بانک مقالات عـربـی

مقالات مربوط به رشته زبان وادبیات عربی - دکترای عربی - ارشد عربی - ترجمه عربی

محمد علی آذرشب


مقدمة
یجمع النقاد والمؤرخون على أن القرن التاسع عشر شهد نهضة فی الأدب العربی، أدت الى تغییر واسع فی الشعر العربی والنثر العربی على صعید الشكل والمضمون، ویختلفون فی تاریخ بدء هذه النهضة، وهذا الاختلاف یرتبط برؤیتهم للعامل الأساس لها. وهم ـ على الإجمال ـ فریقان: أحدهما یرى أن هذه النهضة بدأت منذ الحملة الفرنسیة على مصر (1789م)، وهذا یعنی أن النهضة تعود الى عامل ثقافی اجنبی غربی. وممن ذهب الى ذلك جرجی زیدان فی كتابه تاریخ آداب اللغة العربیة(1)، وعمر الدسوقی فی كتابه فی الادب الحدیث(2) وأحمد حسن الزیات فی كتابه تاریخ الأدب العربی(3) والدكتور شوقی ضیف فی كتابه الأدب العربی المعاصر فی مصر(4).
ویشكك آخرون فی هذا الرأی، ذاهبین الى أن الحملة الفرنسیة لم تستطع أن تؤثر على الثقافة المصریة. یقول المؤرخ الدكتور أحمد عزت: (من الصعب أن نذهب مذهب القائلین بأن الحملة الفرنسیة تركت أثراً استمر باقیاً من بعدها على المجتمع المصری والثقافة المصریة، إننا لا ننكر أن الحملة كان لها أثرها السیاسی فی تحطیم النظام القائم، وفی فتح باب ما سمّی بالمسألة المصریة. أما التأثیر الاجتماعی والثقافی فمن الغلو فی القول أن نذهب مذهب القائلین بأن الفرنسیین وجهوا المجتمع المصری والثقافة المصریة وجهة جدیدة، بل لقد ذهب كل ما أقاموه بذهابهم).(5)
إذن متى بدأت النهضة؟ لیس هناك رأی موحد بین أصحاب هذا الفریق. منهم من یقول: بدأت بظهور الثورة العرابیة بمصر.(6)
ومنهم من یقول إنها بدأت فی منتصف القرن التاسع عشر(7) ولم یحدد عامل هذه البدایة.
وقال بعضهم إنه (لم تظهر إلا فی أواخر القرن التاسع عشر، حیث قام الأدب الحدیث فی النثر بریادة الإمام محمد عبده، وفی الشعر بریادة محمود سامی البارودی زعیم المجددین، إذ كان أول شاعر من ثمار العصر الحدیث).(8)
ونرید فی هذا المقال أن نثبت أن السید جمال الدین هو رائد النهضة الادبیة المعاصرة فی مصر ومنها انتشرت الى العالم العربی، وأن محمد عبده والبارودی، بل وثورة عرابی باشا من ثمار الیقظة المعاصرة التی تزعمها السید فی مصر وفی ارجاء العالم الاسلامی.

شروط النهضة
من أجل أن نفهم نقطة البدء فی النهضة الادبیة العربیة الحدیثة لابد أن نتعرف الشروط اللازم توفرها لنهضة الأمة، لأن النهضة الادبیة لاتنفصل عن النهضة العامة؛ واذا عرفنا هذه الشروط نستطیع أن نفهم زمن توفرها، وبالتالی زمن بدایة النهضة.
موضوع شروط النهضة لیس بموضوع ریاضی یمكن الحدیث عنه بالجزم والأرقام، بل إنه یرتبط بفلسفة حركة التاریخ، فهناك من یربط التطور الاجتماعی بالعوامل الجغرافیة، وهناك من یبحث عنه فی عامل الغریزة الجنسیة، والماركسیون ربطوه بتطور آلة الانتاج. ولا نرید أن ندخل هذه الساحة الفلسفیة وآرائها المتضاربة، بل نتبنى رأیاً تسانده شواهد التاریخ الاسلامی المعاصر، وینطبق على رأی القرآن الكریم فی سنن التاریخ، وهو إن النهضة الاجتماعیة تحدث حینما یتوفر عنصرا (الاصالة) و(المعاصرة).
أقصد بالأصالة أن (تكون الدعوة ذات جذور ضاربة فی أعماق ضمیر الأمة ووجدانها، وبالمعاصرة أن تتجه الدعوة الى الحركة مع الزمن وأن ترفض الجمود والتحجر وقبول الأمر الواقع). وأعتقد أن نجاح كل دعوة فی التاریخ القدیم والحدیث یعود الى الجمع بین هذین العنصرین، وفشل كل دعوة مردّه فقدان أحد العنصرین او كلیهما.
للعلماء والباحثین المسلمین آراء متنوعة فی هذا المجال مرده لدى إمعان النظر الى الرأی الذی ذكرناه.
یرى مالك بن نبی مثلاً أن الحركة الحضاریة تنتج من تفاعل (الإنسان) و(التراب) و(الوقت)(9). وهذا التفاعل یحتاج الى طاقة روحیة لا یمكن أن یوفرها إلاّ الدین. ویقول: (فالحضارة لا تنبعث ـ كما هو ملاحظ ـ إلا بالعقیدة الدینیة. وینبغی أن نبحث فی أیة حضارة من الحضارات عن أصلها الدینی الذی بعثها ... فالحضارة لا تظهر فی أمة من الأمم إلاّ فی صورة وحی یهبط من السماء، یكون للناس شرعة ومنهاجاً، أو هی ـ على الأقل ـ تقوم أسسها فی توجیه الناس نحو معبود غیبی بالمعنى العام).(10)
ویقصد بالمعبود الغیبی بالمعنى العام أن یكون ذا أهداف بعیدة الأمد، وربما یكون بصورة مشروع إجتماعی جدید (یضع حجره الأول جیل وتواصل بناءه الأجیال المتتابعة) كما یذكر هو فی الهامش.
