تبلیغات
بانک مقالات عربی - أبو فراس الحمدانی

أبو فراس الحمدانی

محمد علی آذرشب
1421

«ملخص»
المدح والهجاء فنان من فنون الشعر العربی لهما قیمتهما الأدبیة حینما یبتعدان عن التكسب وفی بلاط سیف الدولة نرى مثل هذا الاتجاه فی المدح والهجاء، خاصة عند الأمیر أبی فراس الحمدانی فهو یترفع عن الإسفاف، وله أسلوبه الخاص فی المدح وخاصة فی مدح سیف الدولة، ویموج مدحه بالطهر والعفاف خاصة فی مدح المرأة، ویبلغ أبو فراس ذروة مدحه وهجائه فی إطار رسالیته، ویبتكر أجمل الفنون لمدح أولیائه من آل بیت رسول الله - صلى الله علیه وآله -، ویقارن بینهم وبین معارضیهم فی أسلوب فرید فی الأدب العربی، وتشیع فی شعره قیم إنسانیة سامیة نحن بأمس الحاجة إلیها الیوم.
* - دراسة مقدمة إلى ندوة الحیاة الأدبیة فی رحاب سیف الدولة، حلب ٢٩ - ٣٠ / ٤ / ٢٠٠٠.
** - جامعة طهران.

(٢٠٧)
موضوع المدح والهجاء له قیمته الفنیة والاجتماعیة المتمثلة فی استجلاء طریقة تناول الأنا والآخر، لأن الشاعر فی مدحه أو هجائه یسعى إلى تبین مظاهر القوة أو الضعف فی نفسه أو قومه أو فی شخص آخر أو قوم آخرین.
ولیس من موضوع استأثر باهتمام الشعر العربی اكثر من المدح والهجاء، وذلك یعود لتوظیف الشعر فی الصراع، وتاریخ العرب كله صراع، وهذا الصراع له جانب سلبی حین یكون من أجل الاستعلاء القبلی، وله جانب إیجابی حین یتجه إلى رفض الواقع السیء والى محاولة تقدیم النموذج الأفضل للحیاة.
موضوع المدح والهجاء إذن تغذیه المواقف الساخنة أو العصبیات، وتحدد اتجاهه نوع تلك المواقف، ویرتفع فنیاً كلما صدر عن شعور صادق لا یشوبه تكسب.
وبسبب ارتباط الشعر العربی على مر التاریخ برزق الشاعر، فقد شاع التكسب فی المدح والهجاء، وبذلك خسر قسم كبیر من الشعر العربی تلك القیمة الفنیة التی اتصف بها فی موضوعات الغزل والوصف والتأمل فی الكون والموت والحیاة وحتى لا أدخل فی تطور المدح والهجاء فی الشعر العربی، وهو موضوع یستحق دراسة مستفیضة لما یفرزه من تداعیات، أشیر فقط إلى أن موضوع المدح والهجاء یتطور كلما ابتعد عن التكسب، ولكما نما فی بیئة قادرة على أن تفجر طاقات الشاعر الفنیة وتفتح ذهنه على آفاق جدیدة ومعان مبتكرة.
وبلاط سیف الدولة یمثل النموذج الأسمى فی البیئة التی توفرت لتطور موضوع المدح والهجاء للأسباب التالیة:
١ - كثرة الاحتكاكات بین هذا البلاط وغیره من الخصوم السیاسیین أو
(٢٠٨)
الفكریین أو الطامعین.
٢ - شخصیة سیف الدولة الأدبیة المرموقة التی اجتذبت إلیها الشعراء، وجعلت الشاعر یرى نفسه فی محیط أدبی أكثر مما هو فی محیط حكم وحاكم.
٣ - شخصیة سیف الدولة القتالیة التی صیرت منه بطلاً أسطوریاً یقارع الخصوم ببسالة تستثیر مشاعر الشعراء.
٤ - ارتباط هذا البلاط بآل بیت رسول الله فكریاً وعاطفیاً مما جعله یرتبط بتاریخ الأدب المقاوم المناضل الرافض للظلم والظالمین [١].
