تبلیغات
بانک مقالات عربی - السخریة فی شعر راشد حسین

السخریة فی شعر راشد حسین

الدكتور فاروق مواسی

  لا شك فی أن الأدب العربی عرف أعلامًا كانت روح السخریة بادیة فی أدبهم ، فمن القدماء كان الجاحظ وابن الرومی.....ومن المحدثین : المازنی والحكیم ومارون عبود والشدیاق وأسعد رستم وعرار.......

أما الأدب الساخر فی شعرنا المحلی فقد أرسى قواعده راشد حسین ، فهو یجذب انتباهنا فی دیوانیه الأولین (مع الفجر) و (صواریخ) بهذه الخطرات أو الومضات التی تشع بألمه ، وتتوهج بمأساته. وها هو یخاطب ابن عمه فی الأردن:

القریة العزلاء یا ابن العم تقرئك السلام

وبیوتها الوسنى تحیی بنت عمتها الخیام

  فتحیة القریة (العزلاء) و (الوسنى) عرَضها راشد بنوع من الحیادیة المتألمة، كما توحی (بنت عمتها) بجو السخریة الذی كان قد عمد إلیه المتنبی - حین وصف بدر بن عمار وهو یصرع الأسد:

سمع ابن عمته به وبحاله

فنجا یهرول منك أمسِ مهولا

 وإهداء السلام كان طریقة شائعة جدًا قبل حرب حزیران ، ولذا یركز علیه الشاعر مرة أخرى، فالشاب الجریح یكتب رسالة ساخرة من المیدان یقول فیها:

والأذرع المتناثرات هنا هنالك فی الطریق

واللیل والموتى وأفواه الخنادق والحریق

یهدینكم حلو التهانی والتحیة والسلام

  فانظر إلى كلمة (حلو) فی البیت الأخیر تجد أن الشاعر هنا یتدخل لیركز على صورة الألم فأشبعها بمعنى مناقض تمامًا:

إن الشاعر یختار مواقع المأساة كالخیام السود ، حیث اللاجئون یعیشون فی المهجر والغربة:

لن تصیر الخیمة السوداء فی المهجر قصرا

وصدید الجرح والإعیاء لن یصبح عطرا

وجیوش القمل لن تصبح أغنامًـا فتقرى

ودموع الیتم لن تصبح للأیتام خمرا

وثمة فتاة بین الخیام ماتت ولم یسعفوها:

دفنوها فی ظلام اللیل سرًا دفنوها

لینالوا مؤن الطفلة من قوت جهنم

  والأنكى أنهم یطالبون هذا اللاجئ أن یقعد ویسكن:

ومضوا عنه وقالوا:

عش سعیدًا فی جهنم

  فالشاعر نقل صورة من حیاة اللاجئین الذین یتقبلون الإعانات والإهانات ، وأنت عندما تقرأ أن جیوش القمل لن تصبح أغنامًا تعرف أن هذه بدیهیة، ولكن سرعان ما تخطر على بالك صور تدعوك لتعمق المأساة واستغوارها:

.... هل فمنا یبدو اذا جعنا مخیف

لیفر الخبز من رؤیتنا

أم على أفواهنا خطوا حذار اللاجئین

ثم تسأل هذه الطفلة أبعد من ذلك:

فلماذا یقلق البدر وصحبه

أتراهم جوّعوا؟

 وبالمقابل فالشیخ ساهر مع خیالات الشقاء، وعندما یؤذن المؤذن ویقول:

(حی على الفلاح) یرد الشیخ میؤوسًا:

لقد ضحك الفلاح على الصلاح

من خلال هذه اللقطات التی أوردناها نقل لنا الشاعر صورًا من مآسی اللاجئین، وقد جسّم هذه الصور بشكل ساخر ومریر. أما الطرف الآخر وهو الجندی فسینال الأوسمة. ولكن على أی فضل؟ لندع الجندی یتحدث:

وننال أوسمة

على تیتیم أطفال الأنام

والجندی هذا یطلب فی رسالة لأبیه أن یخبر زوجته:

قولوا لها إنی بخیر تحت أغطیة رقیقــه

سأظل أنشدها وأكسب یا أبی ثمن الطعام

  فمثل هذه الصورة التی یَلسع فیها راشد تدلنا على كراهیة الحرب فی نفس الشاعر. هو یقرع ناقوسًا ویحذر من المصیر المفجع. ومثل هذا الجندی جندی آخر تقترب منه دودة مترددة ، فیخاطبها قائلا:

یا جارتاه ستنحنین على فم

ما قبلته سوى معطرة الفمِ

قلبی عشاؤك فانهمی وتنعمی

فلأنت أولى من لهیب جهنم

 وإذا سخر الشاعر من أمثال هذین الجندیین ، ومن المصیر ، فإنه لا یغفل المتواطئین من بنی جلدته ، فیشفی غلیله منهم :

