بانک مقالات عربی

مقالات مربوط به رشته زبان وادبیات عربی - دکترای عربی - ارشد عربی - ترجمه عربی

    مفهوم السرقات الشعریة

تعرّف السرقة فی اللغة
بأنها اسم من:
(سرق منه الشیء یسرق سَرَقاً،
واسترقه: جاء مستتراً إلى حرز، فأخذ مالا لغیره)(1).
وسرقه: (أخذ ماله خفیة)(2).
وقد اُستعیر المعنى الاصطلاحی
من المعنى اللغوی للكلمة؛
لیدلّ على الفعل ذاته، وهو (السرقة)،
وإن كان من اختلاف فهو فی ماهیة ونوع المسروق فقط.
فالسرق فی الاصطلاح: (الأخذ من كلام الغیر،
وهو أخذ بعض المعنى أو بعض اللفظ سواءً
أكان أخذ اللفظ بأسره والمعنى بأسره)(3).
وقد قال طرفة بن العبد:
و لا أغیر على الأشعار أسرقها
غنیتُ عنها وشرّ الناس من سرقا
وقد طوّر النقاد المتقدمون، ومن بعدَهم
من المتأخرین فی المصطلح،
وأدخلوا علیه ألفاظا ومصطلحات أخرى تحت بابه.
فابن قتیبة (276ه) مثلاً نأى عن ذكر لفظ
(السرقات) عن الإسلامیین، مستبدلاً
إیاها ب (الأخذ)، و (السلخ)، و (الاتباع).
وقبله ابن سلاّم الجمحیّ (232هـ)،
الذی استخدم لفظی (الاجتلاب)، و(الإغارة).
أما الجاحظ (255هـ) فقد راوح بین (السرقة)، و (الأخذ).
وتفرّد الصولی (335هـ) بلفظی (النسخ)، و (الإلمام).
ولكن هذه الألفاظ أصبحت شبه منقرضة
فی العصر الحدیث، وحلّت مكانها ألفاظ فیها
من الإنصاف الكثیر كالتناص، والاقتراض، وسأعرض لها لاحقاً.
نشأة السرقات
وُجدت هذه القضیة منذ عصر الیونان،
فقد اعترف بعض شعرائهم بتقلیدهم لسابقیهم،
واتُهم بعضهم بأنهم قد سرقوا ممن كان قبلهم(4).
وإذا أردت التحدث عن وجودها لدى العرب،
فإنها كانت حاضرة منذ العصر الجاهلی،
واتُهم فیها شعراء لهم ثقلهم، كزهیر یقال:
إنه سرق من قراد بن حنش من غطفان(5).
وأستغرب أن یُوصم شاعر كزهیر بمثل ذلك، لسببین:
أولهما أنه قد عُرف عنه وإن كان جاهلیاً
التزامه وخلقه الورع، وكذلك أن شاعراً
من عبید الشعر، یجلس الحول ینمّق
فی القصیدة قبل إخراجها، لن یقع فی
هذا المطبّ الوعر علیه كشاعر مدنّس
اً اسمه بأبیات، فأعتقد أن ما نُسب إلیه قد
یكون من تزیّد الرواة أو اختلافهم.
وأبیات امرئ القیس الكثیرة التی أُغیر علیها كُثُر،
كطرفة بن العبد فی البیت المشهور(6):
وقوفاً بها صحبی علیّ مطیّهم
یقولون لا تهلك أسى وتجلّد
فقد أخذه من امرئ القیس من بیته:
وقوفاً بها صحبی علیّ مطیّهم
یقولون لا تهلك أسى وتجمّل
وإن كان للغذامی رأی آخر، یجعل بیت طرفة منحولا علیه،
بدلیل أجواء القصیدة(7)
وكانت السرقات كثیرة، والاتهامات تتقاذف على الشعراء،
وإن كنت أرى أن قدم عهدنا بهم،
وأن الرواة هم الناقلون لا التدوین..
سبب رئیس لكثرتها، وشیوعها.
وعندما نذهب للعصر الإسلامی،