بعد هذه المقدمة ألقی الضوء على موضوع المدیح والهجاء عند الأمیر أبی فراس الحمدانی:
خصائص المدح والهجاء عند أبی فراس الحمدانی
١ - الترفع عن الإسفاف فی الهجاء:
نرى فی هجاء أبی فراس نوعاً حضاریاً من الهجاء ینبو عن ذكر المثالب والأعراض، ویعبر عن نوع من الألم والمضاضة تجاه إساءات الآخرین، وكأنه لا یرید أن یطعن بمن یهجوه بقدر ما یرید صرفه عن غیه، وقد تكون نتف من هذا اللون من الهجاء موجودة فی الشعر العربی، لكن الذی یمیز أبا فراس أن هجاءه یقتصر على هذا اللون الرائع المتزن، مما یبین أن علاقته بالآخر فی مجتمعه علاقة إصلاح لا طعن حتّى ولو أساء إلیه یقول معلقاً على إساءة صاحبه:
صاحب لما أساء اتبع الدلو الرشاء
رب داء لا أرى منه سوى الصبر الشفاء
أحمد الله على ما سرّ من أمری وساء [٢]
(٢٠٩)
ویخاطب الذین ناصبوه العداوة بالقوة:
أیا قومنا لا تنشبوا الحرب بیننا أیا قومنا لا تقطعوا الید بالید
عداوة ذی القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند
فیالیت دانی الرحم منا ومنكم إذا لم یقرب بیننا لم یبعد [٣]
ولا نرى لأبی فراس شعراً هجائیاً قاسیاً إلاّ مع أعداء أمته المحاربین. ثم نراه یهجوهم بهذه القسوة وهو یعیش فی أسرهم، مما یبین مدى ما كان یتمتع به الرجل من إحساس بالرفعة والعزة أمام العدو، وهو ما نحن بأمس الحاجة إلیه الیوم.
ثم نراه یهجوهم بعد أن استفزه قائد الروم الدمستق إذا قال له: إنّما أنتم كتاب ولا تعرفون الحرب. فأجابه أبو فراس.
أتزعم یا ضخم اللغادید أننا ونحن أسود الحرب لا نعرف الحربا
فویلك من للحرب إن لم نكن لها ومن ذا الذی یمسی ویضحی لها تربا
ثم راح یعدد الوقائع التی انتصر فیها الحمدانیون على الروم، وبعدها قال:
بأقلامنا أحجرت أم بسیوفنا واسد الشرى قدنا إلیك أم الكتبا؟
ثم یختتم القصیدة بأسلوب رائع فی الهجاء إذ یقول:
رعى الله أوفانا إذا قال ذمة وأنفذنا طعناً، وأثبتنا قلبا
وجدت أباك العلج لما خبرته أقلكم خیراً وأكثركم عجبا [٤]
٢ - أسلوب خاص بالمدح:
بسبب شیوع المداحین والهجائین المتكسبین یحاول أبو فراس أن ینفی عنه أن یكون مداحاً أو هجاءً، ولكنه یقر بأنه مدح نفسه وآباءه، وأن أكثر شعره كان فی هذا اللون من المدح، یقول:
(٢١٠)
الشعر دیوان العرب أبداً وعنوان الأدب
لم أعدُ فیه مفاخری ومدیح آبائی النجب
ومقطعات ربما حلیت منهن الكتب
لا فی المدیح ولا الهجاء ولا المجون ولا اللعب [٥]
ویقول:
نطقت بفضلی وامتدحت عشرتی وما أنا مداح ولا أنا شاعر
وهل تجحد الشمس المنیرة ضوءها ویستر نور البدر والبدر زاهر
وهذه الأبیات تبین ما آل إلیه الشعر فی زمن أبی فراس، فهو ینفی عن نفسه أن یكون شاعراً كی لا یحشر فی زمرة هؤلاء الّذین یقولون مالا یفعلون، ویحترفون الكلمة دون إیمان بقدسیة هذه الكلمة. وینفی عنه أن یكون مداحاً كی یحافظ على كرامة شعره.
وهذه الخصائص فی مدح أبی فرانس أبعدت مدحه عن المبالغات الشدیدة التی ابتلى بها هذا اللون الأدبی. وصیرت من المدح عند شاعرنا دیواناً یسجل فیه الوقائع ویصف فیه المعارك لا على طریقة المؤرخین، بل بأسلوب فنی یصف فیه رجولة الأبطال وشهامتهم ورفعتهم وفق معاییر إنسانیة وإسلامیة.
