تبلیغات
بانک مقالات عربی - النقد الأدبی فی القرن الرابع الهجری وساطة الجرجانی نموذجاً

النقد الأدبی فی القرن الرابع الهجری وساطة الجرجانی نموذجاً

محمد صبحی المعمار ظهر النقد الأدبی عند العرب منذ أن ظهر الشاعر ومر فی مراحل متعددة ونستطیع ان نقسم مرحلة النقد إلى مرحلتین الأولى: منذ أن ظهر الابداع الشعری وحتى نهایة القرن الثامن عشر وبدایة القرن التاسع عشر ونسمیها مرحلة النقد القدیم والمرحلة الثانیة منذ بدایة القرن التاسع عشر وحتى وقتنا الحاضر

ونسمیها مرحلة النقد الحدیث وهذا له أسبابه أما فی المرحلة الأولى فقد نضج النقد الأدبی فی القرن الرابع الهجری فظهر نقاد بارعون صنفوا مؤلفات كثیرة وعالجوا قضایا نقدیة أساسیة منها : تعریف الشعر والخطابة ودراسة عناصرهما والعلاقة بینهما ودراسة بناء القصیدة والعناصر الجمالیة فی العمل الأدبی وأثر البدیع فی الشعر والنثر والموازنة بین الشعراء وما أخذه الشعراء من شعر غیرهم وهو ما عرف باسم ( السرقات الشعریة ) وظهر نقاد بارعون منهم الآمدی صاحب كتاب ( الموازنة بین أبی تمام والبحتری ) والقاضی علی بن عبد العزیز الجرجانی صاحب كتاب ( الوساطة بین المتنبی وخصومه) وهو موضوع مقالتنا. القاضی أبو الحسن علی بن عبد العزیز الجرجانی المتوفى عام 392هـ قال عنه یاقوت الحموی فی معجم الأدباء ( ابو الحسن قاضی الری فی أیام الصاحب بن عباد وكان أدیباً أریباً كاملاً مات بالری یوم الثلاثاء لست بقین من ذی الحجة سنة اثنتین وتسعین وثلاثمائة وهو قاضی القضاة بالری حینئذ) وذكره الحاكم فی تاریخ نیسابور وقال : ( ورد نیسابور سنة سبع وثلاثین وثلاثمئة مع أخیه أبی بكر وأخوه إذ ذاك فقیه مناظر, وابو الحسن قد ناهز الحلم فسمعا معاً الحدیث الكبیر ولم یزل أبو الحسن یتقدم إلى أن ذكر فی الدنیا وللقاضی عدة تصانیف منها : كتاب تفسیر القرآن المجید وكتاب تهذیب التاریخ وكتاب الوساطة بین المتنبی وخصومه). ولكتابة كتاب الوساطة أسباب كما قال الثعالبی فی یتیمة الدهر ( ولما عمل الصاحب رسالته المعروفة فی اظهار مساوئ المتنبی - الكشف عن مساوئ شعر المتنبی) عمل القاضی الجرجانی كتابه الوساطة بین المتنبی وخصومه فأحسن وأبدع وأطال وأطاب وأصاب شاكلة الصواب واستولى على الأمر فی فصل الخطاب وأعرب عن تبحره فی الأدب وعلم العرب وتمكنه من جودة الحفظ وقوة النقد فسار الكتاب مسیر الریاح وطار فی البلاد من غیر جناح), وقال صاحب كشف الظنون ( أما القاضی أبو الحسن فإنه ادعى التوسط بین خصوم المتنبی ومحبیه وذكر أن قوماً مالوا إلیه حتى فضلوه فی الشعر على جمیع أهل زمانه وقوماً لم یعتبروه من الشعراء وازدروه غایة الازدراء حتى قالوا : إنه لاینطق إلا بالهوى ولم یتكلم إلا بالكلمة العوراء ومعانیه كلها مسروقة فتوسط بین الخصمین وذكر الحق من القولین). ولیس كتاب الوساطة مختصاً بشعر المتنبی كما یفهم من عنوانه , بل إنه عرض للأصول الأدبیة التی عرفت فی عصره وحلل