بانک مقالات عربی

مقالات رشته زبان وادبیات عربی - دکترای عربی - ارشد عربی - ترجمه عربی - تدریس خصوصی عربی - عربی آموزش و پرورش

یموت ردیُِ الشعرِمن قبلِ اهله

                         وجیده یحیا وان ماتَ قائله

                                        دعبل الخزاعی

 

قیل لابی تمام : لما لا تقول ما یفهم ؟

فأجاب : وانت ، لم لا تفهم ما یقال ؟

 

 

 

 

مدخل :

1 0 تطورت القصیدة العربیة خلال مسیرتها الطویلة ، وكان لذلك التطور عوامل واسباب عدیدة ، ربما اهمها ظهور الاسلام فی حیاة العربی البد وی القبلی ، وعلى الرغم من ان النقاد العرب القدامى قد جعلوا من هذا سبب سلب فی تلك المسیرة ، الا انهم نسوا او تناسوا ، ان هذا الظهور قد مكّن الحیاة العربیة من الانتقال من حیاة البداوة الى حیاة المدنیة ، بمختلف صور تلك الحیاة واشكالها ومجالاتها ، وكان الشعر واحداً من ابداعات الحیاة العربیة التی هی الاخرى قد انتقلت من حال الى حال ، فظهر الشعر العذری ، اذ لم یكن له – قبل الاسلام – وجود مستقل ، ومن ثم راح الشعر ، خاصة فی العصرالاموی المتأخر ، یتقد بأطراد ، خاصة على مستوى  بناء القصیدة ، فتهیأة ذائقة شعریة جدیدة ، جعلت من بعض شعراء العصر العباسی الى امتلاك تلك الذائقة التی نظرت لبناء القصیدة العربیة نظرة جدیدة ، كما ظهر ذلك فی شعر مسلم بن الولید وابی نواس ، اذ تحولت  عندهم ( عمارة ) القصیدة العربیة ذات الطوابق العدیدة ، الى (عمارة ) جدیدة ، فقدت بعض ( طوابقها ) ، وخاصة المقدمة الطللیة 000 حتى اذا اذا جاءابو تمام ، راحت الذائقة الشعریة تلك تعمل عنده مهیا’ الى تولید ما سمی بشعر الفكرة ، ثم راحت القصیدة العربیة تسیر بشعاب وطرق عدیدة ومتنوعة ، فحملت بیت طیات ابیاتها الافكار الفلسفیة ، والحِكَم ، مع استقلال تام لاغراض الشعر ، فتولدت عند ذاك قصائد المدیح والغزل والوصف ذات الاستقلالیة التامة 0

    ان ما ترید ان تصل الیه السطور السابقة ، هو التأكید على ان الذائقة الشعریة قد اصبحت حبلى بما هو مغایر لما كانت علیه 0

    ان عوامل كثیرة دفعت النفسیة العربیة – بصورة عامة – والنفسیة الشعریة ومن ثم الذائقة الشعریة ، بصورة خاصة ، الى البحث عما هو مغایر لم ألفته تلك النفسیة ، اذ رافقت الانسان العربی حالات من القلق والحیرة والشك بما هو علیه الواقع المعاش ، فدفعت بها الى  حالة البحث عما هو جدید ، أی الى التغییر نحو الاحسن ، أی الثورة على ذلك الواقع المرفوض ، او الهروب الى ماهو مضاد ، ومن ثم النكوص 0 وكان عالم الشعر ، والذائقة الشعریة ، عند بعض الشعراء الاكثر تحسساً ، اول المبادرین للثورة على ذلك الواقع ،او الهروب منه ، على الرغم من ان اكثر اصحاب الثورة على الذائقة الشعریة القدیمة ، هم الاكثر ارتباطأ بالقیمین على الحیاة المعاشة ـ بكل صورها واشكالها ،وتنوعاتها ـ والتی وجهت الثورةالیها ، من خلال شعر المدیح والرثاء خاصة 00 أی بمعنى اخر ،ان الشاعر الثائر على الذائقة الشعریة القدیمة ( المحافظة ) هو الشاعر  نفسه الذی قدم المدیح للخلفاء والامراء الذین كان من واجبهم المحافظة على حالة الحیاة القدیمة ، ومن ضمنها الشعر .. من مثل : مسلم وابی نواس  وابی تمام والمتنبی …

    واذا كنا لانرید فی هذه السطور ان نستطرد فی الحدیث ،ونبحث عن الأسباب ،الاان سبباً واحداً یمكن ذكرة ، هو المال الذی یقف وراء ذلك،  وهذا ماسنأتی على ذكره فی السطور القادمه 0

2ـ من المستحیل ان ندرج شاعر من شعراء العربیة ولد قبل اكثر من الف سنة تحت لافتة الشعر الدادائی اوالسریالی ، لیس لأن هذا الشعر عربی المولد واللسان والثقافة 000الخ فحسب ، وانما لسبب بسیط ، هو اننا لا یمكننا احیاءالموتى بعد هذه الفترة الطویلة لنتركهم یعیشون اجواءاوربا الحرب العالمیة الاولى ، مع شعراء من مثل : تزارا ، واراغون ، وبریتون ، وسوبو 000الخ ، لیأخذوا باسباب حضارتهم وثقافتهم ، ویتأثرون – او یؤثرون – بما كتبو من شعر ینضوی تحت هذه المدرسة او تلك 0

    اذا كان هذا منطقاً سلیماُ ، فما الذی یجعلنا ان نصنف بعضصور هذا الشاعر او ذاك ، بأنها صور دادائیة ، او ان نقول ان هذا الشاعر او ذاك یندرج فیما یكتب تحت لواء السریالیة ، كما لو كان هذا الشاعر تزارا الرومانی ، او اراغون الفرنسی ! ؟

    هذا ما ستجیب عنه السطور القادمة 0

***      ***

 

 

الدادائیة ودادائیة ابی العبر:

     الدادائیة ، مدرسة ادبیة / فنیة ، ظهرت ابان وبعد الحرب العالمیة الاولى فیاوربا ، وحمل لواءها مجموعة من الادباء والفنانین ، وهی  ذات منازع ومشارب متنوعة ومتعددة 0

    ولما كنا لا نرید – هنا – ان نؤرخ لهذه المدرسة ، الا اننا یمكن ان نعرّف بها ، فنقول : ان تسمیة هذه المدرسة بـ ( الدادائیة ) قد جاء مصادفة عام 1916 ، من خلال فتح معجم لاروس(1) اذ كلمة دادا قد ظهرت (( مطبوعة اول مرة فی المقدمة التی كتبها " هیوكوبول " للعدد الاول من مجلة " كاباریه فولتیر " الذی ظهر فی حزیران 1916 0 لقد استعملت هذه الكلمة فی لغات متعددة لتعطی معانی مختلفة ومتعددة 0 فهی تعنی " التأك المتحمس " باللغة السلافیة ، وتعنی " الاستغراق " بالفرنسیة ، وتعنی " الحصان الخشبی " بلغة الاطفال ، بذلك كانت احدى الكلمات المناسبة لأثارة غضب البرجوازیة 0 لقد كانت هذه الكلمة " بیاناً " بحد ذاته )) 0 (2 )

   ویقول عنها احد اقطابها ، الشاعر ( تزارا )  الرومانی ،انها ولدت من ((تمرد كان مشتركأ بین المراهقین ،تمرد كان یطالب الفرد بتبن كامل لضروریات طیعتة العمیقة ، من دون اكتراث للعلوم السائدة من تاریخ ومنطق أو علم اخلاق .  ان الشرف والوطن وعلم الأخلاق والعائلة والغن   والدین والحریة والاخاء وما إلى ذلك من المفهومات التی تستجیب لضرورات انسانیة ،لم یبق منها غیر هیا كل تقلیدیة اخرغت من محتواها الجوهری )) (3)

انها دعوه لتحریر من كل قید ،مهما كان منشآن ،ورفض للواقع ولما هو معیش ،لهذا نجد (جید) یقول : (( انی افكر بتناسقات جدیدة ،نجن كلمات اكثر دقة وحرامة ، من بلا بلاغه ولایجث عن برهنة شىْ (……)

آه من سیحرر ذهنی من سلاسل المنطق الثقیلة ؟ آنی أحس بزور اكثر انفعالات صراحة حالما یتاح لی التعبیر عنه )) (4)

ومن خلال قراءة الفقرتین السابقتین وقراءة ادبیات هذة المدرسة  یمكنه القول ان (الدادائیة ) كانت موجة من التمرد والثورة ضد كل قیم الاخلاق والأعراف ، وابتعادأ عما توصلت الیة البشریة ـ على مدى تاریخها الانسانى الطویل من قیم واخلاق ومفاهیم ، وتاریغ وعلوم …. الخ لان كل ذلك قد زلزلت بها الحرب الكویتة  الاولى فی نفوس البشریة ، وخاصة فی نفوس اولئك الشیاب الذین تبنوا مااسموة بعد ذلك بـــ (الدادائیة )

تقول ((سوزان بیرنار )) : (( وقد أمكن القول ان حركة دادا حینما اتخذت اللغة هدفأ لها كانت تقصد النضام الاجتماعی فی الوقت عینة )) (5) الاان الدادائیة لم تعمر طویلأ ، اذا اكتسبتها السریالیة ، كأ ی مدرسة أدبیة اوفنیة اخرى على مدى تاریغ الابداع الانسانی  0

    ولو عدنا الى العصر العباسی ، الى زمن الخلیفة ( المتوكل ) ، والى مدینة سر من رأى ، لالتقینا بشاعر كان له دور الریادة - بوعی او دون وعی – فی كتابة قصیدة تمتثل لبعض شروط القصیدة الدادائیة ، هذا الشاعر هو : ابو العباس بن محمد بن احمد بن عبد الله بن عبد الصمد بن علی بن عبد الله بن العباس ، الذی ولد (( بعد خمس سنین خات من خلافة الرشید )) ( 6) وقد لقب بحمدون الحامض ، وكنی بأبی العباس ، وابی العبر ، وقد كان یزید على هذه الكنیة (( فی كل سنة حرفا ً حتى مات ، وهی ابو العبر طرد طیل طلیری بك بك بك )) 0(7)

   وبعد ان عرف فی محیط مدینته شاعراً ، ترك (( الجد وعدل الى الحمق والشهرة به 0 وقد نیف على الخمسین ، ورأى ان شعره مع توسطه لا یتفق مع مشاهته ابا تمام والبحتری وابا السمط ابن ابی حفصة ، ونظراءهم )) 0 (8 ) وقد (( كسب بالحمق اضعاف ما كسبه كل شاعر كان فی عصره بالجد )) 0(9 )

    وقد وصفه البعض على انه : (( لیس بجاهل وانما یتجاهل ، وان له لأدبا ً صالحا ً وشعرا ً طیبا ً )) 0 (10 )

     ومن اخباره ، ان والده كان لا یكلمه 0 وعندما سئل عن ذلك ، قال : (( فضحنی كما تعلمون بما یفعله بنفسه ثم لا یرضى بذلك حتى یهجننی ویؤذینی ویُضحك الناس منی ! فقالوا له : وای شیء من ذاك وبما هجنك ؟ قال : اجتاز علی منذ ایام ومعه سلم فقلت له : ولأی شیء هذا معك ؟ فقال : لا اقول لك فأخجلنی واضحك بی كل من كان عندی 0 فلما ان كان بعد ایام اجتاز بی ومعه سمكة ، فقلت له : ایش تعمل بهذه ؟ فقال : انی000 ، فحلفت لا اكلمه ابدا ً )) 0(11)

   ومن اخباره ایضا ً ، انه كان (( یجلس على سلم وبین یدیه بلاعة فیها ماء وحمأة ، وقد سد مجراها ، وبین یدیه قصبة طویلة وعلى رأسه خف ٌ وفی رجلیه قلنسیتان ومستملیه فی جوف بئر ، وحوله ثلاثة نفر یدقون بالهواوین حتى تكثر الجلبة ، ویقل السماع ویصیح مستملیه من جوف البئر : من یكتب عذبك الله ! ثم یملی علیهم فأن ضحك احد ممن حضر قاموا فصبوا على رأسه من ماء البلاعة ان كان وضیعا ً ، وان كان ذا مروءة رش علیه بالقصبة من مائها ن ثم یُحبس فی الكنیف الى ان ینفض المجلس ، ولا یخرج منه حتى یغرم درهمین )) 0(12 )

   زقد استخدم ابو العبر الفاظ القاذورات كثیراً فی ما وصلنا من شعره ، وارى انه سبق الكثیر من الشعراء فی هذا الجانب ، خاصة شعراء الفكاهة ، كالفضل بن هاشم البصری الذی عده محمد بن داود الجراح فی كتابه ( الورقة ) اول من ذكر مثل تلك الالفاظ فی الشعر 0 (13)

    قال ابو العبر :

فی أی سلح ٍ ترتَطم           وبأیّ كفّ ٍ تلتطم

ادخلتَ رأسك فی الرَّحـِم     وعلمتَ انكَ تنهزم

وقال لاحدهم : (( اذا حدثك انسان بحیث لا تشتهی ان تسمعه فأشتغل عنه بنتف ابطك حتى یكون هو فی عمل وانت فی عمل )) 0(14 )

***    ***

 

 

شعره:

 

    قلیلة هی القصائد التی وصلتنا من شعره ، اذ لا تعدعلى اصابع الید الواحدة ، وهی من المقطوعات القصیرة جدا ً ، قالها الشاعر هاجیا ً او مستهزء بالاخرین ، اذ احجمت كتب نقادنا وكتابنا القدامى من ذكره او ذكر شعره خاصة وان الاغانی – وهو الكتاب الوحید الذی ذكره على حد علمی – لا یذكر لنا ما كتبه الشاعر من قصائد غیر هذه المقطوعات القلیلة ، ان كان ذلك قبل ان یتحول من الجد الى الحمق او بعد ذلك 0

   عندما سئل عن سبب كتابته لمثل تلك الاشعار ، قال لسائله : (( یاكشخان اترید ان اكسد انا ، وتنفق انت ، وایضا ً اتتكلم ؟ تركت العلم وصنعت فی الرقاعة نیفا ً وثلاثین كتابا ً ، احب ان تخبرنی لو نفق العقل اكنت تُقـدًّمُ على البحتری )) 0(15)

 ومن اشعاره : (16)

 

باضَ الحبُّ فی قلبی          فواویلی إذا فــــــــرّخْ

ومــــــا ینفعنی حبی         اذا لــــــم اكنس البربخ

وان لـم یطرح الاصـ         ـعُ خَرجَیهِ على المطبخ

 

وقال هاجیاً قاضیین : ( 17 )

 

رأیتُ مــــنَ العجائبِ قاضیین      هما احدوثةٌ فــــی الخافقین

هما اقتسما العمى نصفین فذا       كما اقتسما قضاءَ الجانبین

هما فالُ الـــزمانِ بِهَلكِ یحیى       اذا افتتح القضاء بأعورین

وتحسبُ منهما من هــزَّ رأسا       لینظر فی مواریثٍ ودیــــن

كأنك قد جعلت علیه دنــــــــــاً       فتحت بِزالهُ من فردِ عــین 

 

***   ***

 

دادائیة ابی العبر :

 

    لم تذكر لنا المصادر قصائد هذا الشاعر ذات الاتجاه الدادائی ، وربما كان ذلك لنفرة الناس من مثل تلك القصائد ، خاصة وانه قد وصِف بالحمق ، ولما لسلوكه المشین من تأثیر على ذلك 0

   وعندما سئلأ عن تلك الحلات التی كان یكتب فیها شعره ، قال : (( ابكر فأجلس على الجسر ومعی دواة ودرج ، فأكتب كل شیء اسمعه من كلام الذاهب والجائی والملاحین والمكارین ، حتى املأ الدرج من الوجهین ، ثم اقطعه عرضا ً وطولا ً والصقه مخالفا ً فیجیء منه كلام لیس فی الدنیا احمق منه )) 0 (18 )

   ولو تقدمن الف سنة الى امام ، أی الى زمن ولادة القصیدة الدادائیة ، الى حیث نجد واحدة من قصائد الدادائیین ، وهی قصیدة (corset mystere) (( مؤلفة من قصاصات صحفیة مأخوذة ومجمعة على نحو تعسفی والاستخدام " الشعری " الذی یزعم الدادائیون عمله من المواضیع المبتذلة والامثلة الجاهزة تصب فی الاتجاه نفسه الذی سبق ان اشار الیه لوتریامون )) 0 (19)

    كتب : تریستان تزارا " قصیدة (( القصیدة )) التی یقول فیها :

 

                       (( من اجل كتابة قصیدة دادائیة ))

(( خذ صحیفة

خذ مقص

اختر من تلك الصحیفة مقالا ً له الطول الذی تنوی اعطاءه لقصیدتك

قطع المقال

ثم قطع بعنایة كل واحدة من الكلمات التی تشكل هذا المقال وضعها فی كیس

حرك بهدوء

ثم اخرج كل قصاصة الواحدة تلو الاخرى حسب النظام الذی خرجت فیه من الكیس

انقل بعنایة

وسوف تشبهك القصیدة )) (20 )

 

      لو لا قلة معلوماتنا عن قراءات " تزارا "  للعربی العربی ، لقلنا ان هذا الشاعر قد نفذ تعلیمات ابو العبر فی كتابة القصیدة ، اذ ان الخطتین متطابقتان 0 (21 )

     الم تكن كنیة ابی العبر لوحدها قصیدة دادائیة ؟ اذ بعد ان قام الشاعر بعملیة انحلال للغة وتفكیك لها ، قال :

 

(( ابو العبر

طرد طیل

طلیری

بك000بك000بك ))

 

     فیما تقول احدى قصائد الدادائیین ، والتی اصطلحوا علیا تسمیة (( قصائد صوتیة )) : (22)

 

(( آ ، أو ، اویو یو یو

   یو یو یو

   دررر   دررر دررر غ رررر غ ررر

قطع من مدة زمنیة خضراء تحوم فی غرفتی

أ  أو أو أی أی أی أی أو آ او أی أی أی جوف ))

 

ویقول ابو العبر: (23)

ویأمــــــــر بی الملك           فیطرحنی فـــی البرك

ویصطادنی بـــالشبك           كأنی مــــــــن السمك

ویضحك كك كك ككك           ككك كك ككك كك ككك

 

ان الصوتیة  ، من اهم ما كتبه شعراء الدادائیةفی اوربا ، وانا على یقسین تام ان هنالك قصائد قد انشأها ابو العبر حسب مخططه فی كتابة الشعر والذی هو شبیه لمخطط " تزارا " (( من اجل كتابة قصیدة دادائیة )) والى ان نجد فی كتب تراثنا العربی القدیم مثل هذه القصائد یحق لنا ان نقول ان ابا العبر هو اول شاعر دادائی عربی ، ان لم یكن اول شاعر دادائی 0

***    ***

السریالیة :

 

    اذا كنا فی القسم الاول من هذه الدراسة ، قد قرأنا ما وصلنا من كتابات الشاعر العباسی ابو العبر ، على انه كتابات دادائیة ، ان كان ذلك فی الشكل او فی المضمون ، فی اللغة او فی الافكار التی حملتها ، او وقفت خلفها ، فأننا فی هذا القسم سنقرأ بعض قصائد شعرنا العربی القدیم التی یمكن ان نضعها فی خانة الشعر السریالی بالمفهوم العام للكلمة 0

   والسریالیة (surrealism) (24 ) والتی یمكن ترجمتها بـ ( ما فوق الواقع ) 0 ومن هذا المعنى ، یمكن القول ، ان ما كتب تحت هذه اللافتة یعبر عن رفض للواقع او الهروب منه ، وان هذا الرفض ، وذاك الهروب یستدعی اللاعقلانیة واللاوعی فی التعامل مع الاشیاء ، خاصة اذا عرفنا ان الشاعر ، كما یعبر عنه سقراط : (( ضوء ، شیء مجنح مقدس ، وهو لایبدع ما لم یلهم ویفقد وعیه ، ویبطل فیه عمل العقل )) 0 (25 )

   یقول احد مؤسسی السریالیة ، واهم اقطابها فی فرنسا ، الشاعر بریتون ، بأن السریالیة : (( اسم مؤنث ، آلیة نفسیة ذاتیة خالصة تستهدف بواسطتها التعبیر ، ان قولا ً ، وان كتابة ، وان بأیة طریقة اخرى ، عن السیر الحقیقی للفكر ، هی املاء من الذهن فی غیاب كل رقابة من العقل ، وخارج اهتمام جمالی او اخلاقی )) 0 (26)

   وهذا لایعنی الطلاق الكلی والنهائی من الواقع والعیش فی عالم اللاوعی واللاعقل ، ذلك لأن السریالیین ، ومن قبلهم الدادائیین ، كانوا ك (( واقعیون فی تفصیلاتهم ، لكنهم لا یجمعون صورهم ابدا ً فی كل ٍ واقعی ، بل هم – كما الحال فی احلامنا – یترجمون هواجس وتضمینات اللاوعی مشغوفین بالاعتباطیة والرؤى المرعبة )) 0 (27)

   ولم یكن الشعر العربی ، طیلة عمره المدید من الشعر الجاهلی حتى ىخر قصیدة كتبت فی زمننا الحاضر ن شعرا ً عقلیا ً ن ینبع من الوعی ، ویتحرك فی حدود الواقع والمنطق ، بل طان وما یزال یأخذ من هذا ومن ذاك ، وما یزل اساسه المتین الذی ینبع منه - على الرغم من تحولاته وتبدلاته – هو وادی عبقر ، وجنیاته ، ومن ثم الالهام 000الخ ، انه  - أی الشعر العربی – خارج الواقع وخارج العقل ، وفی الوقت نفسه ، هو ینبع من داخلهما ویتحرك بین آثاثهما ، انه لیس ببعید عنهما ، ولا هو بالقریب منهما 0

   یقول الفنان ( بول كلی ) : (( اعتدنا فی الماضی ، ان نمثل الاشیاء المرئیة على الارض ، اشیاء اما یستهوینا النظر الیها ، او تلك التی نرغب فی ان نراها ، نحن الیوم نكشف عن الحقیقة الكامنة وراء الاشیاء المرئیة ، وبذا نبرهن على ان ما یُرى ان هو الا حالة منفصلة فی علاقتها بالكون ، وان هناك حقائق اخرى مجهولة كثیرة )) 0(28)

   لم یكن هذا القول سوى تردید لما جاء به الجرجانی قبل اكثر من الف سنة عن(( معنى المعنى ))

، وما یفیض به هذا المصطلح مما سودت له المقالات والكتب عن الایحاء ، وان الشعر لا یقرر وانمكا یوحی ، وهذا هو ما هدفت الیه الدادائیة ومن بعدها السریالیة ، اذ انها ركزت على            (( الایحاءات النفسیة اكثر من الاهتمام بخلق اعمال فنیة )) 0 (29 )

    وقد اشتغل اغلب فحول الشعراء العرب بما له علاقة بقضیة التلقی ، وفی منطقة التأثیر النفسی والذهنی ، ولم یكن ذلك بعیداً عن مؤسسی الدادائیة والسریالیة بعد ان رفضوا الواقع ، وما كتب عنه ومنه من شعر ، لأن المهم بالنسبة الیهم (( لم یكن العمل الفنی ذاته ، بل الهزة التی یستطیعون خلقها ، والارتباك الذی یسببونه فی الذهن )) 0 (30 )

   ولما كان الابداع ، فعل انسانی لا یقف الزمان ولا المكان عائقا ً فی طریقه ، فأن اشتغال شاعر عربی قبل اكثر من الف عام فی منطقة اشتغل فیها شعراء آخرین وفی لغة ومن حضارة وثقافة مغایرة لما عند وحول ذلك الشاعر ، لم یكن من الامور العسیرة ، او من ( سابع المستحیلات )      – كما یقال – اذا اخذنا بنظر الاعتبار فحولة ذلك الشاعر ، حسب المفهوم السابق للفحولة ، وعبقریته وقوة ابداعه ، انه الشاعر المتنبی ، الذی قال عن شعره :

 

انام ملء جفونی عن شواردها      ویسهر الخلق جراها ویختصم

 

    وقال مفتخراً بشعره :

 

وما الدهر الا من رواة قصائدی        اذا قلت شعراً اصبح الدهر منشدا

 

ویقول كذلك :

 

امط عنك تشبیهی بما وكأنه     فما احد فوقی وما احد مثلی

 

وقال عنه الشاعر ادونیس : (31)

 

(( اتعجب ، لا بالریشة

یكتب، لا بیدیه ،

بل بالكون ))

 

    واذا كان هدف الدادائیة ، هدم الواقع ورفضه رفضاً نهائیاً ، فأن السریالیة جاءت لتفصل الحیاة عن ذلك الواقع ، و (( لجأت الى طریقة ایحائیة فی التعامل مع الواقع المرفوض ، كانت فی البدایة تعمل بغیة التهرب من شروطه الى النقیض ، ثم صارت تعمل فی النهایة كما تبلور ذلك فی كتابات بروتون على اقامة معادلة حاذقة بین الواقع واللاواقع ، بین الوعی واللاوعی ، بین الحلم الفردی والحلم الجماعی ، لتصیر وسیلة خلاص انسانیة فی المعنى الفعال )) 0 (32 )

***     ***

 

سریالیة ابی الطیب المتنبی :

 

   سوف تكون قراءتی لبعض ابیات المتنبی ذاتها القراءة التی قرأت من خلالها بعض شعر ابی العبر ، عندما وجدته قد اشتغل فی منطقة قد اشتغل فیها وعلیها شعراء الدادائیة والسریالیة 0

  وعندما قال المتنبی وهو یصف ركباً من الجمال یسیر فی الصحراء : (33)

 

نحن ركب ملجن فـــــی زی ناس       فوق طیر لها شخوص الجمال

من نبات الجدیل تمشی بنا فی الـ       بید مشی الایام فـــــــی الآجال

 

  فأنه كان یعرف بحسه الابداعی ، انه لیس ناقلا ً لما یراه ، ولا ینبغی له ان یكون كذلك ، على الرغم مما قیل عن الشاعر بأنه رائیا ً ، او نبیا ً ، وانما علیه ان یكون كما قیل عن امثاله من فحول الشعراء ، هادما ً للواقع ومعیدا ً بنائه من جدید ، وهذا ما دعت الیه السریالیة فی ان (( تمر فی شرطین لتأكید نفسها : الهدم الكلی للواقع الراهن ، ثم اعادة ترتیب عناصره بالطریقة الاقرب الى تحریره فی الداخل كما فی الخارج )) 0(34 )

   الم تفیض قصائد المتنبی بما یحمل القاریء للتیقن بأن هذا الشاعر كان همه تدمیر الواقع من خلال تدمیر الانظمة المنطقیة التی تحكمه ، فأی منطق یجعل من المشبه به مشبها ً ، وبالعكس ؟ وای منطق یجعل من ( الجـِمال ) مشخصة بالطیور ؟

    لقد كان الشاعر فی هذا البیت مدهشاً ، وهذا ما كان علیه الشعراء المجددین ، وهذا ما ارادت السریالیة ان تصل الیه ، أی فی قدرة الاثنین الشاعر المجدد ، والسریالیة الى الوصول الیه من عملیة الادهاش التی تأتی من تداخل الصور الشعریة ، وتفكیك العلاقات التی تربط عناصر النص ، وكذلم ، وهو الاهم تفكیك البنیة اللغویة 0

   فی هذا البیت ، یرسم المتنبی لوحة تشكیایة واقعیة ، وفی الآن نفسه تخییلیة لموكب یضم راكبی الجـِمال وهو یسیر فی الصحراء 0

    فالموكب – كما هو فی الصحراء – حدث واقعی ، حسی ، والراكبون یرتدون الزی العربی ، ویغطون اجسادهم بالعباءة العربیة ، ووجوههم مغطاة باللثام ، الا ان المتنبی لا یرى ما هو مرأی من قبل الاخرین ، وانما كما یقول رامبوعنه ، انه یقوم بـ (( رؤیة ملا یرى ، وسماع ما لا یسمع )) (35) وفی الوقت نفسه ، یعیننا على ان نرى تلك الرؤیة التخییلیة لذلك الموكب 0

    اذن ، فالشاعر یقوم بتحویل الواقع الى خیال ، والخیال الى واقع ، أی یحول الصورة الواقعیة ، المنطقیة ، الى صورة متخیلة ، غیر واقعیة ، یجمع بین عناصرها اللامنطق ، فیصبح ( الخداع البصری ) الذی تقوم به حواسه - و بالتفاعل مع المحیط - ، هو الفاعل الوحید فی تلك الرؤیة ، فضلا ً عن دور المخیلة ،وما یضفیه جو الصحراء فی النهار ، وما یضفیه السراب الخادع للعین من كسر للرؤیة ، یدفع بالمخیلة الى ان ترى ما هو واقعی بلباس غیر واقعی ، ذلك لأن الخیال       (( بأعتباره الرباط الذی یصل عالم الانسان الداخلی النفسی بعالم الواقع الخارجی )) 0 (36 )

    اما اذا كان مسیر الركب لیلاً ، فأن اجواء لیل الصحراء یجعل المكان اكثر ( خرافیة ) واسطوریة ، بما یتجسد فیه – بفعل عامل التخیل – من رؤىشبحیة ، لتصورات سابقة عن الجن والاشباح والطناطل 000الخ 0

    ومن الطریف ، ان ناقدا ً عربیا ً كالجاحظ ، قد انتبه لهذا الامر ، وسبق رامبو بألف عام عندما فسر هذه العملیة بكل عقلانیة وعلمیة ، وجاء بالعبارة ذاتها التی استشهد بها رامبو فی ان الشاعر یقوم بـ (( رؤیة ولا یرى وسماع ما لایسمع )) 0 قال الجاحظ وهو یكذب ما اشیع حول شیاطین الشعر : (( واذا استوحش الانسان تمثل له الشیء الصغیر فی صورة الكبیر وارتاب وتفرق ذهنه وانتقصت اخلاطه فرأى ما لایرى وسمع ما لایسمعوتوهم على الشیء الیسیر الحقیر انه عظیم جلیل )) 0 (37)

    ان الصورة الواقعیة للركب كما یمكنها ان تكون ، وفی مرلأى الانسان ، یمكن رسمها هكذا :

 

نحن ركب من الانس فی زی جن      فوق جمال لها شخوص الطیر

 

   هنا تلعب الاستعارة ، والتشبیه دوراً كبیراً فی رسم هذه الصورة السریالیة فی بیت لبمتنبی الذی یشبه ناس الركب بالجن ، وفی الوقت نفسه یستعیر للصورة الانسیة ، الصورة ( الجنیة ) ، اذ تحول العباءة المتطایرة فی هواء المسیر ، واللثام ، الانسی الى ( جنی ) وفی الوقت نفسه یشبه المتنبی واسطة النقل ( الجـِمال ) بالطیر فی سرعة حركته وتقلبه فی الهواء ، اذ تتراءى له ( الجـِمال ) وكأنها تطیر فی اجواء الصحراء لخفتها ، ولما یفعله المكان من تأثیر على الرؤیة 0

    لكن المتنبی ، هذا الشاعر العظیم الذی یرى ما لا یرى ، المجدد الدائم ، یستعیر الخیال السریالی قبل السریالیین بألف عام ، لیقدم من خلاله ما یحس به وما یراه ، لأنه لا یرتضی بما تراه عیناه من صور ( واقعیة ) ، وانما یجعل من مخیلته ( المعمل ) الابداعی لانتاج صور مغایرة للواقع دون ان تبتعد عنه 0

    ان السریالیة كنزعة انسانیة ، ما هی الا عملیة (( تحطیم جمیع الحواجز التی تحدد الفرد ، جاعلة منه غریبا ً عن ذاته 0 فالسریالیة ترفض الموانع ، والتعارضات الثنائیة ( عقل – جنون ، واقع – استیهام ، طفل – بالغ ، یقظة حلم 000 ) انها تفترض اولیا ً انسانا ً استعاد وحدته ، فی حالة ابتكار وخلق ٍ دائمین )) 0 (38 )

   لنتساءل ، هل كان المتنبی قد زهد بالواقع فطلقه وطلق معه ما كان ینظمه العقل له ، وكذلك حالات الوعی التی كانت تنظم له شاعریته ؟ فراحت الرغبات الدفینة تفعل فعلها فی نظم الشعر بعیدا ً عن الواقع والعقل والوعی ، وقریبا ً من عالم الاحلام ، وما هو خارق ، مع العلم ان من معانی السریالیة هو (( الواقعیة الخارقة )) 0 (39)

   ان قلق المبدع الحقیقی لا یرتكن للخمول والسكینة والدعة ، واستقبال كل شیء بحیادیة 0 وشاعر مثل المتنبی ، صاحب الروح القلقة ، والطموح الى شیء كان یرید الوصول الیه ، والكثیر الاسفار ، والذی حاول ان یجعل من نفسه نبیا ًُ ، ان كان ذلك حقیقة ام كان من خلال تفسیر شعره (40 ) مثل هذا الانسان المغامر ، انسان غیر منسجم ن لیس مع محیطه فحسب ، بل ومع ذاته ایضا ً0 مما یدفعه الى رؤیة ما لا یرى وسماع ما لا یسمع ، ومن ثم قول ما لا یقال 0

    ان اول ما فعله المتنبی فی بیته الشعری اعلاه ، هو انه نحت كلمة ( ملجن ) من حرف الجر      ( من ) ومن الاسم المجرور ( جن ) ، فأضاف بذلك الى المعجم العربی لفظة جدیدة ، اضافت غرابة فوق غرابة بناء عناصر هذا البیت ، فأعطى للصورة الشعریة بعداً سریالیا ً 0

   وثانیا ً ، عكس المتنبی المألوف الذی تعودنا علیه فی التشبیه ، فجعل المشبه بدلا ً من المشبه به مع حذف اداة التشبیه 0

   وثالثا ً ، ان قاریء هذا البیت ، یفترض ان ما یصوره الشاعر ، هو موكب للجن ، ولیس موكبا ً انسیا ً ، فعكس الواقع الى خیال ، والخیال الى واقع ، ومن هذا جاء دفاع السریالیین عن الخیال         (IMAGINATION) وعن دوره فی الذائقة الشعریة ، فـ (( بدأت السریالیة بالدفاع عن استسلام الانسان للخیال من اجل غایة صریحة هی اكتشاف ابعاد جدیدة لعقل الانسان وحساسیته وانفعالاته)) 0(41 ) وان الخیال هو : (( الرباط الذی یصل عالم الانسان الداخلی النفسی بعالم الواقع الخارجی )) 0 (42 )

***   ***

 

صور سریالیة اخرى :

 

     رسم المتنبی صورة سریالیة لتراقص النور النافذ من بین اوراق الاشجار ، والساقط على جسم الشاعر ، فیقول فی قصیدة (( شعب بوان )) : (43 )

 

فسرت وقد حجبن الحر عنی       وجئن من الضیاء بما كفانی

والقى الشرق منها فی ثیابی       دنانیراً تفر مـــــــــن البنانی

لها ثمر تشیر الیك مـــــــــنه       بأشربة وقفن بـــــــــلا أوان

 

***    ***

صور سریالیة لشعراء عرب :

 

    قدم مهیار الدیلمی وصفا ً سریالیا ً للناقة والصحراء وظواهرها الطبیعیة ، وكأنه یشرح لنا بیت المتنبی السابق ، فیقول : ( 44 )

 

كأنها تحت الدجـــــى جنیة        راكبها فی ظهرها نجمٌ هـــبطْ

لا تطأ الارض وان تسهلت        لوطأة الدائس الا مـــــــا تخط

كأنما اربعُها مـــن خفة ٍ ‍‍!        واحدة ٌ فی السیر حین تختلط

تجری فتدمی أُذنــها بیدها        كأنــــــــــــما بسنبكیها تشترط

 

   ویقول ذو الرمة ، راسما ً لوحة سریالیة لراحل فی سواد لیل الصحراء : (45 )

 

ولــــیل كأثناء الرویزی جبه          بأربعة والشخصُ فی العین واحدُ

احمُّ عـِلافیٌّ ، وابیض صارم          واعیَسُ مهریُّ ، واشعث مـــاجد

 

   فیما یرسم شاعر آخر ، صورة سریالیة تفرضها علیه مخیاته التی راحت تعمل بعیدا ً عن الواقع ( مائدة الطعام التی تضم الخبر واللبن والتمر والزبد )فكان عمل هذه المخیلة قد جعل عناصر هذه المائدة بصور شتى 0

   فقد جعل من الخبز المغموس باللبن ( الرائب ) رجالاً ، ومن البرنی ( من اجود انواع التمور ) جیادا ً ، والزبد فرسانا ً یمتطون هذه الجلد 0 فأیة صورة سریالیة هذه التی رسمتها مخیلة هذا الشاعر !؟

   یقول : ( 46 )

 

الا لیت خبزا ً قد تسربل رائبا ً     وخیلا ً من البرنی فرسانها الزُّبدُ

 

ویصور مسلم بن الولید من خلال رحلته للممدوح ، ( الآل )  - السراب – وكأنه یركب على صهوات ( الجبال ) ، أی ان الجبال تشبه النوق التی سیقت الى النحر فی یوم عید 0 قال : (47)

 

كأن اعلا مها والآل یركبُها        بُدنٌ توافى بها نذرٌ الى عید

 

الهوامش :

 

1 - قصیدة النثر – 228 0

2 – الحداثة –1/ 286 –287 0

3 – قصیدة النثر – 228 0

4 – المصدر السابق – 227 0

5 – المصدر السابق – 231 0

6 – الاغانی – 2/ 224 0

7 - المصدر السابق – 227 0

8 - المصدر السابق – 224 0

9 - المصدر السابق – 224 0

10 - المصدر السابق – 225 0

11 - المصدر السابق – 228 0

12 - المصدر السابق – 227 0 ویمكن متابعة ما سجل عن سلوكیات الدادائیین فی تلك الفترة ، وما تناقلته اخبارهم من افعال لا تختلف عما قام به ابو العبر 0

13 – موسوعة البصرة الحضاریة – 382 0

14 – الاغانی – 20 / 231 0

15 - المصدر السابق – 225 0

16 - المصدر السابق – 227 0

17 - المصدر السابق – 230 – 231 0

18 - المصدر السابق – 228 0

19 – قصیدة النثر – 229 0

20 - المصدر السابق – 229 0

21 – من الجدیر بالذكر ان الادیب عصام محفوظ مؤلف كتاب ( السوریالیة وتفاعلاتها العربیة ) قد قام بما قام به ابو العبر وتزارا من جمع لمقالات من كتب او صحف ، اذ تناول قصیدة لسمیر صائغ فی مجلة ( مواقف ) وطوى الصفحة الاولى على بعضها لیصیر بأمكانه قراءة الصفحة المزدوجة 9 – 11 وهكذا مع روایات وقصص اخرى 0