إذا مستعمر طلب المطایا

أناخوا فالظهور لها رحاب

وإن عز الركاب أطل تاج

یقول: أنا لسیدی الركاب

  وقد تبدو هذه الصورة الساخرة حادة ، لكنها لا تقتصر على هؤلاء كما نقم السیاب من (المخبر) ، بل إنه یرى أن الناس كلهم هم رقیق ، لأنهم یتشاغلون عن القضیة ، ثم لا یلبث أن یتشاءم من سكان الأرض قاطبة، فقد أعلن عن مزاد لتصدیر الأبالیس الرجیمة إلى السماء:

وستشتری بعض الملائكة الكبار الأتقیاء

 ثم تقدم مسرحیة الشقاء لسكان السماء ، حیث رایات الإخاء ، وها هم یرقصون على وصایا الأنبیاء ، وینتشر النفاق والریاء ....فالسر هو أساس یعمر به الكون؛ وعندما زال الشر لم یجد السجان له عملاً ، ولم یجد الكاهن من یصغی له ، وأقفل الخمّار حانته وتوصل الشاعر إلى القول:

لو لم یكن إبلیس فی أرضنا

لم یدر بعض الناس ما یأكلون

 أما العرب الذین بقوا فی الأرض مع راشد فقد نقل لنا الشاعر صورًا مما عانَوه:

 فأطفال صندلة الذین قُتلوا یثیرون مشاعره ، فیقول قصیدته التی أشهرته – حسب رأیی – وهو یخاطب مرج ابن عامر، ومجرد خطابه للسهل الذی یحمل اسما كأسماء الأعلام یوحی بأكثر من معنى، وها هو یسأله فی تجاهل العارف:

مرج ابن عامر هل لدیك سنابل ؟

أم فیك من زرع الحروب قنابل ؟

أم حینما عز النبات صنعت من

لحم الطفـــولة غلـــة تـــتمایـــل ؟

أحسبت أقلام الرصاص بنادقــــًا

وبـــأن صبیتنا الصغار جـحافل ؟

أم أن أوراق الدروس وثائق

أم فی الحقائــــب عــدة وحبائل؟

ومثل هذه الصور وهذه التساؤلات تجسم المأساة ، وتشیع المرارة ، وتدع الشاعر یتخلص من سَـورة هزئه إلى حمیّا غضبه:

قالوا القنابل عبقری صاغها

صدقوا.. ولكن عبقری سافل

 ویطالب الشاعر فی أكثر من موقف أن نـتساوى بسوانا ، فعن أخیه فتحی یقول:

وعروقه كعروقكم دماء لا عصیر

 وجملة (لا عصیر) فیها وخز لمن یظن أنه من دماء لا تقع تحت تصنیف الدماء المعهودة طبیًا.

وعندما یسأل أحدهم: لماذا لا تكتب عن الموشاب والكیبوتس ؟ یتعرض له راشد شارحًا عن نظام التصاریح الذی عانى منه طویلاً وحال دون تحقیق ذلك:

هل یمدح الأزهار من لم یدخل البستان؟

 وتتمثل روح السخریة أیضًا فی جو قریته ، حیث یحصل الأعمى ( أبو رباب) على إنذار من ضریبة الدخل ، فهذا النظام لا یرعوی عن مطاردة حتى ضریر على لقمة عیشه:

ولربما طعن التفاؤل خنجر مر الحساب

انذار دائرة الضرائب للضریر (أبی رباب)

 روح السخریة فی غزلیاته:

 لعل العبث النابع من خفة ظل عند الشاعر نجده فی كل قصیدة غزل، فعندما یطلب من قلبه أن یصوم عن هواها یجیبه القلب:

وكیف یصوم فؤاد فتى

وما أطعموه وما سحّروا

إذا كان لا بد من أن أصوم

فإنی على قبلة أُفطر

 وهذه الفتاة التی یرى المقدسات على صدرها یطالبها بلفتة ذكیة أن ترحل معه:

وأن المسجد الأقصى أقیم على ربى صدرك

فما لعجیبة الإسراء لا تأتی على فكرك ؟

 والشاعر یخاف على خازن جهنم- مالك- من مكر النساء:

وأخاف ألا یوقد النیران یا ربی لهنه

فاجعله یا رباه امرأة لتـأمن مكـرهنه

 فاستعمال الكلمات المقدسة والأجواء الدینیة فی معرض الحدیث عن المرأة یحمل فی جوانبه سخریة طریفة ..... وعندما تسأله إحداهن أ شاعر؟) یقول لها:

........خلیه فی سرحـــــــاته

لو كان جدی فی الحیاة سألته

أأحب جدتها قبیل وفاتــــــــه ؟

 ثم یستطرد فی وصف الجو حتى یخلق لنا نوعًا من المفارقة:

أشعار قیس أصبحت قرآنه

فتلا لها تسعین من آیاتــــه

ورمى العمامة جانبًا متبرمًا

وأحل قبعة على شعراته

 ثم یتدخل الشاعر ویخلص الحبیبة من بین یدی الجد المتهالك العاشق ... ویقول لنا:

لولا هربت لزجّنی فی سجنه

ولضم صاحبتی إلى زوجاته

 ولا نلومن الشاعر على هذا الحب الذی أخذ منه:

قل لهذا القلب یصبحْ حجرا

ثم لمنی إن أنا أحببته

 ولا شك أن صورًا أخرى كثیرة فیها تتردد وفیها نوع من الدعابة كقوله:
 إنه معلم أربعین ثرثرة ، أو إنها نهبت ما ربحه من المطبعة ، أو یهزأ بها لأنها تسأله عن رقم صندوق البرید فی القریة......

الانفعال عند راشد حسین:

 لعل الانفعال أیضًا ظاهرة من ظواهر البساطة یقولها كأنها مسبة ، وهو بهذه الشتیمة ینال من الطغاة أكثر من مرة:

وهوى الطغاة أذلة فأعزهم

كلب وأكبرهم حمار ینهق

 وتتكرر أكثر فی دیوانه الثانی على غرار:

وتراجع الطاغی فخیر رجاله

جرو ینوح وثعلب یصطاد

 ومثل هذا الشعر یذكرنا بهجاء المتنبی لابن كیغلغ:

وإذا أشار محدثُا فكأنه

قرد یقهقه أو عجوز تلطم

 ویمتزج الانفعال بالسخریة لدى راشد:

أضناكم داء السیادة فانثنت

لتعالج السقماء یا (أسیاد)

جئتم إلیها زائرین وقلتم

لا ترهبونا إننا (رواد)

یا أحمق الرواد حان رحیلكم

فمع السلامة أیها (الرواد)

 ففی قوله " مع السلامة " طرد ، وفی تكرار " أیها الرواد" سخریة لاذعة، بالإضافة إلى وضع الكلمات بین أقواس ، فهذا من شأنه أن یلفت نظرنا إلى التهكم الذی عمد إلیه.

المفارقة والصورة:

 ألمحنا سابقًا إلى عامل المفارقة بأنه من أبرز دواعی السخریة عند الشاعر ، وتمثل أحیانًا بصورة قریبة إلى الكاریكاتیر یرسمها الشاعر... یقول الشاعر على لسان وزیر:

وأنا الوزیر

لما انحنى البواب مرتعش الفؤاد لمقدمی

صافحته وكأننی البواب وهو (معلمی)

 وأنا یطل علینا بصورة أخرى صوتیة لا نملك إلا إن نتخیلها.... فالعم سلامة:

الراء نون عنده رغم الخلیل وسیبویه

 وسرد القصة الساخرة لا یقف أحیانًا عند لقطة أو ومضة ، بل یتعدى ذلك إلى القصیدة كلها - كما فی (من شاب جریح إلى والده) و (قاضی الهوى) و (لغة الأفیون) ، وفی هذه القصیدة الأخیرة یخاطب الشاعر الفلاح الذی خُدع ثم صحا:

قالوا لك الحقل المبارك والمزارع الغدیر

ولك الزهور الحالمات وما ملكن من العبیر

ولك اخضرار التین والزیتون والأمل الوفیر

ولك الحسان الحور فی یوم القیامة والحریر

أنت الشجاعة والقناعة.......أنت إنسان قدیر

......................

......................

اصبر فرزقك فی السماء وفی السما رزق كثیر

 وعلى هذا النسق یستمر الشاعر فی السخریة من هؤلاء الإقطاعیین الذین یزینون الحیاة للفلاح.

مما تقدم نرى أن الشاعر یستعمل السخریة ، وقدیمًا قیل )شر البلیة ما یضحك) - یستعملها تنفیسًا وتعبیرًا عن مرارته. وتبرز هذه السخریة فی المفارقات - أی بإظهار الصورة وعكسها ، ویطیل الصورة أحیانًا حتى لیكاد یقنعنا بأنه جاد فی وصفه.

إن الشاعر فی وطنیاته یخز ، وفی غزلیاته یعبث ، وفی كلتیهما هو ماكر . أما فی أدائه فهو یشبع الكلمة دلالة شعبیة وصورة ذكیة.





موضوع: العصر الحدیث،
[ 1389/10/4 ] [ 18:52 ] [ دکتر كشاورز ]