كما قال الرسول الأكرم (صلى الله علیه وسلم): (الاقتصاد فی النفقة نصف المعیشة).
والآیة المباركة 22 من سورة الإسراء فیها تعلیمات خالدة إلى كافة بنی البشر للالتزام بالاعتدال فی الإنفاق على مر العصور والأزمان: "ولا تجعل یدك مغلولةً على عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً".
وأما عندما ینصح بالابتعاد عن الجاهلین ومجالسة العقلاء یقول الفردوسی:
[إن جالست الجاهل فیسبب لك المتاعب، وعلیك أن تحذر من مجالسة الجاهلین، فإن الصخور تئن من الجهلة، لأن الجاهل لا یُعیر أهمیة لعاقبة أعماله، ولا یفرّق بین العز والذل].
حیث أن الجاهل یغفل العز والذل ویجهل الفضائل، وكما یقول الإمام علی (ع): (الجهل بالفضائل من أقبح الرذائل)، وهو سلام الله علیه حذّر الإنسان مراراً من مجالسة الجاهل: (احذر مجالسة الجاهل كما تأمن مصاحبة العاقل).. ویقول الرسول الأكرم (صلى الله علیه وسلم): (إیاك ومصاحبة الأحمق فإنّه یرید أن ینفعك فیضرك).

وحول لزوم مجالسة العقلاء یقول الشاعر الفردوسی:

[التزم مجالسة العقلاء، لأن الجاهل لا إیمان له.. حیث أن العدو العاقل أفضل من الصدیق الجاهل].
كما ینصح بالاتعاظ وأخذ العبرة، فیقول:
[لو فصحتِ الأرض عن أسرارها ومكامنها، فإنها ستخرج من جوفها السلاطین ودماء الفرسان والعلماء وذوی الوجوه المنعّمة.. إذن مهما یكن فإن العاقبة هی الموت].
ویقول فی مكانٍ آخر:

[أین التیجان والملوك، أین الأبطال والفرسان، أین العلماء والحكماء، أین المتكبّرین والشجعان؟ لقد ماتوا جمیعاً وتوسّدوا التراب، لم یفز بها سوى المحسنین.. نحن من التراب، ولابد أن نعود إلى التراب.. فالعالم ملیءٌ بالحكم والعبر، لماذا إذن نغط فی الغفلة؟].

وقد جاء فی القرآن الكریم بهذا الشأن: "فاعتبروا یا أولی الأبصار" (سورة الحشر/3).
وقوله تعالى: "أینما تكونوا یُدرككم الموت ولو كُنتم فی بروجٍ مشیدة" (سورة النساء/ 81).
وقوله تعالى: "قل سیروا فی الأرض فانظروا كیف كان عاقبة الذین من قبل..." (سورة الروم/ 42).
وهناك قولٌ مأثور عن الإمام علی (ع): (ما أكثر العبر وأقل الاعتبار).
والفردوسی فی مكانٍ آخر من الملحمة یذكر بیتاً رائعاً ملیئاً بالعبر والدروس:
[ما دام الكون لا ولن یبقى إلى الأبد، فلا تزرع سوى بذور الخیر فی هذه الدنیا].
یبدو أننا أسهبنا فی الحدیث نوعاً ما، لأننا لو أردنا الإشارة إلى جمیع المواعظ والحكم والأبیات الشعریة الأخلاقیة والمشبعة بالعبر والدروس التی نظمها حكیم طوس، والتی یتجاوز عددها مئات الأبیات وعلّقنا علیها بالأسلوب الذی اتبعناه آنفاً، فإننا سنكون بحاجة إلى صفحات أكثر من صفحات (الشاهنامة) نفسها!!.
ولكن وتطبیقاً لقاعدة: ما لا یُدرك كلّه لا یُترك جلّه.. فقد اكتفینا بهذه المعانی السامیة، وبدورنا ندعو المحققین والأدباء إلى مطالعة (الشاهنامة)، أو ملخّصها الذی أُعدّ قبل سنوات والغور فی أعماقها.. وحقاً إن من لا یقرأ (الشاهنامة) بدقة لا یُمكنه أن یُقدّر عظمة ومكانة الشاعر الكبیر الفردوسی فی الأدب الفارسی، بالأخص الجانب الأخلاقی فی الملحمة التی أشرنا إلیه آنفاً.
وهنالك ثلاث ملاحظات نُدرجها كالآتی:

الملاحظة الأولى:

أن الفردوسی عندما یرید أن یذكر النساء أو یُشیر إلیهنّ فی أشعاره فإنّه یُعبّر عنهنّ بشكلٍ مناسب ومحترم جداً، مستلهماً ذلك من غیرته ورجولته ومن القیم والتعالیم الإسلامیة الأصیلة التی یؤمن بها، والتی نعلمها من الآیات القرآنیة العدیدة الواردة فی هذا المجال، مثل هذه الآیة المباركة: "وإذا سألتموهنّ متاعاً فاسئلوهنّ من وراء حجاب" (سورة الأحزاب/54).
ویتضح ذلك فی العدید من الأبیات الشعریة، ومنها هذین البیتین التی یصف فیها إحدى شخصیات قصص الملحمة وتدعى (منیزة)، حیث یقول:

[دخلت إلى المحفل وهی محجّبة، تغطّی شعرها ووجهها].