22 – قصیدة النثر – 230 0

23 – الاغانی – 228 0

24 – اول من استخدم هذا المصطلح الشاعر ابولینیر عام 1917 0 انظر الحداثة  -  1 / 298 0

25 – عصر السریالیة – 14 0

26 – بیانات السریالیة – 41 0

27 – مئة عام من الرسم الحدیث – 123 0

28 - المصدر السابق – 126 0

29 - المصدر السابق – 123 0

30 - المصدر السابق – 121 0

31 – امس المكان الان 0

32 – السریالیة وتفاعلاتها العربیة – 13 – 14 0

33 – قال شاعر من الجن یدعى ( ابو هدرش ) :

 

وادلجُ الظلماءَ فـــی فتیة ٍ       مِلْجـِن فوقَ الماحل العَربَسیس

فــــی طاسم تعزفُ جنانهُ        أقفَرَ إلا مـــــــــن عـفاریت لِیس

تحملنا فی الجُنحِ خیلٌ لها        اجنحةٌ ، لیست كخـــیل الا نیس

واینق تسبقُ ابصاركـــــم         مخلوقةٌ بــــــــین نعامٍ وعیس

 

                                                ( رسالة الغفران – 299 )

 

34 – السریالیة وتفاعلاتها000 – 14 0

35 – ثورة الشعر الحدیث – 106 0

36 – عصر السریالیة – 284 0

37 – الحیوان – 6/ 164 0

38 – السریالیة : نصوص ومناقشات – 9 0 مأخوذ من الصوفیة والسریالیة 0

39 – بیانات السریالیة – 39 0

40 – وهو القائل :

 

ما مقامی بأرض نخلة الا        كمقام المسیح بین الیهود\

 

   وقیل انه اقنع بعض الناس فی الشام بنبوته 0 ویقول المعری : وحُدثتُ انه كان اذا سئل عن حقیقة هذا اللقب ، قال : هو من النَّبْوَه، أی المرتفع من الارض 0 وكان قد طمع فی شیء قد طمع فیه من هو دونه 0 وانما هی مقادیر ، یدیرها فی العلو میر ، یظفر بها من وفق ، ولا یُراع بالمجتهد ان یخفق 0

    وقد دلت اشیاء فی ( دیوانه ) انه كان متألهاً ، ومثل غیره من الناس متدلَـِهاً ، فمن ذلك قوله :

           ولا قابلا ً الا لخالقه حكما ً )) رسالة الغفران – 419 0

       وقد جعل (اندریه بریتون ) من الشاعر نبیا ً 0 الحداثة – 1 / 299 0

41 - عصر السریالیة – 292 0

42 - المصدر السابق – 284 0-

43 – شعر المتنبی 0

44 – شعر مهیار الدیلمی 0

45 – شعر ذی الرمة –

  احم : اسود ، یعنی الرحل 0

  علافی : منسوب الى علاف حی من العرب یعملون الرحال 0

  الابیض : السیف 0

  الاعیس : الابیض ، یعنی بعیره 0

  اشعث : یعنی نفسه 0

46 – البخلاء – 253 0

47 – شعر مسلم بن الولید0

48 0 الصوفیة والشعر –

 

 

المصادر :

 

1 - قصیدة النثرمن بودلیر الى ایامنا – سوزان بیرنار – ت : د0 زهیر مجید مغامس – دار المأمون – 1993 بغداد - 1993  0

2 – الحداثة – مالكلم بری و جیمس ماكفارلن – ت : مؤید حسن فوزی – دار المأمون – بغداد – 1987 0

3 – موسوعة البصرة الحضاریة – مجموعة باحثین – جامعة البصرة – البصرة – ب 0ت 0

4 – السریالیة وتفاعلاتها العربیة – عصام محفوظ – المؤسسة العربیة للدراسات والنشر – ط1 –1987 0

5 – بیانات السریالیة – اندریه بروتون – ت : صلاح برمدا – وزارة الثقافة والارشاد القومی – دمشق – 1978 0

6 – مئة عام من الرسم الحدیث – جی 0 إی 0 مولر  و فرانك ایلغر – ت : فخری خلیل – دار المأمون – بغداد – 1988 0

7 – امس المكان الآن : مخطوطة تنسب الى المتنبی یحققها وینشرها ادونیس – بیروت / لندن – دار الساقی – 1995 0

8 – رسالة الغفران – ابو العلاء المعری – تح : د0 عائشة عبد الرحمن – ط3 – دار المعارف – مصر – 1963 0

9 – ثورة الشعر الحدیث – ج1 – د0 عبد الغفار مكاوی – الهیئة المصریة العامة للكتاب – مصر – 1972 0

10 – عصر السریالیة – والاس فاولی – ت : خالدة سعید – منشورات نزار قبانی – بیروت – 1967 0

11 - الحیوان – الجاحظ – القاهرة – 1938 0

12 – البخلاء – الجاحظ – دار صادر ودار بیروت – بیروت – 1963 0

13 – الصوفیة والسریالیة – ادونیس – دار الساقی – ط1 – 1992 0

14 -  القرص اللیزری : الشعر دیوان العرب – الاصدار 0 ,2 لعام 2000 0 الاشراف العام : محمد احمد السویدی – ابو ظبی 0 


[ سه شنبه 28 اردیبهشت 1389 ] [ 15:50 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


-تعریفه:

أ-فی اللغة: جاء فی لسان العرب أن الإطناب هو: البلاغة فی المنطق والوصف، مدحاً كان أو ذمّاً. وأطنب فی الكلام: بالغ فیه. والإطناب: المبالغة فی مدح أو ذم والإكثار فیه.

وقال ابن الأنباری: أطنب فی الوصف، إذا بالغ واجتهد. وأطنبت الریح: إذا اشتدت فی غبار(1).

وأصل الإطناب (بالكسر) من: الطُّنْب والطُّنُب، وهما معاً: حبل الخباء والسرادق ونحوهما. والجمع: أطناب (بالفتح).

وقال ابن سیده: الطنب: حبل طویل یشد به البیت والسرادق. وطنبه: مده بأطنابه وشده(2).

ب-فی الاصطلاح البلاغی: الإطناب زیادة اللفظ على المعنى لفائدة(3). هذا هو التعریف البلاغی المختصر. ولو شئنا التوسع قلیلاً لقلنا: إن الإطناب باب بلاغی قدیم قدم الإیجاز، ارتبط به ارتباط العضو بالعضو یتتامان لیؤلفا هیئة أدبیة سویة البنیة والملامح... فقد وصفه الجاحظ، ولم یسمه، فی ذكره فضائل الصمت والكلام الموزون، یقال فی موضعه(4).

ثم ذكره صراحة عندما عرض لحاجات الكلام ومنطقه، رافضاً الفضول والتكلف فقال: هناك أبواب توجب الإطالة وتحوج إلى الإطناب. ولیس بإطناب ما لم یجاوز مقدار الحاجة، ووقف عند منتهى البغیة(5).

ووصفه أبو العباس المبرِّد (ت 286هـ/ 899م) بالكلام المفَخِّم، فی مقابل: الاختصار المفهم، والإیماء البیِّن، واللمحة الدالة(6).

"وقیل لعمرو بن العلاء (ت 154هـ/ 770م) هل كانت العرب تطیل؟ قال: نعم؛ كانت تطیل لیسمع منها، وتوجز لیحفظ عنها"(7).

ج-الربط بین التعریفین اللغوی والبلاغی:

لو قارنا تعریف اللسان، بتعریف البلاغیین القائل: (الإطناب زیادة اللفظ على المعنى لفائدة) لما وجدنا خلافاً. لأن القولین یرمیان، من وراء الزیادة اللفظیة إلى الفائدة.

و (المبالغة فی المدح أو الذم)، من شروط التصویر الفنی الأدبی، لأنه لا یصح فی الأدب، أن یوصف الممدوح أو المهجو بما فیهما من معالم التمییز الإیجابی أو السلبی، من دون زیادة أو نقصان. إذاً لانتفى دور الأدب وجماله وتأثیره فی النفوس. حتى قول المعجم عن (إطناب الریح واشتدادها فی غبار)، یصب فی هذه الغایة الجمالیة التی ینتهی إلیها الإطناب. لأن "الغبار" فی النهایة هو الدلیل الحسی على اشتداد الریح وقسوتها.

والذی یزید فی توضیح صورة الإطناب، تفریق البلاغیین بینه وبین التطویل الذی عدوه زیادة لفظیة، من غیر فائدة. فقال أبو هلال العسكری (ت 395هـ/ 1004م):

الإطناب بلاغة؛ والتطویل عِیٌّ. لأن التطویل بمنزلة سلوك ما یبعد جهلاً بما یقرب. والإطناب بمنزلة السلوك طریق بعید نزه یحتوی على زیادة فائدة(8).

"ومن أوفى الشواهد دلالة على فائدة الإطناب، وحسنه، تكرار آیة: (فبأیِّ آلاءِ ربِّكُما تُكَذِّبان) من سورة الرحمن، إحدى وثلاثین مرة، لأنه سبحانه وتعالى، عدَّد فیها نعماءه وأذكَر عباده آلاءه، ونبههم على قدرها، وقدرته علیها، ولطفه فیها؛ وجعلها فاصلة بین كل نعمة وأخرى لیعرف موضع ما أسداه إلیهم منها"(9).

2-أقسامه أو أنواعه:

أ-الإطناب فی الجملة الواحدة:

وهو فی معظمه لا یتعدى إطاری الحقیقة والمجاز.

1-إطناب الحقیقة:

وهو ما یزاد الكلام فیه لشرح ما هو معروف فیظن السامع أنه زیادة لا حاجة إلیه، والحقیقة أن الأمر لیس كذلك، لأن ما زید فی هذا الصدد یقال فی كل شیء یعظم مناله، ویعز الوصول إلیه، فیؤكد الأمر فیه على هذا الوجه، دلالة على نیله والحصول علیه(10).

مثل قولهم: رأیته بعینی، وبأم عینی، وقبضته بیدی وذقته بفمی. فالمعروف أن الرؤیة لا تكون إلا بالعین، والقبض لا یكون إلا بالید.. وهكذا. ولكن عظم الأمر یستدعی مزیداً من التأكید والاطمئنان، فیُعمد إلى هذه الإضافات التی لیست أكثر من معان أضیفت إلى نفسها، لیتم الوصول إلى قلب المعنى العزیز الجانب. كقوله تعالى لمن افترى علیه بالقول (ذلكمْ قولُكُمْ بأفواهكمْ).

2-إطناب المجاز:

قرَّظه ابن الأثیر وعظَّمه فقال:

"وهذا موضع من علم البیان كثیرة محاسنه، وافرة لطائفه. والمجاز فیه أحسن من الحقیقة، لمكان زیادة التصویر فی إثبات وصف الحقیقی للمجازی، ونفیه عن الحقیقی"(12).

كقوله تعالى: فإنَّها لا تَعْمَى الأبصارُ ولكن تَعْمَى القلوبُ التی فی الصدور(13) "ففائدة ذكر الصدور" ههنا أنه قد تُعُورف وعُلم أن المعنى على الحقیقة مكانه البصر، وهو أن تُصاب الحدقة بما یَطمس نورها، واستعمالها فی القلب تشبیه ومثل. فلما أرید إثبات ما هو خلاف المتعارف من نسبة العمى إلى القلوب حقیقة، ونفیه عن الأبصار، احتاج هذا الأمر إلى زیادة تصویر وتعریف، لیتقرر أن مكان العمى إنما هو القلوب، لا الأبصار"(14).

ب-القسم الثانی، الإطناب فی الجمل المتعددة:

ویتضمن أربعة أشكال، فصَّلها ابن الأثیر وشرحها بعنایة..

1-ذكر الشیء والإتیان به بمعان مختلفة:

إلا أن كل معنى یختص بشیء لیس للآخر وقد استعمله أبو تمام فی مواضع كثیرة، كقوله من قصیدة فی رثاء القاسم بن طوق(15):

زكیٌّ سجایاهُ تضیف ضیوفُهُ *** ویُرجى مرجِّیه ویسأل سائلُهْ

فالفكرة العامة تدور على عظمة الممدوح وقوة عطائه. ولكن الشاعر نَفَذ إلى ما وراء ذلك، عارضاً لصور ومعان أخرى، یتوهمها السامع أنها مكررة، وهی فی الحقیقة لازمة لفائدتها فی تجمیل الصورة العامة وتعمیق الفكرة الرئیسة.

ومعنى البیت بصورة تفصیلیة: أن ضیفه یستصحب معه ضیفاً طمعاً فی كرم مُضیفه؛ ویعطی السائل عطاء كثیراً یصیر به معطیاً. ومعنى "یرجَّى مُرجِّیه": إذا تعلق به رجاء راج فقد أیقن بالفلاح والنجاح حتى یصبح هذا الأخیر موضع رجاء الآخرین، لمكان رجائه الممدوح. وهذا أبلغ الأوصاف الثلاثة(16).

2-النفی والإثبات:

وهو أن یذكر الشیء على سبیل النفی، ثم یذكر على سبیل الإثبات، أو بالعكس.

شرط أن یكون فی أحدهما زیادة لیست فی الآخر، وإلا عُدَّ تكراراً. كقول الحق المبارك: (لا یَسْتأذنُكَ الذین یؤمنون بالله والیوم الآخرِ أن یُجاهِدوا بأموالهم وأنفسهم والله علیمٌ بالمتَّقین* إنما یَسْتأذِنُكَ الذین لا یؤمنون بالله والیوم الآخر وارْتابَتْ قلوبُهُم فهم فی ریبهم یتردَّدون)(17).

فقد ذكر الشیء منفیاً، ثم ذكره مثبتاً، لوجود الفائدة فی الذكر الثانی، وهی تأكید المعنى الأول المنفی، فقد نفى ربُّ العزة استئذان المؤمنین للنبی بالجهاد وأثبت ذلك بالنسبة للملحدین المُشكِّكین.

"والمعنى فی ذلك سواء. إلا أنه زاد فی الآیة الثانیة قوله: وارْتابَتْ قلوبهم فهم فی ریبهم یترددون ولولا هذه الزیادة لكان حكم هاتین الآیتین، حكم التكریر"(18).

3-ذكر المعنى الواحد تاماً، ثم یضربُ له مثال من التشبیه:

قال عنه ابن الأثیر "هذا الضرب من أحسن ما یجیء فی باب الإطناب"(19) كقول أبی عبادة البحتری متغزلاً:

ذات حسن لو استزادت من الحسـ *** ـن إلیه لما أصابت مزیدا

فهی كالشمس بهجة، والقضیب اللَّـ *** ـدْنِ قدَّاً، والریم طرْفاً وجیدا(20)

البیت الأول كاف لبلوغ الغایة فی الحسن؛ ومع ذلك فقد جاء الشاعر، فی البیت الثانی، بتشبیهات لیزید السامع تصویراً وتخیلاً.

ومثل ذلك قول البحتری أیضاً- من قصیدة یمدح فیها الفتح بن خاقان:

تنقَّل فی خُلقی سؤدد *** سماحاً مرجَّى وبأساً مَهیبا

فكالسیف إن جئتَهُ صارخاً *** وكالبحر إن جئته مستثیبا(21)

فالبیت الأول تضمن معنیین رئیسیین بارزین هما الكرم والقوة. فجاء البیت الثانی لیصور ذلك تصویراً جمالیاً كان التشبیه حلیته وزینته، بعد أن كان المعنى عاریاً تماماً فی البیت السابق.. وفی ذلك وجه آخر من وجوه الحسن فی الإطناب.

4-استیفاء معانی الغرض المقصود من الكلام:

كقول الشاعر المخضرم حمید بن ثور الهلالی (ت 30هـ/ 650م) واصفاً ذئباً:

یَنامُ بإحدى مُقلتَیه ویتَّقی *** بأخرى، المنایا، فهو یقظان هاجعُ(22)

فالبیت مكتمل المعنى والسیاق فی صدره ونصف عجزه. لكن الشاعر أراد استیفاء المعنى فی خاطره وخاطر السامع، فقال، مضیفاً ومطنباً: فهو یقظان هاجع". وهذه الإضافة مفیدة على الصعیدین الفكری والبلاغی، إذ لخصت الكلام كله، والصورة كلها بهاتین الكلمتین الجامعتین: (الیقظة، والهجوع).

قال ابن الأثیر عن هذا الضرب: إنه أصعب الضروب الأربعة طریقاً وأضیقها باباً لأنه یتفرع إلى أسالیب كثیرة من المعانی..(23) وضرب لنا مثلاً آخر آیة قرآنیة غایة فی الإیجاز، وهی فی وصف بستان، (فیهِ منْ كُلِّ فاكِهَةٍ زوجان) شرحها ابن الأثیر شرحاً إطنابیاً فقال: جنَّة علت أرضها أن تُمسك ماءً وغنیت بینبوعها أن یستجدی سماء، وهی ذات ثمار مختلفة الغرابة، وتربة منجبة، وما كل تربة توصف بالنجابة... ففیها المَّشمش الذی یسبق غیره بقدومه... وفیها التفاح الذی رقَّ جلده وتورَّد خدُّه... وفیها العنب الذی هو أكرم الثمار طینة... وفیها الرمان الذی هو طعام وشراب... وفیها التین الذی أقسم الله به تنویهاً بذكره.. وفیها من ثمرات النخیل ما یُزهى بلونه وشكله.. الخ(24).

ج-القسم الثالث: الإطناب وفقاً لتقسیمات القزوینی:

كان للقزوینی (ت 739هـ) دور هام فی وضع القواعد شبه النهائیة لعلوم البلاغة ومصطلحاتها، فأسهم فی الإضافة والتفریع والترسیخ الأمر الذی جعل البلاغیین المحدثین یعتمدون تقسیماته وتعریفاته التی كانت هی حصیلة التطور النظری للبلاغة العربیة خلال العصور السابقة.

وهكذا وجدنا الدارسین المعاصرین یتناولون الإطناب وفقاً لتقسیمات القزوینی، على شیء من الاختلاف، لجهة التنویع، فكان له ولهم الأنواع الآتیة:

1-الإطناب بالإیضاح بعد الإبهام:

لیُرى المعنى فی صورتین مختلفتین؛ أو لیتمكن فی النفس أفضل تمكن، ویكون شعورها به أتم(25). كقوله تعالى: وإنَّ لكُمْ فی الأنْعام لَعِبْرةً نَسْقیكُمْ مما فی بطونه من بین فَرْثٍ ودَم لَبَنَا خالصاً سائغاً للشاربین(26).

فقد ذكر المعنى العام وهو (العبرة)، غیر الواضح، ثم أعقبه بشرح وتوضیح لا لبس فیه ولا غموض. كان التوضیح على مرحلتین: الأولى هی (سُقیا البطون) والثانیة: (اللبن السائغ) الذی یخرج من موضع دقیق لا یكاد یعرفه إلا الطبیب الجراح المختص، تماماً كخلق الإنسان، فی قوله تعالى: من ماءٍ دافقٍ یَخْرُجُ مِن بَیْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبْ(27). فتأمل فائدة هذا الإطناب التوضیحی، وأهمیته فی شرح جوامع الكَلِمَ.

2-إطناب التوشیع:

ومعنى التوشیع اللغوی لف القطن بعد ندفه. وهو أن یؤتى فی سیاق الكلام، وبخاصة الشعر، بمثنى مفسر باسمین، أحدهما معطوف على الآخر. ومنه قول عبد الله بن المعتز (ت 296هـ/ 908م):

سقتنی فی لیل شبیه بشعرها *** شبیهة خدیها بغیر رقیب

فما زلت فی لیلین: شعر وظلمة *** وشمسین: من خمرٍ ووجهِ حبیب(28)

فالبیت الثانی، یتضمن ذكر للیلین فسرهما الشاعر بالشَّعر والظلمة، وكذلك عجز البیت نفسه، تضمن ذكراً لشمسین، مفسرین بالخمر ووجه الحبیب.

3-إطناب الخاص بعد العام أو العكس:

بالنسبة إلى الوجه الأول، یكون الإطناب للتنبیه على فضل المذكور أولاً، حتى كأنه لیس من جنسه "تنزیلاً للتغایر فی الوصف منزلة التغایر فی الذات"(29) كقوله جلَّ وعلا: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى)(30). فالحفاظ على الصلوات، یتضمن حكماً الصلاة الوسطى. لكن الباری آثر التخصیص، بعد التعمیم، للتنبیه على فضل المخصَّص وهو هنا الصلاة الوسطى (أی صلاة العصر) كونها حلقة اتصال بین صلاتی السُّحور والعشاء.

أما الجانب الثانی أی، ذكر العام بعد الخاص، فكقوله تعالى، ذاكراً أیام الصوم المتوجبة على الحاج والمعتمر غیر القادرین على الصدقة والتضحیة فی الحج: (... فَمَنْ لم یَجِدْ فَصیامُ ثلاثة أیامٍ فی الحجِّ وسبعةٍ إذا رَجَعْتُم تلك عشرة كاملة)(31).

4-إطناب التكریر:

فصَّل القزوینی أغراض هذا النوع فذكر منها خمسة، نلخصها على الوجه الآتی:

*النكتة؛ وهی هنا الفكرة اللطیفة المؤثرة فی النفس(32)، كتأكید الإنذار فی قوله تعالى: كَلاَّ سوف تعلمون، ثم كَلاَّ سوف تعلمون(33). ففی التكرار إنذار مُبین أشد وأبلغ مما لو اكتفی بالآیة الأولى.

*زیادة التنبیه على ما ینفی التهمة، لیحصل قبول المتلقی لما یقال له أو یخاطب به كما فی قوله تعالى: وقال الذی آمن: یا قومِ اتَّبعونِ أهْدكُمْ سبیلَ الرَّشاد، یا قومِ إنما هذه الحیاة الدنیا مَتاعٌ وإنَّ الآخرة هی دارُ القَرار(34).

*طول الكلام، زیادة فی التأثیر النفسی المطلوب، كقول الحق تبارك: (ثمَّ إنَّ ربَّكَ للَّذین هاجروا من بعد ما فُتِنوا، ثمَّ جَاهَدوا وصَبَروا، إنَّ ربَّكَ من بعدها لَغفورٌ رحیم)(35). الفتنةُ ههنا، بمعنى الابتلاء والاختبار.

*تَعدُّد المتعلَّق، لتنوع الغرض الذی یبرز من خلال كل قول مكرَّر. وخیر مثال على ذلك تكرار قول الله تعالى فبأیِّ آلاءِ ربِّكُما تُكَذِّبان ثلاثین مرة فی سورة الرحمن لأنه كان فی كل مرة یذكر عَقِبَ نعمة جدیدة من نِعَم الله على الإنسان.

*الزَّجر عن المعاصی والترغیب فی الطاعات. نحو قوله تعالى وَیْلٌ یومئذٍ لِلْمُكَذِّبین المتكرر عشر مرات فی سورة (المُرسلات) "لأنه تعالى، ذكر قصصاً مختلفة، وأتبعَ كل قصة بهذا القول. فصار كأنه قال عقب كل قصة: ویلٌ یومئذٍ للمكذبین بهذه القصة"(36).

وهناك من جعل للتكریر أقساماً، بعضها،

*فی اللفظ والمعنى معاً، نحو قولنا، هَلُمَّ! هَلُمَّ! وبعضها الآخر،

*فی المعنى دون اللفظ، نحو: اصدُق معی ولا تمكرُ بی!‍ فعدم المكر هو الصدق والوفاء.

*ومنها ما هو مفید یأتی فی الكلام توكیداً له وتسدیداً لأمره، وإشعاراً بعظَم شأنه.

كقوله تعالى: وقال اللهُ لا تَتَّخِذوا إلهَیْنِ اثْنین إنما هو إلهٌ واحد(37).

فهو من تكریر المعنى دون اللفظ؛ والغرض منه تأكید معنى المعدود ومنع الالتباس فی شأنه.

*ومنها ما هو غیر مفید، كقول المتنبی، من قصیدة فی مدح المغیث بن العجلی:

ولم أرَ مثل جیرانی ومثلی *** لِمثْلی عند مِثلهُمُ مقامُ(38)

ومعنى البیت: لم أر مثل جیرانی فی سوء الجوار وقلة المراعاة؛ ولا مثلی فی مصابرتهم مع جفوتهم. فهو یشكو جیرانه ویلوم نفسه على الإقامة بینهم. فقد حذف الشاعر وأوجز، ولكن على حساب التكرار الإطنابی غیر المفید(39).

5-إطناب الإیغال:

وهو ضرب من المبالغة فی الوصف والتصویر، أو هو ختم البیت بما یفید نكتة یتم المعنى بدونها(40). كقول الأعشى (ت 007هـ/ 629م):

كناطحِ صخرة یوماً لیفلِقَها *** فلم یَضِرْها، وأوهى قَرْنَه الوعِلُ(41)

قال ابن رشیق (ت 456هـ) إن المثل فی هذا البیت قد تمَّ بقول الشاعر:

"وأوهى قرنه فلما احتاج إلى القافیة قال: "الوعِلُ"(42). فقد استخدم الشاعر نوعاً من الإیغال فی القافیة، لا البیت. ومثله قول ذی الرمة (ت 77 أو 117هـ/ 696 أو 735م):

قِفِ العیس فی أطلال میة واسألِ *** رسوماً كأخلاق الرداء المسلسل(43)

فتمَّ كلامه قبل إضافة (المسلسل) ولكنه احتاج إلى القافیة، فزاد شیئاً(44)، وأطال المعنى والصورة. ومثله قول ذی الرمَّة، فی القصیدة نفسها:

أظنُّ الذی یُجدی علیك سؤالها *** دموعاً كتبدید الجُمان المفصَّل

فتم كلامه عند قوله: "الجمان". لكنه احتاج إلى القافیة فقال: "المفصَّل" فزاد شیئاً..

وعرَّفه قدامة بن جعفر (ت 327هـ/ 948م) فقال: الإیغال أن یأتی الشاعر بالمعنى فی البیت تاماً من غیر أن یكون للقافیة فی ما ذكره صنع، ثم یأتی بها لحاجة الشعر، فیزید بمعناها فی تجوید ما ذكره من المعنى فی البیت، كما قال امرؤ القیس:

كأنَّ عیون الوحشِ حول خِبائنا *** وأرحُلنا الجِزعُ الذی لم یُثقَبِ(45)

فقد أوفى الشاعر التشبیه قبل القافیة، لأن عیون الوحش شبیهة بالجزع. ولكن إضافة القافیة "لم یثقَّب" جعلت الشاعر یوغل فی الوصف وتوكیده، فإن عیون الوحش غیر مثقبة وهی بالجزع الذی لم یثقب أدخل فی التشبیه(46).

ومن هذا القبیل، قول الخنساء (ت 24هـ/ 646م) ترثی أخاها صخراً:

وإنَّ صَخراً لتأتمُّ الهُداةُ به *** كأنَّه عَلَمٌ فی رأسه نارُ(47)

لم ترض أن تشبهه بالعلم الذی هو الجبل المرتفع المعروف بالهدایة، حتى جعلت فی رأسه ناراً(48).

6-إطناب التذییل:

معناه إعادة الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد بعینه لیظهر لمن لم یفهمه، ویتأكد عند مَن فَهِمَهُ، كقول الشاعر ربیعة بن مقروم الضبِّی (ت 16 هـ/ 637م):

فَدعَوا نَزالِ فكنت أوَّل راكبٍ *** وعلام أركبُهُ إذا لم أنْزل؟(49)

فالمصراع الأول مكتمل المعنى. لكن الشاعر لم یكتف بذلك، بل ذیل به مصراعاًُ آخر، توضیحاً للمعنى وتأكیداً، ومثله قول الشریف الرضی متغزلاً:

قمرٌ إذا استَخْجَلتَهُ بعتابِهِ *** لبس الغروبَ ولم یعُد لِطلوعِ

أبغی رضاهُ بشافعٍ من غیره *** شرُّ الهوى ما رمته بشفیعِ(50)

فقد استوفى المعنى فی صدر البیت الثانی. لكنه ذیله فی العجز تحقیقاً لمزید من الفهم والتوضیح وقد جعله بعضهم أحد مواضع البلاغة الثلاثة: الإشارة والمساواة والتذییل، لأن فیه موقعاً جلیلاً ومكاناً شریفاً خطیراً یزداد بهما المعنى انشراحاً والمقصد إیضاحاً. ومن الأمثلة الشعریة الدالة على إطناب التذییل، قول أبی نواس یمتدح الخلیفة العباسی الأمین:

عَرمَ الزمانُ على الذین عَهِدتُهُمْ *** بكِ قاطنینَ، وللزمانِ عُرامُ(52)

المعنى مستوفى فی صدر البیت. والعجز المذیَّل جعل منه ما یشبه الحكمة عندما أكَّد شدَّة الزمان وثباتها على الأیام.

ومن البلاغیین القدامى، من جعل التذییل إضافة جملة یذیل بها الكلام لیتحقق بها ما قبلها، فقسمه أو قسم الجملة المذیلة قسمین:

1-قسم لا یزید على المعنى الأول، وإنما یؤتى بها للتأكید والتحقیق.

2-قسم یخرجه المتكلِّم مخرج المثل السائر لیحقق ما تضمن الكلام السابق من زیادة المعنى. كقوله تعالى: إنَّ اللهَ اشترى من المؤمنینَ أنفسَهُمْ وأموالَهُمْ بأنَّ لهم الجنَّةَ، یُقاتلون فی سبیل الله فیَقْتلون ویُقتلَون وعْداً علیه حقَّاً فی التوراة والإنجیل والقرآن، ومَنْ أوفَى بعهدِهِ من اللهِ، فاسْتَبْشِروا بِبَیْعِكُمُ الذی بایَعْتُمْ به(53) فهذه الآیة الكریمة تضمنت القسمین من التذییل. أحد القسمین قوله تعالى: وعْداً علیه حقَّاً فقد تم الكلام. ثم أتى سبحانه، بهذه الآیة تحقیقاً لما سبق. والقسم الآخر قوله تعالى: ومَنْ أوفى بعَهْدِهِ مِن الله، فخرج هذا الكلام مخرج المثل السائر لتحقیق ما تقدمه(54).

ومن أجود ما یصح شاهداً بلاغیاً على إطناب التذییل، قول ابن نباتة السعدی، من شعراء البلاط الحمدانی فی القرن الرابع، مادحاً سیف الدولة:

لم یبق جودك لی شیئاً أؤمله *** تركتنی أصحب الدنیا بلا أمل(55)

فصدر البیت مكتمل المعنى، ولیس العجز إلا تذییلاً حسناً، زاد فی جمال المعنى وحقیقته..

7-إطناب التكمیل أو الاحتراس:

وهو أن یؤتى به فی كلام یوهم خلاف المقصود، بما یدفعه(56) وهو ضربان: ضرب یتوسط الكلام، كقول طرفة بن العبد یمدح قتادة بن مسلمة الحنفی:

فسقى بلادكَ –غیر مفسدها، *** صوب الغمام ودیمة تهمی(57)

فجملة: "غیر مفسدها" أكملت المعنى وحالت دون الوقوع فی وهم غیر مقصود، وهو ضرر مطر الربیع للدیار؛ وإذا المطر نافع. ولهذا السبب سمى هذا النوع: احتراساً، كقوله تعالى: فسَوْفَ یأتی اللهُ بقومٍ یُحبُّهمْ ویُحبُّونَهُ، أذلَّةٍ على المؤمنین، أعِزَّةٍ على الكافرین(58) یقول القزوینی، شارحاً:

فإنه لو اقتصر على وصفهم بالذلَّة على المؤمنین؛ لتوهم أن ذلتهم لضعفهم، فلما قیل: "أعزَّة على الكافرین" علم أنها منهم تواضع لهم، ومعنى ذلك أن هؤلاء القوم، مع شرفهم، وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنین، خافضون لهم أجنحتهم(59).

ومثله قول ابن الرومی، فیما كتب إلى صدیق له: إنی ولیُّك الذی لا یزال تنقاد إلیك مودته عن غیر طمع ولا جزع، وإن كنت لذی الرغبة مطلباً، ولذی الرهبة مهرباً(60).

ففی قول ابن الرومی كما نرى احتراسان متعاقبان، الأول، فی قوله: "عن غیر طمع ولا جزع" لأنه أزال توهم المودة الانتفاعیة المتخوفة.. والثانی، فی قوله: "وإنْ كنت" وما بعدها، لأنه بدَّد ما قد ینشأ فی الاحتراس الأول، من شعور بانتفاء دوافع الرغبة والرهبة لدى الناس.. ونرى أن هذا الشاهد من أفضل الأمثلة على إطناب التكمیل أو الاحتراس.

ومن هذا النوع قول الشاعر السعودی المعاصر الأمیر عبد الله الفیصل:

والنار تعشق، إن تَغِب، فإذا دنت *** بك فرَّ من رمضائها الموؤودُ(61)

فالاحتراس من جعل النار معشوقة، اقتضى استكمال المعنى باستدراك لطیف، هو "إنْ تَغِبْ". ومثله، للشاعر نفسه، مكملاً ومحترساً مرتین، على طریقة الاستدراك:

قد ساءلتْ من أنتَ؟ قلتُ أنا الذی *** قضَّیتُ عمری –مُدنفاً- أهواكِ

أرنو إلیك –على بعادِك- مثلما *** یرنو الحزینُ الساطعُ الأفلاكِ(62)

ونختم الكلام على التكمیل أو الاحتراس، بإیراد شاهدین معبرین یزیدان فی تعریفهما وتحدید ملامحهما، الأول: بیت شعری للشاعر الإسلامی التابعی كعب بن سعد الغنوی:

حلیمٌ إذا ما الحلم زیَّن أهلهُ *** مع الحلم فی عین العدو مهیبُ(63)

البیت فی رثاء أخیه أبی المغوار، وقد نعته بالحلم وهو الرویّة والحكمة. وصفة محمودة كهذه توهم أنه لا یهابه أحد، حتى أعداؤه. فأردف الشاعر بالقول: إنه مع ذلك یخافه الأعداء ویتهیبونه. وهذا إطناب احتراسی جید.

والشاهد الثانی: بیت لأبی الطیب، مادحاً علی بن محمد بن سیَّار بن مكرم التمیمی:

أشد من الریاح الهوج بطشاً *** وأسرع فی النوى منها هبوبا(64)

فإنه لو اقتصر على وصفه بشدة البطش لأوهم ذلك أنه عنف كله، ولا لطف عنده. فأزال هذا الوهم بالسماحة(65). وهذا من جید التكمیل والاحتراس فی الإطناب.

8-إطناب التتمیم:

وهو أن یؤتى –أی التتمیم- فی كلام لا یوهم خلاف المقصود، بفضلة تفید نكتة، كقول الله عزَّ وجل: ویُطْعِمُونَ الطَّعامَ على حُبِّهِ(66). فإضافة "على حُبِّه" أتمت المعنى وزادت علیه فأفادت القارئ: أی إنهم لا یطعمون كیفما كان، بل طعاماً مشتهى وعزیزاً..

مثال آخر، قول الشاعر:

إنی على ما تَریْنَ من كِبَری *** أعرف من أین تؤكل الكَتِفِ

فی البیت نكتة لطیفة تحمل معنى القوة والذكاء، فی المرحلة المتقدمة من السن. وهذه النكتة، كامنة فی صدر البیت الذی یبدأ بجملة اسمیة تقریریة، خبرها فی عجز البیت. أی أنی ذكی قوی، رغم كِبرَ سنی، أو بالعكس: أنا كبیر السن، لكننی لا أزال أحتفظ بقوای العقلیة. ومثله تماماً، ولكن فی اتجاه آخر، قول زهیر بن أبی سلمى مادحاً هرماً بن سنان أحد أجواد عصره المشهورین:

مَن یَلقَ یوماً –على علاَّته" هَرِماً *** یَلقَ السماحة منه والندى خُلُقا(67)

التتمیم كامن فی الفضلة "على علاَّته" التی أفادت استمراریة السجایا الكریمة فی الممدوح، سجایا لا تؤثر فیها الأحداث وكثرة الانشغالات، لأنها متأصلة فیه لا یحول دونها شیء...

ومن جید التتمیم، فی النثر، قول أعرابیة لرجل: كبَتَ الله كلَّ عدوٍّ إلا نفسك(68).

فالقول –على ما فیه من تمام المعنى- ناقص لأنه مطلق. وقولها: "إلاَّ نفسك" إضافة لازمة لأنها أوفَت على حقیقة الدعاء وحُسن دلالته ومساره الإنسانی. فنفس الإنسان تجری مجرى العدوّ له لأنها تورطه وتدعوه إلى ما یوبقُه(69).

ومن التتمیم ما یسیء إلى القصد، فیصبح إطناباً نافلاً، كقول ذی الرمَّة:

ألا یا سلمی یا دار مَیَّ على البِلى *** ولا زال منهلاًّ بجرعائِكِ القطرُ(70)

یدعو الشاعر لحبیبته بالسلامة رغم ما أصاب دارها من بلى واندثار. لكنه فی العجز، أو هی كما لو أنه یدعو علیها لأن استمرار انهمار المطر على التربة والنبات یفسدهما، فأساء إلى المعنى المقصود من حیث لم یدر..

9-الإطناب بالاعتراض:

وهو أن یؤتى فی أثناء الكلام، أو بین كلامَین متصلین معنى، بجملة أو أكثر، لا محل لها من الإعراب، لنكتة سوى ما ذكر فی تعریف التكمیل(71).

*ومن وجوه الاعتراض ههنا، التنزیه والتعظیم كما فی قوله تعالى: وَیجعلونَ للهِ البناتِ، سُبْحَانَه، ولهم ما یَشْتَهون(72). فقد اعترضت جملة: "سبحانه سیاقَ الآیة، تنزیهاً لذات الإله من نسبة الولد إلیه، أو تعجباً من قولهم(73).

*ومن وجوهه التنبیه، كما فی قول الشاعر:

واعْلَم –فعلمُ المرء ینفعُهُ- *** أنْ سوف یأتی كلُّ ما قُدِرا(74)

فالجملة الاعتراضیة فی الصدر، تنبیه مفید، یزید فی عمق الوعظ الشعری وترسیخ مغزاه الحكمی.