والإمام الشهید الصدر یطرح النظریة القرآنیة فی التغییر الاجتماعی وهی (إن الأساس فی حركة التاریخ هو المحتوى الداخلی للانسان) ثم یسأل: ما هو الأساس فی هذا المحتوى الداخلی نفسه .. ما هو المحور الذی یستقطب عملیة بناء المحتوى الداخلی للإنسان؟). ویجیب أنه المثل الأعلى.(11)
ثم یذكر أن الدین الحق یدفع بالمسیرة الانسانیة لأن تتجه نحو المثل الأعلى المطلق الحق، وهو الله سبحانه، والإنسان فی حركته نحو الله یسیر على طریق غیر متناه، ومجال التطور والإبداع والنمو متواصل دائماً دون توقف.(12)
أی إن التغییر الاجتماعی یتطلب (ایماناً) ویتطلب أن یكون هذا الإیمان قادراً على دفع الإنسان نحو مسیرة إبداع مستمر لا یتوقف.
بن نبی والصدر یتحدثان عن متطلبات المسیرة الحضاریة بمحتوى واحد، ولكن بإسلوبین مختلفین، كلاهما یلتقیان عند ضرورة كون المشروع الحضاری مرتبطاً بالجذور النفسیة للإنسان، وقادراً على دفع الفرد نحو حركة مستقبلیة لتحقیق أهداف جدیدة باستمرار. وهذا ما عبرنا عنه بالأصالة والمعاصرة.

الأصالة والمعاصرة فی حركة السید
شهد العالم الاسلامی قبل السید حركات اصلاحیة سلفیة فی الجزیرة العربیة (منذ 1744) وفی الجزائر على ید عبدالقادر الجزائری (1832 ـ 1847) وفی السودان على شكل حركة المهدیة (1881 ـ 1898) وفی لیبیا بصورة الحركة السنوسیة (1912 ـ 1925)، وتمیزت جمیعاً بالمقاومة والرجعة الى الاصول.(13)
وإذا كانت هذه الحركات قد استطاعت أن تحقق بعض النجاح فی مقاومة الاستعمار ومكافحة البدع فإنها فشلت تماماً فی تحقیق (نهضة) شاملة بسبب عدم قدرتها على استیعاب مستجدات العصر، أی إنها كانت تفتقد المعاصرة.
والحملة الفرنسیة فشلت ایضاً أن تحقق نهضة فی مصر، رغم كل الجهود التی بذلتها، لأنها لم تكن تنتمی الى جذور الأمة، فأخفقت فی التفاعل، واستثارت الناس ضدها، وعادت من حیث أتت بعد حین.
أما السید فقد جمع بین الاصالة والمعاصرة فی دعوته، وهذا هو سر كل ما حققه من نجاح، یقول فی العروة الوثقى:
(الدیانة الإسلامیة وضع أساسها على طلب الغلب والشوكة، والافتتاح والعزة، ورفض كل قانون یخالف شریعتها، ونبذ كل سلطة لا یكون القائم بها صاحب الولایة على تنفیذ أحكامها، فالناظر فی اصول هذه الدیانة، ومن یقرأ سورة من كتابها المنزل یحكم حكماً لا ریب فیه بأن المعتقدین بها لابد أن یكونوا أولاً، ملة حربیة فی العالم، وأن یسبقوا جمیع الملل الى اختراع الآلات القاتلة، وإتقان العلوم العسكریة، والتبحر فیما یلزمها من الفنون: كالطبیعة والكیمیاء وجر الأثقال والهندسة وغیرها! ومن تأمل فی آیة: (وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة) أیقن أن من صبغ بهذا الدین فقد صبغ بحب الغلبة، وطلب كل وسیلة الى ما یسهل سبیلها، والسعی إلیها بقدر الطاقة البشریة، فضلاً عن الاعتصام بالمنعة والامتناع من تغلب غیره علیه! ومن لاحظ أن الشرع الإسلامی حرّم المراهنة إلا فی السباق والرمایة، انكشف له مقدار رغبة الشارع فی معرفة الفنون العسكریة والتمرین علیها...)(14)
من مظاهر أصالة السید ارتباطه بالتراث الاسلامی وتمكنه من العلوم الاسلامیة مما جعل النابهین من الازهریین فی مصر یلتفون حوله ویتلقون دروسه من أمثال: محمد عبده، وعبدالكریم سلمان، وابراهیم اللقانی، وسعد زغلول، وإبراهیم طلباوی، وكانت هذه الدروس منطقاً وفلسفة وتصوفاً وهیئة، مثل كتاب الزوراء فی التصوف، وشرح القطب على الشمسیة فی المنطق، والهدایة والاشارات وحكمة العین وحكمة الاشراق فی الفلسفة، وتذكرة الطوسی فی علم الهیئة القدیمة.(15)
ومن مظاهر أصالته ایضاً اهتمامه بوحدة المسلمین بكافة قومیاتهم ومذاهبهم: فهو (یدعو الى نبذ الخصومة بین السنة والشیعة، لیؤلف بین سلطتین قویتین فی رقعة العالم الاسلامی إذ ذاك: بین ایران وسلطة القسطنطینیة، بعد ذهاب دولة الهند الاسلامیة).(16)
وكان یغتنم كل فرصة للدعوة الى وحدة المسلمین مستشعراً الخطر من تفرقهم، ومهیباً رجال الأمة أن یبذلوا الجهد من أجل تحقیق هذه الوحدة. یقول فی مؤتمر دعا له السلطان عبدالحمید فی الآستانة:
(الدیانة الاسلامیة فی الوقت الحاضر هی بمثابة سفینة ربانها محمد بن عبدالله (ص) وركاب هذه السفینة المقدسة كافة المسلمین خاصتهم وعامتهم.
وفی الوقت الحاضر أشرفت هذه السفینة على الغرق فی بحر السیاسة العالمیة، كما تعرضت لخطر الطوفان.
ولعل الحوادث الدبلوماسیة، والدسائس الدولیة، تؤدی الى اغراق هذه السفینة وتحطیمها، فما حیلة ركابها وهی مشرفة على الغرق وما هو تدبیرهم؟ فهل یجب على ركاب هذه السفینة أن یبذلوا جهدهم لحراستها وانقاذها من الطوفان والغرق؟ ألم یظلوا مختلفین فیما بینهم، متبعین أغراضهم الشخصیة وأهواءهم الدنیئة؟).(17)
ودفعت هذه الدعوة الى توحید كلمة المؤمنین على العمل من أجل الوحدة الاسلامیة.
