بانک مقالات عـربـی Bank of Arabic articles - الغموض فی الشعر العربی الحدیث
بانک مقالات عـربـی Bank of Arabic articles
مقالات مربوط به رشته زبان وادبیات عربی

بازدید : مرتبه
تاریخ : یکشنبه 9 آبان 1389
حول الغموض فی الشعر العربی الحدیث

عمران عزالدین أحمد


شعراء هذا الیوم جنس ثالث
فالقول فوضى والكلام ضباب
نزار قبانی

إن ظاهرة الغموض أو الإبهام فی الشعر الحدیث واحدة من أعقد الظواهر التی یجابه بها القارئ فی أثناء قراءته لقصیدة أو خاطرة شعریة أو أی جنس آخر من أجناس الأدب المتعارف على تصنیفه فی أیامنا هذه.
ما هو الأدب ؟
یراد بكلمة أدب: التهذیب والصقل والتمدن, والمقصود من التأدیب فی مصطلحات اللغات كافة أن یكون الإنسان مهذباً أو مؤدباً أو مثقفاً قد نشأ على العلم بفنون المعرفة والحكمة وجمع بین ثقافة الفكر والضمیر, فمن فضائل الأدب أن یقوم اللسان ویهدی إلى أسالیب التعبیر عن حوائج النفس ومعانی الأفكار.وبناءً على ذلك:
الأدب هو إیصال ما أكتبه إلى الآخر بأسلوب جمالی ینفذ إلى قلبه ووجدانه دون تعقیدات, والأدب الرفیع وحده یستوعب التجارب ویعبر عما تملیه بواعث الحیاة التی تخاطب الفطرة الإنسانیة وشتان بین كتابة تنبض بالحیاة والمتعة وكتابة تعقدها وتقف عند مظاهر القشور والطلاء.
ولنتفق أولاً أن ما یدفع القارئ للقراءة دون شك هو الهوایة, فلیس من الإنصاف -والحال هذه- وضع العراقیل والعقابیل فی طریقه لابتزاز حاجته إلى فعل القراءة.