نراه - على سبیل المثال - حین یذكر مفاخر الماضی یقدم لها بالقول: إن مفاخر الحاضر أهم، دفعاً لتوهم قد یساور المستمع أن الشاعر یجتر أمجاد الماضی یقول:
أتسمو بما شادت أوائل وائل وقد غمرت تلك الأوالی الأواخر؟
أیشغلكم وصف القدیم؟ ودونه مفاخر فیها شاغل ومآثر
وهل یطلب العز الذی هو غائب ویترك ذا العز الذی هو حاضر؟ [٦]
بعد هذه المقدمة یسرد أمجاد أجداده فی وقائع تاریخیة محددة، ویلاحظ أنّه
(٢١١)
فی أبیاته یذكر موقفین متضادین عن علاقة قومه ببنی العباس: موقف المدافع عن بنی العباس، وموقف المهاجم المنتقم من العباسیین، ویبین سبب هذا التضاد وفق معاییر خاصة. فیذكر عمّه الحسین بن حمدان ودفاعه عن الخلیفة العباسی، ثم هجومه فی وقت آخر على دار الخلافة، یقول:
نطیعهُمُ ما أصبح العدل فیهمُ ولا طاعةَ للمرء والمرء جائرُ
لنا فی خلاف الناس عثمان أسوةُ وقد جرت البلوى علیه الجرائر
وسار إلى دار الخلافة عنوةً فحرّقها، والجیش بالدار دائرُ [٧]
فمعیار العلاقة مع الخلافة العباسیة هو «العدل» فإن ساروا علیه فهم مطاعون وإلا فلا طاعة لهم، ویشیر إلى مشروعیة الثورة على الحاكم الظالم إن سار بغیر العدل، وهی مشروعیة تنطلق من إیمانه بفكر مدرسة آل البیت - علیهم السلام - .
٣ - أسلوب مدحه سیف الدولة:
أكثر مدح أبی فراس فی سیف الدولة علاقة أبی فراس بسیف الدولة علاقة نسب وإمارة وشجاعة ورجولة وطریقته فی مدحه لها أسلوب خاص. تراه كلما مدحه كأنه یرید أن یفخر بنفسه وبهذه الطریقة یدفع عن نفسه أن یكون محترفاً للمدح ثم إنه یمدحه معدداً صفاته فی النسب والشجاعة والبأس والرجولة، وهذه هی المشتركات بینه وبین أبی فراس. ولا نرى له مدحاً فی سخاء سیف الدولة ولا فی قصوره ولهوه وقصفه، لأن مثل هذا المدح من شؤون المتكسبین، ولا تتناسب مع شخصیة سیف الدولة فی رجولته وبطولته وترفعه عن ترف العیش.
ومما أنشد فی سیف الدولة وأشرك فیه نفسه قوله:
ألا قل لسیف الدولة القرم: إننی على كلّ شیء غیر وصفك قادرُ
(٢١٢)
فلا تلزمنی خطة لا أطیقها فمجدك غلاب وفضلك باهر
ولو لم یكن فخری وفخرك واحداً لما سار عنی بالمدائح سائر
ولكننی لا أغفل القول عن فتى أساهم فی علیائه وأشاطر [٨]
وكان شاعرنا یعیش المرارة حین یبلغه عتب سیف الدولة علیه، فتثور شاعریته لینظم أبرع الإنشاد فی مدح سیف الدولة، ومما قاله وهو فی أسره:
وقد كنت أخشى الهجرو الشمل جامع وفی كلّ یوم لفتة وخطاب
فكیف وفیما بیننا ملك قیصر وللبحر حولی زخرة وعباب
أمن بعد بذل النفس فیما تریده أثاب بمر العتب حین أثاب
ولیت الذی بینی وبینك عامر وبینی وبین العالمین خراب [٩]
وهو أسلوب فرید فی المدح تمتزج فیه مرارة الهجر وعشق الممدوح وصدق العاطفة، وهو مزیج قل أن نراه فی الشعر العربی.
٤ - المدح بالطهر والعفاف:
أذكر أولاً أننی أعتبر الفخر من المدح لأنه یعبر عن المعاییر التی یراها الشاعر حسناً فی نفسه أو قومه، فهو یدخل فی موضوع المدح الذی حدّدته فی بدایة هذا البحث.