ومن مظاهر اصالته الدفاع عن الدین أمام التیارات الفكریة المنحرفة مثل رده على المذهب الدهری الذی انتشر فی الهند فی النصف الثانی من القرن التاسع عشر. وفیه یقاوم الالحاد الدینی بشكل عام ویوضح ضرورة الدین للمجتمع الانسانی، ثم یذكر مزایا الإسلام التی تكفل للإنسان متعة فی هذه الحیاة أرفع بكثیر من تلك المتعة التی یهیؤها له اعتناق المذهب الطبیعی.(18)
أما طابع المعاصرة فیه فهو أبین وأوضح، وأهم معالمه دخوله ساحة الكفاح السیاسی لمقارعة الاستبداد الداخلی والاستعمار الاجنبی. لقد ظهرت دعوة السید فی عصر كان العالم الاسلامی یعانی من الحكام المستبدین الذین یمهدون باستبدادهم وطغیانهم لسقوط العالم الاسلامی بید المستعمرین الطامعین.
وكانت العقلیة العامة السائدة هی الاستسلام لهؤلاء الطغاة باعتبارهم أولیاء أمور، وباعتبارهم قضاء مقدراً من السماء، ولذلك سادت حالة الذل والخضوع والملق بین الناس، وعم الظلم والفساد والطغیان. وفی هذا الجو ارتفع صوت السید لیقول للمصریین:
(إنكم معاشر المصریین قد نشأتم فی الاستعباد، وربیتم فی حجر الاستبداد، وتوالت علیكم قرون منذ زمن الملوك الرعاة حتى الیوم، وأنتم تحملون عبء نیر الفاتحین، وتعنون لوطأة الغزاة الظالمین، تسومكم حكوماتهم الحیف والجور، وتنزل بكم الخسف والذل وأنتم صابرون بل راضون، وتستنزف قوام حیاتكم ومواد غذائكم التی تجمعت بما یتحلب من عرق جباهكم بالعصا والمقرعة والسوط، وأنتم معرضون. فلو كان فی عروقكم دم فیه كریات حیویة، وفی رؤوسكم أعصاب تتأثر فتثیر النخوة والحمیة لما رضیتم بهذا الذل وهذه المسكنة. تناوبتكم أیدی الرعاة ثم الیونان والرومان، والفرس، ثم العرب والأكراد والممالیك، وكلهم یشق جلودكم بمبضع نهمه، وأنتم كالصخرة الملقاة فی الفلاة لا حس لكم ولا صوت.
أنظروا أهرام مصر، وهیاكل ممفیس، وآثار طیبة، ومشاهد سیوة، وحصون دمیاط؛ فهی شاهدة بمنعة آبائكم وعزة أجداكم.
هبوا من غفلتكم ...! اصحوا من سكرتكم! عیشوا كباقی الأمم أحراراً سعداء).(19)
ولیقول لكل أبناء العالم العربی والإسلامی وهو فی فرنسا:
(وأنا تحت سماء الإنصاف على أرض الراحة، بین أهل الحریة أسمع ألحاناً فی مجالس العدل، فأذكر أنین قومی فی مجالس الظلمة، وتحت سیاط الجلادین، فأنوح نوح الثاكلات، وأرى علائم النعمة فی معاهد المساواة، فأذكر شقاء سربی فی ربوع الظلمة، فأذرف الدمع ممتزجاً بسواط القلب فأكتب الیهم: یا قوم ظلمتم غیر معذورین، وصبرتم غیر مأجورین وسعیتم غیر مشكورین، فهلكتم غیر مأسوف علیكم، تصبرون على الظلم حتى یحسبه الناظر عدلاً، وتبتسمون للقید حتى یظنه الناقد حلیاً، وتخفضون للظالمین جناح الذل حیث یقول من یراكم ما هؤلاء بشر إن هم إلا آلة سخرت للناس، یفلحون بها الأرض ویزرعون. یقلب الجائرون علیكم أنواع المكاید وأصناف الحیل وألوان الخداع فیما یختلسون كما تقلب المشعوذة لدى الأطفال أوجه الودعات فی استخراج ما یضمرون.
رأیت فلاحهم فی حقله الصغیر یتناول الطعام أكلاً مریئاً، وینام القیلولة نوماً هنیئاً، ویأوی الى البیت فیأكل بین عیاله ویتلو علیهم صحیفة النهار، ثم ینام ملء عینیه، لا یحلم بسوط المأمور ولا یتصور عصا الشیخ، ولا یتذكر حبس المدیر، فتخیلتكم بین السواقی والأنهار تشتغلون سحابة الیوم لتجتمعوا على القصعة السوداء فتلتهموا فتات الشعیر، وتنكبّوا على الترعة فتشربوا الماء الكدر، تعودون الى الأرض المریعة تزرعونها، والغلة الوفیرة تحصدونها لتنصرفوا الى أكواخ تشبه قبوراً توالت علیها السنون، فیجتمع من حولكم صغار لا تعرف أبدانهم الوقاء، ونساء تعوّضن الأقذار عن الكساء، ثم یأتیكم المأمور سالباً، والشیخ غاضباً، والمدیر ناهباً، فأنتم فی بلاء مستقر، وعناء مستمر، تحصدون البر ولا تأكلون، وتملكون الأرض ولا تسكنون).
(لقد بُلیتم بما یذیب الشحم ویفری اللحم، وینقی العظم وأنتم صابرون؛ ومنیتم بما وفّر النقم وغیّر النِعم وأهلك النَعم وأنتم صامتون، ورزقتم بما جلب المصاب، وهتك الحجاب، وأبرز الكعاب وأنتم خاشعون، فما الذی تخافون؟
تقولون لا نرضى بهذا الخسف، ولا نقوى على احتمال الذل، فقد صار تاجرنا عاملاً، ونبیهنا خاملاً، وعالمنا سائلاً، فلم یبق فینا غیر الأجیر والتابع والشحاذ والزارع، والجندی منخفض الجانب، والشرطی منقطع الراتب، بل زارعنا الذی یدفن مع الحبة قوة یمینه، ویسقی الغرس بماء جبینه، نزیل فی دار أبیه، وغریب فی أرض ذویه، یحصد مما زرع ولكن لسواه ، ویجتنی مما غرس ولا یذوق جناه.