أشعار القدماء والمحدثین وأورد كثیرا من محاسنهم وعیوبهم وأبان ما شاع فیها من تقصیر وغموض واخذ وسرقة واستعارة حسنة او ردیئة ثم عرض للبیئة واثرها فی الشعر والبداوة وما تحدثه من جفوة فی الطباع والحضارة وما ینشأ عنها من رقة وسهولة ثم عرض لخصوم المتنبی وانصاره ومعانیه المأخوذة او المخترعة كل ذلك وغیره اورده فی اسلوب واضح وعرض شامل . لقد هاجم الجرجانی فی وساطته الناقد الردیء واعتبر الناقد الردیء الذی یصم بالنقص كل محدث لانه یبلغ به التعصب او یستحسن شعرا فاذا نسب الى بعض اهل عصره كذب نفسه ونقض قوله والناقد الذی یتعصب لمحدث على محدث فاعتبره متحاملا وكله من نتائج العصبیة فالناقد المتحامل والناقد المتعصب ردیفان للناقد ردیء ولو سلمت حجتهما لان العصبیة تتخطى بهما (الاحسان الظاهر الى العیب الغامض) واعتبر ان الناقد الذی یقتصر على ظواهر النسیج الشعری من لحن أو وزن أو بدیع أو معان متعمقة ولا یقابل بین الالفاظ ومعانیها ولا یسیر ما بینها من نسب هو ناقد ردیء واخیرا فالجرجانی لا یرى فی النحوی ناقدا (فهو یتعرض لانتقاد المعانی لما یدل على نقصه) مثلما ینفی من مملكة النقد كل ناقد یقتصر من نقد الشعر على محاكمة المعانی فهو (لا علم له بالاعراب ولا اتساع له فی اللغة). لقد ظهر الجرجانی فی وساطته انه صاحب نظریة نقد فی الشعر وذلك حینما قال (لقد كانت العرب تفاضل بین الشعراء فی الجودة والحسن بشرف المعنى وصحته وجزالة اللفظ واستقامته وتسلم السبق فیه لمن وصف فاصاب وشبه فقارب وبده فأغزر ولمن كثرت سوائر امثاله وشوارد ابیاته ولم تكن تعبأ بالتجنیس والمطابقة ولا تحفل بالابداع والاستعارة اذا حصل عمود الشعر ونظام القریض) فتفكیر الجرجانی مرتبط بالتطور التاریخی فالنظریة الشعریة فی ذهنه حصیلة تراكم لمفهومات تكونت على مراحل هذه النظریة تكاد تكون نظریة العرب فی الشعر . والشعر عند الجرجانی لا یخلو من العیوب ففی شعر الجاهلیین اغلاط فی اللغة والمعانی المستمدة من البیئة فیدعو فی محاكمة العیوب الظاهرة الى منهج یدعو الى الدقة مثلما یدعو الى المسامحة وهو یدعو النقاد المحدثین الى الاقتداء بالنقاد القدماء الذین درسوا آثار الجاهلیین فوجدوا ( كثیرا من اشعارهم معیبة مسترذلة لكن هذا الظن الجمیل ستر علیهم ) فكأنه یقول : ان التراث لا ینشأ الا بشیء من الاحترام والتسامح وان المنهج الاعتذاری من طبیعة النقد . ویرى الجرجانی بعین الناقد المحاید البصیر المتمكن ان المتنبی كان بین فئتین ( من مطنب فی تقریظه منقطع الیه بجملته یلتقی مناقبه بالتعظیم اذا ذكرت ویشیع محاسنه اذا حكیت بالتفخیم وعائب یروم ازالته عن رتبته فلم یسلم له فضله ویحاول حطه عن منزلة بوأه ایاها ادبه فهو یجتهد فی اخفاء فضائله واظهار معایبه وتتبع سقطاته واذاعة غفلاته ) وعند الجرجانی الناقد المنصف كلا الفریقین ( إما ظالم له او للادب فیه وكما ان الانتصار جانب من العدل لا یسده الاعتذار فكذلك الاعتذار