ولكن من جهة أخرى ما الذی یدفع الشاعر إلى كتابة هذا النوع من الشعر أو كتابة الشعر على هذه الصورة ؟
هل هو تشربه بثقافة غیر تلك التی درج القارئ على قراءتها ؟ هل هذا هو أسلوبه الوحید لإیصال الفكرة إلى قارئه وهل یعنی هذا أنه یفتقد الأسالیب المناسبة لإیصال تلك الفكرة ؟ ما الذی یجعل الشاعر شاعراً فی ظل افتقاره إلى أسالیب إبداعیة تعینه على إیصال المتعة والفكرة إلى القارئ ؟!
سئل الشاعر الكبیر صلاح عبد الصبور ذات یوم : هل تقرأ لجیل الشباب ؟ فأجاب: ” نعم بكل تأكید , ولكننی فی بعض الأحیان أجد صعوبة فی فهم ما یرمی إلیه الشاعر وقد قرأت فی أحد المرات قصیدة لشاعر شاب فلم أفهمها ومعروف عنی أننی أقرأ القصیدة لمرة واحدة فأردد غیباً أغلب أبیاتها ولكن الذی حصل هذه المرة أننی لم أفهمها فأعدت قراءتها مرة أخرى لا بل مرات أخرى ولم أفهمها أیضاً فأدركت فی النهایة أن العیب لیس فیّ أو فی ذاكرتی ولكن العیب هو فی كاتب هذه الكلمات المبهمة والمستعصیة على الفهم ” … وقد أطلق الشاعر الكبیر حینها على هذا الصنف من الشعراء اسم ” شعراء الأحاجی والألغاز “.
فإذا كان رجل فی قامة صلاح عبد الصبور وتاریخه قد عانى من هذه المشكلة فكیف لا یعانی منها قارئ هاوٍ ینحصر كل همه فی إشباع ذائقته الأدبیة ؟‍‍‍‍‍
على أن هناك قامات أدبیة باسقة كتبت أدباً واضحاً فهمه الناس , كتبت أدباً جمیلاً فأحبه الناس وأحبوهم , لم یستعرضوا عضلاتهم على القارئ لأنهم كانوا أصحاب رسالات أدوها بكل ثقة وأمانة, وخلدهم التاریخ حتى أصبحت كتاباتهم مراجع ودراسات یستعین بها النقاد والدارسون والباحثون.
وقد نختلف بعض الأحیان حول الشكل أو المضمون مع هؤلاء الشعراء الذین نحن بصدد الإشادة بهم ولكن هل یجادل مجادل فی موهبتهم أو یشكك فی شاعریتهم ؟
ولدینا شاعر كبیر آخر هو نزار قبانی كتب شعراً سهلاً سلساً یفهمه حتى أنصاف المثقفین وأشباههم ویتذوقه حتى النجار والحداد وباعة الخضروات ومع ذلك فقد جاء أدبه رائعاً رائقاً استساغته فئات وشرائح المجتمع كافة وكتب له الخلود بعد ذلك.اقرأ معی مثلاً كیف كان یتغنّى بدمشق فیصفها وصفاً تذوب له القلوب، وتستوعبه العقول، وتستنفر ‏له كل الأحاسیس المرهَفَة، یقول:
قمرٌ دمشقیٌ یُسافرُ فی دمی
وبلابلٌ .. وسنابلٌ .. وقِبَابُ
الفُلُّ یبدأ من دمشقَ بیاضَهُ
وبِعِطرِها تتعطّرُ الأطیابُ
والماءُ یبدأُ من دمشقَ .. فحیثُما
أسندتَ رأسكَ، جَدولٌ ینسابُ
ویأتیك من الشعراء فی أیامنا هذه من لا یتبرأ فقط من مدینته ولكن من ذاته نفسها فتجده تارة یشبه نفسه بالشجرة الوافرة على سجین أزرق وتارة بالبحیرة وتارة بالغیاب, فقد كتب أحدهم قصیدة بعنوان “الأخضر” قال فیها:
“أنا أخضر القبور..علی زرق العصافیر
ووحشة أختی
أنا الشجرة الوافرة على سجین أزرق
أنا البحیرة من یدیك..فتغرقین فی الكآبة
اسمی الغیاب
وفضتی الغرقى
ص83″
ورسم شاعر آخر صورة قبیحة جداً للتاریخ:
“شهدوا أن التاریخ امرأة
صلعاء بعین واحدة
وبرأس مفتوق”
لماذا كتابة أدب یستعصی على الفهم ؟
لماذا أقرأ قصیدة للمتنبی – وهو مالئ الدنیا وشاغل الناس – فأحفظها وأحللها وأركبّها وأفهمها جملةً وتفصیلاً؟
لماذا أفهم أدب نزار قبانی وأتذوقه وأرتشفه حتى الثمالة وأحفظه حتى الورید .؟
ألا یستشهد الناس حتى یومنا هذا بحكم المتنبی وأمثاله؟
ألم یواكب أدب نزار قبانی أجیالٌ تعلمت فنون الشعر والعشق على یدیه ؟