وكأنی بكم عصابة، من أهل الهمة والإصابة، ترفعون الأصوات فی طلب الحق المسلوب، وتمدون الأكف لالتماس المال المنهوب، وتجعلون الأبدان للوطن سوراً یرد عنه العدو مذعوراً، وأنتم الكلمة المتحدة والقوة المتجمعة هی أقوى من العدد الكثیر إلا أنكم تترددون.
فیا حلیف الصبر ویا نضوَ العناء، نداء مشارك فی بلواك، وسامع لنجواك، دع التردد إن أردت النجاح والنجاة، وأقدم، فرب حیاة تكون فی طلب الموت، ورب موت یجیء من طلب الحیاة).(20)
ومن مظاهر معاصرته أیضاً ارتباطه بالنخب المثقفة فی مصر من المثقفین والأدباء والشعراء خلافاً لما كان علیه عامة الأزهریین من انغلاق. كانت له الى جانب دروسه العلمیة المنظمة جلسات مستمرة فی أحد مقاهی القاهرة قرب حدیقة الأزبكیة، یلتف حوله انماط شتى من الراغبین فی التزود من علمه وفكره، وهو یجیب على الأسئلة (لا یسأم من الكلام فیما ینیر العقل، او یطهر العقیدة، او یذهب بالنفس الى معالی الأمور او یستلفت الفكر الى النظر فی الشؤون العامة مما یمس مصلحة البلاد وسكانها، وكان طلبة العلم ینتقلون بما یكتبونه من تلك المعارف الى بلادهم أیام العطلة، والزائرون یذهبون بما ینالونه الى أحیائهم، فاستیقظت مشاعر، وتنبهت عقول، وخف حجاب الغفلة فی أطراف متعددة من البلاد خصوصاً فی القاهرة).(21)
یقول عمر الدسوقی: (فی هذه الحلقة انشئت مدرسة غیر مقیدة بمنهج أو كتاب، ولكنها كانت روحاً مشعة تبدد دیاجیر الغفلة، وتحیی العزائم المیتة، وتلهب الإرادات الخامدة وتفتح الأذهان المغلقة، وفیها تخرج محمود سامی البارودی، وعبدالسلام المویلحی، وأخوه إبراهیم المویلحی، ومحمد عبده، وإبراهیم اللقانی، وسعد زغلول، وعلی مظهر، وسلیم نقاش، وأدیب إسحاق وغیرهم. وفی هذه المدرسة العامة، استعرضت حال الأمة الاجتماعیة والسیاسیة، وحقوقها وواجباتها، وداؤها ودواؤها، وانتقد الحكام، وبثت التعالیم، وفتشت روح التذمر من الأجانب وتدخلهم فی شؤون البلاد مما كان له أبلغ الأثر فیما بعد.
كان جمال الدین یقضی بیاض نهاره فی بیته یختلف إلیه أعضاء تلامیذه، وما أن یقبل اللیل حتى یخرج متوكئاً على عصاه الى هذا المقهى، فیجد فی انتظاره الطبیب والمهندس والأدیب والشاعر والمعلم والكیمیاوی وغیرهم، ویظل یحدثهم بشغف وقوة حتى یمضی جزء كبیر من اللیل).(22)
ومن مظاهر معاصرته أیضاً دعوته الى فتح باب الاجتهاد، لكی تواكب الشریعة المقدسة تطورات الظروف یقول:
(ما معنى أن باب الإجتهاد مسدود؟ وبأی نص سد؟ ومن قال لا یصح لمن بعدی أن یجتهد لیتفقه فی الدین ویهتدی بهدی القرآن وصحیح الحدیث والاستنتاج بالقیاس على ما ینطبق على العلوم العصریة وحاجات الزمن وأحكامه؟ إن الفحول من الأئمة اجتهدوا وأحسنوا ولكن لا یصح أن نعتقد أنهم أحاطوا بكل أسرار القرآن، واجتهادهم فیما حواه القرآن لیس إلا فطرة، والفضل بید الله یؤتیه من یشاء من عباده).(23)
هذا الجمع بین الأصالة والمعاصرة هو الذی خلق النهضة الحدیثة فی مصر وانتشرت منها الى سائر أرجاء العالم العربی، وأثرت على الأدب العربی فطورته ودفعته الى عصر جدید كما سنرى.

أثر دعوته فی النهضة الحدیثة
لا یمكن لباحث منصف أن ینكر أثر دعوة السید فی النهضة الحدیثة، بل إن كثیراً من المفكرین من یعتقد أنه هو الذی فجّر هذه النهضة وهو الذی بعث الحیاة فی المجتمع وفی الأدب العربی.
عمر الدسوقی، بعد أن یتحدث عن النثر فی أواخر عصر اسماعیل وعهد توفیق وتحوله الى نثر ینبض بالحیاة والحرارة، یقول:
(وإذا أردت أن تقف على الروح التی تكمن من وراء هذا الأدب الحی، والتی بعثت فی الشرق الاسلامی كله حیویة دافقة، وهزته هزة عنیفة أیقظته من نومه الطویل، وعرّفته كیف یطلب حقه من الأقویاء العتاة، وكیف یدفع عن نفسه جور الظلمة القساة، فاعلم أن الروح تمثلت فی السید جمال الدین الأفغانی، من یدین له الشرق الإسلامی بیقظته القومیة والفكریة فی العصر الحدیث).
لقد كانت الكلمة التی أطلقها جمال الدین مرتبطة بجذور الماضی الاسلامی العریق ومتطلعة الى مستقبل عظمة الأمة وعزتها ولذلك كانت ذات أثر بالغ، یقول مالك بن نبی:
(فالكلمة ـ یطلقها إنسان ـ تستطیع أن تكون عاملاً من العوامل الاجتماعیة حیث تثیر عواصف فی النفوس تغیر الأوضاع العالمیة.
وهكذا كانت كلمة جمال الدین، فقد شقت كالمحراث فی الجموع النائمة طریقها فأحیت مواتها، ثم ألقت وراءها بذوراً لفكرة بسیطة: فكرة النهوض، فسرعان ما آتت أكلها فی الضمیر الإسلامی ضعفین وأصبحت قویة فعالة، بل غیرت ما بأنفس الناس من تقالید، وبعثتهم الى أسلوب فی الحیاة جدید.