*ومن وجوهه التكریم، كما فی قول المتنبی مادحاً كافوراً فی بائیته: "كفى بك داءً":

وتحتقرُ الدنیا احتقارَ مجرِّبٍ *** یرى كل ما فیها، وحاشاك، فانیا

شرح العكبری هذا البیت فقال: أنت عظیم القدر. فلهذا تحتقر الدنیا احتقار من جربها وعرفها، وعلم أنها فانیة، ولا یبقى إلا ذكر الجمیل بین الناس.. "وحاشاك": من أحسن ما خوطب به فی هذا الموضع، والأدباء یقولون: هذه اللفظة حشوة، ولكنها حشوة فستق وسكر؛ ومثلها فی الحشوات قول عوف بن المحلَّم الشیبانی:

إنَّ الثمانین –وبلِّغْتَهَا- *** قد أحوجَت سمعی إلى تَرجُمان(75)

فقد اعترضت "وبلِّغْتَهَا" صدر البیت لفائدة كبیرة ما أحوج السامع إلیها لأنها تحدث فیه هزة التنبیه أو الانتباه لما یرمی إلیه الشاعر من تأكید الكِبَر والشیخوخة.

*ومن وجوهه المعروفة التخصیص بزیادة التأكید، كقول الحق تبارك: ووصَّیْنا الإنسانَ بوالدیه، حَمَلَتْه أمُّهُ وَهْناً على وهْن، وفِصالُهُ فی عامَیْن، أنِ اشْكُرْ لی ولوالدیكَ(76).

فی الآیة اعتراض ضمنی یقع فی جملة "حمَلَتهُ أمُّهُ وهْناً على وهْن" وهذا یعنی تخصیص حق الأم فی التوصیة الربَّانیة، وما ذكرها هنا إلا من قبیل ما یقوله الفقهاء فی أن لها من عمل الولد قبل الحُلْمِ جلُّه وهو مما یفید تأكید حقها، والله أعلم(77).

ومن الناس من لا یقید فائدة الاعتراض بما ذكرناه، بل یجوّز أن تكون دفع توهُّم ما یخالف المقصود. وهؤلاء فرقتان، واحدة لا تشترط فیه أن یكون واقعاً فی أثناء الكلام، وفرقة تشترط ذلك(78).

وقد تبسَّط القزوینی فی شرح وجوه الاعتراض مما لم نرَ فیه صورة للوقوف عنده كالمطابقة مع الاستعطاف، والتنبیه على أمر غریب، ومجیء معنى مستقل بین كلامین مستقلین، قد یأتی المعنى فی جملة واحدة أو أكثر من جملة، أو یأتی الاعتراض بغیر واو ولا فاء أو یأتی بأحدهما...(79). لیخلص إلى القول الجامع المركَّز: "ووجهُ حُسْن الاعتراض على الإطلاق: حُسْنُ الإفادة، مع أن مجیئه مجیء ما لا معوَّل علیه فی الإفادة. فیكون مَثَله مَثَل الحسنة تأتیك من حیث لا تَرتَقبها"(80).

وفی كلمة أوجز وأعمَّ، نقول إن الإطناب معنى كبیر عرَّفناه فی مطلع هذه المادة (بزیادة لفظیة لفائدة..) تفرَّع هذا المعنى واتسع فاتخذ أشكالاً ووجوهاً وسماتٍ متعددة تداخل بعضها ببعض وتشابه، وفی بعض الأحیان اختلط وتشابك، ولا سیما الأنواع الخمسة الأخیرة التی اعتمدها القزوینی ومن بعده، وهی: الإیغال، والتذییل، والتكمیل أو الاحتراس، والتمیم، والاعتراض؛ فهی شدیدة التداخل والتشابه فیما بینها حتى لیصعب على الدارس فی كثیر من الأحیان التفریق بینها فیما عدا الأمثلة التی أعطیت لكل واحد منها، وهی مع ذلك –أی الأمثلة- یمكن نقلها من موقع إلى آخر. فتخدم الغرض الذی وضعت فیه دونما اختلاف یذكر بین ما كانت فیه وما نقلت إلیه. ولعل الدارسین البلاغیین القدامى قصدوا من وراء هذه التقسیمات والتفریعات إیفاء الإطناب كلَّ ما یحتاجه من شرح وتمثیل.

الحواشی:

(1)لسان العرب، دار صادر-بیروت جـ1/ 562 (طنب).

(2)نفسه/ 561.

(3)المثل السائر، جـ 2/344.

(4)البیان والتبیین 1/194-195. وفی ص 201 ذم للإسهاب المتكلف، والخطل والتزید..

(5)الحیوان 6/5-7.

(6)الكامل فی اللغة. دار الفكر العربی، القاهرة جـ 1/27.

(7)كتاب الصناعتین/ ص 211.

(8)نفسه/ 210-211.

(9)نفسه/ 213.

(10)المثل السائر 2/346.

(11)سورة الأحزاب/ 4.

(12)المثل السائر 2/350.

(13)سورة الحج/ 46.

(14)المثل السائر 2/350.

(15)دیوان أبی تمام-شرح وتعلیق د. شاهین عطیة، دار صعب. بیروت- لا. ت. ص 337.

(16)المثل السائر 2/352.

(17)سورة التوبة/ 44 و 45.

(18) المثل السائر 2/353.

(19) نفسه/ 354.

(20) دیوان البحتری جـ 1/591، من قصیدة یفتخر فیها بقومه. وقد أورد ابن الأثیر البیت الثانی على شیء من الاختلاف عما فی روایة الدیوان.

(21)دیوانه 1/151.

(22)"تفسیر أرجوزة أبی نواس" صنعة ابن جنی. تحقیق محمد بهجة الأثری. مجمع اللغة العربیة بدمشق، الطبعة الثانیة/ ص 30- والبیت فی دیوانه/ 105.

(23)المثل السائر 2/355.

(24)نفسه 2/355-357. وقد اقتطفنا ما وسعنا من كلام ابن الأثیر الذی یفیض بالمتعة والفائدة...

(25)الإیضاح فی علوم البلاغة، ص 301.

(26)سورة النحل/ 66.

(27)سورة الطارق/ 7.

(28)الإیضاح فی علوم البلاغة/ ص 302-303. والبیتان غیر موجودین فی دیوانه..

(29)نفسه/ ص 303.

(30)بعض الآیة 238 من سورة البقرة.

(31)بعض الآیة 196 من السورة نفسها.

(32)المعجم الوسیط جـ 2/950 (نكت).

(33)سورة التكاثر/ 3 و 4.

(34)سورة غافر/ الآیتان 38 و 39.

(35)سورة النحل/ 110.

(36)الإیضاح.. ص 305.

(37)سورة النحل/ 51.

(38)دیوان المتنبی –بشرح البرقوقی جـ 4/194.

(39)انظر مزیداً، لتفصیل ما أوردنا من التقسیمات الجدیدة للتكریر، كتاب: "جوهر الكنز" لابن الأثیر الحلبی (ت 737هـ/ 1336م) ص 257-259 فقد أورد شواهد أخرى أكثر دلالة وتوضیحاً.

(40)الإیضاح فی علوم البلاغة/ 305.

(41)دیوان الأعشى، شرح وتعلیق محمد محمد حسین. مؤسسة الرسالة ط7. بیروت 1983/ ص 111.

(42)العمدة فی محاسن الشعر وآدابه ونقده، جـ 2/57.

(43)دیوان ذی الرمة، المكتب الإسلامی، ط أولى سنة 1964 ص 586. والثوب المسلسل: الذی رق من البلى ولبسته حتى تسلسل. والأخلاق؛ جمع (خَلَق) وهو البالی..

(44)العمدة 2/57.

(45)دیوان امرئ القیس، صنعة السندوبی، القاهرة سنة 1930 ص 27. والبیت كما یقول السندوبی لعلقمة ابن الفحل الذی غالب امرأ القیس فی قصیدة بائیة-فخلط الرواة بین القصیدتین حتى عز التمییز بین أبیات امرئ القیس وأبیات علقمة. والجزع (بكسر الجیم وفتحها) الخرز الیمانی الصینی فیه سواد وبیاض، قد شبهت به العیون.

(46)نقد الشعر، تحقیق وتعلیق د. محمد عبد المنعم خفاجی. دار الكتب العلمیة. بیروت. ص 168.

(47)شرح دیوان الخنساء، دار التراث بیروت. سنة 1968، ص 27.

(48)الإیضاح.. ص 305 وفی شرح القزوینی أمثلة شعریة أخرى لإطناب الإیغال...

(49)كفایة الطالب فی نقد كلام الشاعر والكاتب لابن الأثیر الجزری. بغداد سنة 1982 ص / 179. والتعریف نفسه مأخوذ من العسكری فی "الصناعتین" ص 413.

(50)عن المصدر السابق/ ص 180.

(51)كتاب الصناعتین/ ص 413.

(52)دیوان أبی نواس. شرح وتحقیق الغزالی. بیروت/ ص 607. والعرام: شدة الزمان وشراسته.

(53)سورة التوبة/ 111.

(54)جوهر الكنز، لابن الأثیر الحلبی/ ص244.

(55)دیوانه /وزارة الأعلام العراقیة، تحقیق عبد الأمیر مهدی الطائی. سنة 1977 الجزء الأول/ ص 208.

(56)الإیضاح.. ص 310.

(57)ورد البیت فی معظم المصادر والمراجع: "دیارك" بالكسر والصحیح ما ذكرنا لأنه بصدد امتداح رجل ومخاطبته.

وقبل البیت مباشرة قوله:

وأهنت، إذ قدموا، التلاد لهم *** وكذاك یفعل مبتنی النعم (دیوانه-صادر/88).

(58)بعض الآیة 54/ من سورة المائدة.

(59)الإیضاح/ 310-311.

(60)نفسه/ 311.

(61)دیوانه "محروم" مكتبة الإرشاد- جدة، ودار الكتاب العربی بیروت/ ص 110.

(62) م. ن. ص 79.

(63)الإیضاح.. ص 311 وانظر جوهر الكنز / 234 وفیه ذكر للبیت وسبب التكمیل فیه.

(64)شرح البرقوقی 1/269.

(65)الإیضاح/ 312.

(66)سورة الإنسان/ جزء من الآیة 8. والتعریف من: الإیضاح.. ص 313.

(67)شرح دیوان زهیر بن أبی سلمى، صنعة ثعلب. النسخة المصورة عن دار الكتب بالقاهرة سنة 1944/ ص 53 والعلة، ههنا معناها، الانشغال أو الحدث الكبیر، ولا نظن قصد بها المرض والضعف..

(68)الصناعتین/ 434.

(69)الصناعتین/ 434.

(70)دیوانه/ 290. والجرعاء، مؤنث الأجرع، وهو الكثیر الممتد من الرمل.

(71)الإیضاح فی علوم البلاغة/ 313-314.

(72)سورة النحل/ 57.

(73)تفسیر الكشاف، للزمخشری جـ 2/414.

(74)الإیضاح/ ص314.

(75)شرح العكبری لدیوان المتنبی جـ 4/290. وابن المحكم، شاعر جاهلی من أشراف العرب ت نحو 580.

(76)بعض الآیة/ 14 من سورة لقمان. الوهن: الضعف الشدید. الفصال: الفطام ومنع الرضاعة.

(77)حاشیة تفسیر الكشاف جـ 3/232، للإمام ناصر الدین أحمد بن المنیر الاسكندری..

(78)الإیضاح.. ص 317.

(79)الإیضاح فی علوم البلاغة/ ص 315-316.

(80) نفسه/ 317. 


[ سه شنبه 28 اردیبهشت 1389 ] [ 15:46 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


تقدیم:یدرس الباحث الشاعر رمضان عمر فی كتابه "سیرة فدوى طوقان وأثرها فی دراسة أشعارها" الذی كتبه عام 1998، سیرة حیاة الشاعرة التی كتبتها فی جزأین [1- "رحلة جبلیة... رحلة صعبة" عام 1985م، 2- "الرحلة الأصعب" عام 1993م]، وانعكاس أثر تلك السیرة فی إنتاجها الشعری.وقد قسم دراسته إلى أربعة فصول، یعالج كل قسم منها كما یذكر فی المقدمة: (یعالج الفصل الأول منها حیاة الشاعرة من خلال سیرتها الذاتیة، أما فی الفصل الثانی فقد استخدمت المعطیات المستقاة من حیاة الشاعرة لتطبق ثانیة على أعمالها الشعریة؛ لأفسر بعض الظواهر الشعریة التی لم یستطع الدارسون - فی رأیی - تفسیرها، أما الفصل الثالث فهو دراسة فنیة لسیرة الشاعرة. ثم ختمت هذه الدراسة بفصل رابع قارنت فیه  سیرة الشاعرة بسیر أخرى فی الوطن العربی، وخصوصاً النسویة منها).ودراسة الشخصیة كما یقول الباحث تتطلب من الدارس مناقشة أمور عدیدة: (حقائق الحیاة التی عاشتها هذه الشخصیة، فلا یكتفی بمجرد السرد، بل یعرض ویشرح الشخصیة فی معمله الخاص، مثیراً حولها جملة من التساؤلات، ماذا فعلت فی حیاتها؟ ولماذا فعلت ذلك؟ ما هی أخلاقها؟ نفسیتها؟ صفاتها؟ ثقافتها؟ حیاتها الاجتماعیة أو السیاسیة أو الأسریة؟ كیف كانت طفولتها؟ شقیة أم سعیدة؟ …… إلخ).ومنهج رمضان اعتمد على الناقد أدموند ولسن: (ولعل منهج الناقد " أدموند ولسن" وهو الأنسب فی تبنیه، كی أقیم دراسة حول سیرة الشاعرة فدوى طوقان معرجاً على إنتاجها الشعری، مبیناً أثر تلك السیرة فی هذا الإنتاج الشعری، وهو نفس المنهج الذی اختاره ولسون فی دراسته "لدكنز" حین بدأ بحیاة الأدیب متجهاً نحو آثاره، مفسراً الثانیة بالإشارة الأولى ". (صفحة 27)ومن هنا مشى رمضان مع حیاة الشاعرة: (منذ الولاة، صاعداً مع الخط الزمنی الصاعد عبر الرحلة الصعبة، فالرحلة الأصعب؛ لأدرس هذه الشخصیة منذ طفولتها، متناولاً نفسیتها وعلاقاتها الاجتماعیة وتصوراتها الدینیة والسیاسیة والفكریة). ( ص 31)وسنختار بعضاً من دراسته، والهوامش المذكورة هی للكاتب، ولكن استبدلت أرقامها الأصلیة بأرقام جدیدة، لتناسب التنسیق هنا. موقع فلسطینی       من دراسة الباحث للجزء الأول من سیرتها یستخلص فی الصفحات (54 - 56):( أما الجانب السیاسی فی حیاة فدوى طوقان، كما تبرزه السیرة، فلا نكاد نعثر على ما یمثل دوراً بارزاً، وإذا ما استثنینا بعض المواقف التی صورتها فی الجزء الثانی من سیرتها الذاتیة، كلقاءاتها مع دیان أو عبد الناصر، ووساطتها الشفویة لدى أبی عمار لأجل قبول السلام، فسنجد أن عملها السیاسی رهن الأداء الشعری، ونضالها السیاسی هو نضال الكلمة الشاعرة، هذا من ناحیة ومن ناحیة ثانیة، لا نكاد نلمح وجوداً لهذا الجانب فی كتابها الأول "رحلة جبلیة..... رحلة صعبة" أما ما ورد عن اتصالها بشعراء المقاومة وبعض رموز القوى الوطنیة التقدمیة، فهذا یمثل الجانب الفكری فی حیاتها، ومع ذلك، حتى هذه التجربة الفكریة، بقیت مجرد مشاركات وجدانیة فی معظمها، والشاعرة تعلن عن نفسها: " أحیانا كنت أحاول أن أفلسف وضعیتی وافتقاری إلى الشعور بروح الجماعة، فأمضی فی حواری مع النفس أتساءل: هل من الممكن أن یتجرد الإنسان الشاعر من ذاتیته إلى هذا الحد المطلوب منه فی هذا العصر؟ ثم، لماذا یساق الشعراء جمیعاً بهذه العصا الواحدة، عصا السیاسة فقط؟" (1)وتعترف فدوى أنها لم تعرف الإحساس بالواقع الاجتماعی والالتصاق الوجدانی الملازم بالقضیة الجماعیة إلا بعد حرب حزیران (2)، وهذا الاعتراف مهم جداً فی بیان ضحالة التجربة السیاسیة وافتقارها للجذور الطویلة الممتدة منذ النكبة الأولى 1948، حین كانت الشاعرة فی سن یمكنها من مزاولة الوعی السیاسی، لذا كان الجزء الثانی، بما حوى من كامل تجربة الشاعرة السیاسیة، لا یمثل الحد المطلوب لشخصیة سیاسیة ممیزة. ومع أن الجزء الثانی من سیرة الشاعرة تعرض لقضایا سیاسیة ساخنة، ولسیاسیین كبار لهم مواقفهم المعروفة، إلا أن ذكر هؤلاء جمیعاً لم یصنع من فدوى طوقان شخصیة سیاسیة (3).ولنضرب هذا المثل البسیط، وهو لقاء الشاعرة مع دیان. لم یكن اختیار الشاعرة، فی هذا اللقاء، لأنها تمثل فصیلاً وطنیاً، بل لأنها تمثل وجهاً معروفاً من وجوه المدینة، ومن خلال إمكاناتها الثقافیة قد تقوم بعملیة التفاهم بین السلطة "الیهود" وبین أبناء المدینة الرافضین للاحتلال والمقاومین له، لذا كان موقفها من خلال هذا اللقاء موقف العاجز لا السیاسی المحنك الذی یستطیع أن یتعامل مع الموقف بإدارة ودهاء، فلا تصیبه الدهشة، ولا یخشى من الحرج، بینما أوقعت الشاعرة نفسها فی الحرج وحاولت أن تعتذر عن هذا الموقف بقولها: "مصیبتی الكبرى هی هذه الطبیعة الخجول، وهذا العزوف عن اتخاذ المواقف التی قد توهم الآخرین - ممن لا یعرفنی على حقیقتی - أنها مواقف استعراضیة". (4) الهوامش:1- فدوى طوقان رحلة جبلیة.... رحلة صعبة، صفحة 151.2- انظر فدوى طوقان، رحلة جبلیة.... رحلة أصعب، صفحة 152.3- قد یكون بغض فدوى للسیاسة وقلة إحساسها بالواقع الاجتماعی من العوامل التی قللت من عمق تجربتها السیاسیة.4- انظر فدوى طوقان، الرحلة الأصعب، صفحة 41.      صورة الیهودی فی السیرة (من الصفحة 78 -81)لا توجد للیهودی صورة واضحة المعالم فی الجزء الأول من سیرة الشاعرة فدوى طوقان، ولم تستطع الأحداث الجسام التی وقعت للشعب الفلسطینی خلال المرحلة الشعریة الأولى للشاعرة - الممتدة من أواخر الثلاثینات إلى أواسط الستینات، وهی مرحلة نضج شعری وفكری - أن تكون صورة واضحة للیهودی المحتل فی إبداعات الشاعرة، ذلك أن الجدران الحدیدیة التی ضربت حولها نطاقاً جعلتها حبیسة الذات بعیدة عن الآخر، وبالذات حین یكون الآخر متعلقاً بالحدث السیاسی، فالسیاسة تجربة لیس لها فیها ناقة ولا بعیر. وهكذا خلت أیام شبابها من أی احتكاكات تذكر مع المحتل الیهودی، وبقیت تستجمع صورته المتناثرة من بین فتات الأخبار التی كانت تسمعها من المذیاع أو من أفواه الجیران أو رجال العائلة، وما أن انفك الحصار، وخرجت من القمقم "حتى بدأت تصطدم مع الواقع المر، وتقف جنباً إلى جنب مع أولئك الذین وقفوا أقلامهم لنصرة هذا الوطن، وبدأت تتعامل مع الواقع السیاسی، وكانت كلمة الشاعرة هی السلاح البتار الذی ارتضته لنفسها، وأخذت تشارك فی الآراء، وأخذت تنطلق من واجهة فكریة معینة تؤمن بالرفض والتحرر والحق العادل الشامل. ولأن هذه التجربة متأخرة، نسبیاً، فی حیاة الشاعرة "إذ بدأت تأخذ بعدها الحقیقی بعد حرب 1967"، كان الكتاب الثانی "الرحلة الأصعب" هو الأنسب لتسطیر هذه التجربة، بل لعل هذا الكتاب أعد أصلاً لاستیعاب هذه التجربة السیاسیة. ولو استقرأنا هذه الصورة التی رسمتها الشاعرة للیهودی المحتل، فی الجزء الثانی من سیرتها الذاتیة، لوجدنا أن هذه الصورة تختلف عن تلك الصورة المعروضة فی القصائد الشعریة، فبینما نجد صورة الیهودی فی الشعر تتخذ نمطاً واحداً، فی أغلب الأحیان، وهو المحتل الغاشم نجد أن السیرة تفرق بین صورة الیهودی الإنسان والیهودی المحتل. أما الیهودی المحتل فقد انسجمت صورته المعروضة مع النظرة السائدة فی الوسط العربی تجاه غطرسة المحتل وظلمه. ففی أحد الأیام تستوقفها شرطة السیر الإسرائیلیة وبوجوه متجهمة وغطرسة مقیتة "تأمرهم بمغادرة السیارة والوقوف جانباً، ثم یشرع اثنان من الشرطة بالقیام بتقلیب المقاعد وتفتیش الزوایا من كل جانب، بالنظرات العدوانیة نفسها ویأمرانهم بالعودة إلى داخل السیارة لیواصلوا الرحلة". (1)ومن تلك النماذج أیضاً ( مردخای ابی شاؤول) وهو أدیب یهودی كبیر وشاعر ومترجم بارز، وقد حظی هذا الأدیب كذلك بنعوت لطیفة مثل قولها: "تسكننی ذكراه دائماً خاصة حین تشتعل رغبة المحتلین فی قهرنا واضطهادنا. كان إنساناً مناقبیاً عظیماً، ناضل من أجل حریة الإنسان ومن أجل مستقبل أفضل، خال من استغلال الإنسان لأخیه الإنسان". (2)ویدلل هذا التفریق، فی نظرة الشاعرة بین الیهودی المحتل والیهودی الإنسان، على فلسفة آمن بها نفر من أبناء هذا الشعب ممن دعوا إلى التعایش السلمی، ظناً منهم أن فی ذلك خیراً لهذه الأمة، وإمكانیة فی تخلیصها من ربقة ذلها. ولعل الاتجاهات الیساریة كانت سباقة إلى مثل تلك الدعوات. الهوامش:1- انظر فدوى طوقان، الرحلة الأصعب، صفحة 18.2- المصدر السابق ، صفحة 117.      فدوى والشعر الوطنی(من الصفحة 167 - 189)الشعر الوطنی هو موضوع سیرة الشاعرة الثانیة "الرحلة الأصعب"یحلو للدارسین، وهم یتناولون أعمال الشاعرة، أن یشیروا إلى مرحلتین مهمتین فی حیاة الشاعرة:مرحلة الشعر الوجدانی، أو مرحلة ما قبل 67.مرحلة الشعر الوطنی، أو مرحلة ما بعد 67.وبناء على ما تقدم؛ تصبح مرحلة الإنتاج محط أنظار النقاد (1)، الذین یرون فی الشعر أداة للتعبیر عن الهموم العظیمة، ویرفضون أن تكون أحداث عظیمة مرت بها فلسطین خلال ثلاثین سنة لم تستطع أن تحرك وجدان الشاعرة المبدعة؛ ذلك أن الشاعر المبدع القادر على تصویر الحدث بواسطة الرد الشعری السریع هو المسئول الأول عن إبراز الهم الوطنی، وبوتقته فی قالب فنی خالد، لما فی الشعر من أثر لا ینكر على مسامع الناس.ولعل بعض تلك الأصوات النقدیة قد وجدت لها آذاناً صاغیة؛ وقد نتفق، وللوهلة الأولى، مع هؤلاء النقاد حین نقوم بعملیة إحصائیة حول قصائد الشاعرة، فنجد أن القصائد الوطنیة تكاد تكون نادرة إذا ما قیست إلى قصائد الحب التی ملأت معظم صفحات الدواوین الثلاثة الممثلة للمرحلة الأولى، حتى نجد بعض القصائد مثل قصیدة "مع لاجئة فی العید"، فإننا نلمس السطحیة والاقتصار على التأثر العابر الذی لا یتجاوز قشرة الحدث، ولعل عنوان القصیدة یوحی بهذا الضیق فی رؤیتها لقضیة الشعب؛ فهؤلاء الذین نزحوا إلى نابلس لیسوا إلا لاجئین: (2)            الیوم ماذا غیر قصة بؤسكن وعارها    لا الدار لا، كالأمس، هذا العید عید    هل یعرف الأعیاد أو أفراحها، روح طرید    أعلن، تقلبة الحیاة، على جحیم قفارها؟ (3)بید أنی ألتمس عذراً للشاعرة على هذه السطحیة فی الأبیات، والغربة فی المشاعر، لا لأن الشاعرة كانت تعیش بدایاتها الفنیة، بل لعلة توضحها السیرة الذاتیة نفسها، فبینما كانت الشاعرة تقبع بین جدران البیت النسوی المغلق، كانت الأحداث تعج فی الخارج، وفی تلك اللحظات كان والدها یریدها أن تملأ الفراغ الذی تركه إبراهیم، فكلما برزت مناسبة وطنیة أو سیاسیة، أقبل علیها یسألها الكتابة فی الموضوع، كان صوت فی داخلها یرتعد بالاحتجاج الصامت: "كیف وبأی حق یطلب منی أبی نظم الشعر السیاسی وأنا حبیسة الجدران؟! لا أحضر مجالس الرجال، ولا أسمع النقاشات الحادة ولا أشارك فی معمعة الحیاة، حتى وطنی لم أكن قد تعرفت على وجهه بعد، فقد كان السفر محرماً علی، وباستثناء القدس التی عرفتها بفضل احتضان إبراهیم لی حین كان یعمل فی الإذاعة الفلسطینیة". (4)  ومن هنا فقط أستطیع أن أبرز تلك السطحیة فی التعامل مع القضیة الفلسطینیة لدى الشاعرة فی تلك المرحلة، ولا أدل  على ذلك من سرعة انتقالها إلى القصیدة الوطنیة بعد انعتاقها من القمقم، ثم التقائها بشعراء المقاومة الذین استشعرت معهم روح العمل الجماعی، ولعلنا نجد مثلاً واضحاً فی قصیدة "لن أبكی" المهداة إلى شعراء المقاومة فی الأرض المحتلة:    على أبواب یافا یا أحبائی    وفی فوضى حطام الدور    بین الردم والشوك    وقفت وقلت للعینین: یا عینین    قفا نبك (5)لكنها سرعان ما تكفكف الدمع، لتبدأ مرحلة جدیدة حافلة بالعمل والمشاركة:    أحبائی    مسحت عن الجفون ضبابة الدمع الرمادیة    لألقاكم وفی عینی نور الحب والإیمان    بكم، بالأرض، بالإنسان       فواخجلی لو أنی جئت ألقاكم   وجفنی راعش مبلول    وقلبی بائس مخذول. (6)وحین تكفكف الدموع، ویتم اللقاء، تبدأ الصرخة المجلجلة التی تحمل روح المثابرة قدماً إلى الأمام:    أحبائی حصان الشعب جاوز كبوة الأمس    وهب الشهم منتفضاً وراء النهر    أصیخوا، ها حصان الشعب    یصهل واثق النهمة    ویفلت من حصار النحس والعتمة    ویعدو نحو مرفئه على الشمس    وتلك مواكب الفرسان ملتمة    تبارك وتفدیه. (7)فإذا كنا نسمع هنا صوتاً ینم عن روح المشاركة؛ فلأن الشاعرة ذاقت فعلاً طعم هذه المشاركة، وإذا كانت الشاعرة قد أهدت شعراء المقاومة قصیدتها السابقة، فهی كذلك تلقت عدة قصائد من هؤلاء الشعراء، منها القصیدة التی للشاعر محمود درویش "یومیات جرح فلسطینی"، وفیها تظهر بعض الإشارات لمقاطع وردت فی قصائد فدوى، من مثل المقطع الذی یقول فیه:  لم نكن قبل حزیران كأفراخ حمام  ولذا لم یتفتت حبنا بین السلاسل  نحن یا أختاه من عشرین عام  نحن لا نكتب أشعاراً ولكنا نقاتل. (8)هذا المقطع یشیر إلى قصیدة الشاعرة التی نشرت فی جریدة الاتحاد قبل ذلك، وفیها تخاطب الصدیق الذی حالت حرب حزیران دون لقائه فی القدس، وفیها تقول:   لو أننی یا صدیقی كأمس   أدل بقومی وداری وعزی    لكنت إلى جنبك الآن   عند شواطئ حبك أرسی   لكنا كفرخی حمام. (9)وكذلك تشیر المقاطع : 8 - 9 - 10 - 11 من القصیدة نفسها إلى الشهید مازن أبو غزالة، الذی كتبت الشاعرة قصیدة فی رثائه عند لقائها بمحمود درویش.من خلال هذه المعلومات التی تقدمها السیرة نستطیع أن نفلسف موقف الشاعرة من الشعر الوطنی، ونستطیع أن نفسر سر تلك النقلة النوعیة التی قفزتها الشاعرة بعد حرب حزیران، صحیح أن جسامة الأحداث قد ولدت فی نفس الشاعرة بركاناً من الهیجان؛ فانفجرت قریحتها الشعریة بخمس قصائد متتابعة، ولكنی أزعم: لو أن فرصة الانعتاق من القید الاجتماعی لم تتحقق، ولم یتح لها أن تلتقی بالآخرین والمشاركة فی العمل الجماعی لجاء ردها حول هذا الحدث شبیهاً بردودها السابقة، حین كانت لا تزال حبیسة الذات. ومن هنا لا یجوز اعتبار التحول فی القصیدة الطوقانیة مجرد تحول شكلی، بانتقالها من قصیدة البیت الشعری إلى قصیدة التفعیلة الشعریة مثلاً. بل هو بالدرجة الأولى "تحول فی المضمون، نقلة من حالة التمركز حول الذات، حول الأنا، إلى حالة التمركز حول الخارج، حول الموضوع فی الغالب الأعم. ولعل من شأن هذه الظاهریة أن تؤكد الحقیقة الرامیة إلى "أن كل تغیر بالأشكال الأدبیة إنما یسبقه أو یشرطه تغیر فی الأفكار والتصورات". (10)لذا كان طبیعیاً على فدوى القابعة ضمن جدران البیت الحریمی المغلق أن تكون مقلة فی الشعر الوطنی، وألا تستجیب لدعوة أبیها المستمرة لكتابة الشعر السیاسی، فثمة فارق بین الإلزام والالتزام، لم تستجب فدوى لدعوة أبیها، لأن تجربة الاندماج السابقة مع العالم الخارجی كانت معدومة أو ناقصة، فحین أتیح لهذه التجربة فرصة الاندماج الحقیقی مع الناس والحیاة، أصبح الالتزام بمفهوم الواقعیة المختلفة أمراً تلقائیاً. (11)ومن هنا یمكن أن ندرس شعر فدوى طوقان الوطنی وفق مرحلتین:أولاً: قبل 67، فی هذه المرحلة لم تكن فدوى قد التقت بالیهود وإنما سمعت عنهم ولاحظت ما نجم عن سلوكهم إزاء الفلسطینیین. ثانیاً: ما بعد 67، وفی هذه المرحلة تتعرف فدوى على الیهود من خلال فرص عدیدة لتبدأ برسم صورة أكثر وضوحاً. ولو أخذ الدارس قصیدة "نداء الأرض" من دیوان "وجدتها" لوجد أن الیهودی هو العدو اللئیم وهو مغتصب الأرض وهو القاتل:    وكانت عیون العدو اللئیم على خطوتین    رمته بنظرة حقد ونقمة    كما یرشق المتوحش سهمه    ومزق جوف السكون المهیب صدى طلقتین. (12)فی المقابل لو وقف الدارس أمام قصائدها بعد 67 فسیجد أن هناك غیر صورة للیهودی، مثلاً هناك صورة الجندی المسلح، وهناك صورة الیهودی غیر الجندی، ویستطیع الدارس أن یأخذ قصیدة "آهات أمام شباك التصاریح" مثالاً على صورة الیهودی المسلح:    وقفتی بالجسر أستجدی العبور   آه، أستجدی العبور    اختناقی، نفسی المقطوع محمول على وهج الظهیرة    سبع ساعات انتظار    ما الذی قص جناح الوقت،    من كسح أقدام الظهیرة؟    یجلد القیظ جبینی    ..............   ألف "هند" تحت جلدی    جوع حقدی   فاغر فاه، سوى أكبادهم لا    یشبع الجوع الذی استوطن جلدی    آه یا حقدی الرهیب المستثار    قتلوا الحب بأعماقی، أحالوا    فی عروقی الدم غسلینا وقار!! (13) هذه الأبیات قی حدتها تذكرنا بالنظرة التی كانت سائدة فی الأربعینات (14)، وهذا الحقد الفارغ الفاه نحو المحتل، یستوقفنا قلیلاً حول إمكانیة التمثل الحقیقی لمثل هذه النظرة الصادرة عن تلك الفراشة الرقیقة، فدوى طوقان، فی حین نجد صوراً أخرى للمحتل أقل حدة لدى شعراء آخرین، فهذا محمود درویش مثلاً ینظم بعد الهزیمة قصیدة یتغزل فیها بفتاة یهودیة، ذاهباً إلى أن الشیء الوحید الذی حال بینهما هو الحرب:    بین ریتا وعیونی بندقیة    والذی یعرف ریتا ینحنی ویصلی    لإله فی العیون العسلیة. (15)إن نظرة فدوى طوقان للیهود فی قصائدها الشعریة، تلبی رغبات العداء فی المجتمع الفلسطینی، كما یظهر فی قصیدتها "أردنیة - فلسطینیة فی إنجلترا"، أو كما لاحظنا فی قصیدة "فی المدینة الهرمة" حین تنبأت فدوى بنهایة الغرب ودماره؛ فعبرت بذلك عن شعور یرضی التطلعات الشرقیة حول الاستعمار، وكما بینت سابقاً، فإن هناك اختلافاً بین النظرة كما جاءت فی السیرة، وهنا أیضاً تعود المخالفة ذاتها، فحین تعرضت الشاعرة لهذه القصة فی السیرة الذاتیة "الرحلة الأصعب" عرضتها عرضاً بعیداً عن هذه العاطفة الحادة المفعمة بالحقد، فهی تعترف فی سیرتها الذاتیة أمام دیان بأن للیهود حقاً فی حیاة كریمة بعد الذی عانوه فی أوروبا. (16)وتحاول جاهدة أن ترد اتهامات وسائل الإعلام التی وجهت لقصیدتها السابقة، مبینة أنها استحضرت معانیها - فی تلك الحال الكئیبة من الحزن والشعور بالهوان والذل - من قصیدة الشاعر "مناحیم بیالك" وعنوانها "أناشید باركوخیا" وضعها الشاعر على لسان باركوخیا، مخاطباً بها الرومانی الذی كان یحاصر الیهود فی قلعة مسعدة. (17)ومع أن هذا الاعتراف یوضح بعض الملابسات الخاصة بظروف القصیدة من جهة، ویكشف عن ثقافة متنوعة للشاعرة من جهة ثانیة، إلا أنه یؤكد أن العاطفة المحمومة فی ثنایا البیت الشعری لا تمثل قطعاً خلاصة النظرة للمحتل الیهودی، لعل هذه النظرة الشعریة لا تعدو فی حقیقة الأمر أن تكون موقفاً لحظیاً، یبرز حقداً حول حادثة شخصیة مرت بها الشاعرة نفسها، ومن هنا نجدها حین تعرض لشخصیات یهودیة فی مواقع أخرى من السیرة تعرضها بنظرة موضوعیة بعیدة عن النظرة الثائرة، فقد یكون الشخص یهودیاً مستعمراً یشارك فی بناء الدولة العبریة بشكل أو بآخر فتغفر له إنسانیته ذلك، وتستعذب الشاعرة معه حلاوة اللقاء وتسعد بصحبته: "یسرنی ویسعدنی أننی أتمتع بصداقتی ومحبتی لعدد من الیهود الذین لمست دفء قلوبهم وصدق إنسانیتهم وبعدهم فی تعاملهم مع العرب عن روح التعالی القومی". (18)"وإذا قلت إننی وأنا فی صحبة صدیقة أو صدیق یهودی لا أشعر أننی أجلس إلى إنسان ینتمی إلى دولة عدوانیة اغتصبت أرض آبائی وأجدادی، فإننی أؤكد هنا أن هذا الإحساس لا ینبع عن سذاجة أو بساطة". (19) هذه النظرة التی تظهر من خلال سیرة الشاعرة تتفق وتطلعات بعض السیاسیین العرب منذ عام 1968م، فمثلاً حركة فتح التی انطلقت عام 1965، أخذت تقتنع بعد الحرب 67 بأن الفلسطینیین أنفسهم هم القادرون على حل مشكلتهم، ثم ازدادت قناعة المنظمة بعد أیلول 1970 بأن حل مشكلتهم تكمن فی تأسیس دولة، وعلى أثر حرب أكتوبر وافقت المنظمة على إقامة دولة فلسطینیة. (20)ولعل الاتجاه الیساری الذی كانت تمیل إلیه الشاعرة وتقتنع بأفكاره، كان أمیل إلى هذا الاتجاه، ولعل هذا التوجه نحو السلام لدى بعض الفصائل الفلسطینیة أفرز عقلیة ثقافیة معینة تؤمن بإمكانیة التعایش بین العرب والیهود، وعلى هذا الأساس تمت محاولات التفریق بین الیهود كمحتلین وبین الیهود كجنس، بین الیهودی كجندی والیهودی كمواطن. (21)خلاصة القول فی هذا المجال، أن هذا الشطط فی الانفعالیة الذی رأیناه فی قصیدة "آهات أمام شباك التصاریح" هذا المشروع الثوری یستعیر صوت الأسلاف من مثل قولها:    نحن بنات طارق    إن تقبلوا نعانق    ونفرش النمارق     وإن تدبروا نفارق    فراق غیر وامق. (22)هذا التصویر فی قصیدة "أمنیة جارحة"، الذی ینم عن روح ثوریة تبلغ مداها فی القسوة عندما تتمنى الشاعرة على ثوار فیتنام أن یمدوا النساء العربیات بملیون محارب لتحسین النسل:   یا إخوتنا قولوا حتام!   أواه واه یا فیتنام    آه لو ملیون محارب   من أبطالك   قذفتهم ریح شرقیة    فوق الصحراء العربیة    لفرشت نمارق   ووهبتموا ملیون ولود قحطانیة! (23)هذا النمط الشعری یمثل الحس الشرقی الذی یعلن عن استجابته للضغوط الخارجیة عن طریق استنطاق العاطفة (24)، ومن هنا قد تفرض هذه الطباع الشرقیة بعض الإلزام على الشاعر فی طریقة التناول، إذ یكثر على الإنتاج الشعری الخاص بالمقاومة الطابع التسجیلی، ومثال على ذلك ما تقرؤه فی قصائد الشاعرة حول الشهداء والأبطال والسجناء من مثل قصیدة (حمزة) التی اتخذت طابعاً قصصیاً:   كان حمزة    واحداً من بلدتی كالآخرین    طیباً یأكل خبزه    بید الكدح كقومی البسطاء الطیبین    قال لی حین التقینا ذات یوم    وأنا أخبط فی تیه الهزیمة!   اصمدی، لا تصغی یا ابنة عمی    هذه الأرض التی تحصدها - نار الجریمة    والتی تنكمش الیوم بحزن وسكوت    هذه الأرض سیبقى    قلبها المغدور حیاً لا یموت. (25) وقد كان یصعب على الشاعرة أن تتمثل منهجاً فكریاً خالصاً كالذی نبأت به من خلال الاعترافات الصریحة فی السیرة، فالقصیدة بما تكتنزه من مخزون عاطفی مستمد من الأثر اللحظی للموت البطولی، تفرض على الشاعرة نوعاً من المحافظة والإلزام، فیبقى الخطاب النثری أقدر على إبراز الجوانب الفكریة المحتاجة إلى أخذ ورد ومخالفة وتفرد وإبداء الرأی الخالص فی الفكر والسیاسة. وقد یكون من الإلزام الواضح على قصائد فدوى الوطنیة ما نلمسه فی تغیر نظرة فدوى للموت، الموت الغشوم الغدار، الموت المذموم التی تعافه الشاعرة فی قصائد الرثاء، ترحب به ألف مرة فی قصائد المقاومة:   یا ألف هلا بالموت!  واحترق النجم الهاوی وحرق   بر الربوات   برقاً مشتعل الصوت   زارعاً الإشعاع الحی على - الربات   فی أرض لن یقهرها الموت. (26)ومن الإلزام كذلك ما نلمحه من اعتراف الشاعرة بقیمة المفاهیم الدینیة فی تحریك العواطف، فتظهر لنا الشاعرة قویة الإیمان منتمیة إلى هذا الدین: (27)   یا ولدی    اذهب!   وحوطاه أمه بسورتی قرآن    اذهب وعوذتا باسم الله والفرقان. (28)ویمكن أن یأخذ الدارس قصیدة "ایتان فی الشبكة الفولاذیة" نموذجاً للیهودی غیر الجندی، فقد تعاطفت فدوى فی هذه القصیدة مع طفل من أطفال الیهود:    تحت "الشجرة" وهی تفرع تكبر، تكبر    فی إیقاعات وحشیة    تحت "النجمة" وهی تشید بین یدیه    جدران الحلم الدمویة    تحبك بخیوط الفولاذ الشبكة    تسقطه فیها تسلبه الحركة    یفتح عینیه "ایتان" الطفل الإنسان. (29)       لكنها تحمل فی ثنایاها تعریضاً مبطناً من خلال الشبكة الفولاذیة الغاشمة التی تنسجها أیدی المحتل، كی تغرق فیها الأطفال الأبریاء:    یا طفلی أنت غریق الكذبة    والمرفأ یا "ایتان" غریق مثلك فی بحر الكذبة    یغرقه الحلم المتضخم ذو الرأس التنینیة والألف ذراع. (30)هذا التصویر الفظیع لمستقبل الطفل الإنسانی فی ظل التصور الیهودی الغاشم یقترب من النموذج السابق لتنسجم مع نظرة فدوى الشعریة للیهود، هذا التصور هو الذی دفع الشاعرة لتتمنى على هذا الطفل أن یظل، حین یكبر، كما كان طفلاً، لیحافظ بذلك على إنسانیة قبل أن تتجرد تحت فظاعة الشبكة الفولاذیة:    لیتك تبقى الطفل الإنسان    أخشى وأروع    أن تكبر فی هذی الشبكة     ..........    أخشى یا طفلی أن یقتل فیك الإنسان    أن تدركه السقطة      أن یهوی    یهوی    یهوی للقاع. (31)ولكن هل انتهت الدورات السیزیفیة فی مسیرة الشاعرة فدوى بعد التقائها بقصیدة المقاومة ومشاركتها الفاعلة فی الحدث السیاسی فی المجالین الأدبی والاجتماعی؛ لنقول إن سجل القصیدة الوجدانیة قد انتهى مع حرب حزیران. حینما وجهت هذا السؤال للشاعرة نفسها، قالت: أعتقد أننی أقدر على صیاغة القصیدة الوجدانیة، وأنا أشعر بإحباط جراء الوضع السیاسی الراهن ثم أضافت: إننی بدأت فعلاً أرجع إلى ذاتی. (32)وقد قرأت علی قصیدتین تبرز فیها الذات ماثلة مثول قصائدها الوجدانیة الأولى. فی القصیدة الأولى تقول الشاعرة تحت عنوان السؤال الكبیر: ما الذی یجعل من صوتك أفقاً خارج الأرض إذا ارتاد فضاءات القصیدة.     ما الذی یجعل لی منه جناحی نورس أعلو وأعلو     بهما عبر محیطات وآفاق بعیدة     لم تزل تقصیك عنی. (33)أما القصیدة الثانیة التی تعید الشاعرة على الذاتیة، فهی قصیدة بعنوان حواریة، وهی محاولة للرجوع إلى بحر الحب:   دعانی إلیه، هو البحر   على مداه موجة إثر موجة   تباعدت، شد ذراعی إلیه    یا بحر كلا!   أخافك یا بحر عد للوراء   ومركب عمری على المنحدر. (34)ولا بد من التذكیر هنا أن البحر یعنی الغریزة  عند فروید، أما لدى الشاعرة، فهو الحب مع الغریزة، وبذا تعود الدورة السیزیفیة بالشاعرة إلى الوراء؛ وكأننا مع فتاة مراهقة تواجه الحب لأول مرة، تخاف أن تقترب منه، وهذا ما لقلب الشاعرة من ضعف وما لروحها من شفافیة، والعودة بذاتها تحطم التقسیم المنطقی الذی اعتاده النقاد؛ فلم تطلق الشاعرة القصیدة الوجدانیة، عندما بدأت بالقصیدة الوطنیة، بل الصحیح أنها تفاعلت مع هذه القصیدة وانشغلت بها فترة بفعل المؤثرات القویة التی واجهت تجربة الشاعرة خلال فترة الاحتلال الممتد منذ 67 وحتى نهایة الانتفاضة، بعد الانتفاضة كأن الشاعرة شعرت بتلاشی روح المقاومة وجفافة الحدث السیاسی، فنضب نبع شعر المقاومة، أما الغلالة الشعریة فما زالت حاملة بالمخزون، وبالذكریات، فكانت العودة وكانت الدورة السیزیفیة تحط مرة ثانیة عند نقطة البدایة. الهوامش:1- انظر تجربة فدوى طوقان، مرجع سابق، ص196، وانظر أیضاً شاكر النابلسی، فدوى طوقان والنكبة، الأفق الجدید، السنة الرابعة، ینایر 1965، ص62.2- انظر إبراهیم العلم، فدوى طوقان... أغراض شعرها وخصائصه الفنیة، مرجع سابق، صفحة 104. 3- فدوى طوقان، الأعمال الكاملة صفحة 62.4- فدوى طوقان، رحلة جبلیة... رحلة صعبة، صفحة 131.5- فدوى طوقان، الأعمال الكاملة صفحة 394.6- المصدر السابق 396.7- المصدر السابق، صفحة 397.8- فدوى طوقان، الرحلة الأصعب، ص 22.9- الرحلة الأصعب، ص 22.10- انظر یوسف یوسف، تجربة فدوى طوقان، مرجع سابق، صفحة 196.11- انظر نایف العجلونی، السیرة الذاتیة لفدوى طوقان، الشخصی، والسیاسی، والأدبی، بحث مقدم لجامعة الیرموك فی المؤتمر الأول للحركة الأدبیة، 1993م. 12- فدوى طوقان، الأعمال الكاملة صفحة 125.13- المرجع السابق، صفحة 407.14- كان مفهوم الشعر العربی الحدیث فی مطلع هذا القرن للمشكلة السیاسیة هو أن یكرس الشاعر من شتم الاستعمار وبیان عیوبه، أما من الناحیة الشكلیة فقد كانت كلمات القصیدة تختار من الكلمات الرنانة الطنانة ذات الجرس القوی المؤثر. انظر شاكر النابلسی، فدوى تشتبك مع الشعر، صفحة 69 وما بعدها. انظر كذلك "ستیفان فیلد" الیهودیة والمسیحیة والإسلام، الكاتب المقدسیة تموز، 1992م صفحة 50 وصفحة 51.15- انظر عادل الأسطة، الیهود فی الأدب الفلسطینی، اتحاد الكتاب الفلسطینیین، 1992م، ط2، صفحة 94.16- انظر فدوى طوقان، الرحلة الأصعب، صفحة 41.17- انظر المرجع السابق، صفحة 67.18- المصدر السابق، صفحة 103.19- المصدر السابق، صفحة 103.20- انظر عادل الأسطة، الیهود فی الأدب الفلسطینی، ص 92.21- المرجع السابق، 114.22- الأعمال الكاملة، ص484.23- المصدر السابق، صفحة 484.24- نظم فوز البكری قصیدة ساخرة رداً على هذه القصیدة نحت عنوان "شریط على الهدیة" یقول فیها:  رجال فیتنام لدیهم نساء   یعین القضیة   یضمدن فیها روح الرجاء  یعشن انتماء یمتن انتماء   ولا یرتدین ثیاب حریر.  انظر فوزی البكری، صعلوك من القدس، دیوان شعر، إصدار الصوت 1982، صفحة 79، انظر كذلك عادل الأسطة، تأملات فی المشهد الثقافی الفلسطینی، نابلس 1995، صفحة 51.25- فدوى طوقان، الأعمال الكاملة صفحة 417.  26- المصدر السابق، صفحة 393.27-  انظر هانی أبو غضیب، فدوى طوقان، الشاعرة والمعاناة، 1983م، صفحة 183.28- فدوى طوقان، الأعمال الكاملة صفحة 391.29- المصدر السابق، صفحة 486.30- المصدر السابق، صفحة 487.31- المصدر السابق، صفحة 487.32- فی لقاء تم بینی وبینها بتاریخ 161998.33- من  قصیدة غیر مطبوعة للشاعرة بعنوان السؤال الكبیر. 34- قصیدة غیر مطبوعة للشاعرة.      الرحلة الأصعب(من الصفحة 242 - 250)فی الرحلة الأصعب تبتعد الأحداث عن الذات، تأخذ فی التوسع، فتختفی المعاناة الذاتیة التی لوحظ صداها فی طفولة الشاعرة الحزینة، أو من خلال عملیة الكشف الجزئی لعواطفها الملتهبة، أو تلك التی أظهرت العلاقات الأسریة غیر العادیة. (1)        انتهت إذاً الخصوصیة، وبدأت العمومیة، وإذا كانت حیاة فدوى الأولى - كما ظهرت فی السیرة - قد بنیت فی ظل صراعات عنیفة، شكلت لها عقداً نفسیة واجتماعیة، أعطت مضمون السیرة، وجعلت القارئ یتعاطف معها تعاطفاً وجدانیاً، باحثاً عبر السطور عن صورة له بین تجارب الآخرین، أو مقارناً بین حاله وحال من قرأ عنهم. فهل اختفى ذلك كله بمجرد مغادرة الشاعرة حقل الذات، والبدء بتصویر الأحداث العامة؟ یمكن القول هنا: إن الصراع لم ینته، والسریة لم تنقطع، والصراحة والصدق ما زالا حاضرین، والمتعة والفضول لهما مكانتهما الباقیة، وإن كان قد حدث شیء من التحول فی طبیعة ذلك كله؛ فالصراع انتقل من خبر الذات إلى حیز أوسع، وبقیت الشاعرة طرفاً فیه، بل مركزاً تدور حوله الأحداث، انتهى البوح الذاتی أو تراجع لصالح الأحداث الكبرى التی بدأت بهزیمة حزیران (2)، وبدأ بها الجزء الثانی من السیرة.حین كتبت الشاعرة سیرتها الأولى، كانت مثقلة بالذكریات، وكانت الرغبة فی التخفیف من ثقل هذه الذكریات غایة بذاتها لكتابة السیرة."ظللت طیلة عمری الأدبیة، أحس بانكماش ونفور من الإجابة على الأسئلة الموجهة إلی عن حیاتی، والعوامل التی وجهت هذه الحیاة  وأثرت بها، وكنت أعرف السبب - سبب ذلك الانكماش والنفور من الإجابة  على الأسئلة - ذلك أننی لم أكن یوماً براضیة عن حیاتی أو سعیدة بها، فشجرة حیاتی لم تثمر إلا القلیل، وظلت روحی تتوق إلى إنجازات أفضل وآفاق أرحب، إذن لماذا هذا؟ أكتب الكتاب الذی أكشف فیه بعض زوایا هذه الحیاة التی لم أرض عنها أبداً؟ بتواضع غیر كاذب أقول: إن هذه الحیاة على قلة أثمارها لم تخل من عنف الكفاح". (3)  إذن استمدت السیرة الذاتیة من تلك الغایة روح القوة والاستمراریة، وخرجت إلى الوجود قویة صلبة، بصدق التجربة أولاً، ثم طرافتها وقوة الدافع ثانیاً.أما فی الرحلة الأصعب - وإن كانت تحمل هماً ثقیلاً من خلال بعض العبارات المثقلة بالهموم - فإنها تفتقد إلى قوة الدافع والغایة المبررة، فمن الممكن أن تكون الشاعرة قد كتبت هذا الجزء بغیة استكمال الجزء الأول، ولما كانت الشاعرة قد تخففت أصلاً من الهم الثقیل الذی لازمها طیلة عمرها الأدبی، فقد ضعف عندها الوازع؛ فجاءت أحداث الجزء الثانی أقرب إلى الأخبار، ومن هنا فقط، أی من جهة الدافع، قد تتراجع الفنیة فی هذا الجزء لأن الشاعرة حین كتبت الجزء الأول، كانت فی عملیة بناء جدیدة لإعادة بناء جدیدة للذات اكتملت لها مع المبدعة فدوى طوقان، فكتبت قصة حیاتها، وحققت بذلك هدفها؛ لأن الناس - فی أغلب الأحیان - كانوا یعرفون الشاعرة من خلال شعرها فیجدونها مبدعة فی هذا الفن، فلما تعرفوا علیها من خلال سیرتها، وجدوا فیها عظمة الإرادة والقوة والإنسانیة، وبذلك تم لها سؤددها، ولكنها حین تكتب عن المرحلة الثانیة فلن تضیف جدیداً بعد أن لمع نجم الشاعرة وتم له السطوع. وحین یتجاوز الدارس هذه النقطة بالذات - الغایة من كتابة السیرة - وهی نقطة لصیقة جداً بدرجة الفنیة فی السیرة الذاتیة؛ ذلك أن الدافع الحقیقی وراء كتابة السیرة یجعل الكاتبة أقرب إلى الصراحة، سیجد جوانب أخرى تستقطبه وتستوقفه بعض القیم التاریخیة كالتی عرضت لها الشاعرة فی كتابها الثانی كأحداث حزیران ولقائها مع دیان والحدیث عن السلام، والحدیث عن النضال الفلسطینی فی عدة مواقع، وهذه الأحداث تشكل مورداً آخر یهم القارئ ویستقطبه (4)؛ فالجانب التصویری المتمثل فی رسم بعض الشخصیات غیر التی نجدها فی كتب بعض الأدباء العرب والمفكرین كصور الیهود المتعددة والمتنوعة، وهذا جانب آخر من جوانب الاستقطاب، سیثیر نهم القارئ، وسیجد الكاتب، وبغض النظر عن القیمة الفنیة لهذا العمل، من نوع آخر، تجلبها تلك المعلومات الكثیرة والقیمة. أما القیمة الثانیة لهذا الجزء من حیاة الشاعرة فهی تكمن فی قدرتها على استكمال ما بدأت به الشاعرة؛ فإذا جاء موضوع الاحتلال فی الجزء الأول طیفاً خفیفاً مر مرور الكرام؛ فان الصفحات القادمة ستكمل هذا الطیف وتغذیه حتى یصبح ظاهرة متكاملة تستحق الدرس، وإذا كانت الشاعرة قد تعرضت لتجربتها الشعریة فی مرحلتها الأولى؛ فإن الذكریات فی المرحلة الأصعب تبدو فی وجه من وجوهها مركزة على استحضار التفاصیل التی تشكل منها فیما بعد نسیج قصائد مرحلة ما بعد (67) فی إشارة واضحة من الشاعرة إلى طبیعة التحول فی شعرها من قضایا الذات إلى قضایا الجمع. (5)حتى الحدث التاریخی لم یكن منفصلاً عن التجربة الشعریة التی  كانت تسجل الحدث وتواكبه، كانت الساحة الأدبیة فی الضفة والقطاع قد شهدت فی السنتین الأولى والثانیة من الاحتلال فراغاً أدبیاً وثقافیاً رهیباً بفعل غیاب المؤسسات الوطنیة والكوادر الثقافیة، ثم بدأت تمتلئ شیئاً فشیئاً مع نشوء التفاعل الحیوی بین الجیل الجدید من الأدباء الیافعین، والرموز الأدبیة والوطنیة. (6)  ومن هنا، تطورت تجربة الشاعرة فی خط تصاعدی واكب حیاتها، فإذا كانت المرحلة الأولى قد فرضت على الشاعرة نوعاً من العزلة الشعوریة؛ فإن طبیعة التحول فی حیاة الشاعرة بعد (67) قد أفرزت نوعاً من التحول الفنی فی طبیعة الإنتاج الشعری؛ حیث أخذت الشاعرة تتحدت عن الوطنیة والوطن، ومثال ذلك قصیدتها الرائعة "آهات أمام شباك التصاریح" التی تمثل تلك المرحلة خیر تمثیل. الهوامش:1- انظر فی هذا ما كتبه فخری صالح فی جریدة الدستور الأدبیة بتاریخ 16793 عن الجدید فی عالم الكتب والمكتبات، عدد 7، 1995م، صفحة 40.2- انظر حاتم الصقر، عودة إلى السیرة الذاتیة، ص 36.3- رحلة جبلیة…، ص 9.4- انظر سعاد عبد الوهاب، الرحلة الأصعب، سیرة ذاتیة "قراءة نقدیة"، العدد 429، أغسطس، 1964م، صفحة 102.5-  انظر المرجع السابق، صفحة 102.6- الرحلة الأصعب، ص 25.