ما الذی یرمی إلیه هؤلاء الشعراء من وراء كتابتهم لشعر كهذا ؟!
ماذا یریدون أن یقولوا للقارئ وما الذی ینتظرونه منه ؟
هل یأملون منه أن یصفق لهم ویثنی على هذه الكتابة الخارقة التی توهموا ساعة كتابتها أنها اكتشاف عظیم أو فتح مبین فی عالم الشعر؟!
لا أدری لماذا یذكرنی هذا ببعض آیات منسوبة إلى مسیلمة الملقب بالكذاب, إذ كان یقول لأتباعه إبان ادعائه النبوة :
” یا ضفدع ابنة ضفدعین , نقی كما تنقین , نصفك فی الماء ونصفك فی الطین فلا الماء تكدرین ولا الشارب تمنعین ”
وللأسف فما أقرؤه عن هذا النوع من الشعر یوظف بشكل غریب السریالی والرمزی والغرائبی والمخیالی دون أن یكون ملماً بأبسط قواعد ومبادئ هذه الفنون, فالتحدیث الشعری لیس تزویقاً لفظیاً أو شكلاً فضفاضاً وحسب.
ثم ما هی الأسالیب الإبداعیة والأنماط الشعریة التی اكتشفها وابتكرها لنا هذا الغموض المغرق فی الظلمة؟! فالأدوات هشة وغیر متماسكة دلالیاً واللغة فقیرة وغیر مشذبة حافلة بركاكة لفظیة فالغموض له حدود فنیة إن تجاوزها تحولت معه تلك الكتابات إلى كتابات ( مشفرة ) أو طلاسم ضبابیة تجعلك إما أن تتهم نفسك بالغباء ومن ثم تقوم بضرب رأسك بالحائط وشجها على أساس أنها كتلة لحم وعظم لا فائدة منها لفهم كلام مكتوب فكتاب الله عز وجل وسنة رسوله وكتب الفقهاء والأئمة وعظماء الأدب حتى ولو كانت غامضة فی بعض الأحیان إلا إننا بعد عدة محاولات نفهم ولو عشرة بالمائة مما كتب وأحیاناً نفهم ما یراد قوله إجمالاً.!
یقول “ولید معماری”فی “مماحكة تحت ظل الزیزفون”فی العدد “987″من جریدة”الأسبوع الأدبی”فی هذا الصدد:
“ویظن بعض كتاب قصیدة النثر، أن الأمر یتركز فی رصف كلمات مبهمة إلى جانب كلمات أكثر إبهاماً.. فی ممارسة تشبه الشعوذة، معتقدین أن القارئ سینظر إلى إبداعاتهم، على أنها العبقریة التی تفوق مستوى فهمه.. بینما بساطة الصیاغة، وعمق الفكرة، وبكارتها، جعلت من محمد الماغوط ملكاً متوجاً لمثل هذا الفن… (كما هی الحال لدى الشاعر الأمریكی والت وایتمان، أول رواد قصیدة النثر)… وهو _ أی الماغوط _ عبر عن أوجاع منفاه، وتشرده، وجوعه، فی دیوانه: غرفة بملایین الجدران.. صارخاً من بئر معاناته العمیقة: “لقد نسیت شكل الملعقة.. وطعم الملح”!.. وست كلمات منه كانت كافیة لرسم لوحة كثیفة التعبیر”.
ومن خلال طرحنا لظاهرة الغموض كعقبة فی وجه الأدب لا نطلب من الشاعر أن یلجأ إلى الشرح والتفصیل والتكرار بشكل یؤدی إلى اهتراء ذلك الأدب وافتقاره للإثارة وإشارات اللغة والرمز والتكثیف والشاعریة فنحن نعیش الآن غربة أدبیة قاتلة تجعلنا نفهم الحداثة بشكل خاطئ وكأنها نظریة مستعصیة على الفهم بسبب ظاهرة الغموض هذه فالحداثة حالة تجدد وتحول تصب أولاً وأخیراً فی رفعة الأدب ورقیه ومنحه دلالات إبداعیة معرفیة.
ولكن الأمانة تفرض علینا ألا نتجاهل النماذج الجیدة على قلتها والتی كتبت فی هذا المنحى بشكل واكب الحداثة مستوفیاً شروطها وأركانها فأفرز أدباً جمیلاً تقبله جمیع العاملین فی حقول الأدب وتذوقه القارئ مبدیاً إعجابه بهذه المعادلة الجمیلة والبناءة فنحن لا نطلب من الشاعر أن یدلی بأسراره ومفاتیح شعره من خلال معادلة الوضوح التی نطالبه بها ففی هذه النقطة بالذات یمتلك الشاعر حق السیر فی هذا المنحى فله أن یراوغ مستعیناً بالغموض والرمز لطرح الفكرة وتقدیم الصور والاستعارات الجمیلة ناثراً شعره تلمیحاً لا تصریحاً فلسنا من دعاة التبسیط بل من دعاة البساطة … البساطة فی كتابة الكلمة المعبرة والبساطة فی نقل الواقع ولكن بكتابة معمقة مستوفیة لكافة أركان وشروط الكتابة وبالتالی بناء وتشیید نص إبداعی زاخر بما یخدم وظیفته فی توصیل المبتغى إلى القارئ .