وكان من آثار هذه الكلمة أن بعثت الحركة فی كل مكان، وكشفت عن الشعوب الاسلامیة غطاءها، ودفعتها الى نبذ ما كانت علیه من أوضاع ومناظر، فأنكرت من أمرها ما كانت تستحسن، واتخذت مظاهر جدیدة لا تتلاءم حتى مع ثیابها التی كانت تلبسها، فنبذت النرجیلة والطربوش والحرز والزردة(24). ولقد بلغ تأثیر تلك القوة الفعالة الجزائر فأخذت منها نصیب).(25)
وللأستاذ محمد عبده نص صریح یوضح لنا حالة مصر قبل أن یهبط وادیها السید جمال الدین (سنة 1871) وفیه معلومات على غایة من الأهمیة توضح لنا أن حملة نابلیون وما أعقبها من اتصال المصریین بأوروبا فی زمن محمد علی باشا وابراهیم باشا لم یعد بثمر على المصریین، یقول:
(إن أهالی مصر قبل سنة 1293 هـ كانوا یرون شؤونهم العامة بل والخاصة ملكاً لحاكمهم الأعلى، ومن یستنیبه عنه فی تدبیر أمورهم، یتصرف فیها حسب إرادته، ویعتقدون أن سعادتهم وشقاءهم موكولان الى أمانته وعدله أو خیانته وظلمه، ولا یرى أحد منهم لنفسه رأیاً یحق له أن یبدیه فی إدارة بلاده. أو إرادة یتقدم بها الى عمل من الأعمال یرى فیه صلاحاً لأمته، ولا یعلمون من علاقة بینهم وبین الحكومة سوى أنهم مصرفون فیما تكلفهم الحكومة به وتضربه علیهم. وكانوا فی غایة البعد عن معرفة ما علیه الأمم الأخرى سواء كانت إسلامیة أو أوروبیة ـ ومع كثرة من ذهب منهم الى أوروبا وتعلم فیها من عهد محمد علی الكبیر الى ذلك التاریخ، وذهاب العدد الكثیر منهم الى ما جاورهم من البلاد الإسلامیة أیام محمد علی باشا الكبیر وإبراهیم باشا لم یشعر الأهالی بشیء من ثمرات تلك الأسفار، ولا فوائد تلك المعارف، ومع أن اسماعیل باشا أبدع مجلس الشورى فی مصر سنة 1283، وكان من حقه أن یعلم الأهالی أن لهم شأناً فی مصالح بلادهم، وأن لهم رأیاً یرجع الیه فیها، لم یحس أحد منهم ولا من أعضاء المجلس أنفسهم بأن لهم ذلك الحق الذی یقتضیه تشكیل هذه الهیئة الشوریة. لأن مبدع المجلس قیده فی النظام وفی العمل، ولو حدث إنساناً فكره السلیم بأن هناك وجهة خیر غیر التی یوجهها الیه الحاكم لما أمكنه ذلك؛ فإن بجانب كل لفظ نفیاً عن الوطن، أو إزهاقاً للروح، أو تجریداً من المال).(26)
ثم یتحدث محمد عبده عن وضع الشعب المصری بعد أن استیقظ من سباته یقول:
(ومما تقدم سرده تعلم أن أهالی بلادنا المصریة دبت فیهم روح الاتحاد، وأشرفت نفوسهم على مدارك الرأی العام، وأخذوا یتنصلون من جرم الإهمال، ویستیقظون من نومة الإغفال، وقد مرت علیهم حوادث كقطع اللیل المظلم، ثم تقشعت عنهم فطالعوا من سماء الحق ما كحل عیونهم بنور الاستبصار، حتى اشرأبت مطامعهم الى بث أفكارهم فیما یصلح الشأن ویلم الشعث ویجمع المتفرق من الأمور لیكونوا أمة متمتعة بمزایاها الحقیقیة، فهم بهذا الاستعداد العظیم أهل لأن یسلكوا الطریق الأقوم، طریق الشورى والتعاضد فی الرأی).(27)
ویقول جرجی زیدان عن جمال الدین: (هو إمام هذه الحركة الاجتماعیة فی الشرق، بدأ عمله فی أفغانستان وبلاد فارس، ثم نزل وادی النیل فی زمن اسماعیل، فالتف حوله الأدباء والكتاب یأخذون عنه ویقتدون به، فذاعت شهرته ونبغ من تلامیذه طبقة من الأحرار، أهل الجرأة فی السیاسة والأدب والإصلاح، فثارت الأفكار. وكان ذلك مما ساعد على اضرام الثورة العرابیة فأبعد الى كلكتا وبقی فیها حتى انقضت الثورة فأطلق سراحه فسافر الى اوروبا ونزل باریس وأنشأ فیها (العروة الوثقى) یحررها مع صدیقه محمد عبده، ولم یطل ظهورها. وتقلبت علیه أحوال شتى، وانتهى أخیراً الى الآستانة بجوار عبد الحمید وكان یجله ویهابه وبقی هناك حتى مات سنة 1897.
ولم یخلف كتباً تستحق الذكر، لكنه خلف روحاً جدیدة فی نفوس الشرقیین، وكان غرضه السیاسی توحید كلمة المسلمین وجمع شتاتهم فی ظل دولة واحدة، فلم یوفق الى ذلك، لكنه وفق الى تحریك الهمم واستحثاث الخواطر الى السعی فی هذا السبیل).(28)
وبمناسبة الاشارة الى ثورة أحمد عرابی باشا، لا بأس أن نذكر أن هذا الرجل هو من ثمار الصحوة التی أوجدها السید جمال الدین، فقد قاد الجیش فی ثورته ضد توفیق باشا. وكان همه الأول تخلیص المصریین من العذاب والذل والسخرة والاستغلال.(29) وسانده عن قناعة او عن رضوخ للأمر الواقع كبار الشعراء والأدباء من أمثال عبدالله الندیم ومحمود سامی البارودی، ومحمد عبده، واستعان الخدیوی بالانجلیز، فقضوا على هذه الثورة ونكلوا بالأحرار.