جانب هو اولى به من الانتصار ومن لم یفر من بینهما وقفت به الملامة بین تفریط المقصر واسراف المفرط ) وهذا رأی منصف من الناقد الجرجانی یعلمه الى المحدثین من بعده فهو لم یحكم ولم یضع رأیه ولم یقرر الا بعدما درس المتنبی الشاعر دراسة وافیة كافیة وعایش احواله وتفهم اوضاعه والاسباب التی دعت منصفیه وعشاقه لحبه وانصافه والاسباب التی حرضت معادیه واعداءه الى هذا الهجوم الشرس علیه وعلى شاعریته . ویمكننا فی هذه المقالة المختصرة ان نستعیض عن عرض كتاب الوساطة بین المتنبی وخصومه بأن نختصر على تثبیت المبادئ التالیة : المبدأ الاول فی الوساطة مقایسة المتنبی بالمحدثین والنظر بینه وبین اهل عصره لتحدید موقفه من الفحول منهم والمبدأ الثانی : ان لأولئك الفحول معایب لم تؤد الى اسقاطهم من عداد الشعراء والجرجانی یرى ان المتنبی اقل اولئك الشعراء عیبا فقد اسقط نصف شعر ابی تمام وكثیرا من شعر ابی نواس ولم یبق لابن الرومی واحدا او اثنین بالمئة من شعره وفی مقابل ذلك یسقط عشرة بالمئة من شعر المتنبی یقول الجرجانی ( هلم نستقرئه ونتصفحه نقلبه ونمتحنه ثم لك بكل سیئة عشر حسنات وبكل نقیصة عشر فضائل ) اما المبدأ الثالث فإن هذا العشر المستثنى لیس ساقطا كله بل إن فیه مواضع للاجتهاد والمحاججة والمبدأ الرابع هو ان الشعر الذی ترجح محاسنه على مساوئه هو شاعر جید حتماً فلیس ( من العدل ان تؤخره الهفوة المنفردة ولا تقدمه الفضائل المجتمعة ) والمبدأ الخامس والاخیر انه لا یجوز اطلاق الاحكام التعمیمیة جزافا بل یتوجب على الناقد ان ینبه على العیب والتفرد فی كل موضع بعینه ومحصلة ذلك هی التی تحدد مكانة الشاعر وتجیز الحكم علیه او له . وهكذا انصف القاضی الجرجانی الشاعر المتنبی من خصومه بعدما توسط الفریقین المتصارعین فی محبته ومعاداته فاعطى لكل فریق حقه وكشف تسرعه وأخطاءه وكشف عورات الحاقدین علیه فقد حدد أن لكتابه ( الوساطة بین المتنبی وخصومه ) ثلاثة أسباب سبب أخلاقی لرفع الحیف عن المتنبی وسبب شخصی لأن الأدب نسب وسبب علمی فی الكشف عن الحقیقة الادبیة باتخاذ مقیاس واحد فی الحكم بین الشعراء، وفی كتاب الوساطة استعرض القاضی الجرجانی الاتجاهات النقدیة فی عصره فرأى ان النقاد موزعون بین اتجاهین الاول : (لایرى الشعر الا القدیم الجاهلی وما سلك به ذلك المنهج) اما الاتجاه الثانی : فیتقبل اصحابه شعر المحدثین لكنهم یرفضون ان یضموا الیهم المتنبی فإلى هؤلاء النقاد توجه الجرجانی بحججه جاعلا همه الرئیس وضع قواعد نقدیة ثابتة تطبق على الشعراء المحدثین كافة وخاصة فی أمور المسامحة والمؤاخذة على اللحن والغلط والتعقید والاحالة متحدیا لهم بأن یورد لكل سیئة یجدونها فی شعر المتنبی عشر حسنات فالوساطة لیست بین انصار القدیم وانصار الحدیث وانما هی بین محدث ومحدثین ظهرت كوسیط محاید بعیدة عن العصبیة والقبلیة والانحیاز الى طرف دون طرف .‏



[ 1389/10/2 ] [ 21:09 ] [ دکتر كشاورز ]