وإذا كان لا بد من هذا الغموض فیجب أن یكون غموضاً یشف عن دلالة بالتأمل لئلا تصبح الصورة لغزاً من الألغاز .إن الغموض لا یكتسب مشروعیته الشعریة إلا إذا دخل فی علاقة مع مكونات الخطاب الشعری الأخرى.وما دامت القصیدة بناء متكامل، فان الغموض الدلالی ینبغی أن یكون فی انسجام تام مع عناصر الشعر الأخرى.
ولكن لا یجب الخلط بین الغموض والإبهام لأن الأخیر یلغی مسافات التفاعل بین النص والواقع وبین الشاعر والمتلقی ومرد الإبهام إلى اضطراب فی الفكرة وتشویش فی الرؤیا ، بینما الغموض على العكس من ذلك , وهذا الخلط بینهما فتح المجال أمام المتطفلین على الشعر فظهرت أسماء كثیرة تدعی كتابة النص الحدیث المسربل بالغموض دون أن تمتلك ذرة من موهبة أو إبداع.
هل یعقل أن نثقل كاهل القارئ بفك هذه الطلاسم ونلقی على كاهله الاستعانة بقوامیس لفك هذه الأحاجی والألغاز؟
إذاً فعلى من تقع المسؤولیة ؟!
تقع المسؤولیة على الجمیع نقاداً وباحثین ودارسین ومثقفین وذلك بسبب ندرة المحاضرات والندوات التثقیفیة التی غابت عن الساحة ولا أدری لماذا فامتلأت بهذا الأدب الردیء وهذه الشرذمة من الأدعیاء والمتطفلین على الأدب .
أین المسؤولون عن هذا الأدب والذین یمنحونه جواز السفر إلى عالم الأدب الأرحب ؟
ألیس النقاد الذین یؤیدون هذا الأدب ویكرزون به هم من أوصلوه إلى هذه الركاكة الجوفاء ؟
ثم من هؤلاء الذین یریدون فرض هذا النوع من الأدب الهابط على المتذوق بدعوى الحداثة ؟
إن هذا الشعر لا یمت إلى الحداثة بصلة فهو قد فرض لأسباب أیدیولوجیة لا أدبیة وسوف تلفظه الساحة الثقافیة عاجلاً أو آجلاً وإذا ما ابتعد الأدب قلیلاً عن المتلقی فالمسؤولیة تقع على كاهل الأدیب ولیس على الأدب أو التجربة, فشاعریة الأدب ورسالته ترفضان فكرة الإبهام .
یقول العقاد فی مطالعاته ص 18: ” لا فلاح لأمة لا تصحح فیها مقاییس الآداب ولا ینظر فیها إلیها النظر الصائب القویم لأن الأمم التی تضل مقاییس آدابها تضل مقاییس حیاتها والأمم التی لا تعرف الشعور مكتوباً مصوراً لا تعرفه محسوساً عاملاً ”
فلا بد للأمة إذا أرادت الرقی أن تصحح مقیاس كتابتها وشعرها لأن الأمم الحیة لا یجوز أن یكون لها غیر أدب واحد هو الأدب الذی ینمی فی النفس الشعور بالحریة والجمال وإذا كان الشعر شعوراً بجوهر الأشیاء والكشف عن لبها وصلة الحیاة بها فإن الكتابة إبحار فی جوهر المعانی وحقیقة الكائنات وسبر لحقائق الكون والوجود والبحث عن اللغز الأكبر لغز الإنسان والكون.
طالما كانت جدتی تبهرنی بقصصها الجمیلة وطریقة سردها لتلك القصص هی التی لم تبتدع أسالیب وطرقاً لإیصال فكرتها إلى عقلی وقلبی و كانت ” بساطة الكلام ” هی كل ما تملكه.
عمران عزالدین أحمد
سوریا/ الحسكة


موضوعات وبلاگ: العصر الحدیث، 
ارسال توسط كشاورز
صفحه نخست //// لیست مقالات
آرشیو مطالب
نظر سنجی
آیا با شیوه جدید برگزاری امتحان دکتری موافقید ومعتقدید در این شیوه عدالت بهتر رعایت می شود؟




صفحات جانبی
پیوند های روزانه