جمال الدین والأدب العربی
الأدب مظهر من مظاهر حیاة المجتمع، فإذا كانت هذه الحیاة متحركة متّقدة خلاّقة كان الأدب متسماً بسماتها، وإذا أصیبت بعاهة انتقلت الى الأدب ایضاً، ولذلك نرى الأدب فی عصر الركود والانحطاط لا یعدو أن یكون (مهارة لفظیة، وقدرة على التفوه بعبارات شعریة ونثریة لا حیاة فیها، ولا عاطفة ولا قوة، وإنما غرضها إظهار البراعة فی اقتناص ألوان البدیع؛ حتى إنهم لیخلّون بالأعراب فی الكلمات والتصریف، إذا تعارض الأعراب او التصریف مع ما یریدونه من جناس او طباق، ویفسدون بنیة الكلمة، عساها تصادق ما یجرون وراءه من هذه الحلی التی یسترون بها عورات لغتهم الركیكة وأفكارهم السقیمة، وخیالاتهم المریضة).(30)
ومرّ بنا أن الأدب العربی قبل السید لم یكن یختلف كثیراً عن عصر الانحطاط، ولم یكن للاتصال الاوروبی عن طریق الحملة او البعثات او الارسالیات أثر یذكر على الأدب العربی. أما بعد نهضة السید فقط تطور الأدب تطوراً واسعاً بشعره ونثره، لما كان لهذه النهضة من أثر عمیق فی ضمیر هذه الأمة ووجدانها.
ولا أدلّ على ما ذكرنا من أن رائد النثر العربی الحدیث محمد عبده ورائد الشعر الحدیث محمود سامی البارودی هما من تلامیذ السید جمال الدین.

تأثیره المباشر على الأدب العربی
الى جانب النهضة الاجتماعیة التی أوجدها السید، وتأثیر هذه النهضة على الأدب، كان لجمال الدین دور مباشر فی دفع حركة الأدب وتطویرها نلخصها بما یلی:
1ـ أرشد السید تلامیذه الكتاب الى التحرر من القیود الثقیلة التی كانت ترسف فیها الكتابة الانشائیة من محسنات بدیعیة مختلفة، وسجع متكلف ممقوت، واستعارات غریبة وغیر ذلك مما أفسد المعنى وستر الأفكار عن الوضوح والجلاء، كما أرشدهم الى تجنب المقدمات الطویلة؛ وطبیعی أن یصرفهم الى الاهتمام بالمعانی، لأن هناك أشیاء كثیرة یریدون الإبانة عنها والإفاضة فیها. ولا یتسع هذا النثر المقید لكل تلك المعانی، ولا یستطیع إیضاحها كاملة(31). وظهرت هذه التوجیهات فی أسلوب محمد عبده وأدیب اسحاق وعبدالله الندیم وأحمد عرابی وغیرهم كثیر.
2ـ لم یكن السید جمال الدین من المطبوعین على الاسالیب العربیة الجمیلة، لكنه فیما كتبه من مقالات قدم نماذج جیدة على الاسلوب المتحرر من السخافات والجمود.
لقد كان قادراً على تفتیق المعانی وتولید الأفكار. یقول تلمیذه محمد عبده:
(له سلطة على دقائق المعانی وتحدیدها وإبرازها فی الصورة اللائقة بها كأن كل معنى قد خلق له، وله قوة فی حل ما یعضل منها كأنه سلطان شدید البطش، فنظرة منه تفكك عقدها. كل موضوع یلقى إلیه یدخل للبحث فیه كأنه صنع یدیه، فیأتی على أطرافه، ویحیط بجمیع أكنافه، ویكشف ستر الغموض عنه فیظهر المستور منه، وإذا تكلم فی الفنون حكم فیها حكم الواضعین لها، ثم له فی باب الشعریات قدرة على الاختراع، كأن ذهنه عالم الصنع والإبداع).
ویقول فی موضع آخر متحدثاً عن تأثیر السید فی نشوء جیل من الكتاب فی مصر: (كان أرباب العلم فی الدیار المصریة، القادرون على الإجادة فی المواضیع المختلفة منحصرین فی عدد قلیل. وما كنا نعرف منهم إلاّ عبدالله باشا فكری، وخیری باشا، ومجد باشا سید أحمد، على ضعف فیه، ومصطفى باشا وهبی، على تخصص فیه، ومن عدا هؤلاء، فإما ساجعون فی المراسلات الخاصة، وإما مصنفون فی بعض الفنون العربیة أو الفقهیة وما شاكلها؛ ومن عشر سنوات ترى كتبة فی القطر المصری لا یُشق غبارهم، ولا یوطأ مضمارهم، وأغلبهم أحداث فی السن، شیوخ فی الصنعة وما منهم إلا أخذ عنه (عن السید جمال الدین) أو عن أحد تلامیذه أو قلد المتصلین به).(32)
3ـ شجّع جماعة من الكهول والشبان على إنشاء الجرائد، والكتابة فیها. فطلب الى الشیخ محمد عبده وإبراهیم اللقانی وغیرهما أن یشتركا فی تحریر جریدة التجارة التی أنشأها أدیب اسحاق، وكتب هو بنفسه فیها. وتدخل فی تحریر الوقائع المصریة وطلب الى الكتاب أن یدبّجوا مقالاتهم فی موضوعات تمسّ حیاة الأمة فی صمیمها، وحرّض الصحفی الیهودی (یعقوب بن صنّوع) على إصدار جریدته التهكمیة أبی نضارة ویشجعه على الاستمرار فی النقد الذی یلذع به إسماعیل.(33)
4ـ من الملفت للنظر أنه شجع على ترجمة الأدب الاوروبی، وخاصة ذاك الذی یحمل روحاً ملحمیة، واعتبر أن نقل هذا اللون من الأدب الى العربیة أكثر فائدة من نقل الفلسفة الیونانیة. وهذا یؤیّد اهتمامه بیقظة الروح أكثر من اهتمامه بالفكر. یُذكر مثلاً أنه (هو الذی شجع سلیمان البستانی على ترجمة الإلیاذة لهومیروس فقال كما یروی البستانی نفسه: إننا یسرّنا أن نفعل الیوم ما كان یجب على العرب أن یفعلوه قبل ألف عام ونیف. ویا حبذا لو أن الأدباء الذین جمعهم المأمون بادروا الى نقل الإلیاذة بادئ ذی بدء، ولو ألجأهم ذلك الى إهمال الفلسفة الیونانیة برمتها).(34)

أفول النهضة
ربّ سائل یسأل عن مصیر هذه النهضة، ولماذا لم تحقق فی العالم العربی ما حققته نهضة أوروبا فی الغرب ونهضة الیابان فی الشرق. والجواب أن هذه النهضة انتكست على ید المستعمرین وبطشهم وخططهم العسكریة والسیاسیة والاقتصادیة والثقافیة. ولولا هذه النكسة لبلغت مصر فی التنمیة مستوى لا یقل عما بلغته الیابان، ولعمّتّ هذه الروح كل العالم العربی والإسلامی.