والحدیث عن الطهر والعفاف قد نجده فی الغزل العذری، لكن قلما نجده فی المدح وأبو فراس بارز فی هذا المجال فی أسلوب رائع یجسد دور النفس اللوامة فی ضبط تصرفات الإنسان والتحكم فی نزواته وشهواته [١٠]، یقول:
فیا نفس ما لاقیت من لا عج الهوى ویا قلب ما جرت علیك النواظر
كان الحجا والصون والعقل والتقى لدی لربات الخدور ضرائر
وهن - وإن جانبت ما یشتهینه حبائب عندی منذ كن أثائر
(٢١٣)
وكم لیلة خضت الأسنة نحوها وما هدأت عین ولا نام سامر
فلما خلونا یعلم الله وحده لقد كرمت نجوى وعفت سرائر
إلى أن یقول:
ولی فیك، من فرط الصبابة، آمر ودونك، من حسن الصیانة، زاجر
عفافك غی، إنّما عفة الفتى إذا عف عن لذاته وهو قادر [١١].
الأبیات تصور مشهداً من مشاهد الصراع بین الطهر والهوى تحاكی قصة یوسف مع زلیخا، وتنتهی بانتصار الإرادة على الشهوة، وهو من نوادر التصویر الفنی فی الأدب العربی
والشاعر یؤرقه شوقه إلى المحبوب، ویلتهب صدره بحب الحبیب، لكنه حب شریف عفیف السریرة، یقول:
كیف السبیل إلى طیف یزاوره والنوم فی جملة الأحباب هاجره؟
الحب آمره والصون زاجره والصبر أول ما تأتی أواخره
أنا الذی إن صبا أو شفه غزل فللعفاف وللتقوى مآزره
وأشرف الناس أهل الحب منزلة وأشرف الحب ما عفت سرائره [١٢]
والبیت الأخیر یبلغ الذروة فی فهم معنى الحب، ومكانة المحبین ومعنى الحب الحقیقی یمدح نفسه بأنه متخلق بهذا الحب العفیف الذی تتجلى فیه عظمةُ الإنسان وسموّه.
٥ - هجاء الأوضاع الاجتماعیة
شاعرنا حساس یرى بواطن الأمور ولا ینخدع بالظاهر، ویرى الناس على حقیقتهم والأوضاع الاجتماعیة على حقیقتها، فیسوءه ما یرى من مظاهر النفاق والدجل فی المجتمع، وهی مظاهر موجودة دائماً بدرجة وأخرى فی
(٢١٤)
المجتمعات البشریة خاصة حینما تختل الموازین الاجتماعیة بسبب الأوضاع الاقتصادیة والسیاسیة المهیمنة.
ویظهر أن عصر أبی فراس كان یضج بهذا الاختلال نتیجة الاحتكاكات القبلیة المستمرة والاشتباكات الحربیة المتواصلة وضعف الخلافة المركزیة، والحكومات المتعاصرة. غیر أن هذا الوضع لم یؤد إلى انفعال شاعرنا وسخطه بقدر ما أدى إلى أن یتخذ موقف الحكیم الناقد لهذه الأوضاع، یقول:
وقور وأحداث الزمان تنوشنی وللموت حولی جیئة وذهاب
وألحظ أحوال الزمان بمقلة بها الصدق صدق والكذاب كذاب
بمن یثق الإنسان فیما ینوبه ومن أین للحر الكریم صحاب
وقد صار هذا الناس إلاّ أقلهم ذئاباً على أجسادهن ثیاب
تغابیت عن قومی فظنوا غباوتی بمفرق أغبانا حصئ وتراب
ولو عرفونی حق معرفتی بهم إذا علموا أنی شهدت وغابوا
وما كلّ فعال یجازى بفعله ولا كلّ قوال لدی یجاب
ورب كلام مر فوق مسامعی كما طن فی لوح الهجیر ذباب [١٣]
ویتألم شاعرنا أن یرى الأوضاع الاجتماعیة فی بلاد أعدائه أفضل مما هی علیه فی بلاده، ففی العامین اللذین قضاهما فی بلاد الروم لم یر الحزن على الوجوه، ولا التكلف فی السلوك، ویرى أن ما یخشاه من قومه أدهى مما یخشاه من أعدائه، وهذا أروع تصویر فی النقد الذاتی، یقول:
أقمت بأرض الروم عامین لا أرى من الناس محزوناً ولا متصنعا
إذا خفت من أخوالی الروم خطة تخوفت من أعمامی العرب أربعا
وإن أوجعتنی من أعادی شمیة لقیت من الأحباب أدهى وأوجعا [١٤]
وهذا الهجاء للأوضاع الاجتماعیة أو النقد الاجتماعی یعبر عن نزعة الشاعر
(٢١٥)
الإصلاحیة وفهمه لواقعه السیء، وجرأته على نقد هذه الأوضاع.