[ شنبه 25 اردیبهشت 1389 ] [ 13:34 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


غیـرُ مـجـدٍ فــی ملّـتـی واعتـقـادی
نــــوحُ بــــاكٍ ولا تــرنـــم شـــــادِ


Crying of weepers and rejoicing of singers,
Are equally useless

وشـبـیـهٌ صـــوتُ الـنـعـیّ إذا قِـــیسَ
بصـوت البشیـر فـی كــلِ نــادِ


And the harbinger of birth
Are similar, when compared


أبَــكَـت تــلــكــمُ الـحـمــامــة أم غنّــت
عـلـى فــرع غصنـهـا المـیّـادِ


Wept or cried

صـاح هـذی قبـورنـا تـمـلأ الــرُحبَ
فـأیـن القـبـور مــن عـهـد عــادِ


Where are the rest of the graves
Since the time of Ad


خـفـف الــوطء مــا أظــن أدیــم الأرض
إلا مــــن هــــذه الأجــســادِ


For I believe the soil of this earth
Is nothing but the crumbled dust of these bodies


وقـبـیــحٌ بــنـــا وإن قـــــدُم الــعـــهد
هــــــوان الآبــــــاء والأجـــــــدادِ


To desecrate our fathers and forefathers,
Although separated from us by countless ages


سر إن استطعت فی الهـواء رویـداً
لا اخـتـیـالاً عـلــى رفـــات الـعـبــادِ


Not self-conceitedly, on peoples’ mortal remains


رُب لحـدٍ قـد صــار لـحـداً مــراراً
ضـاحــكٍ مـــن تـزاحــم الأضـــدادِ


Scoffs at the crammed corpses
Of both men and women, interned therein


ودفــیـــنٍ عــلـــى بـقــایــا دفـــیـــن
فـــی طـویــل الأزمــــان والآبــــادِ


Throughout eternity; since time immemorial

فـاســأل الفـرقـدیـن عـمّــن أحــسّــا
مـــن قـبـیـلٍ وآنــســا مــــن بــــلادِ


About diversified races they witnessed;
The nations, they sleeplessly gazed at


كــــم أقــامــا عــلــى زوال نــهــار
وأنـــــارا لـمــدلــج فـــــی ســــــوادِ


And illumined travelers’ paths in the dark


تــعــبٌ كـلـهــا الـحــیــاة فــمـــا أعجـب
إلا مـن راغــبٍ فــی ازدیــادِ


Yet, I wonder why people harbor desires
For increasing their lot

هذا البیت یذكرنا بالبیت الأول من سوناتة شكسبیر الأولى:
من أجمل المخلوقات نرغب زیادة


Of Shakespeare’s first Sonnet:
From fairest creatures, we desire increase


إنّ حزناً فی ساعـة المـوت أضعـاف
ســرورٍ فــی سـاعــة الـمـیـلادِ


Is far greater than the joy felt when a newborn announced

خُــلــق الــنــاس لـلـبـقـاء فـضـلّــت
أمــــــــة یـحـسـبـونــهــم لــلــنــفـــادِ


Although some delusively think
They are doomed to extinction


إنــمــا یـنـقـلـون مــــن دار أعــمــالٍ
إلــــى دار شِــقـــوة أو رشـــــادِ


From a sphere of toil and endeavor,
Into a sphere of either misery, or enlightened guidance

ضجعـة المـوت رقـدة یستریـح الجسـم فیـهـا
والعـیـش مـثـل السـهـاد


Where the body rests
And the faculties awake

أبَـنــات الـهـدیـل أسـعــدن أو عــــد ن
قــلــیــلَ الـــعـــزاء بــالإســعــاد


Or promise the inconsolable some joy

إیـــــــه لله درّكـــــــن فــأنــتـــن اللــواتــی
تـحـســنّ حــفــظ الـــــودادِ


You know how to maintain
Devotion; abiding love


بـیـد أنّــی لا أرتـضـی مــا فعـلـتنّ
وأطـواقــكــنّ فــــــی الأجـــیـــادِ


While collars adorn your necks


فـتـسـلّـبــن واســتــعــرن جـمـیــعــاً
مــن قمـیـص الـدجـى ثـیـاب حــداد


Borrow mourning attire
From the gloom of darkness


ثــم غـــردن فـــی الـمـآتـم وانـــدبن
بشـجـوٍ مـــع الـغـوانـی الـخــراد


Join the wailing maidens and damsels
In pouring forth your plaintive orison


كل بیتٍ للهدم ماتبتنی الورقـاء
والسـیّـد الرفـیـع العـمـادِ


Will eventually come apart; lay in ruin


والفتى ظاعنٌ ویكفیه ظلُّ السـدر
ضـربَ الأطـنـاب والأوتــادِ


A shady tree will afford him comfort,
No need for pitching tents and laying foundations

بان أمر الإله واختلـف النـاسُ
فـداعٍ إلـى ضـلالٍ وهــادِ


Yet people dispute amongst themselves;
Some preach falsehood and delusion,
Others teach right guidance

والـذی حـارت البریـة فـیـه
حیـوانٌ مستحـدثٌ مـن جمـادِ


An animal fashioned of inanimate matter

واللبیبُ اللبیبُ من لیـس یغتـرُّ
بـكـونٍ مصـیـرهُ للفـسـادِ


Who is undeceived by a universe,
Whose ultimate end is corruption and decay
In my estimation and firm belief, Voices of the announcer of death Has yonder dove, perching on its swaying branch Behold, the earth is filled with our graves! Tread softly, walk gently; It is unbecoming of us, disgraceful, Walk leisurely on air, if able to; The same grave, perhaps repeatedly used, Lo, one body atop another, Inquire of the two luminaries, ask the North Star How oft they tirelessly watched the passage of days, Life is nothing but wrestle and struggle, This recalls to memory the first line The grief experienced at the hour of death, People have been created and destined for immortality, They are merely transported The slumber of death is a repose, O cooing doves, do impart gladness, May you be blessed, indeed! However, I do not approve of your cooing; First remove your ornaments, Then warble your carols in funerals; Whatever is built; either by lark or lord Man is a traveler in the desert of life, God’s truth has been revealed, And most mysterious of all creatures: The wisest of the wise is the one


[ چهارشنبه 22 اردیبهشت 1389 ] [ 23:44 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


عاج الشقی على طلل یسائله


أتعرّف على صاحب النص :

أبو نواس : هو الحسن بن هانئ ، ولد سنة 757 م ، - وقیل 762 - بالأهواز (من قرى خوزستان بفارس أی بإیران )؛ قیل إن اباه دمشقی وقیل فارسی ، وأمه فارسیة
عاش أبو نواس طفولة معذبة م، ولما أصبح شابا اخذ العلم عن علماء البصرة لاسیما عن أبی عبیدة ، وحصّل ثقافة واسعة ، إلا أنه كان میّالا إلى الرذیلة والفاحشة.
كبار شعراء العصر العباسی ، لقّب بشاعر الخمرة . قرّبه الرشید ثم سجنه ، وجعله الأمین شاعره ، واتصل بالبرامكة وىل الربیع فحظی منهخ بمال وفیر.
عاقر الخمرة وأسرف فی اللهو ، ثم تاب فی آخر أیامه . وتوفی سنة 814 م عن عمر یناهز 54 عاما حسب بعض الكتب الادبیة
له دیوان أجود یضم شعره فی الخمریات





عاج الشقیَ على طلل یسائله
وعجت أسأل عن خمّارة البلد

یبكی على طلل الماضین من أسد
لا درّ دّك قل لی من بنو أسد ؟

ومن تمیم ومن فیس ولفهما ؟
لیس الاعاریب عند الله من أحد

لا جفّ دمع الذی یبكی على حجر
ولا صفا قلب من یصبو إلى وتد

كم بین ناعت خمر فی دساكرها
وبین باك على نؤی ومنتضد

دع ذا ، عدمتك واشربها معتّقة
صفراء تفرق بین الروح والجسد

أما رأیت وجوه الأرض قد نضرت
وألبستها الزرابی نثرة الأسد

حاك الربیع بها وشیا وجلّلها
بیانع الزهر من مثنى ومن وحد

واستوفت الخمر أحوالا مجرّمة
وافترّ عیشك عن لذّاتك الجُدد

فاشرب وجد بالذی تحوی یداك لها
لا تذخر الیوم شیئا خوف فقر غد

یا عاذلی قد أتتنی منك بادرة
فإن تغمدها عفوی فلا تعد

لو كان لومك نصحا كنت أقبله
لكن لومك موضوع على الحسد


أبو نواس



أثری رصیدی اللغوی :

عاج : مال . الرسم : ما تبقى من آثار الدیار المهجورة
النؤی : الحفیر حول الخیمة . أحولا : سنین واعوام
مجرمة : واسعة وتامة . الزرابی : نبات أصفر أو احمر وفی كلا اللونین تكون خضرة
نثرة الأسد : أنفه ؛ ففی السماء برج الأسد وأنفه یتشكل من كوكبین یلفهما بعض البیاض مثل السحاب ن وبین الكوكبین مسافة كمقدار شبر
عاذلی : لائمی ، من الفعل عذل بمعنى لام وعاتب


أكتشف معطیات النص :

- الشقی فی البیت الأول هو الشاعر الذی یبكی على الأطلال والدیار التی هجرها أحبته
- یتغنى الشاعر فی الشطر الثانی من البیت الأول (عجز البیت الأول) بالخمرة وأماكنها
- بنو أسد وتمیم هم من القبائل العربیة التی سخر منها الشاعر ، لأنها كبقیة الأعاریب فهی سواء عند الله ، ولیس عندها ما یستحق البكاء
- أسرف الشاعر فی ذم القدیم والنعی على من یتكلفه ، ویتجلى ذلك فی البیت الرابع :
لا جفّ دمع الذی یبكی على حجر -- ولا صفا قلب من یصبو إلى وتد

- یذكرنا البیت الثانی فی بناء القصیدة العربیة ، بالمقدمة الطللیة التی كان تتمیز بها القصیدة فی العصر الجاهلی


أناقش معطیات النص :

- استعمل الشاعر الأسلوب الإنشائی فی البیتین الثانی والثالث بصیغته الاستفهام ، فی قوله : ( قل لی من بنو أسد ؟) ، ( ومن تمیم ومن قیس ولفهما ؟ ) ؛ وغرض هذین الاستفهامین هو السخریة والتحقیر
- دافع الشاعر عن مذهبه القاضی باتباع الخمر والابتعاد عن البكاء ، معتمدا ادلة یراها أقرب إلى المنطق ، إذ غن الخمر تفرق الروح عن الجسد فیبتعد شاربها عن واقع الحیاة إلى التأمل فی الكون، وهذا أفضل دواء لمشكلات الحیاة ، اما البكاء فلا یزید الطینة إلا بلة ؛ بمعنى أنه لا یقضی على المشكلة بل یزید فی تفاقمها ، كما انه مدعاة للضعة والذل ، ویتجلى ذلك فی قوله : (صفراء تفرق الروح عن الجسد)، (البیت السابع والثامن والتاسع)
- یخاطب أبو نواس فی هذه القصیدة الشاعرَ الباكی على الطلل ، وینهاه عن نثل هذا البكاء
- أبو نواس لولع بالخمرة حتى كأن حبها غدا عنده عبادة وعشقا أبدیا ، وسبب ذلك أن معاقرة الخمر كانت من أبرز مظاهر الحیاة المترفة اللاهیة فی العصر العباسی ، وقد كان أبو نواس یتردد على الحانات ویصحب المجان اللاهین ، فكانت هذه البیئة ملائمة لنزعاته الطبیعیة
- مذهب الشاعر فی الحیاة هو الشذوذ والخلاعة والترف ، والاستجابة الفوریة لنزعات الطبیعة البشریة ، دون مبالاة بوازع دینی عقدی او اجتماعی أو غیره


أحدد بناء النص :

- فی النص احتقار لكل قدیم ولكل من تمسّك به ، لأنه قد مضى وولىّ ، ولیس له مكانة فی الحاضر ، ثم إن الماضی لا یملك قدسیة خاصة عند الله . كما ان التسمك بهذا الماضی یعد ّ تخلفا شهد تفاهة التفكیر عند الشعرء الجاهلیین إذن یبكون على حجر لیس له إحساس ولا عقل ، اما فی العصر العباسی فقد اختلفت البیئة وأصبح الإنسان حرا یفعل ما یرید ولا یأسره أحد سوى رغباته
- الأسباب التی أجدت هذا الصراع بین القدیم والحاضر هی الحركة العقلیة التی برزت مع اختلاط الاجناس وتأثیر حضارات الأمم غیر العربیة على المجتمع العربی فی العصر العباسی ، إذ غیرت هذه الحضارات من عقلیة المجتمع بأسره وجعلته أكثر انطلاقا وشغفا بالحیاة ومظاهر اللهو والمجون فی الأخلاق ، أما فی العلم فجعلته أمثر بحثا عن المورائیات وحقائق الأشیاء ...
- علاقة الشطر الثانی (العَجُز) بالأول(الصدر) فی البیت الرابع هی علاقة انسجام المعنى ، بواسطة العطف ، حیث إن الضی لا یجف دمعه على حجر لا یصفو قلبه
- نمط النص هو أمری حجاجی وصفی (ولا نراه یخرج عن هذه الأنماط الثلاثة)


أتفحّص الإتساق والانسجام فی تركیب فقرات النص :

- نجد فی مطلع القصیدة تجدیدا ، ذلك ان الشاعر یدعو إلى ترك المقدمة الطللیة التی عرفت بها القصیدة الجاهلیة ، إلى الخمریات
- أفادت كم فی البیت الخامس (كم بین ناعت خمر ... ) الخبر والكثرة ، ولیس الاستفهام
- فی البیت السابع إشارة إلى تأثر العرب بالفلسفة ، إذ إن الشاعر یدعو إلى التأمل فی مظاهر الكون


أجمل القول فی تقدیر النص :

- موضوع النص هو التغنی بالخمرة والدعوة إلى ترك البكاء عل الاطلال
- أما أفكاره الأساسیة فهی :
1- (من البیت الأول إلى الخامس ) : - دعوة إلى ترك البكاء على الأطلال والسخریة على الباكین
2- (من البیت السادس إلى العاشر) : - وصف الخمرة ، والدعوة إلى شربها
3- (من البیت الحادی عشر إلى الثانی عشر) : - رفض النصیحة بترك الخمر واتهام الناصح بالحسد

والان یا تلامذتی الاعزاء

هذا الملخّص الجمیل عن التجدید عند أبی نواس

منقول من تاریخ الأدب العربی لحنا الفاخوری

- المطبعة البولیسیة لبنان- ط 7 . ص 386


كانت معاقرة الخمرة الخمرة من أبرز مظاهر الحیاة المترفة اللاهیة ، فی عهد أبی نواس ، وقد انبثت حانات الخمرة فی سواد بغداد وأربضها . ففی العهد العباسی ن أغرق الناس فی حب الخمر ووصفها وصفا مستقلا

وكان أبو نواس حادذ الشعور ،خفیف الروح ، میّالا إلى الخلاعة من فطرته ، فاتخذ المتعة مذهبا منذ صباه ، وكان فیها واقعیا صریحا ، یعتمد على عفو الله الواسع ، داعیا إلى التجدید والانطلاق والشذوذ والخلاعة والترف ، ( وساعدته فی ذلك بیئته )

شاعریة أبی نواس مكونة من خاطر غنیّ متدفق ، وخیال قوی یحسن تشخیص الأشیاء الجامدة ، وتألیف المشاهد الرائعة ، ورسم اللوحات الزاهیة ، وعاطفة محدودة لا تخلو من رقـّة وتوثــّب وصراحة ، وسذاجة حلوة . فشاعریته شخصیة تلقائیة




موضوع: العصر العباسی، ترجمه فارسی و شرح قصائد عربی،

[ چهارشنبه 22 اردیبهشت 1389 ] [ 23:17 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]