لقد دفع عرابی باشا بالنهضة الى مواجهة حادّة مع أعدائها؛ بینما كانت تشقّ طریقها بسرعة الى القلوب والأرواح، ونتج عن ذلك دخول البریطانیین لیبطشوا بالأحرار وینكّلوا بهم أشدّ التنكیل، الى جانب نشاط مدروس لتمییع شخصیات النهضة وتذویبهم فكانت النتیجة أن لم تحقق النهضة أهدافها وانحرفت عن مسیرتها.
فی نهایة القرن التاسع عشر ظهر جیل من تلامیذ السید یحملون روحه ودعوته، فیهم السیاسیون والكتاب والشعراء والعلماء من أمثال: محمد عبده، وعبدالكریم سلمان، وابراهیم اللقانی، وسعد زغلول وابراهیم طلباوی ومحمود سامی البارودی، وعبدالسلام المویلحی، وابراهیم المویلحی، وعلی مظهر، وسلیم نقاش وأدیب اسحاق وسلیمان البستانی، وعبدالله الندیم، وعبدالرحمن الكواكبی، وسید بن علی المرصفی.
وعلى ید هذا الجیل تربى أمثال المنفلوطی وطه حسین والزیات ومصطفى صادق الرافعی وابراهیم الیازجی واحمد الحمصانی وقاسم امین وغیرهم كثیرون.
ولاتزال هذه الروح التی أوجدها السید تتراءى ولو بشكل ضعیف فی كثیر من الكتاب والادباء والشعراء وأصحاب الحركات السیاسیة فی العالم العربی. غیر أن المسیرة تعثرت منذ خطواتها الأولى ولم تطو مراحل كمالها.
الهیمنة الاستعماریة على مصر والعالم العربی صادرت الآمال، وأعرب السید جمال الدین مراراً عن خیبته.
ومن العجیب أن یضم مجلس الوزراء الذی أصدر أمره بنفیه بحجة أنه (رئیس جمعیة سریة من الشبان ذوی الطیش مجتمعة على فساد الدین والدنیا) اثنان أعجب بهما وتوسم فیهما الخیر: توفیق باشا، والبارودی وكان ألمه بالغاً خاصة للنكسة التی أصابت البارودی وقد كان یؤمل فیه كل خیر، ویعده لیوم عصیب فی تاریخ مصر، وقد ظلت هذه الآلام تحز فی نفسه حتى أخریات حیاته. فقد زاره الامیر شكیب أرسلان وهو بالآستانة. ویدور الحدیث حول ما روی من العرب عبروا المحیط الاطلسی قدیماً وكشفوا أمیركا بدلیل الأهرام الموجودة ببلاد المكسیك، فیقول السید: (إن المسلمین اصبحوا كلما قال لهم الإنسان كونوا بنی آدم أجابوه: إن آباءنا كانوا كذا وكذا، وعاشوا فی خیال ما فعل آباؤهم، غیر مفكرین بأن ما كان علیه آباؤهم من الرفعة لا ینفی ما هم علیه من خمول وضعة، إن الشرقیین كلما أرادوا الاعتذار عما هم فیه من الخمول الحاضر، قالوا: أفلا ترون كیف كان آباؤنا؟ نعم! قد كان آباؤكم رجالاً، ولكنكم أنتم أولاد كما أنتم، فلا یلیق بكم أن تتذكروا مفاخر آبائكم إلا أن تفعلوا فعلهم، إن المسلمین قد سقطت هممهم، ونامت عزائمهم، وماتت خواطرهم، وقام شیء واحد فیهم هی شهواتهم، هذا محمود سامی البارودی عاهدنی ثم نكث معی وهو أفضل من عرفت من المسلمین).(35)
ومحمد عبده ایضاً منی بهزیمة نفسیة بعد نفیه، وعاد بعد النفی الى مصر وهو مسالم للانجلیز متعاون معهم، وأفتى بجواز الاستعانة بهم. یقول الأستاذ عبدالرحمن الرافعی: (إن نقطة الضعف فی شخصیته هو تخلفه عن الكفاح السیاسی واختلافه فی هذه الناحیة مع أستاذه جمال الدین، وقد بدأ انقطاعه عنه منذ عودته الى مصر سنة 1889، فترك أستاذه یعانی متاعب الكفاح السیاسی وآلامه ومرارته. وكان من قبل عضده وساعده الأیمن. حتى أنه لم یرثِ أستاذه الروحی عند موته).(36)
استطاع الانجلیز أن یقضوا الى حد كبیر على هذه الصحوة بأسالیب شتى، منها البطش والارهاب بالقتل والسجن والنفی، ومنها بالتطمیع بمنح المسؤولیات والامتیازات، ومنها عن طریق المحاربة النفسیة والتذویب التدریجی، وذلك بإنشاء نوادی أدبیة فكریة و(صالونات) متمیعة لجذب النخب الفكریة والسیاسیة وتفریغ طاقاتها الكفاحیة. مثل صالون (نازلی فاضل)، وهی بنت الأمیر فاضل الملقب بأبی الأحرار فی تركیا، جاء بها الانجلیز الى مصر بعد الاحتلال، حیث توثقت صلاتها باللورد كرومر. وبدأت تكوّن صلات بطائفة من شباب مصر الذین كانوا یعدون إعداد معیناً لیؤدوا أدواراً هامة فی تاریخ مصر فیما بعد. وكان أبرز رواد هذا الصالون ثلاثة هم: سعد زغلول ومحمد عبده وقاسم أمین. وفی هذا الصالون بذرت بذور السیاسة التی نادى بها كرومر. ونازلی فاضل كان لها دور فی ربط صداقة سعد زغلول ومحمد عبده باللورد كرومر. ومن أجلها كتب قاسم أمین كتاب (تحریر المرأة).(37)

تلخیص واستنتاج

1ـ إن العامل الأساس فی تطویر الأدب العربی فی العصر الحدیث لیس هو حملة نابلیون، بل حركة السید جمال الدین الاسد آبادی.
