تبلیغات
بانک مقالات عربی - عبد الناصر صالح شاعر الجوع والشمس

عبد الناصر صالح شاعر الجوع والشمس

   فی غمرة الدواوین الشعریة الجدیدة كان صوت عبد الناصر[1] یحمل نغمة مأساویة (واقنسیة).

    أما المأساة فقد استهلكها الشاعر واستهلكته ، وكان وهو یافع قد غُمِد فی سجن طولكرم سنة - بانتظاراتها وتأملاتها.... فلا بدع إن قال:

والفارس الموعود

 ما زال ینتظر القطار             (الفارس الذی قُتل قبل المبارزة  ص 75)

وأما (الواقنسیة) فأعنی بها مصطلحًا جدیدًا كنت قد نحتُّه [2] من لفظتَی - الواقعیة والرومانسیة، فواقعیة التفاؤلیة- رغم سوادها- تلبس لبوسًا شفافًا على إیقاع موسیقی حالم:

أماه یا لحن النهار

هل تسمعین

القلب یخفق والتشوق والحنین

أماه لیتك تسمعین

ندائی الملهوف یخترق الجدار

یأتی إلیك مع الطیور الباكیات على الدیار

یأتی مع المطر المحلق فوق أطلال المآسی والألم

أماه یا أحلى نغم                                                  (الفارس الذی قُتل قبل المبارزة  ص21)

 

فمن سمات الواقنسیة -  كما أراها -  استعمال القاموس الرومانسی :  من خیال وحنین وطبیعة وماض وذات ... وذلك  ضمن إطار المجموع.   فعبد الناصر صالح لا یتشوق هنا إلى أمه الحقیقیة بقدر ما یرمز إلى شوقه إلى أمه الكبرى. القصیدة فیها تزامن ،  وكلما كانت القصیدة شخصیة ، وكلما زاد ارتباطها بالزمكانیة اقتربت من مركز الشعر -  كما یرى الشاعر الألمانی الرومانسی نوفالیس.

ولو تقرّینا رموز الشاعر لنجعلها مفاتیح لنا لأبوابه لوجدنا حركات أو موتیفات  :  (الجوع) و (الشمس) و (الزیتون) هی أبرز ما یتردد عنده، فالجوع یعنی لدیــه  العذاب والمعاناة:

لیتنا نعرف فی الجوع الحیاة         (ص17)

أو

وتعود یا طفل الشقاء

تعود ترسم دربك المدهون بالجوع القدیم          (ص74)

لقد طافت أسراب الغربان تبشر قلب الشاعر بالجوع (ص10) بینما الجیاع الآخرون فرشوا دماءهم الهادرة (ص15)، وعندما جاع انهارت تعاویذه (ص34) وبقی یحن إلیها (56) ،  ویظل الجوع الحاد ینبری فی وسط الطریق (ص73) ، فیجوع  ، ویجوع حتى النور آلاتی من عمق الشاعر (ص43).

ویدوی الجوع

والجوع مباح

آه من دهر المآسی والجراح                       (ص94)

وإذا كنا لاحظنا لازمة الجوع تتردد لفظًا فإنها تتوافق معنى:

    ها إننی وحدی بلا زاد وبلا ماء              (ص81)

 

تذكّرنی  هذه اللازمة أو الحركة بدراسة د. عبد الغفار مكاوی عن شعر رامبو ،  فهو یرى أن العطش والجوع فی لغة رامبو، وهما من الكلمات التی استخدمها المتصوفون- كما استخدمها دانتی- للتعبیر عن شوقهم للاتحاد بالذات العلیة. [3]

غیر أن رامبو یستخدمها للدلالة على حالة من الظمأ -  الذی لا یروی ،  والجوع الذی لا یشبع.

إذن فرمز (الجوع) عند شاعرنا لیس مستحدثًا فی الشعر ولكنه مستقى أو على الأقل موازٍ، غیر أن تردیده یضفی عند عبد الناصر تكثیفًا للمعاناة والأزمة.

 

أما الرمز الثانی فهو (الشمس) ،  ولیس هذا الرمز بالمصطلح الصوفی الذی یعنی الحقیقة، وإنما الشمس توءم للوطن ،  أو كأن الشمس وفلسطین كل واحد، وعندما اعتُدی على أحدهما كان قرص الشمس محروق الضیاء (ص31)  ، وقد ربطت الشمس  بقضبان الحدید (ص18) ،  وبقیت واجفة بلا مأوى (ص24) ، وشعاعها تلوث باللون الأسود(ص85)  ، فكان لا بد من أن یأتی أورفیوس- وهو مغنٍ مشهور فی الأسطورة البابلیة یرمز كذلك  إلى الحب- حتى یغسل قرص الشمس الملوث(ص97) ،  وبعدها سیكون المشوار فی عیون الشمس.[4]

رأینا أن الرمزین (الجوع)، و (الشمس) یتممان الصورة. ولنسمع عبد الناصر مستخدمًا كلیهما فی معرض قوله:

أدفن الآهات فی قلبی

وأعرى        وأجوع

نختفی یا عاشق الشمس زمانًا ضاع

                          ما بین الدموع                (ص60)

أما غصن الزیتون فهو مرادف للإصرار والأمل ،  وهو البدایة والنهایة [5]:

هذا القلب حزینًا صار

 حزینًا كغصون الزیتون المصفرة                    (ص9)

ثم بعد ذلك:

یا فرح الزیتون بعد رحلة المخاض والخریف    (ص98)

 

وإذا كان الدیوان قد خرج عن إطار الغموض المزیف الذی یبرزه المتشاعرون - الذین هم كالأطفال یناجون أنفسهم على ملأ من الناس.... برطانة لا یفقهها غیرهم [6]،  فإن عبد الناصر صالح تبدو علیه سیماء الرهافة الشعریة الصادقة ،  رغم ما تملیه علیه موجة التقلید المفتعل أحیانًا. فعلى سبیل المثال: ما الذی یحوج الشاعر أن یعنون قصیدة له هكذا: (تخطیط أولی للوحة تجریدیة)؟ (ص53) ، فهل الشاعر بحاجة إلى التجرید لیعكس جوعه ، أو لیغسل شمسه؟!