الفصل الثانی:حیاة الجاحظ
1-اسمه وشكله:
هو "أبوعثمان عمرو بن بحر، بن محبوب،الكنانی الفُقیمی، لُقّب بالجاحظ أو الحدقی لجحوظ عینیه، أی نتوئهما، وكان هذا اللقب لا یُعجبه، على ما یظهر، فیتبرم بمن یدعوه به، ویجهد نفسه لكی یقرر فی أذهان الناس أن اسمه عمرو، وأنه یُحب أن یُدعى بهذا الاسم، وأن اسم ((عمرو)) أرشق الأسماء وأخفها وأظرفها وأسهلها مخرجاً". ونجد أن الجاحظ قد خلع على اسم ((عمرو)) المظلوم لأن الناس قد الصقوا به حرف الواو الذی لا یمت له بصلة أو یصل إلیه بسبب وكان یقول عن اسمه الذی یتوق أن ینادوه الناس به:"إنّ هذا الاسم لم یقع فی الجاهلیة والإسلام إلا على فارس مذكور، أو ملك مشهور، أو سید مطاع، أو رئیس متبوع، أمثال عمرو بن هاشم (جد النبی صلى الله علیه وسلم) وعمرو بن سعید الأكبر، وعمرو بن العاص، وعمرو بن معْدِ یكرِب".
ویرى الدكتور محمد عبدالمنعم خفاجی أنّ"الجاحظ ینحدر من أصل عربی صریح خالص، ومن بیت كریم المحتد، عظیم المنزلة فی الجاهلیة والإسلام". وفند ترهات الشعوبیین التی زعمت أن الجاحظ مدخول النسب، وموصوم الحسب، ولیس هو من أعیان الفضل وأقطاب الفخر. وأنه مولى لأن جده فزارة الحالك اللون كان مولى لأبی القلس عمرو بن قلع الكنانی الفقیمی، واستندوا فی ذلك إلی روایة منحولة، تروى عن یموت بن المزرع البصری (ت 204) ، وهی:"كان فزارة جد الجاحظ أسود اللون، وكان جمالاً لعمرو بن قلع". والرأی الراجح أن أبا عثمان لیس من أقذاء الناس وحُثالتهم، أو أنه إنسان رخیص النبعة، خبیث المنبت، لسواد بشرته كما یزعم الشعوبیین فالسود والبیض یرجعان إلی محتد واحد وتربطهم بأبی البشر أواصر رحم ووشائج قربى، بل كان"عربی الدم والنسب، لأنه كرس جهده وحیاته لخدمة العرب والعربیة، وتزعّم أكبر حركة قامت فی وجه الشعوبیة حتى هدمتها أو قضت علیها، فهو رجل یغلی فی عروقه الدم العربی الذكی، وتفور فی نفسه العزة العربیة الصمیمة". ولعل الجاحظ الذی هتك بعقله المتقد أسرار النفس البشریة، وسبر بحصاته أغوار الطبیعة لو لم یكن أثیل المنبت فی أرومة العرب لنزع منزع الشعوبیین ولزم غرسهم، بل لو لم یكن قد درج من مهد السیادة، وتقلد ذروة الشرف كابر عن كابر، لغمز معاصروه قناته ورموه بالرق وخبث العنصر. والذین أیدوا "عروبة الجاحظ أبو زید البلخی(ت322هـ)، وابن حزم (ت456هـ)".
كان الجاحظ"قصیر القامة، صغیر الرأس، دقیق العنق، صغیر الأذنین، أسود اللون، جاحظ العینین، مشوه الخلقة، مما جعل الخلیفة العباسی المتوكل یصرفه عن تأدیب ولده حین رآه وأعطاه عشرة آلاف درهم". كما أجمع كل من أكبّ على دراسة كتب الجاحظ ومحصّها وكشف مزایاها أن الجاحظ كان مفطوراً على خفة الظل وحب الدعابة التی یجود بها فی أحلك الظروف والمواطن، ونكات الجاحظ التی تبسم الثغر الحزین، وتشرق الوجه الشاحب، وتبسط المحیا الكئیب، نبعت من قبحه فالمرء"عندما یجد فی نفسه عیباً یعمد إلی أحد طریقین:إما التستر على هذا العیب وإخفاؤه عن أعین الناس إذا كان ذلك ممكناً، وإما المبادرة إلی تعریة هذا العیب والهزء به لیسبق الناس إلی السخریة ولیقطع علیهم طریقها. وقد آثر الجاحظ الطریق الثانی لأنه یتلائم مع وضعه باعتبار أن عیبه جسمی لا یمكن التستر علیه". وقد تهكم الجاحظ من بشاعة صورته وتندر من قبح خلقته فقال عن نفسه:"ما اخجلنی إلا امرأتان:رأیت احداهما فی العسكر-مكان فی سامرّا وكان مصیفاً للخلفاء العباسین- وكانت طویلة القامة، وكنت على طعام. فاردت أن امازحها، فقلت:انزلی كلی معنا، فقالت:اصعد أنت حتى ترى الدنیا،(معرضة بقصره). وأما الأخرى فإنها أتتنی، وأنا على باب داری، فقالت:لی إلیك حاجة وأنا ارید أن تمشی معی، فقمت معها إلی أن أتت بی صائغ یهودی، فقالت له :مثلُ هذا ثم انصرفت، فسألت الصائغ عن قولها، فقال:انها أتت إلیّ بفصّ وأمرتنی أن أنقش علیه صورة شیطان، فقلت:یا سیدتی ما رأیت الشیطان،فأتت بك".
2-مولده ونشأته:
ولد الأدیب الأریب الذی كانت لا تعزب عنه مادة فی اللغة، ولا قاعدة فی النحو،ولا نكتة فی البلاغة بمدینة البصرة، ونشأ فی كنف الملق، وفناء الفاقة فلقد كان سلیل أسرة من غمار الأسر التی اتسمت برقة الحال، وضیق ذات الید، أحوجتها الخصاصة ، ودعاها الإقتار لأن یبیع فتاهم الغض السمك والخبز بسیحان وهو نهر صغیر بالبصرة حتى تجد الأسرة ما یدفع عنهم غائلة الغرث. وتضاربت الآراء حول سنة مولد الجاحظ فقیل"سنة 150هـ، وقیل سنة 159هـ، وقیل سنة 160هـ وإذا صحّ ما یرویه هو عن نفسه یتعین میلاده أولها، فقد أُثر عنه أنه قال:"أنا أسن من أبی نواس بسنة ولدت فی أول سنة 150هـ وولد فی آخرها، وإن كانت ولادته على وجه التحقیق، فی العقد السادس من القرن الثانی من الهجرة.
أما أبوه:فلا یعرف عنه شئ إلاّ اسمه، وهذا یؤكد أنه لم یكن من عِلّیة القوم، ولا من متوسطیهم ویرجح أنه مات قبل أن ینضج ابنه الجاحظ ویذیع صیته، وإلاّ للحقه شیء من شهرته. وأما أمه:فلا یعرف عنها إلاّ أنها كانت فقیرة رقیقة الحال، وكانت تنفق علیه وهو صغیر، مما اضطره إلی كسب قوته ومواجهة أعباء الحیاة مبكراً فباع الخبز والسمك فی صباه". والجاحظ منذ أن كان یمیس فی معیة الصبا وحداثة السن شغوف بالعلم، ولا یتهاون فی الأخذ بأسبابه وتكلف بوادره، وذلك بمداعبة أغصان أسفاره الغضة، وأوراق كتبه البضة متى ما سنحت له الفرصة، ولعل خیر دلیل نسوقه لصحة هذا الزعم دكاكین الوراقین التی كان یكتریها لیلاً ویبیت فیها للنظر ومطالعة ما حوته من درر وفوائد، وتردده على تلك الحلقات العامرة التی كانت تعقد فی مساجد البصرة التی تدرس فیها العبر، ویتبلور فیها الفكر، تلك المروج التی تغشاها جحافل الفقراء بغیة البعد عن وصمة الجهل واستجلاءً لصور العلم واستنباطاً لمعانیه، كما كان كثیراً "ما یذهب إلی المربد- وهو مكان بظاهر البصرة تفد إلیه الأعراب من البوادی للتجارة وتبادل السلع –یتلقی اللغة والفصاحة مشافهة من الأعراب". ووله الجاحظ بالعلم وتدلهه بتعقب ریاضه وأفنانه كان یثیر امتعاض أم الجاحظ التی كان تشرئب لأن ینصرف ابنها "بكلیته إلی التجارة ولا یضیع علیه وقتاً ثمیناً فی الدراسة، فجاءته یوماً، بطبق كراریس، بدل الغذاء، فقال لها متعجباً:ما هذا؟ قالت:الذی تجیء به، فخرج مغتماً، وجلس فی الجامع وموسى ابن عمران جالس، فلما رآه مغتماً، قال له:ما شأنك؟فحدثه الحدیث،فادخله المنزل، وقرّب إلیه الطعام، وأعطاه خمسین دیناراً، فدخل السوق، واشترى الدقیق وغیره، وحمله الحمالون إلی داره، فأنكرت الأم ذلك، وقالت:من أین لك هذا؟قال:من الكراریس التی قدمتها إلیّ".
3-ثقافة الجاحظ وشیوخه:
التحق الجاحظ فی حداثة سنة بأحد كتاتیب البصرة حیث أجاد القراءة والكتابة، كما كان یتردد على المساجد ویحرص على حضور مجالس العلم حرص العابد المتحنث على أداء صلواته، و"بدافع الرغبة فی العلم، والطموح إلی مستقبل كریم بسببه والتعویض عن الیتم الذی هاض جناحه، أقبل الطفل الصغیر بكل قلبه وجوارحه على العلم والدرس والقراءة، موفور الموهبة، تام الملكة، وأخذ یتردد على حلقات العلم فی مسجد البصرة الجامع، ویتلقى الفصاحة شفاهاً على العرب فی المربد ویستمع من القصاص إلی أحداث الفتوح وسیر الغزاة وأطوار الزهاد والناسكین". لم یكد یشتد عوده وتظهر علیه غلواء الشباب حتى بانت علیه دلائل النبوغ وعلامات الفطنة، ولقد تتلمذ الجاحظ على ید أساتذة أجلاء كانوا غرة دهرهم، وآیة عصرهم على شاكلة"الأصمعی الذی كان یحفظ ثلث اللغة، وأبو عبیدة معمر بن المثنى الذی لم یكن فی الأرض خارجی ولا جمّاعی أعلم بجمیع العلوم منه، وأبو زید الأنصاری الذی قیل عنه وعن سابقیه إن هولاء الثلاثة كانوا-فی عصرهم-أئمة الناس فی اللغة، والشعر، وعلوم العرب، لم یر قبلهم ولا بعدهم مثلهم، عنهم أخذ جُلُّ ما فی أیدی الناس من هذا العلم بل كله. كما تتلمذ الجاحظ على ید الأخفش أبو الحسن سعید بن مسعد المجاشی الذی كان أعلم الناس بالنحو والصرف، وصالح بن جناح اللخمی الذی أدرك التابعین وكلامه مستفاد فی الحكمة، وأبو إسحاق إبراهیم بن سیار البلخی ا المشهور ((بالنظام)) أحد أبرز أئمة المعتزلة والذی الذی نهل منه علوم الكلام، وكان فی جملة ما یحفظه الإنجیل والتوراة والزبور وتفسیرها، عدا الشعر والأدب والغریب".
ومن أساتذة الجاحظ أیضاً موسى بن سیار الأسواری الذی قال عنه الجاحظ:"إنه كان من أعاجیب الدنیا، وكانت فصاحته بالفارسیة فی وزن فصاحته بالعربیة وكان یجلس فی مجلسه المشهور به، فییقعد العرب عن یمینه، والفرس عن یساره، فیقرأ الآیة من كتاب الله، ویفسرها للعرب بالعربیة ثمّ یحول وجهه إلی الفرس فیفسرها لهم بالفارسیة، فلا یدری بأی لسان هو أبین، واللغتان إذا التقتا فی اللسان الواحد أدخلت كل واحدة منهما الضیم على صاحبتها إلا ما ذكروا من لسان موسى بن سیار الاسواری ولم یكن فی هذه الأمة بعد أبی موسى الأشعری أقرا فی محراب من موسى بن سیار". ولم یقتصر الجاحظ على هؤلاء فقط، بل كان یتردد على "ندوات الشعر ومجالس الأدباء، یأخذ عنهم، ویجالسهم، ویناقشهم فی البلاغة والأدب والشعر واللغة وك ضروب المعرفة، تساعده على ذلك موهبته الأصلیة، وحافظته القویة، وذكاؤه المتوقد، وأمده طموحه وفقره بالمثابرة والقوة والتحصیل، كما كان للأحداث فی عصره، وتطور الحیاة والحضارة، ولحركة الترجمة أثر فی ثقافته وعقلیته". كما كان للجاحظ منبع آخر تلمس فیه طریقه إلی العلم الذی بلغ ذروته حتى هتف باسمه كل أدیب، وترنم بحرفه كل فنان، كان الجاحظ راسخ القدم فی القراءة، عالی المنزلة فی الاطلاع الأمر الذی هیأ له أن یقرأ كل كتاب وقع فی یده من أوله إلی آخره، "ومنبع آخر من ثقافته، یستخدمه الجاحظ أحسن استخدام وأدقه وأوسعه، ولا أعلم له فی ذلك نظیراً ممن قبله أو عاصره،ذلك أنه انغمس فی الحیاة الواقعیة، واستفاد منها ما أمكنه، وجعل منها موضوعات لأدبه".
4-خصال الجاحظ وأخلاقه:
كان الجاحظ لا یقول إلا عن علم، ولا یفكر إلا على هدى وبصیرة، ولقد تبدى هذا فی ما جرى به قلمه الذی یفتقر الأدباء دائماً إلیه، ویعتمدون مطلقاً علیه، فلقد انتجع جهابذة الأدب واللغة مؤلفاته كما ینتجع البدو منابت الكلأ ومساقط الغیث، لأن فی الإتكاء على جدران تلك المؤلفات تلقیحاً للعقول، وترویحاً للقلب، وتسریحاً للهم، وتنقیحاً للأدب. ولعل مؤلفات الجاحظ وآثاره تكشف عن جلاء عقله المتقد الذی جاءت كتاباته شاهدة علیه فلقد كان الجاحظ حاد الذهن، مُلتهِبُ الذكاء، كما كان قوی الحافظة، صلد الذاكرة، مُفحم الحجة، ساطعة البرهان،كما أن من یقترب من مؤلفات الجاحظ أو یسبر غورها یرى تلك النزعة الفطریة"إلی التهكم والضحك فقد ساعدته هذه النزعة على التغلب على مصاعب كثیرة اعترضته فی الحیاة. فهو ما كان ینظر إلی هذه الحیاة من زاویة سوداء فیرى العبوس سائداً فیها فیجنح إلی التشاؤم بالعیش والتبرم بالناس. بل على العكس كان ینظر إلیها من زاویة وضاءة تشیع التفاؤل حولها فیقدم على عمله والأمل ملء صدره بالنجاح".
كان الجاحظ ضنینا بوقته لا یهدره سدى، ولا یبدده إلا فیما یدر دخله علیه، بعیداً كل البعد عن الفوضى، ویحب النظام فی الجملة، كما كان محمود الشمائل، أریحیُّ الطباع لعترته وخلانه، وقد تأخذه أریحیة الكرم فیعطی عن سخاء المال الذی ادخره لأیام الشدة والعنت حتى تعوزه النفقة، ویلوب على الناض یرتفق به، كما كان یربأ بنفسه عن مواطن الذل، ویتجافى بها عن مطارح الهوان، و"ما كان الجاحظ بالمتزمت ولا بالمتنسك، قام بما فرض الإسلام علیه من الفروض والواجبات، وصرف ساعات عمره فیما یرفع من شأن المسلمین، دعاهم إلی الحیاة الفاضلة، وحبب إلیهم دینهم ودنیاهم، لیستقیموا أمة عزیزة فضلة فی أخلاقها. وكان یرى سعادة أصحاب السلطان وأصحاب الثروة تزول بزوال أربابها، أو بما یعرض لها من أسباب الفناء، وأن العمل الصالح هو الأثر الذی یظل على الأیام، ولذلك كان یتقن عمله، ولا یتوخى منه إلا ما یجدی فی الحیاة والمیعاد".
ومن خصال الجاحظ أیضاً العصامیة التی أهلته لنیل تلك المنزلة الرفیعة من نباهة الذكر، وشیوع الصیت، منزلة جعلت الشریف والوضیع یتمنى أن یجلس إلیه، أو أن یأخذ عنه، أو ینتسب إلیه، فالجاحظ منذ أن كان فتاً غضاً لم یعتمد إلا على نفسه، ولم یكل أمره إلی غیره، الأمر الذی قاده إلی بغض الوساطة وكراهیة المحاباة، وتناوله بالعیب والزرایة كل من یجشمه العناء فی الخوض فی أمر یجعله یمید من الغضب ویتفجر من الغیظ، یقول الجاحظ:"سألنی بعضُهم كتاباً بالوصیة إلی بعض أصحابی، فكتبت له رقعة وختمتها، فلمّا خرج الرجل من عندی فضها، فإذا فیها(كتابی إلیك مع من لا أعرفه ولا أوجب حقه، فإن قضیت حاجته لم أحمدك، وإن رددته لم أذمك".
لقد كان الجاحظ رغم الشهرة والمجد متجاف عن مقاعد الكبر، وناء بنفسه عن مذاهب الكبر،و"تراه وهو العربی القح فی جمیع منازعه، لم تستهوه حكمة الیونان والهند وفارس، وما امتلكت قلبه غیر حكمة العرب، وهدایتهم وأدبهم، ومع هذا یأخذ ممن سبق ولحق، وعمن وافق وخالف؛ لا ینبو نظره عن شیء، ولا تُرذل نفسه حقیراً. ولم تورثه شهرته العلمیة زهواً وغروراً، ولا یتكلف التواضع ولا التخاشع، وبغیته الكبرى أن یرفق بالضعاف حتى یقووا، وبالجهلاء حتى یتعلموا؛ یُحاسن الكبراء من دون إسفاف، ویتجنب مخاشنتهم تفادیاً من شرهم وعتوهم، ویحلم عن الأشرار طبعاً وتطبعاً".
5-مرضه ووفاته:
عاش الجاحظ ما یربو على التسعین عاماً، قضاها فی التحصیل وتألیف تلك الجیاد المطهمة العتاق التی تزدان بها المكتبات وحوایا العلم، تلك الدررالتی یتهالك على جمعها طلاب النفائس، ویتنافس فی اقتنائها مهووسی المعرفة، ومما یند عن ذهن ویغیب عن خاطر أنّ حیاة الجاحظ لم تقتصر على الفقر المدقع، والطعام الوخیم، والفراش النابی، بل تغیرت فی نمط العیش ورونق المظهر، فلقد كفل العلم للجاحظ أن ینتقل من التراب إلی السحاب، ویغادر الفقر والفاقة التی نشأ فی مهدها الخشن، ودرج فی فنائها الضیق، وعاش فی مرعاها الجدیب، وأمسى جلیساً للخلفاء الذین یجتمع على سماطهم علیة القوم ووجهاء الدولة، وظل الجاحظ یتنقل بین بسط المروج وأفنان الخمائل، یتسابق الملوك إلی وده، ویتنافس الوزراء فی رضاه، حتى داهمه المرض، واستفحل حتى استیأس منه الطبیب، فقد أصیب أبو عثمان الجاحظ "بالفالج، فاعتزل الناس، إلا أقلّهم، وبرم بحظه. وفی تلك السنین العصیبة، التی قضاها فی البصرة، كان القلم رفیقه الدائم یستعینه على مُصابه وعلى جحود خلانه. وقد تحدث عن عجزه المضنی فی توطئة كتابه ((الحیوان))، معتذراً عن اضطراب بعض فصوله فقال:"وقد صادف هذا الكتاب منی حالات تمنع من بلوغ الإرادة فیه، أولى ذلك العلة الشدیدة، والثانیة قلة الأعوان، والثالثة طول الكتاب". ویروى أن أبو معاذ عبدان الخولی الطبیب قد دخل یوماً (بسر من رأى) على عمرو بن بحر الجاحظ یعوده وقد فلج، فلما أخذ مجلسه أتى رسول المتوكل ینشد الجاحظ فقال:"وما یصنع أمیر المؤمنین بشق مائل ولعاب سائل، ثم أقبل علینا فقال>ك ما تقولون فی رجل له شقان أحدهما لو غرز بالمسال ما أحس والشق الآخر یمر به الذباب فیغوث وأكثر ما أشكوه الثمانون، ثم أنشدنا أبیاتاً من قصیدة عوف بن محلم الخزاعی". التی مطلعها:
یا ابن الذی دان له المشرقان طـرا وقد دان له المغربــان
إن الثمانین وبــلغتهـا وقد أحوجت سمعی إلی ترجمان
كما حدث یموت بن المزرع الذی یمت للجاحظ بقرابة بأن المتوكل قد وجه فی السنة التی قتل فیها أن یحمل إلیه الجاحظ من البصرة فقال لمن أراد حمله:وما یصنع أمیر المؤمنین بامرئ لیس بطائل، ذی شق مائل، ولعاب سائل، وفرج بائل، وعقل حائل؟ وحدث المبرد تلمیذ الجاحظ بأنه قد دخل على الجاحظ فی آخر أیامه فقلت له:كیف أنت؟ فقال:كیف یكون من نصفه مفلوج لو حز بالمناشیر ما شعر به، ونصفه الآخر منقرس، لو طار الذباب بقربه لآلمه، وأشد من ذلك ستة وتسعون أنا فیها، ثم أنشدنا
أترجو أن تكون وأنت شیخ كما قد كنت أیام الشباب؟
لقد كذبتك نفسك لیس ثوب دریس كالجدید من الثیاب
وقال لمتطبب یشكو إلیه علته:اصطلحت الأضداد على جسدی، إن أكلت بارداً أخذ برجلی، وإن أكلت حاراً أخذ برأسی". وظل الجاحظ یتحامل على نفسه ویغالب المرض ویفر من جحیمه وویلاته بزمهریر الكتابة التی لم ینقطع عنها طوال مدة وصبه وشكاته، الأمر الذی یدل "على أنه كان على جانب عظیم من قوة البنیة، وشدة الأسر، ومتانة الأعصاب، وحضور الذهن، وقوة العقل". وقضى الجاحظ نحبه فی یوم من أیام شهر محرم سنة 255هـ حینما زحف وحیداً إلی مكتبته المكتظة بالكتب المكدسة فانهالت مجلداتها الضخمة علیه، و"كان من عادته أن یضعها قائمة، كالحائط محیطة به وهو جالس إلیها".
وشیعت البصرة التی استسلمت للعبرة، واسترسلت فی البكاء، جثمان الجاحظ الذی أضمرته أرضها، وبقى ذكره الذی یجری على كل لسان، وأدبه الذی یأسر كل نفس.
الفصل الثالث:أسلوب الجاحظ وسخریته:
1-مؤلفات الجاحظ:
إن قلم الجاحظ الذی عالج كل أمر، وابتغى كل معنى، قد سطر العدید من الرسائل التی زججت حاجبیها، وصفقت شعرها، وفتنت بتفردها، القلوب الوالهة، والنفوس العاشقة، رسائل لم تغوص بشاشة وجهها، ولم یتهضم جانبها رغم كُرور الأیام، وتعاقب الحدثان، ولعل السر فی ذلك یعود إلی الصفات التی اجتمعت فی مبتدعها الجاحظ، تلك الصفات"التی لا تلتقی عند كل إنسان، ولا تجتمع فی صدر كل أحد:بالطبع، والمنشأ، والعلم، والعادة، والعمر، والفراغ، والعشق، والمنافسة، والبلوغ، وهذه مفاتیح قلما یملكها واحد، وسواها مغالق قلما ینفك منها واحد". هذه الصفات برمتها أدت فی نهایة المطاف بالجاحظ "إلی أن یكون إمام كُتاب العربیة بلا منازع، حتى قال فی حقه المسعودی:"ولا یعلم أحد من الرواة وأهل العلم أكثر كتباً منه".
ومؤلفات الجاحظ التی اتسقت عباراتها، وانتظمت ألفاظها تكاد تربو على الحصر، لأن صاحبها كان صاحب ساعد جدول، وعضل مفتول، وعقل موسوعی أحكمته التجارب، وهذبته المعرفة، لم یدع باباً إلاّ ولجه، ولا بحثاً، إلا صال وجال فیه، عقل إذا أراد أن یتخصص فی ضرب من ضروب المعرفة لتعذر علیه ذلك، لغزارة المعلومات التی یختزنها فی حافظته، ولاستقرائه الدقیق، وإطلاعه الشامل. ولتفتق قریحة الجاحظ، واتساع عقله الجبار،"كتب فی جمیع الفنون والآداب، قیل لـ ((أبی العیناء)):"لیت شعری، أی شیء كان الجاحظ یحسن؟ فقال:لیت شعری، أی شیء كان الجاحظ لا یحسن؟". ولقد أكثر الجاحظ من التألیف، حتى قیل: إنه بزّ من سبقه، ومن لحقه، ولعل اكثاره من التألیف یعود لامتداد عمره، ولقضائه شطراً من حیاته مریضاً،فاضطر إلی ملازمة بیته، وقطع فراغه بالكتابة والتألیف. وربما كان سوء منظره سبباً فی انصراف الناس عنه، فعنى بصناعة الكتب، لیعرفوا أن وراء هذا الوجه المشوه نفساً جمیلة، وروحاً فكهة، وذهناً وقّاداً.
ومدونات الجاحظ التی ترمقها كل عین، وتشرئب إلیها كل عنق، والتی یعتبرها كل أدیب أریب أغلى من أقبیة الدیباج المخوص بالذهب، هاضتها عوادی الزمان، ومزقتها طوارق الحدثان، فضاع جلها، وبقى النذر القلیل منها، وقد ذكر الدكتور الذی لم تصده عاهتة عن طلب العلوم طه حسین:"أنّ الجاحظ قد خلّف للعلم والأدب العربی أكثر من خمسین ومائتی كتاب، طُبِعَ منها بعض الكتب، وأشهرها البیان والتبیین، والحیوان، وكتاب البخلاء، ومجموع رسائله".
والحقیقة التی لا یغالی فیها أحد أن جهابذة العلماء على شاكلة بن الندیم، ویاقوت الحموی، وغیرهم من الغطاریف قد اختلفوا فی جواهر الجاحظ التی لا تخلق دیباجتها ویخبو بریقها، و"أیاً كان العدد الصحیح لكتب الجاحظ، ومؤلفاته، فإن حصر العدد فی حد ذاته لا یهمنا فی شیء، بقدر ما یهمنا أن الرجل كان غزیر العطاء، عمیق الفكر، محباً للقراءة والإطلاع والكتابة منذ صغره وحداثة سنه، إلا أن هذا اللبس فی حصر كتاباته یرجع إلیه نفسه، إذ كان ینسبها إلی مشاهؤر الكتاب فی عصره، أو فی العصر الذی سبقه. وذلك من أمثال:"ابن المقفع، والخلیل، ومسلم صاحب بیت الحكمة، ویحی بن خالد"، وما ذلك إلاّ لكی تشتهر كتاباته وتنتشر، ویتقبلها القراء لمعرفتهم بمؤلفیها.لأجل ذلك ضاعت معظم مؤلفاته، وانتسب الكثیر منها إلی غیره، ولم یبقى إلا القلیل منها".
2-أسلوب الجاحظ:
الأسلوب الذی انتهجه الجاحظ، أسلوب یزاوج بین الجد والهزل، لأن الجاحظ عالم بمكنون النفس البشریة التی یخامرها السأم والكلال من مطالعة الكتب التی تتسم مادتها بالجد والجفاف أو تسیر وتیرتها على نسق واحد، فكان الجاحظ استجماماً للنفس، ودفعاً لأی شعور بالرتابة یخلط الجد بالفكاهة، وفی ذلك یقول:"أنَّی أوشّح هذا الكتاب وأفصّلُ أبوابه بنوادر من ضروب الشعر وضروب الأحادیث لیخرج قارئُ هذا الكتاب من باب إلی باب، ومن شكل إلی شكل، فإنّی رأیتُ الأسماع تملُّ الأصوات المطربة، والأغانی الحسنة، والأوتار الفصیحة، إذا طال ذلك علیها، وما ذلك إلاّ فی طریق الراحة التی إذا طالت أورثت الغفلة". والجاحظ تمیز أسلوبه أیضاً بوضوح العبارة، وبساطة العرض، فقد تنزهت مؤلفاته عن التعقید والإشكال، كما بعدت عن الحشو، والركاكة، والتعسف، فمصنفاته الموشیة بذكائه اللماح، وعبقریته الفذة، وثقافته الواسعة، یمكن أن یدرك كنهها، ویحیط ببواطنها، البسیط الساذج، ومن استبطن دخائل العلم، واستجلى غوامضه، وذلك بالطبع قبل أن تتراجع العقول، وتجهد القرائح، وتقهر العامیة الفصحى، ویتفشى الدخیل فی اللغة التی حوت كتاب الله صوناً وحفظا.
وعلاوة على ذلك كان الجاحظ"یمیل إلی تقطیع العبارة، وجعلها جُملاً قصاراً متعادلة، ویكثر من الجمل المترادفة، إقراراً للمعنى فی النفوس. وهو لیستطرد إلی ما له صلة بالموضوع، من لذیذ الأخبار، وطریف الأحادیث، وومتع النوادر، تنشیطاً للقارئ، وترفیهاً عن نفسه، وذلك أظهر فی كتبه المطولة ((الحیوان))". كما أن أسلوب الجاحظ الذی أطنب فی تحقیر الشعوبیة والزرایة علیها، أسلوب یصور الحیاة بألوان صاخبة من الشعر العذب الذی یؤنس مطالعیه بوجهه المتهلل، والحكمة التی یختلس أسبابها، ویمتهن أربابها، بفضل المقدرة، ورجاحة العقل، وسعة المعرفة، أسلوب"یصور خلجات الروح، وآهات النفس، وأزمات العقل، ویرسم لك المحسوسات كأنك تحسها، ویصف لك المعلوم والمجهول، ویعرض علیك المعقول والمنقول، أسلوب سجّل المفاخر والمعایر، وحمل إلی أبناء القرون اللاحقة أفانین من أدب-كاتبه-جمّلها بروح الحق وسحر الجمال".
ولكن الجاحظ صاحب أنضر المعانی، وأرقّ الألفاظ، والذی لم یزف بعد شخوص مجده، وأفول أدبه، لأن كُتاب العربیة أفرطوا فی لزوم غرسه، وأوغلوا فی ارتقاء جبله الأشم بمناكبهم الهشة، وعزیمتهم الماضیة التی یحدوها الأمل أن تنال النذر القلیل مما ناله أمیر البیان العربی وشیخ النقاد، الجاحظ الذی كلنا له المدح جزافا بسط طلابه الذین هم بأجمعهم عیال علیه، ألسنتهم فی مصنفاته التی منحت الحیاة خصوبة وغنی، وتحدثوا عن عیوبه رغم ما له من جلالة تغشى العیون، وقداسة تملأ الصدور، وأبانوا بأن مآخذ الجاحظ تتمثل فی"الفوضى فی سرد الأفكار أو الاختبارات العلمیة، فلا تنسیق فی كتاباته ولا تصمیم، ولا تسلسل منطقی، وقد تكون أسمى میزات العالم میزة الترتیب والتنسیق والانضباط الأسلوبی، وهذه أمور بعیدة كل البعد عن صاحبنا، وهی إذا أسبغت على القضایا الأدبیة شیئاً من الطرافة، إذ تبدد الملل فی قضائها على الرتابة عن طریق الخلط بین الجد والهزل، فإنها فی مضمار العلم تشوش الذهن، وتقضی على التركیز، حجر الزاویة، فی التحقیق العلمی".
3- الغایة من الضحك فی أدبیات الجاحظ:
الجاحظ رغم حیاة الضنك والشدة التی عاشها فی حیاته، إلا أنه دعا إلی الضحك واقتناص أسبابه، وتكلف بوادره، ومما لا یند عن ذهن أو یلتوی على خاطر أن كتبه التی عضت الدهر بناب مسموم، وصاولته بمخلب قاتل، حتى تبقى على وجه الأدیم، حافلة بالطرائف والقصص التی تضحك من استسلم للعبرة، واستخرط فی البكاء ، والجاحظ لا یرى غضاضة فی الضحك من أجل التسریة عن النفس، وإضفاء جو من التفاؤل والانبساط على وتیرة الحیاة التی یعانی قاطنیها الغلاء المرهق، والفقر المدقع، والمرض المزمن، والهلع الذی تنخلع له القلوب، وتضطرب له الحواس، والحزن الذی لا یبارح شغاف الأفئدة، فقال:"ولو كان الضحك قبیحاً من الضاحك، وقبیحاً من المضحك، لما قیل للزهرة والحبرة والحلى والقصر المبنی:كأنه یضحك ضحكاً، وقد قال الله عزّ وجلّ {وأنه أضحك وأبكى، وأنه أمات وأحیا}النجم:43،44. فوضع الضحك بحذاء الحیاة، ووضع البكاء بحذاء الموت، وأنه لا یضیف الله إلی نفسه القبیح، ولا یمنّ على خلقه بالنقص، وكیف لا یكون موقعه من سرور النفس عظیماً ومن مصلحة الطباع كبیراً، وهو شیء فی أصل الطباع، وی أساس التركیب، لأن الضحك أول شیء یظهر من الصبی، وقد تطیب نفسه، وعلیه ینبت شحمه، ویكثر دمه، الذی هو علة سروره، ومادة قوته، ولفضل خصال الضحك عند العرب تسمی أولادها بالضحاك وببسام، وبطلق وبطلیق، وقد ضحك النبی صلى الله علیه وسلم وفرح، وضحك الصالحون وفرحوا، وإذا مدحوا قالوا:هو ضحوك السن، وبسّام العشیات، وهش إلی الضیف، وذو اریحیة واهتزاز، وإذا ذموا قالوا:هو عبوس، وهو كالح، وهو قطوب، وهو شتیم المحیا، وهو مكفهر أبداً، وهو كریه، ومقبض الوجه، وكأنما وجهه بالخل منضوح".
ولكن الجاحظ لا یدعو للغلو فی الضحك، والإمعان فیه، الذهاب به كل مذهب، وذلك لأن"یمنع الشهوة ویورث الصدود". بل یدعو للضحك الذی یملأ النفس بالغطبة، والجوارح بالسرور، والجاحظ دیدنه فی الكتابة أن یرفع الملل عن قارئه، ویستدر نشاطه بإیراد تلك النكات والنوادر التی تجعله یذوب فی حمیا اللهو، وینداح مع سكرة القهقهة، فیعاود القراءة بهمة ماضیة، وعزم أكید، یقول الجاحظ فی صدر حدیثه عن الجد والهزل:"خلطت لك جداً بهزل، وقرنتُ لك حجّة بمُلْحة، لتخِفّ مئونة الكتاب على القارئ، ولیزید ذلك فی نشاط المستمع، فجعلت الهزل بعد الجد جماماً، والملحة بعد الحجّة مستراحاً". والجاحظ الذی خلع على الضحك أوسمة التبجیل، وأوصله إلی ذروة السعادة التی تبتغیها كل نفس، ویتلهف لنیلها كل فؤاد، یراه الجاحظ ضروریاً للترویح عن مشاكل الحیاة وهمومها التی لا تنجلی أبداً، لذلك نجده یرى"أن الجِدّ نصب، والمزح جِمام، والجد مبغضة، والمزح محبة، وصاحب الجد فی بلاء ما كان فیه، وصاحب المزح فی رخاء إلی حین یخرج منه، والجد مؤلم، وربما عرّضك لأشد منه، والمزح ملذّ، وربما عرضك لألذّ منه، فقد شاركه فی التعریض للخیر والشر، وباینه بتعجیل الخیر دون الشر. وإنا تشاغل الناس لیفرغوا، وجدوا لیهزلوا، كما تذللوا لیعزوا، وكدوا لستریحوا، وإن كان المزاح إنما صار معیباً، والهزل مذموماً، لأن صاحبه لا یكون إلا معرضاً لمجاوزة الحد، ومخاطراً بمودة الصدیق".
وفنّد الجاحظ أن الإسلام حرّم المزاح، ودعا للكآبة والعبوس، فقال:"من حرّم المزاح، وهو شُعبة من شعب السهولة، وفرع من فروع الطلاقة، وقد أتانا رسول الله صلى الله علیه وسلم بالحنفیة السمحاء، ولم یأتینا بالانقباض والقسوة، وأمرنا بإفشاء السلام، والبشر عند الملاقاة، وأمرنا بالتوادد والتصافح والتهادی".
4-نماذج من سخریة الجاحظ وتهكمه:
وطرائف الجاحظ وملحه التی تملأ شعاب القلب بالفرح والاستبشار،كثیرة لا تحصى، ولقد وضع فی ذلك الكتب الخالدة خلود النفس البشریة إلی أن یأتی الله على هذه الدنیا الفانیة، كتب تبرهن على أن الجاحظ قائد زمام هذا الجنس من الأدب الذی تفرد فیه، وعلا فیه كعبه، فكتاب البخلاء الذی وضعه یعتبر تحفة فنیة خالصة لأن "البراعة الأدبیة التی صاغ بها الجاحظ كتابه، والمقدرة الفنیة التی ترقرقت فیه، وسرت فی موضوعاته أسلوباً وغایة جعلته المتفرد فی هذا المجال الذی لم یسبق إلیه من قبل". فلقد تصدى الجاحظ لهذا الموضوع الذی كان یأتی نتفاً وبصورة عفویة فی مؤلفات السابقین خالیة من عامل الإبداع والتشویق، ومفتقرة لاستبطان دخائل النفوس، وإبراز خصائص المجتمع. تحدث الجاحظ بإسهاب عن الصور السالبة التی كانت سائدة فی مجتمعه والتی كانت تثیر مكامن نفسه، وتلهب حشاشته، وتجعله یغلی من الغیظ، ویفور من الغضب، ولكن أیاً من هذه المشاعر الهادرة لم تبن فی سفر الجاحظ الذی ظلّ كرصفائه حیاً لم یعتریه الموت، والعلة فی ذلك أن السخریة مؤثلة فی طبع الجاحظ، تسری فی شرایینه، وینبض بها قلبه، وإن كانت سخریته مثال رفیع لسخریة الذهن الدقیق الذی یعكف على تصویر مثالب المجتمع، ویعمل على وأد كل قالةُ سیئة تقلد مجتمعه قلائد الخزی والعار.
إنّ سخریة الجاحظ"متصلة بطبیعته المرحة وفنه، وبموقفه من الحیاة وهو موقف التوجیه والنقد، فالسخریة عنده لم تقم على عاطفة شخصیة عارضة كما تبدو عند من سبقه، ولم تقم على الهجاء الممض، ولا الشتم المقذع، وإنما هی راجعة إلی طبیعته ومزاجه". إذن الجاحظ استمد أیدلوجیته فی السخریة والتهكم من فطرته التی فطره الله علیها، ولعل خیر مثال یؤكد صحة ما ذهبت إلیه، أنّ الجاحظ كان یروی سخریة الناس منه وتندرهم بدمامته، وقبح صورته، دون أن یتنزى صدره من الغضب والحنق، ققد قال عن نفسه"إنه وصف للخلیفة المتوكل لتأدیب أحد أولاده، فلما رأى صورته استبشعها فصرفه. وأنه اشترى له جاریة تركیة جمیلة، رجاء أن یرزق منها ولداً بحسنها وذكائه، فولدت له ولداً جاء بقبحه وجهلها. ومن نوادره أنه سُمع یقول:رایت جاریة فی سوق النخاسین ببغداد یُنادى علیها، فدنوت منها وجعلت أُقلّبها، فقلت لها:ما اسمك؟قالت:مكة.قلت الله أكبر قد قرب الحج، أتأذنین أن أقبل الحجر الأسود.قالت:إلیك عنی، ألم تسمع الله یقول:{لم تكونوا بالغیه إلاّ بشق الأنفس}النحل:7." والجاحظ الذی تشبعت حیاته بعبق الدعابة، وأنفاس المرح، كان یجود بالطرفة فی أریحیة ووداعة، ویسخر ممن یعرفه ومن لا یعرفه، بسبب وبغیر سبب، ثم لا یجد فی نفسه مضّاً ولا غضاضة فی روایة تلك الأجوبة المفحمة التی أذهلوه بها، یقول الجاحظ -أسبغ الله على قبره شآبیب رحمته-:"كنت مجتازاً ببعض الطرقات، فإذا أنا بامرأتین، وكنت راكباً على حمارة، فضرطت الحمارة، فقالت إحداهما للأخرى: وی. حمارة الشیخ تضرط، فغاظنی قولها، فاحتدیت، ثم قلت لها: إنه ما حملتنی أنثى قط إلا وضرطت. فضربت یدها على كتف الأخرى، وقالت: كانت أم هذا منه تسعة أشهر على جهد جهید".
وحدث وأن صنف كتاباً من كتبه التی تلقح الفكر، وتشحذ الخاطر، وبوّب ذلك الكتاب، "وبثه فی الناس، فأخذه بعض أهل عصره فحذف منه أشیاء وجعله أشلاء، فأحضره وقال له: یاهذا إن المصنف كالمصور، وإنی قد صورت فی تصنیفی صورة كانت لها عینان فعورتهما، أعمى الله عینیك، وكان لها أذنان فصلمتهما، صلم الله أذنیك، وكان لها یدان فقطعتهما، قطع الله یدیك. حتى عدّ أعضاء الصورة". ولعل قدرته الفائقة فی ترویض القلم فی السخریة من كل من سامه بخسف أو تعرض له بهوان، جعلته صاحب عزة قعساء، لا یتهضم جانبه، ولا یُستباح ذماره، فلسانه الذی كان یناوش الدهر، ویصاول الزمان، أخرس الألسنة الهازلة، والأنفس الهازئة، قیل لأبی هفان"لم لا تهجو الجاحظ، وقد ندد بك، وأخذ بمخنقك؟ فقال: أمثلی یخدع عن عقله؟ والله، لو وضع رسالة فی أرنبة أنفی، لما أمست إلاّ بالصین شهرة، ولو قلت فیه ألف بیت، لما طن منها بیت فی ألف سنة".
لقد كان الجاحظ ینذر من یصاوله بأفدح الخطوب، ولقد برهنت رسالته الموسومة بالتربیع والتدویر، أنه لیس بضعیف المغمز، ولا هش الحشاشة، ففی تلك الرسالة التی تعد نموذجاً صارخاً على شدة عارضته، وتمكنه من أن یجهز على كل من تسول له نفسه أن یغمز قناته، أو یوطأ حماه، نجده فی تلك الرسالة التی وضعها فی هجاء أحمد بن عبدالوهاب، قد امتشق یراعه الصارم وضمخه فی ازدراء خصمه الذی جرده من كل مكرمة، وفضح جهله وادعاؤه لأصناف العلم على قدر جهله بها، "فی هذه الرسالة الفریدة التی یتنادر بها أبو عثمان على مهجوّه یطرح علیه قصد تعجیزه ومعایاته مائة مسألة تناولت معظم المعضلات العلمیة التی شغلت مجتمع عصره من تاریخ، إلی فلسفة، إلی كیمیاء، إلی لاهوت، إلی حیوان، إلی نبات... والمعضلات التی یذكرها الجاحظ فی أسئلته المحرجة لا یحلها طبعاً فی هذه الرسالة القصیرة، بل یحیل مُناظره، فی كل مسألة، إلی كتاب معین من كتبه".
خاتمة:
الجاحظ أدیب العربیة الذی لا یجری معه أحد فی عنان، عاش عمره الذی ناهز المائة عاكفاً على الآداب والعلوم التی هیأت لذكره فیما بعد أن یضطرب فی الأرجاء، ولاسمه أن تتداوله الألسنة، كابد الجاحظ غصص الحرمان، وعاش طفولة بائسة أودعت فی بواكیر حیاته قیماً سامیة مكنّت مسیرة حیاته التی اختلفت علیها أحواله قبضاً وبسطاً، وخفضاً ورفعاً، أن تطوی المراحل غیر ظلعاء ولا وانیة، ولعل استقرائه الدقیق، وإطلاعه الشامل، وحرصه على وقته الذی یضاهی حرص الشحیح على ماله، كفل له أن ینداح فی كل علم، ویستفیض فی كل حدیث، ومؤلفاته التی تفوق الإحصاء جسدت لنا بواقعیة وتجرد، الحال التی كان علیها عصره، وربما الشیء الذی یزید من قیمة هذا السجل الحی خلوه من التعقید والمعاظلة ، وبعده عن الحشو والإسفاف، والجاحظ الذی كان لا یبسط لسانه بأذی أو یطوی صدره بضغینة، إلا لمن أوغل فی معاداته، أو أمعن فی التعرض له، وسخریه الجاحظ التی أخذ بخلائقها أدباء العربیة، كانت طبع وجبلة، ساعد من صقلها، ونموها احتكاكه بالناس على اختلاف مشاربهم ودرجاتهم، إضافة لقبح منظره، ودمامة صورته، فأمیر البیان العربی وشیخ النقاد، لم یكن یرمی من وراء هذه السخریة اللاذعة سوی تقویم الأخطاء التی كان یزخر بها مجتمعه، ودفع الكآبة والملال عمن یطالع مجلداته التی استقصت غرائب المسائل، ونوادر الحكایات.
المصادر والمراجع:
1- أبوعلی،محمد بركات،سخریة الجاحظ من بخلائه (عمان:جمعیة عمال المطابع التعاونیة،ط2، 1402هـ/1982م).
2- بوملحم،علی، المناحی الفلسفیة عند الجاحظ (بیروت:دار الطلیعة للطباعة والنشر،ط2، 1988م).
3- التوحیدی،أبوحیان علی بن محمد،الإمتاع والمؤانسة،تحقیق:محمد حسن محمد إسماعیل (بیروت:دار الكتب العلمیة، ط1،1424 هـ/2003م).
4- الجاحظ،أبوعثمان عمرو بن بحر،البخلاء،تحقیق:أحمد العوامری،علی الجارم (بیروت: دار الكتب العلمیة،1422 هـ/2001م).
5- الجاحظ،أبی عثمان عمرو بن بحر،البیان والتبیین،تحقیق:فوزی عطوی (بیروت:دار صعب،ط1، 1968م).
6- الجاحظ،أبو عثمان عمرو بن بحر، الحیوان، تحقیق:عبد السلام هارون (القاهرة:مطبعة مصطفى الحلبی، د.ط، 1938م).
7- جبر،جمیل،الجاحظ فی حیاته وأدبه وفكره (بیروت:الشركة العالمیة للكتاب،د،ط، د،ت).
8- حسین، عبد الحلیم محمد،السخریة فی أدب الجاحظ (طرابلس:الدار الجماهیریة للنشر والتوزیع،ط1، 1397هـ/1988م).
9- خفاجی،محمد عبدالمنعم،أبوعثمان الجاحظ (القاهرة:دار الطباعة المحمدیة، د.ط، د.ت).
10- الخضری،محمد،محاضرات تاریخ الأمم الإسلامیة (القاهرة:مطبعة الاستقامة، ط4، 1987).
11- شلحُت،فیكتور،النزعة الكلامیة فی أسلوب الجاحظ (بیروت:دار المشرق،ط3، 1992م).
12- علی،كرد،عمرو بن بحر الجاحظ (سوسة:دار المعارف التونسیة،د.ط، د.ت).
13- عویضة،كامل محمد،الجاحظ الأدیب الفیلسوف (بیروت:دار الكتب العلمیة،ط1، 1413هـ/1993م).
14-القالی،أبو علی اسماعیل بن القاسم،الأمالی فی لغة العرب (بیروت:دار الكتب العلمیة،د،ط، 1398هـ/1978م).
15- القزاز،محمد سعد،الفكر التربوی فی كتابات الجاحظ (مصر:دار الفكر العربی،ط1، 1415هـ/1995م).
16- مبارك،زكی،النثر الفنی فی القرن الرابع (بیروت:منشورات المكتبة العصریة،د،ط،د،ت).
17- هدّارة، محمد مصطفى،الشعر العربی فی القرن الثانی الهجری (القاهرة:دار المعارف، د.ط، 1978م).