نجد هذه القضیة قد شاعت أكثر، ولم
یسلم منها إلا قلّة، فاتهم حسان بن ثابت،
والحطیئة، النابغة الجعدی وكعب بن زهیر(8).
أما فی العصر الأموی فقد اشتدت نار السرقات،
وتراشقت سهامها، بسبب العصبیات القبلیة،
والخصومات النقدیة، إضافة إلى تفشی النزاعات،
والأحزاب السیاسیة، إلا أن بعض الروایات
تؤكد هذه السرقة فی وضح النهار، كما كان یقوم
به الفرزدق مهددا من لا ینصاع له بالاختیار بین
بیته الشعری، أم عرضه، فقد فعلها مع ذی الرمة
، وجمیل بثینة، والشمردل، وغیرهم(9).
كذلك سرقات جمیل بثینة، وكثیّر عزة، والأخطل،
والكُمیت(10)، والقائمة تطول فی ذكرهم،
ولكن المهم فی هذا العصر أن السرقات
اختلفت بعد أن كانت فی الجاهلی یغلب
علیها اللفظ والمعنى، فإنها هنا تؤخذ المعانی،
وتُخفى لتظهر بشكل جدید، إضافة
لما ذكرت عن الإغارات الواضحة للفرزدق.
وفی العصر العباسی ظهرت الكتب المتخصصة فی السرقات،
وتأججت الخصومات بین اتجاه القدیم والحدیث،
والاختلاف نحو شاعر معین، لتذكی كلها قضیة السرقات،
فلم یسلم شاعر مهما علا شأنه من هذا الاتهام،
كأبی نواس الذی أُلِّف كتاب فی سرقاته(11)،
وأبی العتاهیة، والمتنبی أیضاً وما ألِّف حوله
من خصوم وأنصار، وكذلك كتاب الآمدی الذی خصص
جزءاً منه یتتبع فیه سرقات الشاعرین،
أبو تمام والبحتری، وأن الأخیر قد سرق من الأول،
مع أن الأول قد سرق ممن قبله(12).
واستمرّت الحملات الشعواء على بعض الشعراء
من النقاد، ولا أنكر إنصاف بعضهم،
وإن كان الأغلب قد فهموا السرقات بغیر ما توصل إلیها نقدنا الحدیث.
آراء النقاد فیها
كان لاهتمام العرب بالشعر، من حفظ وتدوین،
أثر فی تتبعهم للسرقات، وتوهمهم أحیاناً
بوجودها عند شاعر وهو منها براء، وما هذا إلا نوع
من ظاهرة التناص (تداخل النصوص) التی سأعرض
لها خلال هذا البحث، وسأشیر لبعض نقادنا العرب
المتقدمین الذین ألمحوا إلى ذلك، وإن لم یذكروه صراحة:
1 محمد بن سلاّم الجمحیّ (231هـ)(13):
یعدّ من أوائل عارضی السرقات فی مؤلفاتهم،
وإن لم یدرسها دراسة منهجیة؛ ولكنی
ذكرته هنا مع عدم العلم: هل هو أول من عرض لها؟
ربما لا، ولكن أسبقیة وصول كتابه،
وفقدان الكتب التی سبقته ككتاب ابن كُناسة
(207هـ): سرقات الكُمیت من القرآن وغیره؛
جعلته یحتلّ المركز الأول فی حدیث السرقات
التی ربما سبقه أحدهم فیها.
تحدّث ابن سلاّم عن السرقة، ووجودها
فی العصر الجاهلی، وكان حدیثه عاماً بلا دراسة
أو استقصاء، وإنما یعرض سریعاً لبیت مسروق
یتبع أحد الشعراء الذین فی طبقاته.
وإن كان ابن سلاّم قد تحدث عن اختلاف الروایة،
وما سببته من ظنّ فی السرقات.
كما تحدث عن فكرة المعنى المشترك بلا تخصیص