وهل هذه اللوحة- إن كانت أصلاً -  ورأیی أنها لم تكن- تطعم خبزًا؟

 بل إننی لأتساءل :  ما الذی دعا شاعرنا أن یجعل العنوان لإحدى قصائده - وبالتالی للمجموعة التی نعالجها الفارس الذی قتل قبل المبارزة فهذا الفارس  یذرف الدموع ویعترف بالهزیمة (ص101) ؟؟؟  فلماذا لا یكون الفعل- (بُعث قبل .....) أو على الأقل (سًجن قبل المبارزة .....) حتى یكون معنى للمبارزة المرتقبة.

إن العنوان یعمق المأساة والفاجعة ، ولكنه مثبّط هنا نوعًا ما ؛  وهذا الرأی یسوقنی إلى الاعتراض على الإهداء ،  وفیه یشیر الشاعر:

" إلى الذین یموتون قبیل مجیء الوقت

والذین یولدون بعد فوات الأوان بحثًا عن الحلقة

الموصلة"

أما الشق الأول فهو یلائم عنوان المجموعة وفیه مبرر، لأن من أقسى الأمور أن یموت الإنسان قبل أن یكون شاهدًا على الخلاص. ولكنی لا أرى مبررًا لهؤلاء الذین سیولدون مستقبلاً ،  لأن لهم مشاغل جدیدة لا تدعهم ینظرون إلى الماضی، وسیكون المستقبل غریبًا جدًا علینا.

یقول أدونیس محللاً هذه الظاهرة :

" من  هذا الواقع الوجودی انبثق ما یمكن تسمیته بحس الشعر......أمام هذه القوة یحس الشاعر الجاهلی أنه عاجز ولا حیلة له، إنها لیست قوة الموت ،  بل قوة الحركة الأفقیة التی تندرج فی تیارها ظاهرة الغیاب، غیاب الحبیبة والأهل والقبیلة. إنه شیء خفی یأتی من الخلف مفاجئًا لا یغلب" .[7]

ولا بد من الإشارة إلى ملاحظات شكلیة مؤثرة -  كأن یعتمد الشاعر القافیة للقافیة ، وهاك أمثلة:

ما عدت أطیق الغربة والهجران              (ص13)

أضیفت (الهجران) ،  وأردفت حتى تتقفى  و (الشطآن) والشعر الحر كما نعلم لا یشترط القافیة،

ویقول:

أیها الموت الظلیم                           (ص16)

(الظلیم) حتى تلائم (الجحیم) رغم أن اللفظة تعنی الفاعلیة والمفعولیة.

ویقول:                          یبكی على الأراك                (ص89)

وما اضطره إلى (الأراك) هو إلى (الحراك) ، ومشى على ذلك.

ولا أدری كیف یجیز الشاعر لنفسه أن یقول:

 

وما الذی قلتیه للیل والأموات                        (ص38)

ویمكن تصویبها إذا قسمنا السطر الشعری   :

 وما الذی قلته

للیل والأموات ؟

وما هی الحنادسة:

وأنا أراك على حنادسة تقوم

فالحندس كما نعلم هو الظلام واللیل الشدید السواد ،  وجمعه الحنادس.

أقول هذا وأنا أتذكر مقولة طه حسین "علینا أن نجدد مراعین اللغة والنحو" .

وقبل أن أودع الشاعر أرجو أن یحافظ على المستوى الشعری الذی یتمیز به  ،  فشتان بین قوله:

             وأقابل سیقان الألم الأسود                    (ص71)

وقوله:

لن أحنی رأسی

 ولن أخضع لك                 (ص87)

وشتان بین شاعریة :

أتسلق أیامی الملأى بالآهات

ونثریة:

                           باردًا كان كالجلید               (ص19)

 

ومع  ذلك فنحن بانتظار عطاء متواصل فیه إبداع یُنتظر من الشاعر.......

 

أیار/1980

[1]   - عبد الناصر صالح: الفارس الذی قتل قبل المبارزة،الأسوار-1980

63 -   انظر مقالی فی الجدید ،  العدد الثامن-1978

 

[3]   -  عبد الغفار مكاوی ، ثورة الشعر الحدیث ، ج1 ص126

[4]   -    عنوان إحدى قصائده ،  ومن الملاحظ أن هناك قصیدة أخرى جعلت (الشمس) فی العنوان. وإذا اعتبرنا العنوان تركیزًا لبؤرة القصیدة فإننا نرى أهمیة هذا الرمز فی شعره.

[5]  -   انظر المجموعة ص 13،59.

[6]  -   عن الغموض المزیف راجع مقال مكس استمن فی كتاب الأدیب وصناعته ص41.

[7] -     أدونیس: مقدمة الشعر العربی  ص28.





موضوع:
[ 1389/10/2 ] [ 20:46 ] [ دکتر كشاورز ]