[ سه شنبه 21 اردیبهشت 1389 ] [ 11:05 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


فی البدء كانت الكلمة معلنة عن رصید من الكلمات تتحول عبر الزمن إلى فسیفساء روایة تترجم لغة القرن العشرین التی تمظهرت فی لغة المرأة المتنقلة من طقوس الحكی و السرد اللیلی إلى روعة الإبداع و التألیف النهاری، من السكون إلى الحركة، من الخمول إلى التأمل، من الطمأنینة الكاذبة إلى القلق الفكری المتوقد. فلم تعد المرأة ذلك الكائن الضعیف و البائس الذی یسلم بكل ما یقدم و یقدر له لأنها عوملت كأنثى فحسب. بل تحولت إلى أنثى / امرأة تتأمل كل ما یحیط بها و تتفاعل معه، و لتبلغ – فی نظرنا – أعلى درجات الوعی الذی تتحصن به فیكسبها قدرة على الكتابة والإبداع. فاكتسحت میدان الروایة و أنتجت فغیرت فخلقت أنماطا فنیة جدیدة من الكتابة و التعبیر، و تطرقت إلى مواضیع لم یسبق لها الخوض فی غمارها و لا حتى التفكیر فیها.

إن أهم ما یمیز مضامین تلك الروایات هو احتواؤها لما یعرف بـ: المسكوت عنه، أی أنها اخترقت الطابو المحرم علیها و على الرجل على حد السواء فولجت متاهة السیاسة و أغوار الجنس و غیاهب الدین.

یتحدد الخطاب الدینی داخل الروایات الأنثویة العربیة المعاصرة بإطار إشكالى ممیز تدور فی نطاقه إیدیولوجیا الحركات التحرریة النسویة الغربیة، و بالتالی ینبغی أن یفهم على أنه یشكل ركیزة أساسیة ضمن جملة المعاییر التی تقوم علیها تلك الحركات، و بالتالی فهو یشكل بؤرة مركزیة ممیزة داخل النسق الروائی المعاصر، إضافة إلى أنه یشكل محورا أساسیا بغیة الوصول إلى معنى جملة القضایا التی تثار ضمن تلك المتون الروائیة أو إیدیولوجیا الأنوثة السائدة هناك.

ینبنى النص السردی الأنثوی على مجموعة من الخطابات البارزة كالخطاب الثقافی و التاریخی والسیاسی، بید أن الخطاب الدینی یحظى بالنزر القلیل أمام تلك الخطابات، فالروائیة العربیة لم تول اهتماما كبیرا بهذا الخطاب على خلاف الرجل/الروائی ذلك أن " الروائی و المبدع فی آن واحد، تجاوز الأطر الدوغمائیة، ورسم لنفسه حدود المعرفة الدینیة المتجاوزة لمثل هذه المعایر و المقاییس، محاولا فی الوقت نفسه إنتاج مفهومه للدین، نابعا من واقعه التاریخی إضافة إلى تجربته الذاتیة." (1) بینما الروائیة المبدعة بقیت أسیرة هذه الأطر التی تتناولها بمفاهیم مغلوطة، ذلك أن هذه المفاهیم قد انبنت لدیها من خلال التعایش مع الأعراف الاجتماعیة التی حلت محل الدین – أی الأحكام الفقهیة التشریعیة – فضلت التجربة الدینیة لدیها مقتصرة داخل هذا الحیز الضیق و المغلوط، وبالتالی قد ترسخ لدیها الوعی بأن القیام بتجربة دینیة جدیدة لا یكون إلا بتحطیم تلك القیود وتجاوزها إلى الفكر التحرری الجدید المنجلی من منابع الحركة النسویة الغربیة بالدرجة الأولى والعربیة بالدرجة الثانیة.

و بهذا تسعى المرأة / الروائیة إلى أن تتحدى الأحكام الدینیة القائمة – و نقصد هنا الأحكام العرفیة ولیست الفقهیة – و تكسر قوانینها و تشریعاتها لتؤسس لها دینا جدیدا خاصا بها، تشرع فیه لتشریعاتها الأنثویة و تقیم من خلاله طقوسها الدینیة الجدیدة و تتمرد عبره على قوانین الدین والعرف و المجتمع بغیة بناء الذات و تأسیس امبراطوریة الأنوثة ترسخ من خلالها إیدیولوجیات جدیدة وفق ترانیم لغویة مغایرة. و من هنا یجوز لنا طرح الإشكال التالی:

كیف تجلى الخطاب الدینی داخل المتون السردیة الأنثویة ؟

بمعنى: كیف كرست الروائیة العربیة الخطاب الدینی كآلیة من آلیات التمرد و التغییر ؟؟

الخطاب الدینی / التقویض و المجابهة:

بعد أن امتدت تیارات الحركة النسویة الغربیة إلى بقاع الوطن العربی، فقد أینعت ثمارها ونضجت، و انتقلت المرأة العربیة من عالم الحجاب و الحریم إلى العالم الخارجی الحقیقی الذی كان بالنسبة لها مجرد حلم و نسج خیال، واستیقظ البركان النائم داخل المرأة من سباته بعد خمول، وبدأت المرأة بالتململ ثم الحركة ثم الفعل لتحقق الوجود الأنثوی داخل الحقل الاجتماعی عن طریق الكتابة و الإبداع.

إن تحقیق الوجود الأنثوی داخل مجتمع یقوم على نظام بطریاركی منذ آلاف السنین لأمر صعب إن لم نقل مستحیل، بید أن الأنثى قد حملت القلم و تخطت الألم و سعت مكابرة و مثابرة إلى تقویض الأعراف السیاسیة و الاقتصادیة و الاجتماعیة و الثقافیة و الدینیة السائدة، ذلك أن هته الأعراف هی نتاج بطریاركی قح، أسسها الرجل و رسخها بغیة خدمة أغراضه و میولاته. ولقد تظافر الدینی و السیاسی و توحدا معا بغیة إضفاء الصفة الشرعیة لهذا النظام و تدعیمه، وحین انتفضت الأنثى لتفكك قیودها فلقد توجب علیها أن تتحرر من الأغلال الدینیة – السیاسیة حتى تتمكن من إثبات وجودها كذات و كینونة، و لقد ركزنا على ثنائیة الدین / السیاسة لأنها ثنائیة متكاملة، فالدین یرتمی فی أحضان السیاسة بغیة تأسیس نظام شمولی (*)، و السیاسة تستعین بالدین لتستمد منه شرعیة وجودها و قیامها و حین یتلاقى ثالوث: الذكورة/الدین/السیاسة تقع الأنثى ضحیة للاستلاب، و بالتالی فقد ارتبط تجلی الدین كخطاب لمحاولة تقویض النظام السیاسی و هدم الأسس الاجتماعیة / الدینیة القائمة و هو ما تجلى فی روایة "نوال السعداوی" " موت الرجل الوحید على الأرض".

ینجلی الخطاب الدینی فی هذه الروایة كقناع للخطاب السیاسی الذی یندمج فیه و تكشف الكاتبة من خلاله ریاء المجتمع الذی یتمظهر بالتدین الكاذب الذی یتوقف عند حدود الشكل الخارجی: "ینهض و السبحة تتراقص بین أصابعه: سبحانه… سبحانه… سبحانه… ارتدى الجبة و القفطان و العمامة و هو یسبح، ثم سار بجسده النحیل المقوس الظاهر ناحیة الباب".(2) ذلك أن الدین فی العرف السائد هو التسبیح و لبس القمیص و إطالة اللحیة، هذا هو الدین، و هذا سلوك المتدین بامتیاز الذی یحتمی بریاء دینه (**) لیكرس تعالیم المجتمع البطریاركی القائمة على استلاب المرأة، و بالتالی فقد استعین بقناع الدین لتكریس هذا الاستلاب: "زوجة الشیخ حمزاوی كما قال لأبیها قبل الزواج لیست كالزوجات الأخریات. إنه الرجل القائم على الدین و الأخلاق، رجل التقوى و الصلاح فی كفر الطین، و زوجة هذا الرجل لا یصلح أن یراها أحد و لا یظهر من جسمها للأقرباء المقربین إلا الوجه و الكفان: تعیش معززة مكرمة فی بیته لا ترى الشارع إلا مرتین، مرة حین تخرج من بیت أبیها، و المرة الثانیة حین تخرج من بیت زوجها إلى مقبرتها" (3) فهنا تظهر المرأة –كذات و كیان – مجرد عورة و عبئ على المجتمع وبالتالی تحال من عالم الحیاة والوجود التی لا تساهم فعالیتها إلى عالم الدین و الممارسات العقدیة (كالصلاة و التسبیح) و التی لا تجیدها أیضا بحكم أنها تمثل: العورة و الضعف و العجز. و بما أن كل ضعیف عاجز یحتاج إلى قوی فاعل فقد تحولت الأنثى إلى ملكیة خاصة لـ: "الشیخ حمزاوی" رجل الدین الذی سیحتفظ بها فی بیته حتى تحمل فی نعشها إلى القبر الثانی الأبدی.

تتوافق ثنائیة الرجل/الدین إلى حد التطابق، فالشیخ "حمزاوی" رجل الدین الأول فی القریة الذی یحظى بهیبة و احترام أهل القریة بدءا بالعمدة إلى غایة الطفل الصغیر، و هو الرجل الذی یصطف و راءه كل الرجال وقت الصلاة، فیطیل الخطبة و الركوع و السجود حتى یستمتع بسلطة الأنا و تبعیة الآخر و خضوعه. هنا یتوافق الرجل مع الدین حین یستمد منه السلطة و الهیبة، وبهذا تبقى العلاقة بینهما قائمة مادام الغرض محقق و المنفعة منجزة، و بما أنا السلطة قد كرست قوتها لرجل الدین فقد اتحدت به و تحول رجل السلطة إلى إله یمثل فی شخص العمدة بعینیه الزرقاوین: "إنما هو وجه الله ذاته"(4) فتمازجت الهیبة الإلهیة بالقوة السلطویة لتجسد الظلم و البطش والفساد، فالعمدة هو الرجل الأول و الوحید على أرض كفر الطین، وهو ممثل الحكومة بیده الحل و الربط و هو مالك أغلب الأراضی بفلاحیها و ماشیتها و حتى نسائها، خاصة الفتیات الصغیرات اللواتی یتمتعن بالسذاجة و الجهل. إن العمدة هو الوجه الحقیقی للحكومة المستبدة التی تمعن فی قمع الشعب و تخویفه و تجویعه فكریا حتى تضمن سطوتها و استبدادها. و لإضفاء صفة الشرعیة على أعمالها فإنها تستعین بغطاء دینی یكمن فی شخصیة: "الشیخ حمزاوی" الذی یدعم الفساد والانحلال الأخلاقی حین یسعى إلى إحضار فتیات القریة إلى بیت العمدة بدعوى القیام بأعمال المنزل بینما یعدهن لإسعاد العمدة. و هكذا تتالت الضحایا كنفیسة التی ماتت بعد الولادة وزینب التی اعتقدت أنها حین تسلم جسدها للعمدة فإنها تسلمه لله.

ینطوی هذا التكاثف الدینی - السیاسی على خطاب مهیمن تسعى الكاتبة إلى تقویضه عبر فضح هذه الازدواجیة التمویهیة إبداع مفهوم جدید لله و السلطة عن طریق القتل: قتل العمدة/السلطة /الله: "ما إن اقترب منها حتى رأى ذراعها الطویلة ترتفع فی الهواء و فی نهایتها الفأس. قبل أن یسقط الفأس فوق رأسه لیهشمه، كان قد رأى عینیها و فقد الوعی من شدة الذعر."(5) لقد تم القتل و الإقصاء من طرف المرأة التی أصبحت تتمتع بوعی جدید یفضح الخطاب السلفی التمویهی و یفتح آفاق جدیدة لتأسیس خطاب دینی مغایر یراعى ثنائیة الذكورة/ الأنوثة لا ازدواجیة الذكورة/السلطة.

II- الخطاب الدینی / الوعی الجدید:

بعد أن نهضت المرأة العربیة المبدعة بوعیها الجدید، كان سعیها إلى تمزیق الأطر الصلبة للمركزیة الدینیة التی تتسم بضیق الأفق، و إلى القضاء على وحدانیة بعدها فی فهمها للأدب والفن والحیاة. و قد كان السبیل إلى ذلك عن طریق إبداع نصوص روائیة مثخنة بإیدیولوجیا الأنثویة.

یتمتع الخطاب الدینی بحضور نسبی داخل هذه التجربة الروائیة، و شكل رؤى اقتصادیة وسیاسیة و اجتماعیة و ثقافیة. غیر أن تشكل الرؤیة الدینیة لدى أغلب الروائیات العربیات قد تحددت بسیاق مثاقفة متفاعلة - و فاعلة نوعا ما - مع المفاهیم الفكریة و الفلسفیة المستوردة فی علب مغلفة باسم: الحركة النسویة الغربیة. فكانت المحاولات لتجسید هذا الوعی الجدید من خلال تحویل المفاهیم السائدة و خلق مفاهیم مغایرة تكشف فعل الوجود الإنسانی القلق بدءا بمفهوم "الله" إلى مفهوم الوجود و الكینونة. فالله لفظا و معنى هو:" فی معظم الحالات صرخة المضطهدین، و الله فی مجتمع یخرج من الخرافة هو العلم، و فی مجتمع آخر یخرج من التخلف هو التقدم. فإذا كان الله هو ما یقیم أودنا و أساس وجودنا و یحفظنا فهو […] الإرادة و الحریة. وإذا كان الله ما نلجأ إلیه حین الضرر، و ما نستعیذ به من الشر فهو القوة و العتاد و الاستعداد، كل إنسان و كل جماعة تسقط من احتیاجاتها علیه، و یمكن التعرف على تاریخ احتیاجات البشر بتتبع معانی الله على مختلف العصور" (6) هذا هو حال الإنسان على مر العصور بید أن أغلب الروائیات العربیات قد تخلین فی مسیرتهن التحرریة عن الله و فق هذه المفاهیم، و أسسن مفهوما جدیدا لله ألا و هو:

الله = الإنسان/الكینونة

و الإنسان لا یكون إلا إذا اشتمل الحریة و الإرادة و القوة، هنا تكمن الألوهیة التی تتعانق مع الكینونة الإنسانیة و هو ما نادت به الروائیة المغربیة "خناثة بنونة" فی روایتها: "الغد و الغضب" "قذفت برأیی: إننی أرفض هذا الإله… هذا الذی یقبل الریاء. فخرجت عن صمتها: / و هل تعتقدین حتما أن الإله هكذا ؟!. - و كیف أعتقته… هكذا عثرت علیه." (7) تطلق الكتابة هنا صرختها حین ترفض رفضا صریحا و قاطعا إله أبیها و عائلتها و صدیقتها سلمى، و ینطوی هذا الرفض على فوضى الإیدیولوجیا و تشتت الذات الأنثویة داخل مجتمع یتبنى الریاء بامتیاز، و لهذه كان لزاما علیها أن تؤسس إلاهها الخاص و دینها الخاص لتبحر عبره إلى قضایا الوجود و الحیاة، فتتیه البطلة فی غیاهب الفكر اللامحدود بعیدا عن الدین و المجتمع، لترسخ الحضور القوی و الوحید للأنا الأنثویة من خلال النظر إلى الحیاة بعیون البطلة "هدى" حین تطرح آراءها الذاتیة و تصوراتها الخاصة، فتكشف الواقع و تفضحه، و تنقد و توجه خاصة حین تعری المركزیة الدینیة المرتبطة بأحكام الفقه المتزمت - حسب رأیتها - الذی ینحصر فی الوعظ و الإرشاد دون السعی إلى الارتباط بالعلوم و مواكبة تحدیات العصر و هو ما تجلى فی حوار البطلة مع الإیمان: "هذا إمام كبقیة الأئمة و ماذا یعرف إمام مسجد أن یقول؟ […] كان یبدأ فی اتخاذ دوره. الوعظ والإرشاد بشكل منحط، و لكنی لم أكن مسجدا و لا مصلین، فقاطعته: ماذا تستطیع أن تقول لی عن الأدیان… عن الإیمان بالغیب فی عصر التحدیات المادیة؟ لكن الأئمة یصلون مع مصلین معینین، أما أن یحاوروا الفكر فغالبا لا […] / ماذا یستطیع الدین فی عصر العلم؟ (8) تمثل فی شخصیة الإمام التیارات الدینیة السلفیة التی تتشبث بالمركزیة الفقهیة التراثیة المتقوقعة فی براثن الماضی الصالح، فجاء الخطاب الدینی مرصعا بمصطلحات صارمة و جازمة:" علیك اللعنة/كافرة/أعوذ بالله" (9). لقد انحصر الخطاب الدینی الآنی عند حدود التكفیر و التسبیح و لم یسع إلى مواكبة علوم العصر، و خاصة علوم الإنسان كالفكر و الفلسفة اللذین یحققان الوجود الحقیقی للإنسان، و بهذا فإن:

الدین = العجز و العقم.

و هنا تجدر الإشارة إلى أن المقصود لیس الدین كتعالیم و تشریعات، بل ممثل هذا الدین الذی یكمن فی شخص الإمام الذی تدینه الكاتبه باسم كل من یعیش عصر التطور و العولمة: "تكتلت جهود كثیرین… كل أولئك الذین سرقت منهم وسیلة حركتهم، لیفجروا المسرحیة عن إدانة الإمام… الشیخ الحمداوی نفسه!."(10)

إن إدانة الإمام هی إدانة للخطاب الدینی المعاصر الذی یتسم بالعجز و اللافعالیة فی عصر صراع الحضارات و تقاتلها و ما كان للمبدعة إلا أن تطلق استغاثتها: "یا أصوات الدین انفضوا الغبار عن حناجركم." (11)

فهل من مجیب ؟؟

الخطاب الدینی / آلیات التجدید و منطق المسالمة:

اعتمدت الروائیة العربیة على الخطاب الدینی كآداة لتغییر منطلقاته و تجدید آلیاته (***)، و كما سبق و ذكرنا فقد زاوجت بینه و بین الخطاب الإیدیو-سیاسی و السوسیو-ثقافی، و لم تكتف المبدعة بهذا فقط، بل سعت إلى إحداث زلزلة فی عالم اللغة إذ یتكاثف الخطاب الدینی العرفی مع السلطة الذكوریة لتكبیل المرأة و تحدید وظائفها و دورها فی الوجود و المجتمع، و لأجل هذا فقد احتمت المرأة بالكتابة التی تأخذ بعدا سلطویا ضد الدین و الموروث و الثابت و بالتالی كانت الدعوة إلى القیام بثورة لغویة و تخطی المألوف و نقده مع السعی الحثیث إلى التجدید المتواصل لأن: "التجدید لا یحدث من المؤسسة بل من أفراد یخرجون منها و علیها، و المؤسسة لا تؤهلهم لهذا الخروج بل إنها تعرض معارضتها لهم، و الخروج لیس سوى وعی شقی طامح لما هو أبعد وأرقى، ولكن على أكتاف المؤسساتی العرفی."(12)

تسعى المرأة إذن إلى التجدید و التغییر، فبید أن هذا التغییر لا یمس الدین فی حد ذاته، بل هی ترفض الأحكام الدینیة المكبلة بالأعراف الاجتماعیة و تهاجم أشكال الممارسات الدینیة الخاضعة للوصایة البطریاركیة، بمعنى آخر: تتصالح الروائیة العربیة مع الدین الذی ترى فیه مرتعا للأمان والاستقرار النفسی فتصرح بطلة "ذاكرة الجسد" و تعلن: "كیف تسمی الدین رواسب، إنه قناعة، و هو ككل قناعاتنا قضیة لا تخصنا سوانا… لا تصدق المظاهر أبدا فی هذه القضایا. الإیمان كالحب عاطفة سریة نعیشها وحدنا فی خلوتنا الدائمة إلى أنفسنا. إنها طمأنینتنا السریة، درعنا السریة.. و هروبنا السری إلى العمق لتجدید بطریاتنا عند الحاجة."(13)

تحتمی الشخصیة البطلة "حیاة" بفكرة الدین الذی حورت آلیاته عن طریق التشدق بألفاظ مغایرة و متمایزة و ینجلی ذلك حین تربط الإیمان بالحب، و الطقوس الدینیة بالخلوة الدائمة والطمأنینة السریة. یترادف عند "حیاة"/"أحلام" الدین بالطمأنینة الذاتیة لا بالاعتماد على آلیة رد الظواهر إلى مبدأ واحد، و هی بهذا تسعى إلى تأسیس فكر جدید عبر لغة جدیدة لأن: "التجدید عن طریق اللغة لیس عملا/شكلیا بل هو عمل یمس المضمون فی إعطائه أكبر قدر ممكن من القدرة على التعبیر والكشف عن كل إمكانیاته."(14)

و مقابل السعی لتأسیس لغة جدیدة، نجد معاداة واضحة ومعلنة للتراث القومی و الأفكار السائدة: "أما الذین یبدوا علیهم فائض من الإیمان فهم غالبا ما یكونون قد أفرغوا أنفسهم من الداخل لیعرضوا كل إیمانهم فی الواجهة لأسباب لا علاقة لا بالله."(15) نشهد هنا قطیعة ثقافیة -معرفیة مع التیار السلفی الأصولی الذی یتشبث بفتات الماضی و شذرات التراث الإسلامی و التی تتمثل فی: اللباس و اللسان (أی اللبس القصیر و التسبیح الجهری). هنا تحاول المبدعة أن تخلق مفهوما جدیدا للتدین ألا وهو تدین الروح و النفس لا تدین المظهر الخارجی، و قد استوحت المؤلفة هذه الأفكار من الحركة النسویة الغربیة، ذلك أن تلك الحركة تتبنى الدین كقیمة لإعلاء ذات المرأة و ترسیخ وجودها دون أن یكون عائقا أمام حریتها و مانعا لتحقیق كینونتها. وفی حال ما كان عائقا – أی الدین – حینها یمكن التخلی عنه و تأسیس دین جدید یتسم بالذاتیة و الحریة.

الخاتمة:

حظی الخطاب الدینی فی الروایة العربیة الأنثویة بحضور نسبی، ذلك أنه ارتبط بمختلف الخطابات ولم یتأسس كخطاب قائم بذاته، إذ أنه كان أداة ضمن جملة الأدوات التی سخرتها المرأة لتكسیر القیود و الحواجز الوهمیة المسیجة بالطابو، و أولى هذه الحواجز هو الدین اعتقادا منها أنه العقبة الأساسیة، بید أن الروائیة العربیة قد عجزت وفق هذه المغالطات الفكریة التی تتبناها كقناعات عن تأویل الخطاب الدینی إلى إیدیولوجیا مع أن هذا هو هدفها الأساسی و بقیت إیدیولوجیا الأنوثة هی المهیمنة على أغلب تلك الروایات، أی أن الروائیة العربیة كانت و مازالت تتمتع بعلاقة مضطربة مع الدین فجاء الخطاب الدینی لدیها إما مبتورا أو مغلوطا. و فی رأیینا الخاص یتوجب على الروائیات العربیات أن یفهمن الدین كخطاب و تشریعات فهما صحیحا لأنه هو مرتع الأمان و الحریة لا الحركات التحرریة الغربیة.

التهمیش:

(1) عبد الوهاب بوشلیحة: إشكالیة الدین- السیاسة – الجنس فی الروایة المغاربیة (1970م-190م)، أطروحة دكتوراه، جامعة عنابة 2003-2004. ص 47.

(*) مثال: الخلافة الإسلامیة: نظام سیاسی قام بفضل ظهور الدین الجدید- أی الإسلام فی شبه الجزیرة العربیة.

(2) نوال السعداوی: موت الرجل الوحید على الأرض، دار الآداب، بیروت، ط6، 1999م. ص:48.

(**) هنا ینطوی مفهوم الدین حول الحكام التشریعیة المستمدة من أعراف المجتمع الذكوری و لیست الأحكام الفقهیة الأصلیة.

(3) المصدر نفسه. ص: 49.

(4) المصدر نفسه. ص: 164.

(5) المصدر نفسه. ص: 206.

(6) حسن حنفی: التراث و التجدید: موقفنا من التراث القدیم، المؤسسة الجامعیة للدراسات و النشر و التوزیع، لبنان، ط5، 2002م. ص: 113.

(7) خناثة بنونة: الغد و الغضب، منشورات وزارة الثقافة، (د.ط)، 2006م. ص: 150.

(8) المصدر نفسه. ص: 233/234.

(9) المصدر نفسه. ص: 234.

(10) المصدر نفسه. ص: 252.

(11) المصدر نفسه. ص: 233.

(***) اعتمدنا على التحدیدات التی وضعها "نصر حامد أبو زید" فی كتابه: "الخطاب الدینی: زؤیة نقدیة..، دار المنتخب العربی، بیروت، ط1، 1992م". و هی خمس آلیات: آلیة التوحید بین الفكر و الدین، آلیة رد الظواهر إلى مبدأ واحد، آلیة الاعتماد على سلطة السلف، آلیة الیقین الذهنی و الحسم الفكری، آلیة إهدار البعد التاریخی. أما المنطلقات فهما اثنتین: إهدار السیاق التاریخی: مبدأ الحاكمیة، إهدار السیاق الثقافی: النص الدینی و تفسیره.

(12) عبد الله محمد الغذامی: حكایة الحداثة فی المملكة العربیة السعودیة، المركز الثقافی العربی، بیروت- الدار البیضاء، ط3، 2005م. ص:85.

(13) أحلام مستغانمی: ذاكرة الجسد، منشورات أحلام مستغانمی، ط22، 2007م. ص: 240.

(14) حسن حنفی: التراث و التجدید: موقفنا من التراث القدیم. م. س. ص:111/112.

(15) أحلام مستغانمی: ذاكرة الجسد، م. س. ص: 240.



[ شنبه 18 اردیبهشت 1389 ] [ 17:27 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


الملخص

الرثاء هومن أهمّ الأغراض الشعریّة فی الجاهلیة. فهوكالمدح إلّا أنّ هناك قرائن تدلّ على أنّه فی المیّت أوالقتیل،بعبارة أخرى أنّ الرثاء هوموطن العاطفة الحزینة یصف فیه الشاعر الجاهلی المرثی بجمیع الصفات التی یصف بها الممدوح. ولا شكّ أنّ العاطفة عندما كان الرثاء فی الأقرباء أصدق منها فی غیرهم. فلذلك نجد الشاعر یباشر بالرثاء عند رثاء الأقرباء دون أن ینهج المنهج المعروف للقصیدة الجاهلیة،فیرثی دون أن یقف على الأطلال ویصفها، ودون أن یبكی أویستبكی لسیطرة العاطفة الحزینة علیه. وهوفی رثائه یستخدم الأسالیب المختلفة من إستفهام واستثناء ونداء وما إلى ذلك للتقریر أوالتهدید أوالحسرة أوالتعطیم للمرثی.

الكلمات الدلیلیة: الأغراض الشعریة، الرثاء، العاطفة الحزینة، المهلهل.
المقدمة

یعتبر العصر الجاهلی من أغنى العصور الأدبیة عند العرب شعراً. فله أثر كبیرفی هیكلیة الشعر فی العصور التالیة له شكلاًومضموناً. أمّا من حیث الشكل فنسج للشعر العربی نسیجاً شكلیاً خاصاً فرض نفسه على عاطفة الشاعر العربی طوال القرون المتمادیة وشكّلت فیه ذائقة شعریة رافضة لغیرها من أشكال البیان العاطفی. فاحتبس الشاعر الجاهلی فی ذائقته المفروضة علیه.فلم یستطع الخروج علیها فأصبح الشكل میزاناً لتمییز جیّد الشعرمن ردیئه وقبیحه. ثمّ أتى فیما بعدجیل من الدارسین بینهم خلیل بن أحمد الفراهیدی كشف الأوزان العروضیّة التی عرفت فیما بعد بالأوزان الفراهیدی فالأبیات بموسیقاهاالخاصةتتصل بعضها بالبعض بموسیقى آخرىجانبیة تشكّلـها القافیة التی تتمیز بها كل قصیدة من أخرى بل تسمّى كلّ قصیدة بحرفها الأخیرة.امّا من حیث المضمون فكان الشاعرالجاهی یبدأ قصیدته بذكر الحبیب ومنزله ووصف آثاره وصفاً دقیقاً،ثمّ یخلص إلى وصف ناقته التی تنجیه من أحزانه وآلامه. فیصورها للقارئ أرجلها وأیدیها وضمور بطنها وصلابة فقراتهاوإستطالة وجهها وكثرة أسفارها. ثمّ یعرض غرضه الرئیس فی القصیدة.

والشاعر كما قیل هولسان قومه وقبیلته یوذّع مناقبها یدافع حریمها مادحاً أبطالها یهجوأعداءها یرثی موتاها وقتلاها یفخر بمناقبها، فیرفع شأن من یرید ویخفض بمنزلة من یعارضه.كما أنّه هوالذی یشجّع الأبطال للقتال ویقوّیهم بأبیاته ویهزم الأعداء بتمزیق شوكتهم.فهورایة القبیلة وسیفها القاطع.