ومن هذا النقد ما یوجهه إلى الخلافة العباسیة لتعاملها السیء مع أبناء علی الّذین یمثلون فی رأی الشاعر رمز الدین والتقى فی المجتمع یقول:
الدین مخترم، والحق مهتضم وفیء آل رسول الله مقتسم
والناس عندك لا ناس فیحفظهم سوم الرعاة ولا شاء ولا نعم
ثم یقول:
یا للرجال أما لله منتصف من الطغاة؟ أما للدین منتقم؟
بنو علی رعایا فی دیارهم والأمر تملكه النسوان والخدم
محلؤون فأصفى شربهم وشل عند الورود وأوفى ودهم لمم
فالأرض إلاّ على ملاكها سعة والمال إلاّ على أربابه دیم
وما السعید بها إلاّ الذی ظلموا وما الغنی بها إلاّ الذی حرموا
للمتقین من الدنیا عواقبها وإن تعجل منها الظالم الأثم [١٥]
والأبیات طافحة بالإحساس بالظلم الذی نزل بحملة الرسالة الإسلامیّة من آل علی، بل بالناس أجمع حین أقصیت الفئة الصالحة عن مواقعها الاجتماعیة.
٦ - مدح المرأة
الشعر العربی تغزل بالمرأة ورثاها وقلما خصص مدحاً لها، لأنها لیست مصدراً للصلات أما أبو فراس فقد اتجه إلى مدح بعض النساء كما یمدح الرجل ففی قصیدة یمدح فیها امرأة شیعها فی یوم ثلج یبدأ بمقدمة غزلیة تقلیدیة ثم ینتقل إلى الفخر، وبعده یقول:
ویوم كأن الأرض شابت لهوله قطعت بخیل حشو فرسانها صبر
تسیر على مثل الملاء منشراً وآثارها طرز لأطرافها حمر
(٢١٦)
أشیعه والدمع من شدة الأسى على خده نظم على نحره نثر
وعدت وقلبی فی سجاف غبیطه ولی لفتات نحو هودجه كثر
وقد یخیل لقارئ هذه الأبیات أن الشاعر یتغزل ولكنه فی الواقع یمدح، لأن المعنیة بهذه الأبیات لیست حبیبة بل امرأة من أكابر قومه، یقول فیها بعد ذلك:
وفیمن حوى ذاك الحجیج خریدة لهادون عطف الستر من صونها ستر
وفی الكم كف لا یراها عدیلها وفی الخدر وجه لیس یعرفه الخدر
وهو من روائع المدح للمرأة فی سترها وصونها ثم یرفع شأن هذه المرأة إلى الذروة حین یقول:
فهل عرفات عارفات بزورها وهل شعرت تلك المشاعر والحجر
أما أخضر من بطنان مكة ما ذوى؟ أما عشب الوادی أما أنبت الصخر
سقى الله قوماً حل قومك فیهم سحائب لاقل جداها ولا نزر [١٦]
ویمدح امرأة یبدو أنها زوجه بأسلوب متمیز أیضاً، یقول:
وأدیبة اخترتها عربیة تعزى إلى الجد الكریم وتنتمی
محجوبة لم تبتذل، أمارة لم تأتمر، مخدومة لم تخدم
لو لم یكن لی فیك ألا أننی بك قد غنیت عن ارتكاب المحرم
ولقد نزلت فلا تظنی غیره منی بمنزلة المحب المكرم
٧ - الرسالیة فی المدح والهجاء
المقصود بالرسالیة ما اتجه إلى مدح أو هجاء منطلق من إیمان برسالة سامیة، وهو شائع لدى شعراء الشیعه بشكل خاص، ویتمیز أبو فراس بالتركیز على هذا الجانب حتّى أنّه خصص قطعة من شعره لیذكر كلّ أئمة أهل البیت الاثنى عشر، وكأنه یرید أن یعلن عقیدته الاثنی عشریة بكل وضوح وقل أن نرى
(٢١٧)
ذلك عند غیره من شعراء الشیعة یقول:
لست أرجو النجاة، من كلّ ما أخشاه، إلاّ بأحمد وعلی
وببنت الرسول فاطمة الطهر وسبطیه والإمام علی
والتقی النقی، باقر علم الله فینا محمّد بن علی
وابنه جعفر وموسى ومولانا علی، أكرم به من علی !