وتفصیل ونقد؛ إلا أننا لا ننكر استفادة النقّاد اللاحقین له؛
وإن كانت دراستهم مستفیضة، وبروح علمیة أكثر مما كانت عنده.
2 الجاحظ (255هـ) (14): أما الجاحظ فقد قال
عبارته المشهورة عن المعانی المشتركة:
(إن المعانی مطروحة فی الطریق، یعرفها
العجمی والعربی، والقروی والبدوی،
وإنما الشأن فی إقامة الوزن وتخیّر اللفظ).
ولكن اهتمام الجاحظ باللفظ كما نعلم
جعله لا یعطی سرقات المعانی بالاً كما
هو سرقات الألفاظ، إضافة إلى اهتمامه
الكبیر بقضیة اللفظ والمعنى واستحواذها علیه(15).
3 أبو بكر الصولی (335هـ)16) لم یكن كتابه فی النقد؛
وإنما أدبیاً عن (أخبار أبی تمّام)؛ ولكن
ملاحظاته النقدیة عن السرقات،
المتناثرة فی كتابه، أدرجته مع
النقاد أصحاب المناهج وكتب النقد،
فهو أول من فرّق بین سرقة اللفظ،
وسرقة المعنى، وسرقة اللفظ والمعنى معاً.
كما كان أول من استخدم لفظی (النسخ)، و (الإلمام).
4 ابن طباطبا العلوی (322ه):
لم یكثر الحدیث عن السرقات،
وإن كان قد ذكر أنواعاً منها دون الإشارة
إلى أسمائها ك(النقل)، و(القلب)،
وذكر علیها الشواهد الشعریة(17).
كما ذكر أن المعانی المسبوق إلیها لا تعد مسروقة؛
إذا كان المحدَث أخذها وأحسن كسوتها ودیباجتها،
فله فضل ذلك(18).
وهو ما یقصد به (الأخذ المحمود).
إلا أنه فی نفس الوقت لا یبیح أو یتساهل
فی (الأخذ المذموم)، الذی لا یضیف للمعانی،
بل یخرجها فی أوزان مخالفة لما كانت علیه،
محاولاً إسباغ ألفاظ جدیدة دون سابقتها؛
لیبعد عنه تهمة السرقة.
5 أبو القاسم الآمدی (370هـ): یقرر الآمدی
أن السرق لا یكون إلا فی المعانی
التی یبتكرها الأول، وتلحق به(19).
إلا أنه جعل سرقات أبی تمام كثیرة،
وهذا ما حاد عنه فی بدایة حدیثه عن العدل
فی بدایة الكتاب، وإن كان ألغى بعض سرقاته
التی وصمها به ابن أبی طاهر.
ولقد أجحف أبو القاسم حینما جعل من أسباب
تأكده أن أبا تمام سرق المعانی،
هو وجود مختارات شعریة له،
واتصاله المتین بالشعر القدیم؛
وهذا مایؤكد لنا قضیة (تداخل النصوص)
بعیدا عن اتهام السرقة(20).
6 القاضی علی الجرجانی (392هـ):
یحترز عن الحكم فی السرقات،
ویعتذر للشعراء، فهم یجتهدون
للبحث عن المبتدع الجدید،
وبعدها یجدونه عند سابقیهم
فی قصائدهم، ویدخله القاضی فی الأخذ
غیر المتعمّد الذی یعدّ هو أول من تنبّه له(21).
كذلك كان للقاضی الجرجانی نظرة متعمّقة فی
هذه القضیة جعلته یخلص لإبعاد التهم عن الشعراء،
مساهماً بطریقة غیر مباشرة فی تأكید نظریة التناص لا السرقات(22).


[ دوشنبه 17 اسفند 1388 ] [ 20:31 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


با کلیک بر روی 1+ بانـــک مقــــالات عربـــی را در گوگل محبوب کنید