والرثاء هی من الأغراض الرئیسة التی تناولها الشاعر الجاهلی. فهوعند الرثاء إمّا یبدأ القصیدة بمنهـج الجاهلی المعروف وإمّا یباشر فیها بالرثاء لطغیان عواطفه وتسلیمه أمام مشاعره دون مراعاة للأسلوب السائد على القصیدة آنذاك. إذن دراسة الرثاء كغرض من الأغراض الأصلیة للشعرالجاهلی هی دراسة توضّح البیئة الجاهلیة وتبیّن منهج الشاعروتبرز أنواع الرثاء والمرثیین والصفات ممدوحة بها. ونحن فی هذا المجال ندرس هذا الغرض دراسةإجمالیة یشمل عدداًمن الشعراء الجاهلیین كلبید بن ربیعة،ودرید بن الصمة، ومن الشواعر الخنساء وسعدى بنت الشمردل وغیرهم من الشعراء.
الرّثاء فی العصرالجاهلی

الرِّثاء لغة من رَثَی ؛رَثْیاً ورثاءًورثایةً ومرثاةً ومرثیةً،ورثى المیّت أی بکاه بعد موته وعدّد محاسنه.واصطلاحاً «هوبکاءالمیّت والتّفجع علیه وإظهار اللّوعه لفراقه والحزن لموته وعدّ خلاله الکریمة ». [1] وهوعندعرب البادیة «کان تشییع المیّّت بمشی الأقارب خلف الجنازة حفاة وبحلّ النساء شعور هنّ وتلطیخ رﺅوسهنّ بالرّماد وقد یحلق النّساء رﺅوسهنَّ حزناً علی المیّّت ». [2] امّا الرثاء فی الأدب فهو" الشعر الذی یعبّر فیها الشاعر عن الحزن واللوعة، الّتی تنتابه لغیاب عزیز فجع بفقده، بتعداد مناقبه والإشاده بمآثره والتوجع علیه، وتتردد فی الرثاء صولة الموت وسلطان الفناء، ویتضمن ابیاتاً حكمیة تدعوالى الإعتبار والزهد. [3]

والشّاعرالجاهلی کان یتّبع فی رثائه المنهج الشعری الجاهلی المعروف أحیاناً ویدخل فی الرّثاء مباشرة أحیانا أخری.ففی اتّباعه المنهج الشعری الجاهلی کان یقف علی الأطلال وبقایا منزل الحبیب. فیبکی ویسائل الأشیاء عن حبیبه. ثمَّ لکی ینسی ألمه ینتقل إلی الصّحرا ء بالرّکوب علی جمل قویّ سریع یشبه حمار الوحش. فیصف ما تقع علیه عیناه. ثمّ یدخل فی الرّثاء. وهذه طریقة نجدها فی قصیدة للنّابغة الذّبیانی فی رثائه النّعمان الغسانی ومستهلّها:

    دَعاکَ الهَوی وَ اسْتَجْهَلَتْکَ المَنازِلُ
    وَکَیْفَ تَصابی المرءِ و َالشَّیبُ شامِلُ؟
    وقَفْتُ بِرَبْعِ الدّار ِ، قَدْ غَیَّر البِلی
    مَعارِفَها ، وَ السّاریات الهَواطِلُ

 [4]

والغالب أنّه کان یدخل الرّثاء مباشرة لحزنه الشّدید وللتّموّجات العاطفیّة الحادّة فی نفسه ممّا کانتْ تضیق علیه المجال علی متابعة المنهج المعروف. فتجری الكلمات فی مجرى عاطفی حزین فیستهلّ رثاءه بما یظهر من حزنه، فیزیده ذكر المرثی حزناً على حزنه ودموعاً على دموعه، فتطول له اللیالی، فیصرخ الشاعر بتفجّعه فی مستهل القصیدة کما یقول المهلهل:

    أهاج قَذَاءَ عینی الاذّکارُ
    هدوءًا فَالدّمُوعُ لها انحِدارُ
    هدوءًا فَالدّمُوعُ لها انحِدارُ
    كأنّ اللیل لیس له نهار

 [5]

    وکما یقول المهلهل :
    کُلَیبُ لا خیرَ فی الدنّیا ومَنْ فیها
    إنْ أنتَ خلّیتَها فی مَنْ یُخَلّیها
     [6]

إلّا أنّ العاطفة كما مضى تسود على الشاعرأحیاناً.فهویبدأ القصیدة بعتاب من یعاذله،فلا یستطیع الصبرعلى اللائم. فیعظّم شأن المرثی. فعلى سبیل المثال یقول درید بن الصمة مخاطباً من یلومه فی رثاء أخیه:

    أعاذلتی كلّ امرء وابن إمّه
    متاع كزاد الراكب المتزوّد
    أعاذل إنّ الرزء فی مثل خالدٍ
    ولا رزء فی ما أهلك المرءعن ید
     [7]

فیواصل العتاب ثمّ یعدّد مناقب المرثی حتى ینتقل إلى أبیات یصوّرفیها عاطفته الجیّاشة قبال أخیه قائلاً:

    تنادوا وقالوا أردَت الخیل فارساً
    فقلت : أعـبد اللّه ذلـك الـردی
    فجئتُ إلیـه والرماح تنوشـه
    كوقع الصیاصی فی النسیج الممدّد
    وكنت كذاك البوّ وریعت فأقبلت
    إلى جَلَد من مسـك سقـبٍ مقدّد
    فطاعنت عنه الخیل حتّى تنفّست
    وحتّى علانی حالك اللـون أسود
     [8]

كما أنّ الشاعر یرى قتل المرثی ظلماً وجنایة لایدرك كنهها،فیعدد مناقب المرثی ثمّ یهدّدالقتلة مثل ما نجده فی قول المهلهل:

    قل لبنــی ذهلٍ یردّونه
    أویصبروا للصّیلم الخنفقیق
    فقد تروّوا من دم محـرّمٍ
    وانتهكوا حرمته من عقوق
     [9]

    أمّا أسلوب الشاعر الجاهلی فهویتنقّل بین النداء والإستثناء والتكرار والإستفهام. فیستخدم الشاعر النداء أحیاناً لبیلن حزنه وألمه كما نراه فی قول لبید حیث یقول:
    یا عینِ هلّا بكیت أربد إذ
    قمنا وقام الخصوم فی كبد
    یا عینِ هلّا بكیت أربد إذ
    ألوت ریاح الشتاء بالعضد
     [10]

كذلك یأتی النداء لعتاب اللائم ولبیان مكانة المرثی وتعظیمه والمبالغة فی شدة ما أصاب الشاعر مثل ما مضى من قول درید إبن الصمة فی رثاء أخیه :

    أعاذلتی كلّ امرء وابن إمّه
    متاع كزاد الراكب المتزوّد
     [11]
     
    وربّما یستخدم النداء لتهدید القاتل كما یخاطب المهلهل قاتل أخیه قائلاً:
    یا أیّها الجانی على قومه
    جنایة لیس لها بالمطیق
     [12]

فإنّ إستخدام النداء كما ترى فی المثالین السابقین یعطی للشعر حیویّة تجرّ القارئ لیواسی الشاعر فی مصیبته ویشاركه فی أحزأنه وآلامه لإلقاءالوحدة الزمانیة بین الشاعر ومخاطبیه للشعور بأنّ المنادى حاضر فی مرأى القارئ. إضافة إلى ما مضى فإنّ الشاعر یستخدم النّداء أحیاناً لإستحضار الغائب والإلتذاذ بذكر المرثی، فیخاطب المیت أوالمقتول فكأنّه حاضر أمامه وینادیه ویستلذّ بتخاطبه. فالأبیات التالیة من المهلهل یزیدك شعوراً بصراخ الشاعر حزناً لإستحضار أخیه المقتول والإلتذاذ بإسمه حیث قول:

    دعوتك یا كلیب فلم تجبنی
    وكیف یجیبنی البلد القفار؟
    أجبنی یا كلیب خلاك ذمّ
    ضنینات النفوس لها مزار؟
    أجبنی یا كلیب خلاك ذمّ
    لقد فجعت بفارسها نزار
     [13]

فمناداة الشاعر المرثی مرّتین بعد فعلین أمرین یخاطب بهما إجابة أخیه مطالبة المسترحم الملحّ توضّح عاطفته الفائرة التی تغلّب علیه فخضع الراثی لها خضوعاً لا بدّ منه. كذلك یشعر القارئ بآهات الشاعروعاطفته الحزینة عندما ینادی المرثیّ الغائب الحاضر فی قلبه كما ترى فی الأبیات التالیة:

    كلیب لا خیر فی الدنیا ومن فیها
    إن أنت خلّیتها فی من یخلّیه
    كلیب أیّ فتی عزّ ومكرمة
    كلیب أیّ فتی عزّ ومكرمة
     [14]

إضافة إلى أسلوب النّداء فالشاعر یستخدم أسلوب الإستثناء للتأكید أوالحصر. فالإثبات بعد النفی فی الإستثناء یقرّرالصفة أوالموصوف فی نفس السامع إلى جانب ما فیه من التأكید. والذی یزید المعنى تقریراً فی النفوس هوالتكرار لأسلوب واحدٍ كما یلی:

    ما النّاس إلّا الدّیار وأهلها
    بها یوم حلّوها وغدواً بلاقع
    وما المرء ألّا كالشهاب وضوئه
    یحور رماداً بعد إذ هوساطع
    وما البرّ إلّا مضمرات من التّقى
    وماالمال إلّا معمرات ودائع
    وما المال والأهلون إلّا ودیعة
    ولا بدّ یوماً أن تردّ الودائع
    وما النّاس إلّا عاملان فعاملٌ
    یتبّر ما تبنی و آخر رافع
     [15]

والتكرار یقع أحیاناً فی النّداء كما رأیت فی الأمثلة الواردة سابقة كما یقع فی ذكر إسم المرثی تعظیماً له وحسرة لفقدانه :

    على أن لیس عدلاً من كلیب
    إذا خاف المغار من المغیر
    على أن لیس عدلاً من كلیبٍ
    إذا طرد الیتیم عن الجزور
    على أن لیس عدلاً من كلیبٍ
    إذا ما ضیم جار المستجیر
     [16]

ویقال أنّ الشطر الأوّل یتكرّر عشرین مرّة [17] ممّا یدلّ على خضوع الشاعر لغلیان عاطفته وعلى الإشارة إلى أنّ المرثی لا یقارن به أحد شأناً ومنزلة.

    كما یأتی الشاعر بالإستفهام لبیان شدّة تفجّعه بفراق المرثی ومبالغته فی ذكرمناقبه كما نجد فی البیتین التالیین للمهلهل حیث یقول :
    أ تغدویا كلیب معی إذ ما
    جبان القوم أنجاه الفرار ؟
    أ تغدویا كلیب معی إذ ما
    حلوق القوم یشحذهاالشّفار ؟
     [18]

فیشكوالشاعر من غربته بعد المرثی، فیجمع بین إستفهام ونداء وطباق لیجمع بین عذاب الفراق وإلتذاذ بذكره واستحضاره وشجاعته ولتأكید ألمه وحسرته له. كذلك إنّ الإستفهام یستخدم لتقریر أنّ العمر یمرّ وینتهی إلى النّقصان والضعف ولبیان أنّ الموت شامل لا مفرّ منه وهذه لتعمیم المصیبة وتنفیس المصاب وارتیاحه كما یقول لبید فی رثاء أربد:

    ألیس ورائی إن تراخت منیّتی
    لزوم العصا تحنی علیه الأصابع
     [19]
    ویقول أیضاً:
    أتجزع ممّاأحدث الدّهر بالفتى
    وأیّ كریم لم تصبه القوارع
     [20]

وکان الشّاعر الجاهلی فی رثائه یصف المرثیّ بجمیع الصّفات الفاضلة ویخلع عنه ما یعیبه من الصّفات. یقول فی ذلک بطرس البستانی : « هم یصفون المیّت بجمیع الفضائل الّتی یفاخرون ویمدحون بها ». [21] فنجد لبید بن ربیعة یقول فی أخیه أربد راثیاً:

    أشْجَعُ مِنْ لَیثِ غَابةٍ لَحِمٍ
    ذُونَهْمَةٍ فی العُلاوَ مُنْتَقَد
     [22]
    وکذلک قوله :
    حُلوًّ کریمٌ وَ فی حَلاوَتِهِ
    مُرٌ لطیفُ الأَحْشاءِ وَ الکَبَدِ
     [23]

فکما تشاهد أنّ الشاعر یصف المرثیّ بالشَّجاعة والآمال البعیدة العالیه وحُسن الخُلق وبأَنّه مکرم أصدقائِه ومخوّف أعدائه. والشاعر الجاهلی یصف المرثی بصفات أخری کالحلمِ والهیبة:

    حَلیمٌ إذا ما الحِلْمُ زَیَّنَ أهلَهُ
    مع الحِلْم فی عینِ العدوِِّ مَهیبُ
     [24]

والمرثی عند الشاعر الجاهلی نحیل الجسم مندرس الثّوب لا من فقر ؛ لأنّه فی سعة العیش بل من رجحانه الآخرین علی نفسه، فهوزاهد جواد فی فقره وبؤسه لا فی الغنی فقط. کما یقول درید بن الصِّمة:

    تَراه خَمیصَ البَطْنِ وَ الزّادُ حاضرٌ
    عتیدُ ویَغْدُوفی القَمیصِ المقَدَّدِ
    وإنْ مَسَّهُ الإقواءُ والجهدُ، زادَه
    سَماحَاً وَ إتْلافاً لِما کانَ فی الیَدِ
     [25]

کما یصف الشاعر الجاهلی المرثیَّ بأنّه لم یکتسب الفضائل طوال حیاته، بل هی طبیعة لمرثیّه:

    الحزمُ وَالعَزمُ کانا مِن طَبائِعِه
    ما کلُّ آلائِهِ یا قومُ أُحصیها
     [26]
    ویعدّ الشاعر فضائل المرثی ویتذکّره،فلایقدرأن ینام:
    أ لیلتَنا بِذی حُسْمٍ أَنَیری
    إِذاأنتِ انْقَضَیْت فَلا تَحوری
     [27]

فثثقل علیه هذه المصیبة،فلا یستطییع أن ینساه،فیبکی حتّی تأتیه المنیّة کماتقول الخنساءفی رثاء أخیها صخر:

    فَلا وَاللهِ لا أَنْساکَ حتَّی
    أُفارِقَ مُهْجَتی وَیشقَّ رَمْسی
     [28]
    وتقول:
    وَسَوفَ أَبکیکَ ماناحَتْ مَُطَوَّقَةٌ
    وماأََضاءَ تْ نُجُوم اللَّیلِ للسّاری
     [29]

    فلا تقدرأن تتحمّل فراق أخیها المتخلّق بالأخلاق الکریمة والفضائل العالیه الّتی مدحته بها،فموته أعظم مصیبة راها الإنس والجنّ:
    فَلَمْ أَرَمِثْلَهُ رُزْءً لجِنٍّ
    ولَمْ أَرَمِثْلَهُ رزءً لإنْسِ
     [30]

ولم تكن الخنساء هی الوحیدة فی رثاء أقربائها. فنجد غیرها من الشواعر اللاتی فجعن بموت أخوتهنّ وآبائهن فرثینهم، كرثاء سعدى بنت الشّمردل الجهینة لأخیها فی قولها:

    أ من الحوادث والمنون أروَّعُ
    وأبیت لیلی كلّه لا أهجعُ
    وأبیت مخلیة أبكّی أسعداً
    ولمثله تبكی العیون وتهمع
    إنّ الحوادث والمنون كلیهما
    لا یعتبان ولوبكى من یجزع
     [31]

فحزن الشاعر الجاهلی بعد ممات المرثی یجعله أن لا یری خیراً فی الحیاة بعده ویدعوألّا تطول حیاته :

    فإنْْ تَحْیَ، لا أَمْلَلْ حیاتی وإنْ تَمُتْ
    فما فی حیاةٍ بعدَ مَوتِکَ طائِلُ
     [32]

ویصف الشاعر الجاهلی قومه بالعزّ وعدم الخضوع أمام الظّلم. وأحیاناً یسیطر علیه العصبیة الجاهلیة، فیرى الإغماض عن الأخذ بالثأر ذلّاً لقومه فیحرّض بذلک قومه :

    أقولُ لتغلبٍ والعزّ فیها
    أََثیروها، لذلِکُمُ إنْتصارُ
     [33]

ویهدّد احیاناً قوم القاتل ویرید منهم تسلیم القاتل إلیهم. فإن لم یفعلوا ذلک لا بّدَ من القتال بینهم. کما أنّه یری أنفسهم مستحقّین للموت لولم یأخذ واثأر المقتول منهم :

    قُلْ لبنی ذُهْلٍ :ییردّونَه
    أویَصبِروا للصَّیْلَمِ الخَنْفَقیقْ
    إنْ نَحْنُ لَمْ نَثْأَرْ به فَاشحَذُوا
    شفارَکم مِنّا لحزِّ الحُلُوقْ
    غَداً نُساقی- فَاعْلَموا –بَیننا
    أَرْماحنَا مِنْ قاِنی ءٍ وکالرَّحیقْ
     [34]

وبعد أنْ یحزن الشّاعر الجاهلِِی لموت المرثیّ ویهدّد قاتلیه فیتعهّد ألاّ ینتقل إلی المللّذات والغانیات والخمر وَأنْ لایَخلع درعَه وسیفَه حتّی یأخُذ ثأرَه، کما یقول المهلهل:

    خُذْ العهدَ الأَکیدَ علیَّ عمری
    بِتَرکی کلَّ ماحَوَتِ الدِّیارُ
    وَهِجریَ الغانیاتِ وَشُربَ کأسٍ
    وَ لُبسْی جبّةً لا تُسْتَعارُ
    ولستُ بِخالعٍ دِرعی وسَیفی
    إلی أنْ ییخْلَعَ اللیلَ النَّهارُ
     [35]

ثم إنّ النظرة العابرة إلى ما وصل إلینا من الرثاء توضّح لنا أنّ الرثاء هومحطّ الحكمة العقلیة حیناً والعاطفة الجیّاشة حیناً آخر، كما نجد أحیاناً أنّ العاطفة تتخلّل الحكمة فتمزج الصلابة بالرقّة. فالشاعر إذا كان ذا شخصیّة متأمّلة فی الحیاة یغلب علیه العقل فیبرّر الشاعر المصیبة بتجاریبه وتأمّلاته العقلیة ممّا یجعل شعره بعیداً عن العواطف أو ینقص مكانتها خلال الأبیات. فیتحدّث الشاعر عن الحیاة وما فیها من فقر وغنى وجزع وفرح وخسران وربح وشیب وشباب وعجز وقوّة. فلا یتكلّم عن شئٍ إلا ویأتی بضدّه تنفیساً لما أصابه وخلاصاً منه وتسهیلاً لمواصلة الحیاة وهذه حكمة ناتجة من تخاطب الإنسان مع الطبیعة توجد فلسفة جدیدة للحیاة. ومن الشعراء الجاهلیّن الذّین برزت الحکمة فی رثائهم بروزاً واضحاً هولبیدبن ربیعة. فهویرکزّ جلّ عنایته علی إعطاء الاعتبارات العامّة. فیتحدّث عن التغیرّ والتَّحوّل فی الدّنیا وعن أنّ ساکنیها جاؤوا قوماً بعد قوم حتّی استخلفنا هم :

    وَمَا النّاسُ إلاّ کَالدّیارِ وَأهلُها
    بِها یَومَ حلّوها وَ غدْواً بلاقِعُ
    وَیَمضُونَ أَرْسالاً وَنخلُف بعدهم
    وَ یَمضُونَ أَرْسالاً وَنخلُف بعدهم
     [36]

ویتذکّر المتوفّی ویذکر الموت بأنّه موعد لکل النّاس. فبعضهم ماتوا وبعضهم قریب من موتهم :

    فلا تَبْعَدَنْ إنَّ المنیّةَ مَوْعدٌ
    عَلینا فَدانٍ للطّلوعِ وَطالِعُ
     [37]

    والشاعر الجاهلی یأتی بالحكمة فی رثائه لیستخلص من همومه «إذا لم یجد سبیلاً إلی إدارک الثّأر، أوإذا أدرکه، أوإذا کان المّیت قضی غیر مقتول بمرض أوحادث طبیعیّ، فیعمد إلی تعزیة نفسه بذکر مصائب الدهر وفلسفة الحیاة والموت». [38]فیتحدّث عن الولادة والموت، ویراهما من طبیعة الحیاة. فکلّ ولادة یعقّبها موت لا مفرّ منه لأحد. فهویبرّز بهذا حوادث الدّنیا ومشاقها لیجعلها قابلة للتّحمل. فلذلک لا تفرحه طریفة ولا تؤلمه مصیبة:
    فَلا جَزِعٌ إنْ فَرَّقَ الدَّهرُ بَینَنا
    وَ کلُّ یَوماً بِهِ الدَّهْرُ جازِعُ
    فَلا أَنا یَأْتینی طَریفُ بُفَرْحَةٍ
    وَلا أَنا لَمَّا أحْدَثَ الدَّهرُ جازِعُ
     [39]

إلی جانب رثاء الشاعر غیره «قد عرف الشّعراء الجاهلیوّن ضرباً من رثاءِ الشاعر لنفسه عند ما یحسّ بدنوّ الموت، کرثاء الممزق العبدی لنفسه وتصویره لطقوس الموت الّتی ستجری علی رفاته من ترجیل لشعره ودرج جثمانه فی أَکنافه، ثمَّ لحده حیث یقول:

    هَلْ لِلْفَتی مِنْ بَناتِ الدَّهْرِمِن واقِ
    أَم هَلْ لَه مِن حِمامِ الموتِ مِنْ راقِ
    قد رجّلونی ومارُجِّلتُ مِن شَعَثٍ
    وَ ألبِسونی ثیاباً غیر أخلاقِ
    وَ أَرْسَلُوا فتیةً مِنْ خَیْرِِ همْ حَسَباً
    لِیَسْندوا فی ضَریح التّربِ أطباقی
     [40]

والشّاعر الجاهلی صادق العاطفة فی رثائه. فحزنه الشّدید واضح من خلال أبیاته خاصّةً إذا کان الرّثاء فی أحد الأقرباء. کما نجده عندالمهلهل حیث یرثی أخاه کلیباً:

    أَبتْ عَینایَ بَعْدَکَ أَنْ تَکُفّا
    کَأَنَّ غَضَا القَتَادِ لَها شِفَارُ
    کَأَنّی إذ نَعی النَّاعی کُلَیْباً
    تَطَایَر بَیْنَ جَنْبَیَّ الشَّرارُ
    فَدُرْتُ وَ قَدْعَشِیَ بَصَری علیه
    کما دارَت بِشارِبِها العُقَارُ
    سَأَلتُ الحَیَّ أَینَ دَفَنْتُمُوهُ
    فَقالُوا لی «بسَفحِ الحیِّ دارُ»
    فَسِرتُ إلیه من بلدی حَثیثاً
    وَطارَ النَّومُ، وَامْتَنَعَ القَرارُ
     [41]

فإذا قرأت قصائده فی رثاء أَخیه تجد أَنَّه یصوّر حزنه فی تفجعّ شدید کما فی القطعة السّابقة علینا،فتأبی عیناه من ألاّ تبکی، فتذرف الدّموع کأَنَّ شفارها غضا القتاد.وعند ما یسمع موت أخیه تطایر بین جنبیه الشّرار. فمن شدّة الحزن والبکاء لاینام، فیضطرب. ویکاد یفقد بصره.

ولا شکٍّ فی أنّ العاطفة تضعف لوکان المرثی من غیرأهل الشّاعر. فلا نجد حینئِذٍ التفجع فی رثائه کما نجده عندرثاء أقربائه. یقول فی ذلک بطرس البستانی:« إذا ابتعدت المراثی عن الأهل والأقرباء وخرجت إلی السادات والملوک الغرباء،کان شأنهاشأن المدح التّکسّبی، علی غیر آصرة صحیحة تربط الشاعر بالمیّت إلاّ ذکر أیادیه البیض علیه کرثاء النّابغة للنّعمان الغسانی حیث یقول:

    یَقُول رِجالٌ یُفکرونَ خَلیقَتی
    لعلّ زیاداً ، لا أبالک ، غافلُ
    غفلتی أنّی إذا ما ذکرتُه
    تحرّک داءٌ فی فؤادی داخلُ
    وإنّ تلادی إن ذکرتُ وَشِکََّتی
    وَ مُهری وَ ما ضَمَّتْ لدیََّ الأَنامِلُ
    حِباؤکَ وَ العِیسُ العِتاقُ کأنّها
    هجان المهی تُحدی علیها الرّحائلُ
     [42]

فلولا اقّترابه من النّعمان الغسّانی لشککنا فی جعل شأن رثائه شأن الملاح التّکسّبین – کما یقول البستانی- لقوله :« رجال ینکرون خلیقتی. ..» الّذی یشیرإلی رغبته فی رثاء النّعمان ولقوله :«إذا ماذکرته تحرّک داءٌ فی فؤادی داخلُ» الّذی یدلّ علی حزنه وأئمه. ولکن لا کحزن المتفجّع لفقیده. والرّثاء کغیره من الفنون الشّعریة الجاهلیة مرآة صادقة للحیاه الجاهلیّة. فالشاعر الجاهلی یصف مرثیّه بالتّحلّی بالأخلاقیّات مثل الشجاعة والجود والحلم والزّهد وغیرها، وقد استشهدنا فیما سبق لهذه الصّفات بالشّواهد الشّعریّة. وکذلک نجد فی الّرثاء من عاداتهم امتناعَهم من شرب الخمر ومعاشرتهم الغانیات وابتعاد هم عن الملذّات عند موت أحدأقربائهم.

ونجدأیضاً فی رثائهم أبیاتاً تدلّ علی معرفتهم ببعض المعارف کالعیافة والعرافة والنّجوم، کما أتی به لبید بن ربیعة فی رثاء أربد: لَعَمْرُکَ ماتَدری الضَّواربُ بِالحصی

    وَلا زاجِرتُ الطَّیرِ ما اللَّهُ صانعُ
    سَلُوهُنَّ إِن کذَّ بتُمُونی مَتی الفَتـی
    یَذُوقُ المَنایا أَم مَتی الغَیثُ واقِع
     [43]
    کما یقول:
    أخْشی علی أَرْبَدَ الحتوفَ وَلا
    أَرْهَبُ ذَوْءَ السِّماکِ ولأَسدِ
     [44]

فهذه الأبیات تدلّ علی أنّه کان منهم من یعتقد بالعیافة والعرافة ومن لایعتقد هما ویری أنّ الله هوالّذی تجری الأموربیده.
حواشی

[1] حسن جاد حسن، الأدب العربی بین الجاهلیة والإسلام، ص 147

[2] حنّا الفاخوری، الجامع فی تاریخ الأدب العربی، ص 146

[3] السید جعفر الحسینی،تاریخ الأدب العربی، الأدب الجاهلی، ص132

[4] دیوانه، ص 58

[5] السید احمد الهاشمی،جواهر الادب، ص 771

[6] فؤاد أفرام البستانی،المجانی الحدیثة، ج1،ص271

[7] نفس المصدر، ص317

[8] نفس المصدر، ص 318

[9] نفس المصدر، ص 270

[10] نفس المصدر،ص116

[11] المصدر السابق، ص317

[12] نفس المصدر، ص 269

[13] نفس المصدر، ص271

[14] نفس المصدر، ص272

[15] المصدر السابق، ص114

[16] نفس المصدر، ص 275

[17] أنظر الحاشیة من المجانی الحدیثة من فؤاد افرام البستانی، ج 1،ص 275

[18] نفس المصدر،ص272،

[19] نفس المصدر،ص115

[20] نفس المصدر،ص115

[21] بطرس البستانی، أدباء العرب فی الجاهلیة والإسلام،ص61

[22] دیوانه،ص51

[23] نفس الصدر

[24] لوئیس شیخو، شعراء النّصرانیّة،ً748

[25] لوئیس شیخو، شعراء النّصرانیّة،ً759

[26] المجانی الحدیثة،ج1،ص237

[27] نفس المصدر،ص274

[28] دیوانها، ص85

[29] نفس المصدر، ص89

[30] نفس الصدر،ص 84

[31] من الشعر الجاهلی، أحمد المراغی ص: 62

[32] النابغة الذبیانی، دیوانه، ص61

[33] المجانی الحدیثة، ج2، ص272

[34] المصدر السابق،ص270

[35] نفس المصدر،ص273

[36] دیوانه، ص88

[37] نفس المصدر، ص89

[38] أدباء العرب فی الجاهلیّة وصدر الإسلام، ص 63

[39] دیوان لبید، ص88

[40] السید جعفر الحسینی، تاریخ الادب العربی، الادب الجاهلی، ص 135

[41] المجانی الحدیثة، ج 1، ص 272

[42] أدباء العرب فی الجاهلیة وصدر الاسلام، ص 65

[43] دیوانه، ص 90

[44] دیوانه، ص 49




موضوع: العصر الجاهلی،

[ جمعه 17 اردیبهشت 1389 ] [ 21:53 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


یخلط كثیر من الناس بین مفهومی الحب العذری والأفلاطونی، متصورین أن ثمة ترادفا بین دلالة المصطلحین، والحق أن فرقا كبیرا دقیقا كائنا بینهما، فالعذریة ” عاطفة قویة مشبوبة یهیم فیها المحب بحبیبته، ویرجو الحظوة بوصالها، ولكن تتضاءل لدیه النظرة إلى المتع الحسیة، إذ یطغى علیها حرص المحب على استدامة عاطفته فی ذاتها، وعلى اعتزازه بها مع التضحیة فی سبیل الإبقاء علیها بما یستطیع بذله من جهد وآلام” 1
وهذه العذریة أسلوب من الحب عرفت به قبیلة من العرب یعرفون ببنی عُذرة، وهم قوم ینتسبون أساسا إلى قبائل قحطان من الیمن، یعرفون برقة فائقة فی طباعهم، یستهویهم الجمال فیمعنون فی عشقه مع عفة اشتهروا بها. 2
ولعل من أهم خصائص هذا اللون من الحب أنه حب محض لا تعرف أدران الشهوة ولا أوضار الحس إلیه سبیلا، فالشاعر العذری فیه ” یخلق للمرأة شمائل تمیزها عن سائر بنات حواء، فهو یخلق منها قوة روحیة تسیطر على مسالك ضلاله ومذاهب هداه، وهو یراها أمنع من الظبیة العصماء، وقد یراها أبعد من النجم فی السماء” 3
ومن أهم خصائص هذا الحب أیضا أنه ” حب حتى الموت، وإذا بدأ فلا نهایة له إلا بنهایة المحب ” 4
وثمة صفة أخرى لهذا الحب، وهی الإفراد والتوحید فی المحبة، فكل أبطال هذا الحب من العذریین إنما كان تعلقهم بنموذج مفرد من النساء، لم یشركوا به غیره، أو یجدوا عن هواه مصرفا، فهم قد وقفوا عاطفتهم علیه، وأفرغوا كل أشواقهم تجاهه، ورأوا فیه الغایة القصوى للجمال والجلال الأنثوی، حتى غدا المحبوب لدیهم محض مثال وفكرة متخیلة، وهذا هو الأمر الذی جعل المحب العذری یتعرف غالبا مقرونا بذكر محبوبته، وذلك على نحو ما نجد فی هذه الأسماء المركبة من مثل ” قیس لیلى ” و ” جمیل بثینة ” و ” كثیِّر عزّة “.
أما الحب الأفلاطونی وهو ما قد یتبادر إلى أذهان بعضهم عادة بمجرد ذكر الحب العذری فقد استقرّ فی الأذهان وهمٌ باطل مؤداه: أن المصطلحین یكادان یترادفان فی الدلالة على لون من الحب ذی طبیعة واحدة، توصف بالعذریة تارة وبالأفلاطونیة تارة أخرى، هذا إن لم یكن یفهم أنهما مترادفان كل المرادفة، والأمر عند التحقیق لیس فیه شیء من ذلك، فشتان ما بین الحبین: العذری والأفلاطونی فی البدء والنهایة والماهیة والعلة الغائیة، فهذا الحب الأفلاطونی الذی دعا إلیه أفلاطون فی المأدبة، واحتفل به كثیرا ورأى فیه أتم أشكال الحب وأسماها، إنما هو ذلكم الحب الذی یكون بین ذكرین على نحو كانت تمارس فیه الجنسیة المثلیة، ثم ترقّى أمر هذه الممارسة إلى لون من الاستعلاء والتسامی الجنسی والروحی بین ذینك الذكرین.
وها هو ذا أفلاطون یذهب إلى أن ” كلاًّ منا شطر من كائن كامل، وكلا منا یبحث دائبا عن شطره الآخر، والذكور الذین انشطروا عن الخنثى ” الكائن المشترك ” یعشقون النساء، ویهیمون بهن، والزناة من هؤلاء، وكذلك النساء اللواتی یعشقن الرجال ویتهالكن علیهم، والنساء اللواتی انشطرن عن أنثى یعشقن بنات جنسهن، ولا یأبهن بالرجال، أما الأشطار الذكور، وهم أنصاف ذكر فیمیلون إلى الذكور دون سواهم، ویسرهم القرب منهم، بل والاتصال بهم، وهؤلاء خیر من لداتهم منذ حداثتهم، تتوافر فیهم خصال الرجولة أكثر من غیرهم، ویرمیهم البعض بالوقاحة والصفاقة، ولكنهم جد مخطئین، فلیست الصفاقة هی التی تدفعهم إلى أعمالهم، ولكنها الفتوة وروح الرجولة العالیة القویة تدفعهم إلى مصادقة أندادهم وأشباههم،….، وأمثال هؤلاء ینشئون علاقات تدوم ما دامت الحیاة، ولا یبغون من وراء صداقاتهم مغنما ولا كسبا، ولا یستطیع أحد أن یزعم أن اللذة الجنسیة وحدها هی التی تحقق لهما السعادة ما داما معا، إذ یكمن فی أعماقهما شوق لیس من السهل الإبانة عنه، ولا حتى الدلالة علیه، وإن عبروا عنه فی كثیر من الإبهام، … ، إن المحب یتحد بمحبوبه، ویفنى فیه، فیصیر المحب والمحبوب شخصا واحدا، وعلة ذلك أننا كنا أصلا كائنا واحدا، ولیس الحب إلا تعبیرا عن الشوق إلى العودة إلى الأصل” 5
نعم هذه هی حقیقة الحب الأفلاطونی فی مجلاها الأتم والأكمل الذی یحفل به أفلاطون كثیرا، ویدعو إلیه من خلال هذا النص الأصلی من ” المأدبة ” وقد اقتطفت منه هذه الفقرة على طولها لنكون على بینة من حقیقة هذا الحب الأفلاطونی، كما صوره أفلاطون نفسه، وهو – كما ترى – یستبعد كون المرأة موضوعا للحب فی نظریته تلك، ویحل محلها الذكر، فجماع نظریته فی الحب أنه ما كان تسامیا عن جنسیة مثلیة كانت بین ذكرین، أما المرأة فلا وجود لها ” فلا هی البدایة التی یبدأ منها من یعشق الجسد، ولاهی طرف فی النهایة التی ینتهی إلیها من یعشق الروح، وإنما یشكل الغلام البدایة الحسیة، والرجل النهایة الروحیة ” 6
والغریب حقا فی أمر هذا الحب الأفلاطونی الذی یمكن أن نعده مرادفا لحب ” الشواذّ ” لبعضهم - بعد أن تابوا وأنابوا وقرروا الكف عن اللواط والاحتفاظ بالصداقة السامیة - أنه یقرن جهلا واعتباطا بالحب العذری الذی نلم من آثاره الفنیة بأسمى آیات المحبة السویة فی طهر وعفة، یسمو بهما شعور یظل مترفعا عن حاجات الحس، حتى نخاله ضربا من الریاضة الروحیة، والمكابدة الوجدانیة اللتین تترقیان أحیانا إلى ریاضات المتصوفة ومكابداتهم، وذلك الخلط فی المفاهیم – لعمری – آیة تهرؤ فی الاصطلاحات، وفساد فی حیاتنا الأدبیة عظیم !!.
ــــــــــــــــــــ ــــــ
الحواشی:
1- د. محمد غنیمی هلال: الحیاة العاطفیة بین العذریة والصوفیة، ص 13 ط 2 مكتبة الأنجلو المصریة 1960
2- یراجع: د. كامل مصطفى الشیبی: الحب العذری ص 29، 30 دار الحریة للطباعة بغداد 1985
3- د. زكی مبارك: العشاق الثلاثة ص 20، دار المعارف . مصر 1992
4- د. كامل مصطفى الشیبی: الحب العذری ص 31
5- أفلاطون: المأدبة، ترجمة د. ولیم المیری، الصفحات 45، 46، 47 دار المعارف مصر 1970
6- د. إمام عبد الفتاح: أفلاطون والمرأة، ص 109، الحولیة الثانیة عشرة من حولیات كلیة الآداب جامعة الكویت، الرسالة 75، 1991 - 1992


[ چهارشنبه 15 اردیبهشت 1389 ] [ 18:47 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