وأبی جعفر سمی رسول الله ثم ابنه الزكی علی
وابنه العسكری والقائم المظهر، حقی محمّد بن علی
بهم أرتجی بلوغ الأمانی یوم عرضی على الإله العلی [١٧]
وله فی هذا المجال قصیدة «الدین مخترم» وسنأتی على ذكر أبیاتها فی الحدیث عن أسلوب المقارنة عند أبی فراس، وفیها أیضاً یهجو العباسیین مادحاً العلویین من هذا المنطلق الرسالی حیث یقول:
خلوا الفخار لعلامین إن سئلوا یوم السؤال، وعمالین إن علموا
لا یغضبون لغیر الله إن غضبوا ولا یضیعون حكم الله إن حكموا …
ما فی دیارهم للخمر معتصر ولا بیوتهم للسوء معتصم
ولا تبیت لهم خنثى تنادمهم ولا یرى لهم قرد له حشم
الركن والبیت والأستار منزلهم وزمزم والصفا والحجر والحرم
صلى الإله علیهم أینما ذكروا لأنهم للورى كهف ومعتصم [١٨]
٨ - أسلوب المقارنة فی المدح والهجاء:
یشاهد فی شعر أبی فراس جمعاً بین المدح والهجاء بصورة مقارنة بین الممدوح والمهجو.
نقف على سبیل المثال عند قصیدته المذكورة فی مدح آل البیت وفیها یقارن
(٢١٨)
بین العباسیین والعلویین. یقارن بینهما فی الشرف والمكانة:
لا یطغین بنی العباس ملكهم بنو علی موالیهم وإن زعموا
وفی شرف النسب:
أتفخرون علیهم لا أبا لكم حتّى كأن رسول الله جدكم
وفی المجد:
ولا لكم مثلهم فی المجد متصل ولا لجدكم مسعاة جدهم
وفی العرق والرحم:
ولا لعرقكم من عرقهم شبه ولا نفیلتكم من أمهم أمم
وفی الصفح عن الأسرى:
هلاّ صفحتم عن الأسرى بلا سبب للصافحین ببدر عن أسیركم؟
وفی الفارق بین هارون الرشید وموسى بن جعفر، وبین المأمون وعلی بن موسى الرضا:
لیس الرشید كموسى فی القیاس ولا مأمونكم كالرضا إن أنصف الحكم
وفی ما یتصاعد من بیوتهما من أصوات:
تبدو التلاوة من أبیاتهم أبداً وفی بیوتكم الأوتار والنغم
وفی النساء والرجال:
منكم علیة أم منهم؟ وكان لهم شیخ المغنین إبراهیم أم لكم؟
وهذا الأسلوب فی المقارنة طریقة بدیعة فی المدح والهجاء قل أن نجد له نظیراً فی الشعر العربی.
٩ - أسلوب الحوار فی التمدح:
هذا الأسلوب نجده بوضوح فی قصیدة «أراك عصی الدمع» وفی هذه
(٢١٩)
القصیدة یبدو على الظاهر أنّه یتغزل، ولكن لو أمعنا النظر فیها لوجدنا أنّه یتحدث عن نفسه بأنه: صابر - حافظ للعهد - حبه لا یتزعزع - معروف غیر مغمور - قائد كتائب القتال - مقتحم لكل الأهوال - محارب لا یهدأ - صاحب رجولة امام طلب النساء - كریم - یتخیر أصعب الطرق - لا یرضخ للذل - لا یستغنی عنه أهله - لا یتخیر إلاّ الصدر - تهون علیه نفسه فی طلب المعالی.
إذن هو یمتدح نفسه فی هذه القصیدة أی یفخر بها وهو فی أسره، والمحاور فی القصیدة لا یبدو أنّه امرأة یتغزل بها، بل مثل أعلى یتعشقه، والدلیل على ذلك أن هذه المحاورة تعرف كلّ فتى مثل أبی فراس ولا تنكره، وأن قتلاها كثیرون، فهو إذن یتحدث مع محاورة تحاول أن تتجاهله وهو ینكر علیها هذا التجاهل، ولیس ببعید أن تكون حریته أو سیف الدولة كما ذهب إلى ذلك بعضهم. لأنه كان یتوق إلیهما وهو فی أسره، بینما كان سیف الدولة - فی ظن أبی فراس - یتجاهله، فهو یرد على هذا التجاهل بذكر كلّ الصفات الكریمة التی یتحلى بها.