2ـ لم تكن قبل نزول السید جمال الدین مصر نهضة أدبیة فی النثر أو الشعر وبدأت هذه النهضة بعد انتشار دعوته.
3ـ كان للسید اهتمام خاص برائد النثر العربی المعاصر محمد عبده ورائد الشعر العربی المعاصر محمود سامی البارودی وعلى یدیهما وید تلامیذهما بدأت النهضة الأدبیة الحدیثة فی مصر وانتشرت الى سائر أرجاء العالم العربی.
4ـ كان للسید توجیه مباشر للكتّاب والأدباء كی ینهضوا بالأدب ویتخلصوا مما ران علیه من سفاهات فی عصر الممالیك والعصر العثمانی.
5ـ قدم السید بكتاباته البعیدة عن الصنائع البدیعیة المتكلفة، والمهتمة بالمعانی الدقیقة نموذجاً جیداً لأدباء عصره، ومحمد عبده ذكر أستاذیة السید لطلائع كتاب النهضة العربیة.
6ـ لقد عملت هذه النهضة فی النصف الثانی من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرین على تخریج جیلین او ثلاثة اجیال من كبار أدباء النهضة الأدبیة، ثم اتجهت الى الهبوط بسبب محاولات التغریب والإبعاد عن الأصالة، فانقطعت النهضة عن أصالتها وجذورها واتجهت الى الضمور.
1 ـ جرجی زیدان، تاریخ آداب اللغة العربیة، بیروت 1967، ج4، ص 365.
2 ـ عمر الدسوقی، فی الادب الحدیث، ط7، بیروت 1966، ج1، ص 21 وما بعدها.
3 ـ احمد حسن الزیات، تاریخ الادب العربی، منشورات دار الحكمة، بیروت، ص 387 وما بعدها.
4 ـ شوقی ضیف، الادب العربی المعاصر فی مصر، ط9، دار المعارف بمصر، ص 11 وما بعدها.
5 ـ الدكتور محمد عبدالمنعم خفاجی، الأدب العربی الحدیث، 1/18، ط1، القاهرة 1985م.
6 ـ هو رأی الدكتور محمد مندور فی مقال له نشرته مجلة الهدف (یولیو 1956)، انظر: المصدر السابق: 19.
7 ـ هو رأی محمود تیمور، مجلة الرسالة عدد 23/4/1964، نقلاً عن نفس المصدر السابق/ 19.
8 ـ نفس المصدر / 18.
9 ـ شروط النهضة، ترجمة عمر كامل مسقاوی وعبدالصبور شاهین، ط4، دمشق 1987، ص 49.
10 ـ نفس المصدر / 56.
11 ـ مقدمات فی التفسیر الموضوعی للقرآن، ط1، بیروت 1400 هـ، ص120.
12 ـ نفس المصدر، ص 152.
13 ـ د. محمد جابر الأنصاری، تحولات الفكر والسیاسة فی الشرق العربی، سلسلة عالم المعرفة، الكویت 1980م، ص 7.
14 ـ مجموعة العروة الوثقى، ص 64 ـ 69، نقلاً عن الفكر الإسلامی الحدیث وصلته بالاستعمار الغربی، ط بیروت 1991، ص 76 ـ 77.
15 ـ عمر الدسوقی، مصدر مذكور، ج1، ص 232.
16 ـ الدكتور محمد البهی، مصدر مذكور، ص 83.
17 ـ میرزا لطف الله الاسد آبادی، حقیقة جمال الدین الافغانی، ترجمه الى العربیة وحققه الدكتور عبدالمنعم حسنین، ط2، القاهرة 1990م، الجزء الأول، ص 82.
18 ـ الرد على الدهریین، 82 ـ 83، نقلاً عن الدكتور محمد البهی، مصدر مذكور، ص83.
19 ـ سلیم عنحوری، تاریخ محمد عبده لرشید رضا، ج1، ص 46، نقلاً عن عمر الدسوقی، مصدر مذكور، ج1، ص 308.
20 ـ الدرر، ص 70 ـ 72، نقلاً عن عمر الدسوقی، مصدر مذكور، ص 310 ـ 312.
21 ـ من ترجمة الإمام الشیخ محمد عبده له، نقلاً عن عمر الدسوقی، مصدر مذكور، ج1، ص 333.
22 ـ نفس المصدر، 333 ـ 334.
23 ـ خاطرات محمد باشا المخزومی، نقلاً عن عمر الدسوقی، مصدر مذكور، ج1، ص 347.
24 ـ هی الولیمة التی یقیمها رجال الطرق فی حفلاتهم، ویطلق علیها العوام فی مصر (الفتة).
25 ـ مالك بن نبی، مصدر مذكور، ص 24.
26 ـ عمر الدسوقی، مصدر مذكور، ج1، ص 304.
27 ـ تاریخ الأستاذ الإمام الشیخ محمد عبده، ج2، ص 217 ـ 218، نقلاً عن المصدر السابق، ج1، ص 313.
28 ـ جرجی زیدان، مصدر مذكور، ج4، ص 642.
29 ـ انظر: عمر الدسوقی، مصدر مذكور، ج1، ص 427 وما بعدها.
30 ـ نفس المصدر 1/156.
31 ـ نفس المصدر: 1/ 349.
32 ـ نفس المصدر، 1/ 337 ـ 338.
33 ـ نفس المصدر، 1/ 336 ـ 337.
34 ـ محمد عبدالمنعم خفاجی، مصدر مذكور، 1/20.
35 ـ عمر الدسوقی، مصدر مذكور، 1/339.
36 ـ أنور الجندی، صفحات مجهولة من الأدب العربی المعاصر، ط1، 1979، ص313.
37 ـ نفس المصدر، 303 وما بعدها.
??
??
??
??
198 جمال الدین والمشروع الاصلاحی
دور السید جمال الدین فی الأدب العربی الحدیث 197



طبقه بندی: العصر الحدیث،

[ جمعه 6 اسفند 1389 ] [ 21:58 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]