ویقول بلسان حالها:

[أنا منیزة بنت أفراسیاب، حتى الشمس لم ترنی بغیر حجاب].
الملاحظة الثانیة:
أن الفردوسی مع ما كان یُكنّه للمرأة من احترام وتكریم ویصفها بالالتزام والحجاب ویدعوها إلى ذلك، إلا أنّه كغیره من البشر كان مُحباً للمرأة وداعیاً إلى لزوم الاقتران الشرعی بها والتمتّع بلذائذ الحیاة وطیباتها، وهو بذلك یُجسّد معانی الآیتین المباركتین:

- "... كلوا من طیبات ما رزقناكم..." (سورة البقرة/55).

"قل من حرّم زینة الله التی أخرج لعباده والطیبات من الرزق" (سورة الأعراف/31).
وكذلك الحدیث النبوی الشریف: (خیركم من لم یترك آخرته لدنیاه، ولا دنیاه لآخرته، ولم یكن كلا على الناس).. حیث یقول الشاعر الفردوسی:

[مهما تملك من منصب اجتماعی فی الحیاة، وسواء كنت سلطاناً أو عبداً.. فلا خیار أمامك سوى الزواج، وتناول الطعام والتزام النوم وارتداء الملابس
لو اخترت زوجة مؤمنة وجمیلة، فهل تعرف مثیلاً لها فی العالم؟...].
وفی بیتٍ آخر یُضمّنه ما جاء فی الحدیث الشریف: (من تزوّج فقد استكمل نصف الإیمان، فلیتّق الله فی النصف الباقی)، یقول:

[من یعزم على الزواج، فإنّه فی الواقع یُرید العمل بدینه وإكمال إیمانه].
ویدعو فی مكانٍ آخر إلى عدم حمل هموم الدنیا وغمومها، حیث یقول:
[انظر كیف خلق الله الدنیا جمیلة وكاملة، وعطاء الله لیس محدوداً أو ناقصاً.. إذن اخرج إلى الدنیا ولا تحمل الغم.. لا تطلب من الله سوى الخیر والبر، ولا تحزن ولا تكن مغموماً من أجل الدنیا.. إذن كل واشرب والبس، لأن ثمار غیرها فی هذه الدنیا].

والملاحظة الثالثة:

أن الفردوسی فی عنفوان شبابه لم یكن بحاجة إلى أی أحد، وكان مكتفیاً ذاتیاً.. إلا أنّه أنفق كل ما كان یملك من مال فی نظم ملحمته الرائعة (الشاهنامة)، ونتیجة لوشایة الحساد والمغرضین، فقد أساء له السلطان محمود الغزنوی، مما أدى به آخر أیامه إلى أن یعانی من العوز والفقر المادی الشدید، وقد أشار إلى ذلك مراراً فی أبیات شعریة، نظمها بهذا الشأن، وفیها یشكو من الدهر وتقلّب الأیام ونوائب الزمان التی لا ترحم أبداً.. إلا أنه رغم ما عاناه وتحمّله من صعاب، فقد كان یُسلّم أمره إلى الله، مستلهماً معانی التوكّل على الله والتسلیم له من الآیة المباركة: "إنما أمره إذا أراد شیئاً أن یقول له كن فیكون..." (سورة یس/ 82).
وبهذا الشأن نورد الأبیات الآتیة المتضمنة للمعانی الآنفة الذكر:

[یا دنیا.. لم كنت سعیداً فی حیاتی حینما كنت شاباً، وخارت قوای فی كهولتی..
أجابته الدنیا، لم تنسب الجید والسیء لی، وهذا بعید عن عقلك وحكمتك.. لابد أن تأخذ معالم الطریق من خالق الكون والشمس والقمر واللیل والنهار.. لأن الله إن أراد شیئاً فإنّه یقول له كن فیكون
ولو اعتقد الإنسان بغیر ذلك، فإنّه یفكّر عبثاً، فاستعن بالله وتوسّل به، ولا تطالب أدنى شیء من سواه].
وهكذا نرى أن هذا الإنسان المؤمن بالله وبمشیئته، والمتوكل علیه والمستعین به، قد اقتدى فی حیاته بمولاه علی بن أبی طالب (ع) الذی یقول فی (دعاء كمیل): (اللهم اجعلنی بقسمك راضیاً قانعاً، وفی جمیع الأحوال متواضعاً). ونختم جولتنا بهذه الأبیات الشعریة الرائعة الملیئة بالحكم والمواعظ والعبر التی اقتبسناها من ملحمة الفردوسی الشعریة (الشاهنامة).. وهی لما تحویه من معانی ومضامین معنویة وإیمانیة أصیلة، تعتبر بحق من مفاخر الشعب الإیرانی، وكل الناطقین بالفارسیة.

[تعال لكی لا نودّع الدنیا بالسیئات من الأعمال، ولنسع معاً لتأدیة الأعمال الصالحة، لأن العمل الصالح والسیئ لا یدومان، إذن لنترك من بعدنا الصالح من الأعمال، فالكنوز والقصور لا نجنی منها أی ربح، إذن فلابد أن تعمل صالحاً ولا تؤذی أحداً وهذا هو طریق الفلاح الأوحد..].


[ 1396/01/21 ] [ 11:16 ] [ دکتر كشاورز ]