والجمیل فی أسلوب القصیدة هو ذكر هذه الصفات الحمیدة على شكل حوار: [١٩]
ـ أراك عصی الدمع شیمتك الصبر أما للهوى نهی علیك ولا أمر؟
ـ بلى أنا مشتاق وعندی لوعة ولكن مثلی لا یذاع له سرّ…
ـ تسائلنی من أنت؟ وهی علیمة وهل بفتى مثلی على حالها نكر؟ !
ـ فقلت: كما شاءت وشاء لها الهوى فتیلك ! قالت: أیهم فهو كثر!
ـ فقلت لها: لو شئت لم تتعنتی ولم تسألی عنی وعندك بی خبر!
ـ فقالت: لقد أزرى بك الدهر بعدنا فقلت: معاذ الله بل أنت لا الدهر
وفی بعض أبیاته یحاور أصحابه:
ـ قال أصیحابی: الفرار أو الروى - فقلت: هما أمران أحلاهما مرّ
ـ یقولون لی: بعت السلامة بالردى - فقلت: أما والله ما نالنی خسر
(٢٢٠)
إن أبا فراس من نوادر الشعراء العرب الّذین عزفوا على قیثارة قلوبهم، فما كان یصطنع الشعر كسباً للمال، ولا كان یهتم بكسب ود هذا وذاك، ولكنه كان فی شعره یعبر أصدق تعبیر عن تجربته الشعوریة، ثم إن الرجل توفرت له بیئة رفعته من الانشداد بهمومه الذاتیة وعواطفه الفردیة، فعاش لهم كبیر هو الدفاع عن دولة ارتبط بها نسباً وقیادة وعقیدة، فكان یهمه أن یرى هذه الدولة منسجمة موحدة قویة فی داخلها، صامدة منتصرة أمام أعدائها، من هنا اتجه مدحه إلى كلّ ما یحقق آماله وطموحاته، واتجه هجاؤه إلى كلّ ظاهرة من شأنها إضعاف شوكة هذه الدولة ومصادرة عزتها وكرامتها.
ونحن الیوم - فی اعتقادی - بأمس الحاجة إلى تعمیم القیم التی تغنى بها أبو فراس من رجولة وكرامة ووحدة وانسجام، ومن رفض لك التحدیات التی تواجه شخصیة الأمة.
(٢٢١)
١ - انظر: أعیان الشیعة، محسن الأمین، ج ١٨، ط دمشق ١٣٦٤ هـ، ص ٢٩ - ٢٨٩؛ وسیف الدولة وعصر الحمدانیین، سامی الكیالی، حلب ١٩٣٩م؛ وشاعر بنی حمدان، أحمد أحمد بدوی، القاهرة، ١٩٥٢ م.
٢ - دیوان أبی فراس الحمدانی، شرح علی العسیلی، بیروت، ١٤١٨ هـ. ص ١١.
٣ - الدیوان، ص ٨٣.
٤ - الدیوان ص ٣٩ - ٤١.
٥ - الدیوان، ص ٢٤.
٦ - الدیوان ٩٠.
٧ - الدیوان ٩٢.
٨ - الدیوان ص ٩٦.
٩ - الدیوان ص ٢٨.
١٠ - انظر: أبو فراس فارسى بنی حمدان، عمر فروخ، ط ٢، بیروت ١٤٠٨ هـ. ویرى المؤلف أن مجون أبی فراس لم یكن صادقا، بل كان مجاراة لمذهب الشعراء فی عصره.
١١ - الدیوان، ص ٨٦ - ٨٧.
١٢ - الدیوان، ص ١٠٨.
١٣ - الدیوان، ص ٢٦.
١٤ - الدیوان، ص ١٥٢.
١٥ - انظر: الادب فی بلاد الشام، د. عمر موسى باشا، ص ٢٨١، والدیوان، ص ٢١١ وما بعدها.
١٦ - الدیوان، ص ١١٢ وما بعدها.
١٧ - الدیوان ص ٢٥٩.
١٨ - الدیوان، ص ٢١٦.
١٩ - الدیوان، ١٢٩ وما بعدها.



موضوع: العصر العباسی،
[ 1389/10/2 ] [ 20:57 ] [ دکتر كشاورز ]