توظیف الأسطورة فی النص الشعری العربی المعاصر مسألة فی غایة الأهمیة، فما من شاعر عربی معاصر معروف إلا ووظف الأسطورة فی أعماله. إنها تشكل نظاما خاصا داخل بنیة الخطاب الشعری العربی المعاصر، وقد یبدو هذا النظام عصیاً على الضبط والتحدید، وذلك لضبابیة الرؤیة المراد طرحها، ولكثافة الأسطورة نفسها، غموضا وتداخلا مع ظواهر أخرى وعندما نستحضر الأسطورة، فإننا نستحضر التاریخ متداخلا مع المیثولوجیا والخرافة، ولذا فإنه یصعب علینا تلمس أوجهها كاملة، وذلك لتناصّها مع الحقول المعرفیة الأخرى، التاریخیة والمیثولوجیة والسحریة والخرافیة. فهل الأسطورة هی الخرافة أم هی التاریخ، أم هی الفلكلور، أم هی جزء لا یتجزأ من اثنولوجیا وصفیة، لا تزال بوصفها بنیة معرفیة عمیقة تتعلق بمعتقدات الشعوب وروحانیاتها وأعرافها وتقالیدها، تفعل فعلها فی تاریخنا المعاصر؟ إنها مزیج من هذا وذاك، ومع ذلك تبقى عصیة على الضبط والتحدید، لأنها رؤیة متنامیة متشعبة فی بنیة الزمان التاریخی، والمكان الاثنوجرافی. وقلیلون هم النقاد والباحثون الذین استطاعوا ضبط مصطلح الأسطورة ضبطا دقیقا، ولذا نلاحظ غموض النصوص النقدیة التی تناولت هذا المصطلح، بحیث لا یعادل غموضها إلا غموض النص الإبداعی نفسه.
تصبح الأسطورة أحیانا تاریخا وخرافة، وتداخلها مع الخرافة یزیدها تعمیة وغموضا، والتاریخ نفسه یصبح لدى جیل من الأجیال أسطورة، فشخصیة الحلاج وشخصیة الحسین بن علی، والمسیح بن مریم، شخصیات تاریخیة لكن بعدها الإنسانی، ومدى تأثیرها فی الفكر العربی لا یزال یفعل فعله بشكل أسطوری یفوق حد التخیل.
وبغض النظر عن كون شخصیتی شهر زاد وشهریار من التاریخ أو الأسطورة فإنهما یبقیان فی بنیتهما العامة جزءاً من السحر والأسطورة والخرافة والتاریخ، والمیثولوجیا والفكر والفن فی آن. سیف بن ذی یزن، وضاح الیمن، بلقیس، عمرو بن عامر مزیقا، شخصیات تاریخیة یمنیة أثرت فی تاریخ الیمن لحقبة طویلة، ولا تزال تؤثر فی بنیة الحیاة المعاصرة على مستوى الفن والأدب، فهی تشكل رؤیة جمالیة، وظفها الخطاب الشعری العربی المعاصر، وكذلك القصة والروایة، ولم یقتصر تأثیرها على أدباء الیمن ومثقفیها ، بل تجاوز هذا التأثیر حدود الیمن الجغرافیة لیشمل أدباء آخرین من لبنان وسوریا والعراق والخلیج وتونس والجزائر ومصر، والأمثلة على ذلك كثیرة جداً. وتاریخیاً كانت الأسطورة هی الملاذ الأول للإنسان للانتصار على خیباته ولتخطی فواجعه، وسیاسیا كانت محاولة لخلق بدیل جدید، أكثر إشراقا وجمالا، أنها البؤرة التی یرى منها الإنسان العربی النور والفرح، لأنها تشكل له حالة توازن نفسی مع محیطه ومجتمعه، فبوساطتها تتم عملیة الحلم والتخیل والاستذكار. وبالرغم من التحلیلات الاجتماعیة والفكریة التی تؤكد أن اللجوء إلى الفكر الأسطوری هو هروب من مواجهة الواقع، وهو دعوة لسیادة الظلم، ودعوة إلى إلغاء العقل: "فالفكر الأسطوری القائم على أساس غیبی ـ لا عقلانی.. له منطقه المختلف تماماً عن منطق الفكر الموضوعی. والأسطورة المكونة لهذا الفكر تنزع دائما إلى إضفاء صفات قدسیة غامضة على مواضیعها وأشیائها، وأشخاصها، ولا مشادة أن الأسطورة لها عملیا مستلزمات غیبیة تستند إلیها فی الواقع، وتنعكس بواسطتها على المجتمع وعلى السلوك السیاسی ـ الطبقی فیه. فالوسائل المتولدة من جراء الأسطورة أو المولدة لبعضها، تتحول فی المجتمع إلى أدوات إضافیة للسیطرة ـ ملكیة طبقة محددة لوسائل الممارسة الأسطوریة، إذا جاز التعبیر والافتراض" وهو تكریس للعبودیة الاجتماعیة التی تعتمد علیها الطبقات السیاسیة ضمانا لاستمرار سلطتها، فـ "الفكر الأسطوری إذ یقدم للإنسان مثالاً عن إرادة القوة الغیبیة، یضعه فی نفس الوقت فی وضع "العبد" المندهش، المرتعب من سلطان هذه القوة، التی یزعم المستبدون إنهم یمثلونها أو ینطقون باسمها. كما یرى بعض النقاد،و
بالرغم من هذه التحلیلات، فإن الأسطورة من حیث كونها فكرا وفنا وتاریخا، فإنها تشكل خطابا یمكن أن یقال عنه إنه أدبی یتناصّ مع التاریخ والمیثولوجیا. وما یجعل الأسطورة خطابا أدبیا قدرتها على توسیع آفاق المخیلة عن طریق الحلم والتخیل، وما الأدب فی بنیته العمیقة إلا نظام رمزی قادر على الإیحاء والتأویل، ومن ثم كشف اللا إنسانی واللا أخلاقی فی رؤیة المجتمعات البشریة ونظام قیمها، وإذا قلنا إنه كلما تراجع المجتمع حضاریا وثقافیا، وبقی مغلفا بالغیبیات والشعوذات والسحر، زادت أساطیره وخرافاته، فإن ذلك لا یعنی التقلیل من شأن الأسطورة لأنها تبقى عنصراً بنائیاً مكونا للفكر الإنسانی. ینمو الفكر الإنسانی ویتحرر، ویزداد عقلانیة مع تطور المعارف والعلوم، لكن ذلك لا یمنع عنه حالة الحلم والتخیل، والأسطورة فی أهم خصائصها إنها رؤیة حلمیّة تخیلیة. وترافق الأسطورة الإنسان فی حله وترحاله باعتبارها رمزاً مضیئاً وأصیلا، وقد تتعدد مستویات هذا الرمز من حیث الإضاءة والعتمة، لكنه یبقى على صلة قویة بصیرورة التاریخ وتشكل طبقاته الاجتماعیة. وتبقى الأسطورة فی المجتمعات المتخلفة حلاً جمالیاً لرفض حالات الاستلاب والخیبة التی یمر بها إنسان هذه المجتمعات، أما فی المجتمعات المتقدمة حضاریا وتكنولوجیا، المتراجعة على مستوى العلاقات الاجتماعیة بشرطها الإنسانی، فأنها "مرض من أمراض اللغة" على حد تعبیر ماكس مولر، وهی فی آن مرض من أمراض لوثات العصر بتعقیداته، وما تفرزه الحضارة المتقدمة صناعیا من استلاب وتشیؤ بمفهوم لوسیان غولدمان وجورج لوكاش. إننا إذ نستحضر الأسطورة فی وقتنا الراهن، حیث الهزائم على المستویات كافة، فإن نزعة نوستالجیة تتأجج فی أعماقنا نحو الماضی، ونحو المجهول، ونحو عوالم بكر لم تستكشف بعد، وتزداد هذه النزعة مع تكاثر خیباتنا المتلاحقة فی ظل أنظمتنا الاجتماعیة والسیاسیة. إن عصر تولید الأساطیر قابل لأن یمتدّ حاضرا ومستقبلا. من منا لم یعجب بأسطورة جلجامش وانكیدو الملحمیة؟. وتوق جلجامش وانكیدو المطلق للدفاع عن قضایا الإنسانیة. ومن منا لم یعجب بتصمیم جلجامش على قطع غابات العالم وبحاره للبحث عن النبتة المقدسة التی تعطیه هو وقومه فی أوروك سر الخلود الأبدی؟. وكم كان محزناً حینما سرقت الأفعى النبتة المقدسة التی حصل علیها. إن اللجوء إلى الأسطورة فی الفكر العربی المعاصر هو استحضار للبطولة الغائبة، وحنین لها، وعندما نستدعی البطل الأسطوری والتاریخی عبر زمن القصیدة وشفافیتها، فإن توقاً شدیداً لیدفعنا إلى تمثّل حالات هذا البطل عله یكون المفدی والمخلص، والشعلة التی تنیر لنا طریقا مظلما. إن تولید الأسطورة وتشكیلها وإعادة صیاغتها عملیة جمالیة تهدف للبحث عن عالم فسیح جمیل، لم تقتله بعد الشعارات الإیدیولوجیة، لكن العصر الذی شكلها ویشكلها لیس عصراً مضیئاً، فهی تولد لتمنع زحف ظلامه على المستوى التخیلی والتأملی. ما من شاعر عربی مبدع إلا ولاقى الظلم والمهانة، مما كسر شموخه الإنسانی وشرده، فلجأ إلى الحلم والتخیل واستخدم الرموز الأسطوریة المضیئة والموحیة. وقبل أن یكون توظیف الأسطورة عودة إلى التاریخ والمیثولوجیا فإنه رؤیة تستمد مكوناتها من الواقع واتجاهات هذا الواقع ورؤاه، فالتاریخ والمیثولوجیا والواقع كلها مكونات للفكر الأسطوری، وما من شاعر عربی مبدع إلا وعانى من اغتیال هذا الواقع لأحلامه وفرحه وكبریاء قصیدته. فكان اللجوء إلى الأسطورة رفضاً لهذا الواقع، وبالتالی كان استخدام الرمز الأسطوری المكثف الدلالة، بعید الإیحاء، هروباً وخوفاً من سلطة هذا الواقع، كان الشاعر العربی یرتحل ویحمل همه وهم قصیدته، ورموزه الأسطوریة، وانّى حل كان ینشد الفرح والحریة عبر دلالات هذه الرموز، فخلیل حاوی ذهب إلى لندن وكتب أجمل قصائده "السندباد فی رحلته الثامنة"، وبدر شاكر السیاب حمل "أدونیسه" المضرج بدمائه منتقلا من مشافی بیروت إلى لندن ثم الكویت، وعبد الوهاب البیاتی حمل "حلاجه" وسیزیفه عبر رحلاته من بغداد إلى بیروت إلى مدرید، وعبد العزیز المقالح أنارت له رموز بلاده: سیف بن ذی یزن، وضاح الیمن، بلقیس، منیة النفوس، طریفة، عاقصة، عروض، لیالیه المظلمة عندما كان غریبا خارج بلاده.

حینما ترافق الأسطورة التكوین البشری منذ الأزل حتى أقرب العصور، فإنّ ثمة وضعاً إنسانیا مستلباً بحاجة إلى تشكیلها وإبداعها، واللوذ بها، وتواتر الأسطورة وتناقلها عبر مثاقفة حضاریة بین الأمم والحضارات قدیماً وحدیثاً، لدلیل حی على قدرتها على النفاذ إلى أعماق الرؤیة المعاصرة، باعتبار هذه الرؤیة نسقاً عصیاً على التحدید الزمانی والمكانی، إنها ممتدة من الماضی إلى الحاضر.
إن بنیة الخطاب الشعری المعاصر لا تعنی الانقطاع عن التراث والأساطیر فقد أثّر التراث فی تشكیل هذه البنیة ولا یزال یؤثر بدرجات متفاوتة من شاعر إلى آخر. وبالرغم من ادعاء البعض على مستوى التنظیر، بأن اللجوء إلى التراث لیس فعلا إبداعیا، إلا أن ذلك لم یمنعه من الرجوع إلى الموروث بشتى توجهاته، ومع ذلك فإن العودة إلى التراث لا تعنی هیمنة الرؤیة التراثیة على الرؤیة المعاصرة، بل لقد استطاع الشاعر أن ینطلق من البنیة التراثیة نفسها لیشكل بدیلاً منها ویتجاوزها، وصارت الحكایة الأسطوریة والخرافیة عند الأدباء المعاصرین "ترد إلى عناصرها وكثیرا ما تضاف إلیها عناصر جدیدة تتواصل مع العناصر التقلیدیة، ثم یعاد تركیبها جمیعا فی شكل یشع ضوءاً جدیداً على الحكایة نفسها، فإذا هی قد تحولت إلى شكل جدید ومغزى جدید، نابعین من الرؤیة الفنیة والفكریة للكاتب، تلك الرؤیة التی تعتمد على ثقافته وعلى قدرته على تحلیل مجتمعه والكشف عما فی هذا المجتمع من مشاكل إنسانیة أو سیاسیة أو اجتماعیة". صار التراث فی القصیدة العربیة المعاصرة جزءا من رؤیة جمالیة، بعد أن تعامل معه الشعراء المعاصرون وفقاً لمنظور إنسانی وحضاری، إذ أن كثیرا من الرموز التراثیة قادرة على الاستمرار فی نسق الواقع المعاصر، وتغییره بفعل بعدها التاریخی ودلالة هذا البعد على المستوى الإنسانی والاجتماعی والسیاسی، ومع ذلك فالشعر المعاصر لیس ولیدا للرؤیة التراثیة، بالرغم من الاستفادة من مكونات هذه الرؤیة، لأن له شرطه التاریخی والحضاری وامتداد هذا الشرط داخل بنیة الحیاة المعاصرة، بتشعبها وتنامیها، وفرحها وفواجعها فی آن. الرؤیة التراثیة خیط شفیف یربطنا بالتاریخی والأسطوری والمعاصر والعقلانی، قد ینقطع الخیط وقد یمتدّ، ولا یعنی انقطاعه فشلاً فی الرؤیة العربیة المعاصرة. الرؤیة التراثیة إضاءة لزمن القصیدة، إنها رؤیة تستنفر بعدا جمالیا، ومع ذلك نستطیع تشكیل رؤیة بدیلة عنها، وهی الرؤیة للعالم MondeViSion Du بتحدیدات لوسیان جولدمان لمفهوم الرؤیة، وتتجلى أهمیة هذه الرؤیة بامتدادها ماضیاً وحاضراً ومستقبلاً، وبقدرتها على التعامل مع مكونات الأجناس الأدبیة كافة.
إن مهمة الرؤیة الحدیثة إحداث الجدید فی الأنظمة القوالبیة الموروثة: فی الشكل الشعری، فی القافیة، فی الوزن، وفی الموسیقى، وبالتالی فی المضمون نفسه، ولها دورها فی تشكیل شعر جدید خصب ومتنام، من أهم میزاته انه لا یخضع للتحقیب التاریخی، والتأطیر الزمنی، باعتباره شعراً منفتحاً على كل أشكال التطور الاقتصادی والثقافی والاجتماعی، وعلى كل الزوایا المضیئة فی كل العصور.
ولذا فالقصیدة العربیة المعاصرة من خلال هذه الرؤیة الحدیثة تعمل على تفكیك بنیات العالم العربی المعاصر وكثیراً من قیمه الزائفة، وتعری بنیاته الهشّة، ومن ثم تعید صیاغته وفق حركیة ترفض الثبات والجمود، وتشید عالماً مفتوحاً على الصیرورة التاریخیة، والسیرورة الزمنیة فی آن، ولا اقصد بذلك تبنی هذه القصیدة لخطابات الایدولوجیا، وفرزها السیاسی، وإشكالیتها المعرفیة فی بنیة المجتمع. الإبداع لأجل الإبداع، والفن لأجل الفن، ظاهرتان أدخلت علیهما الرؤیة المعاصرة مفاهیم جدیدة، فالإبداع وجمالیة الفن مضافا إلیهما حركیة التغییر والهدم تأسیساً للبناء الجدید، ولا قیمة للترف الشكلی والزخرفی والإغراق فی الحلم، والهذیانات السریالیة، إلا إذا كان الهدف من ذلك تأسیس رؤیة إنسانیة قادرة على إدانة المظاهر السلبیة فی بنیة الحیاة العامة، و"قد ساعد فتح الأبواب أمام الإبداع الشعری الجدید على وجود هذه التیارات وتعددها داخل حركة الشعر الجدید، ونشأ عن ذلك اجتهادات وتیارات منحرفة لا تنشر سوى هذیان لا علاقة له بالشعر أو الفن ولا علاقة له بالتجدید أو الابتكار وخطر هذه التیارات المنحرفة إنها تدفع نحو اللامبالاة اللغویة ونحو اللامبالاة العقلیة."
ولم یكن طغیان الهذیان فی الخطاب الشعری العربی المعاصر إلا تعبیراً عن فشل إنسانی عام، مستمد بالدرجة الأولى من بنیات المجتمع القاتمة، وتراجع هذا المجتمع وهزائمه، وبغض النظر عن كون الهذیان ظاهرة مرضیة ـ بفتح المیم والراء ـ فی الشعر العربی المعاصر، إلا انه یستمد كثیراً من مكوناته من بنیة الأسطورة والخرافة والتفكیر المیثولوجی، لأنّ الهذیانات الشعریة كثیرا ما ترتبط بامتداد الأسطورة معرفیا وزمنیا، وحینما یتداخل الهذیان مع الحلم والأسطورة، والإیحاءات السریالیة، تنشأ ظاهرتان شعریتان هما الغموض والإبهام. فالتداخل العشوائی اللامنظم المضطرب والمتوتر یشكل حالة من الإبهام التی یستحیل فك طلاسمها، واكتشاف ما وراء ضبابیة هذه الطلاسم، أمّا التداخل الجمالی الرؤیوی، فإنه یشكل حالة شفیفة من الغموض الموحی والمرمز، وعموماً ترتبط هذه الحالة بالذاتی والموضوعی من حیاة الإنسان داخل حقله الثقافی والمعرفی، ووسطه الاجتماعی والإنسانی. ویشكل الحلم بالنسبة لكثیر من المبدعین مفتاحاً للرؤیة الشعریة، انه أساس الفعل الشعری، وجوهر العملیة الإبداعیة بالنسبة إلیهم، وهنا یشترك الحلم مع الأسطورة فی كونها عملیة تخیلیة تتخطى حدود الواقع الممكن إلى أفق أكثر رحابة فی بنیة الفضاء المكانی والزمانی، یقول الشاعر أنسی الحاج: "خلافا للأكثریة أنا أؤمن بالحلم، من لا یحلم لا یفعل، الحلم یسبق الفعل، كما یسبق الغیم المطر... الحلم جوهر غیر أنه وجود... والحلم هو العقل والروح والخیال. إنه الفردوس الممكن... الحلم أولاً، الحلم فوق الجمیع، الحلم الذی هو محرض الواقع وروحه وعقله وعصبه، الحلم الذی هو المستقبل، الحلم الذی هو... الشاعر"

إن للتجریب الشعری، شكلا ومضمونا أهمیة كبیرة فی إبداع المتمیز المتنامی والمعاصر، وما "من شاعر عظیم أو روائی عظیم إلا وقد أضاف من خلال التجریب بعدا جدیدا إلى الفن الشعری والروائی، وأثبت انه غیر خاضع وغیر مستسلم لكل المواصفات السائدة والمألوفة. التجریب إذا ومحاولة الإضافة نزعة صحیة وضروریة فی كل فنان أصیل وفی كل كاتب موهوب، وفی كل شاعر یرید أن یضیف إلى التراث ولا یكرره أو یقلده".

إنّ استخدام الأسطورة والرمز والتاریخ فی الخطاب الشعری العربی المعاصر نوع من التجریب الجمالی، قبل أن یكون عودة إلى التراث، والتأكید على حضوره، وهذا التجریب فی بنیته العمیقة ینبغی أن یؤكد مكانة الإنسان ودوره الحضاری، ویستحضر أدقّ مشاعره الإنسانیة، "فالأشكال الفنیة لیست أشكالا فارغة، وإنما تقوم بوظیفة خاصة فی تنمیة خبرة الإنسان، وفی تنظیم هذه الخبرة، كما تؤدی دوراً أساسیاً فی بناء عالم الإنسان، وفی تحقیق ما یصبو إلیه الإنسان من معنى لحیاته ولعالمه". وكل تجریب جمالی مبدع ینبغی أن یكون إنسانیا، ولا قیمة لتجریب على مستوى الشكل الشعری ومضمونه إذا اقتصر على الظاهرة الشكلیة والسطحیة. أن التجریب على مستوى بنیة الشكل الجمالی، وإضافة الظواهر الجمالیة والمغایرة إلى هذا الشكل أمر ضروری، لكنه لیس كافیاً لتحقق طرفی العملیة الإبداعیة، فالعملیة الإبداعیة فكر وفن ونزعة إنسانیة وأخلاقیة، تعمل على تأسیس أدب إنسانی یرفع الإنسان رایة وهدفاً.








موضوع: العصر الحدیث،

[ چهارشنبه 15 اردیبهشت 1389 ] [ 18:45 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


فی عصر الفیدیوكلیب ، وذاك المجون الخطیر ، والذی تجاوز جمیع الخطوط الممكنة وغیر الممكنة ، الحمراء والزرقاء وجمیع الألوان ، بحیث أصبح أمرا مألوفا ، ولا شك أن تلك الألفة أفقدت الإحساس بحجم الجریمة التی یتم إرتكابها فی حق المجتمع والأخلاق ، والأمر شبیها بمن یقیم فی أجواء روائح منفرة ، لكنه یأتلف معها بعد قلیل ولا یكاد یشعر أن هناك أمرا غریبا ، ولا یكتشف الأمر سوی القادم الجدید ،

ولنبحر بأسلوب فانتازی ونتصور أن واحدا من القدماء ( منذ عشرین سنة فقط أو أقل ) قد عاد للحیاة لیری ، كیف أزیلت أستار العفة شیئا فشیئا یسیرا ( تدریحیا ) ، حتى وصل الأمر لهذا الحد الشنیع دون أن نشعر ، وأضرب مثلا واحدا طریفا جدا ، واعتقد اننا عندما نقرأه نستغرق فی الضحك ، لكن یجب أن یكون ضحكا ممرورا مشحونا بالأسی والألم ،

والطرفة العجیبة : أن المخرج محمد كریم دخل علی المطرب محمد عبد الوهاب
وقال له : اسمع دی .. فكرة جدیدة ( نوفی ( …

أرید أن نعمل اتجاها جدیدا فی تصویر الأغنیة .. كفایة جلسات علی كراسی والعود فی یدك أو وقوفا فی حدیقة .. لقد مللت كل ذلك .. قال له عبد الوهاب .. قول یا أستاذ .. قال محمد كریم العبقری المجنون !! .. ستقلع هدومك وتجلس فی البانیو .. تستحم وتغنی " المیه تروی العطشان " ، وانزعج عبد الوهاب بشدة : أقلع هدومی ؟! ، معقولة یا محمد ، ویثور محمد كریم .. ویشد فی شعره یرید إقناع عبد الوهاب ... وأخیرا فعلها عبد الوهاب ( تتذكرون الأغنیة ) فانظروا ماذا حدث ؟!

هاجت الصحافة وتدافعت الأقلام .. وكتب أحمد الصاوی محمد یقول : من هذا الخلیع الجالس فی البانیو عاریا .. یاعبد الوهاب ثب إلی رشدك .. أنت صدیق أحمد شوقی تصل بك الخلاعة والمجون إلی هذه الدرجة !!

فماذا لو رأی الأستاذ الصاوی ما وصل إلیه الحال الآن ؟!!!!!!!

هذا المدخل یبدو بعیدا عن موضوعنا لكن آثرت البدایة به فی معرض المقارنة بین الشاعر الرقیق صاحب العاطفة الفیاضة / إبراهیم ناجی ، وشاعر كبیر آخر تناوبت أعماله بین قصائد غزل مكشوف یتغنی فیه بمفاتن الجسد بصورة صریحة صدمت المشاعر ، وقصائد ناریة ملتهبة تخط فی صحف الجمال والروعة ، والأمر یحتاج إلی تفصیل :

الشاعر إبراهیم ناجی ( 1898 : 1953) م
مثل فی أدبه قمة الرومانسیة والحب العذری الصادق ، الشاعر كامل الشناوی تحدث عنه بأن قلبه كان یتعلق بأی إمرأة ، وأری العكس فناجی ارتبط عاطفیا بفتاة من قریباته بحب طاهر عذری لكنها تزوجت من آخر وهو یدرس بمدرسة الطب ، ثم ألتقی بها ثانیة بعد ان أصبحا عجوزین
فكتب قصیدته الشهیرة ( الأطلال ) ،
ومصدر آخر لقولی بصدقه الفنی أنه كان أصلا إنسانا رقیقا عاطفیا یتمتع بروح فكاهة حتی إدرج ضمن ظرفاء القرن الماضی وقد تتاح لی فرصة بعون الله تعالی إدراج شیء من نوادره لاحقا بالمنتدیات ، واشتهر عنه أنه كان یعالج المرضی الفقراء بلا أجر ، ویشارك فی تشییع الجنازات ، ویتأثر عاطفیا من أدنی أمر ، لدرجة أنه كان یقتنی الحزن النبیل فی أعماقه وأدائه الشعری ،
بالتالی مثل ناجی فی شعره الحب الرقیق المثالی الذی ینشد أشواق الروح وجلال القیمة ، فمن منا لم تهتز أعطافه لهذا المعنی الذی یجسد معنی الحب العذری العذب

أنظری ضحكی ورقصی فرحا
وأنا احمل قلبا ذبحا
ویرانی الناس روحا طائرا
والجوی یطحننی طحن الرحی
أین من عینی حبیب ساحر
فیه نبل وجلال وحیاء
.......
یاحبیبا زرت یوما أیكه
طائر الشوق أغنی ألمی
وحنینی لك یكوی أضلعی

وهنا نجد وصف الحبیب بالحیاء والجلال ، لیقدم لنا قیمة فنیة ومعنویة كبیرة
وناجی أیضا كشأن الشعراء الذین یقتنون الإحساس الذهبی ینتقلون بهاجسهم الجمالی عبر أفنان الأشواق فنجد أنه عبر أیضا عن جوانب موضوعیة فی شعره وخاصة قضایا الوطنیة ، فله قصائد وطنیة رائعة ، یقول :

یا أمة نبتت فیها البطولات
لا مصر هانت ولا الأبطال

وكتب القصائد فی الإحتفاء بالشهادة عند استشهاد : عبد الحكیم الجراحی ، وعبد المجید مرسی فی مظاهرات 1935م ، وكتب قصائد مثل " أعاصیر مصریة " ، و " تحیة لمصر "
وأثبت بالفعل أنه لا یمكن أبدا الإقتناع بالقول النقدی القائل بفصل حیاة الأدیب عن أعماله الأدیب ، فالفنان العظیم لابد أن یكون إنسانا عظیما >

******************

وننتقل الآن إلی الجانب الآخر من المقابلة ، بالحدیث عن شاعر كبیر له شاعریته المتدفقه ( حتى فی نثره ) ، ولا یستطیع أحد أن ینكر ان الشاعر نزار قبانی أسس مدرسة شعریة كاملة ، وصاغ تعبیرات معاصرة لم یسبق إلیها ، وأقترب بشعره من الجملة السهلة الشائعة ( لكنها ممتنعة سوی علی موهبة بحجم موهبة نزار ) ، لیعبر عن وجهة نظره فی الشعر عندما قدمه كما قال ( خبزا طازجا ) ، ولرؤیته فی نظرته للشعر مقال أرجو إضافتها قریبا ( بعون الله تعالی ( ، وبالطبع لا نقر له تجاوزات خطیرة وعبارات شطحت بعیدا ، لكن هنا أتحدث عما یعجبنی من شعره ونثره ولیس مثل تلك التجاوزات والتی یجب أن نطرحها جانبا

والحق أنی أمیل هنا للحكم المنصف فلست ممن یقیمون المشانق ویصدرون الأحكام النهائیة ، بل أری أن النقد هو الأخذ بجوانب الجمال قبل التنقیب عن مواطن القبح ، صحیح أن الشاعر نزار قبانی ( ورغم قدرته الفذة علی الصیاغة الشعریة ) قد كتب شعرا فی المرأة یتغنی فیه بمفاتنها ، ویصف فی أوصاف شدیدة الجرأة والتطرف لها ، ویری أن العلاقة بین الرجل والمراة إنما فی قسما كبیرا منها لا تخرج عن تلك الرؤیة المادیة الفظة ، والحق أنه أخفض بذلك من شأن المرأة قبل أن یلثم قواعدا وأعرافا عامة فی الأداء الأدبی الملتزم ،

لذلك وكما ذكر احد الناقدین : " بل خرجت علینا ( یقصد المرأة ) فی جلّ قصائده بالوجه الذی عهدناه فی قصائد امرئ القیس و ابن أبی ربیعة و غیرهما و فضل قبانی كمن لا فضل له هنا حیث جاءت قصائده تنویعا على قصائد الغزل السابقة " ،
ویقول أیضا وبتصرف منی نفس الناقد ( الأستاذ / فوزی الدیماسی ) : " یدعی الشاعر نزار قبانی أنه مؤسس جمهوریة المرأة ، وأنه هو من أخرجها من ظلمة المقاصیر إلى نور الحریة ، و أنه المدافع عنها ككیان له هویته .... بامتیاز ، و المتتبع لشعره فی العدید من منعطفاته یكتشف عكس ذلك ، فبئس الجمهوریة التی عمقت هامشیة المرأة . والصورة صورة عرجاء تلك التی صدرها الشاعر لقرائه ، صورة تؤسس لسیطرة الخطاب الذكوری و احتوائه لفعل القول لحظة تصویره للمرأة لا كذات لها ما یمیزها عن الذات الذكوریة بل كجسد / سلعة ، كما أن الصورة القبانیة لا تزید المرأة إلا تجذرا فی تربة الضعف والإرتكاس و التبعیة ، و ینزل قوله بها إلى قیعان أرض الشبق و اللذة و الرغبة "

لكن وكما ذكرنا قبلا الحكم یكون عاما ، نزار قبانی كتب قصائد سیاسیة ووطنیة ، وكتب نثرا راقیا یتفجر بالشاعریة والروعة ( ولولا قصائده تلك التی أشرن لها حول المراة ، وتجاوزات اخری ، لكان من القلب من شعراء العروبة ، فمن قرأ قصیدته ( بلقیس ) تلمس داخل قلبه وترا شجیا حزینا فی الوقت ذاته ، وهو نفسه الذی قال فی قصیدته التی أثارت انتقادا واسعا ( الرسم بالكلمات ) :

الجنس كان مخدراً جربته
لم ینه أحزانی ولا أزماتی
والحب أصبح كله متشابهاً
كتشابه الأوراق فی الغابات
فمك المطیب لا یحل قضیتی
فقضیتی فی دفتری ودواتی
كل الدروب أمامنا مسدودة
وخلاصنا ، فی الرسم بالكلمات .

د . منی العرب تقدم رؤیة حول الموضوع فتقول :
كل شاعر بعض شعره جمیل ، وبعضه لا
شعره یعجب الشباب
وهوكان سابقا لعصره
أنا شخصیا أحذف بعض كلمات من شعره
وأجد الباقی جمیل >

ویقول الأستاذ / أحمد إبراهیم :
" لغة نزار مدهشه ومبتكره .. وهذا الشیء الذی جعل نزار مقرؤا.. وكل كاتب للشعر یجب ان یقرأ نزار لیتعلم منه .. فهو صاحب مدرسة شعریه فی اللغه .. لایجاریه فیها أحد وقاموسه اللغوی مدهش ومبتكر
فاللغه هی الإبتكار وقد تأخذ أكثر من نصف الشعر .. لأننا فی النهایه أصحاب حضارة شفهیه إلى الآن ..
والخروج من قاموس التراثیه .. هو الذی أحدث الصدمه الجمیله فی قراءة نزار "

وهكذا یجب ان نحكم بنظرة الشمول ، فنزار شاعرا فرض وجوده ، وله شاعریته وقاموسه الشعری الفرید والقریب من الحیاة ، كما أن له قصائدة القویة والمؤدیة لدروب من الأداء النابه فی وصف حال العروبة وأزمتها القاسیة ، كما له نثره والذی عندی هو أجمل من شعره ویتفجر بآراء واضحة وبلیغة وراقیة

ویبقی دائما الحق لمن یأخذ بنصیب من بساتین الجمال وبما یوافقه طالما لدیه میزانه الخاص القابض علی ضوء الحقیقة ، وقواعد الفن .

ــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ ــــــــــ ــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ ـــــــ
من المراجع* : نجوم فی عز الظهر – یوسف معاطی – الهیئة المصریة العامة للكتاب2001 م
* موسوعة رجال ونساء من مصر – لمعی المطیعی – دار الشروق .




موضوع: الشعر الحر، العصر الحدیث،

[ چهارشنبه 15 اردیبهشت 1389 ] [ 18:43 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


یبحث الرومانسیون فى عالم المساء عن قمر ونجوم محاولین اختراق ظلال الصمت للوصول إلى جوهر المعنى الكامن فى الطبیعة ، وینعكس هذا فى أبدعاتهم

فاللیل عند الشعراء الرومانسیین یشغل مساحة التجربة الإنسانیة ، لكنه لا یمنع ظهور النهار ، فعلى الإنسان أن یرى هذا النور، ولا یقف فى فضاء الظلام لیشكو آلامه واغترابه فقط .
لكن لماذا اختار الرومانسیون المساء ؟ فالمساء عند الرومانسیین یناسب العالم الداخلى المغلق الذى تعیش فیه الذات
فالرحلة الرومانسیة تنطلق من داخل النفس وتتخذ من المساء معادلاً موضوعیاً له دلالة رمزیة من فضاء الطبیعة .
فكأن اللیل یحمل لهم شیئاً من العزاء ومن خلاله یتحملون الحیاة المادیة التى لا یطیقونها ، یقول إبراهیم ناجى :
كأن صدر الزمان ضاق
من كثرة البث كل حین
یا ویحه كیف قد أطاق
شكوى البرایا على السنین
فناجى یشخص اللیل الرومانسى كأنه كائناً یسمع ویتحمل وله قلب قد ضاق من شكوى البشر وما زال یستمع ویتحمل، فقد شخص اللیل كأنه صدر .. قلب .. فهو یصور اللیل شخصاً مدركاً للألم ، یستقبل آلام الآ خرین رغم معاناته الشخصیة وهذا نوع من توحد الشاعر الرومانسى المدرك لمعنى الألم واللیل مع الطبیعة.
وتصل الصورة التشخیصیة للیل عند ناجى لأعلى مؤشر رومانسى لها فى الشعر العربى .

یا أیها اللیل جئت أبكى
وجئت أسلو وجئت أنسى
فلقد أصبح اللیل للشاعر هو المثل الأعلى ینادیه ویرسل إلیه الشكوى ویلتمس عنده المشاركة والتعاطف الذى فقدهم عند البشر.
وعندما یلتقى الشاعر بحبیبته فإن اللیل هو الفضاء الحانى والصدیق :
وانتبهنا عندما زال الرحیق
وأفقنا لیت أنا لا نفیق
یقظة طاحت بأحلام الكرى
وتولى اللیل واللیل صدیق
فالشاعر مضطر أن یعیش الواقع ویحیا الحیاة المادیة بكل قسوتها ، وآلامها وحرمانها .. لكنه یجد فى اللیل السكن حیث تشع روحه ابداعاتها ... بعیداً عن صراعات الحیاة النهاریة الممتلئة بالحركة والسعى وراء المادة .
ولا أظن أن الرومانسیین فقط هم الذین یجدون فى اللیل السكینة والسلام النفسى فقد أشار القرآن الكریم فى أكثر من آیة لكون اللیل سكناً حیث قال تعالى :-
(یَا أَیُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّیْلَ إِلَّا قَلِیلاً * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِیلاً * أَوْ زِدْ عَلَیْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِیلاً * إِنَّا سَنُلْقِی عَلَیْكَ قَوْلاً ثَقِیلاً * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّیْلِ هِیَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِیلاً * إِنَّ لَكَ فِی النَّهَارِ سَبْحاً طَوِیلاً )المزمل (  ) ( 1- 7 ) فالله سبحانه وتعالى یدعو رسوله (  ) لقیام اللیل .. والصلاة فیه ، وهل تختلف صلاة اللیل عن صلاة النهار ... حقاً فاللیل تخلو فیه النفس مع ذاتها ... تتأمل حیاتها ... یبحر الإنسان فى أعماق ذاته . یفهمها یكتشف أسرارها .. یتصالح معها بعیداً عن صخب الحیاة النهاریة ... فالله سبحانه وتعالى یأمر الرسول (  ) بأن یتقوى ویتزود من لیله ،یعطى روحه زادها لتتحمل عناء النهار .. وكأن النفس تثقلها المادیة ویكون اللیل هو السكن هو الصدر الحانى الذى یمنحها القوة لتواصل حیاتها مجدداً وكما قال تعالى (وجعلنا اللیل لباسا) .


[ چهارشنبه 15 اردیبهشت 1389 ] [ 18:41 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


یتداخل النص الشعرى اعتماداً على تداولیة ما یجرى فى الفضاء المحیط، والدواخل الغائرة لمنتج النص.. ولا یُنتَج النص كتداولیة حرفیة تفتقد الحمیمیة وتنأى - فى عدید الأحیان - عن الصدق الروحی، إنّما كحاجة یتطلبها السؤال السرمدى للإنسان: لماذا أنا هنا ؟! ... ومن هذا السؤال تنبرى جموع الأستفهامات المتلاحقة بحثاً وتفصیلاً، وقوفاً وتعللاً لأنَّ النص تمخِّضٌ روحى یُنتج روحاً لها قابلیة الإرهاص والتأجج، وفیها حتمیة الاستمرار ورهزة البقاء.

وإذا كان شعرنا العمودى القدیم والمتقدِّم عبر الحقب جاء بمعظمهِ انثیالاً، وتدفَّقَ سیلاً من صور وتعابیر یقولها مَن أراد القول، ویبوح بمفرادته مَن هوى البوح، ورأینا إلى شعراءَ یتجیَّشون - نقلت الذاكرة الجمعیة أسماءهم ونصوصهم فیما اندثر الكثیر منهم ومن إفاضاتهم - فإنَّ شعر الیوم لیس كذلك. لیسَ من الیُسر قوله، ولا من البساطة الكتابة بكلمات سیُقال عنها شعراً.. إنّهُ أقسى من ذلك وأعقد. دروبه أكثر مطبّات، والتواءاتُه أكثر شراكاً. یدخلها المستسهل فیتعثّر فى أول الخطی، ویلجّها المُستهین فینكفیء مطعوناً بالتلكؤ والخیبة، فقد أصبح الشعر صراعاً لا هوادة فیه مع الكلمات والمعانی، كما أصبح جهاداً وتعذیباً للقوى العقلیة من أجل الوصول إلى مرحلة الإدراك. كما یشیر لذلك جیمس مكفارلن (ہ)، هذا إذا تناولنا شعرنا المتوارَث الذى بنى صروحه على هیكلیة الوزن والقافیة، وراكم وجوده قروناً متعاقبة، فما بالك بالوافد الجدید الذى لا یتجاوز أكثر من نصف قرن وأقصد به الشعر المنثور، مَن تجمعت الأصوات واقتربت من التوافق على تسمیته بقصیدة النثر وهو بحاجة إلى ذائقة خاصة. ذائقة تخرج عن إطار المتوارث بقصدیة التعلّم الذى هو حاجة. حتّى لو كان ذلك صعباً بدعوى أنَّ الذائقة مجبولة على متوارَث مهیمن له رنینه وموسیقاه الغائران فى أعماق طبقات التذوّق. والمتلقى فى مسعاه لارتشاف واغتراف ما یشیع الرغبة ویحقّق فعل الشغف لا بدَّ أن یهیئ ذائقته لتحویل المشهد النثرى إلى صرح قصیدى شعرى یتساوق وتكیّف الذائقة، یتماهى وغرض النص، إذْ ینبغى أن یكون فى داخل كل قارئ شعر، قاریء نثر. والجهد المبذول فى جعل نص شعرى قصیدة یتطلّب زیادة فى الطاقة تفیض عن إفشال التأویلات النثریة. وإذا لم یجهد القارئ نفسه فى مشهد نثرى فلن تحضر القراءة الشعریة. والمهارة التى یتطلبها التأویل الشعرى تتضمن اهتماماً قویّاً بالمعنى النثرى مقروناً بالاستعداد للاندفاع وراء المعنى الشعرى لتولید معانٍ جدیدة. (ہہ) وفهم توجّهات خالق النص الشعرى فى التعبیر حیث القراءة لا تنظر للشاعر مُرتّب مفردات وبانى آجرات فحسب، إنّما هو عارض كیان، ومُلهِم أفكار، ووسیط أزمان عبر نصّه الذى یمكن أن نطلق علیه "المیتاوسیط".

وحین یقف الشاعر لیمسك بعنف اللحظة كى تمنحه التأمل تتهاوى كل سدود القوافی، وتهرب من إزاءه البحور والتفاعیل.. یتوارى الجَلَد فیلجأ إلى المفردة یستحثّها لجلب قریناتها من المفردات بحالةٍ أشبه بالدمع الدفیق، أو النحیب الصارخ، فتتجلّى - أى المفردات - مدّاً أبدیاً من بوحٍ وسواقٍ جرّارة من صور حُسِبَ لها حساب الرفض، وخُشیَ منها خشیة الارتداد هروباً من تهمة التساهل التى قد یوصمها المتلقّى القارئ به، ذلك أنَّ أعظم خیانة یرتكبها الكاتب هى أن یصوغ الحقیقة الصعبة فى عبارة رخیصة كما یقول راندل جاریل. فالتساهل هو ما ولّدَ الهباء الذى نلمسه فى كثیر من النثریات سواء على مستوى الصحف والمجلات أو على نواصى الكتب التى یُعلن عن إصدارها، فتتدفّق هشّةً خاویة مُبتلاة بالفراغ وإنْ جاهرت بامتلائها. یلاحقها التقزّم وإنْ أظهرت اعتداداً بارتفاع القوام. إذْ ما یبقى هو ما یهز دواخل القارئ ویهشّم لدیه استقراریة البحیرة الراكدة فى فضاء روحة المتشوّقة، المنتظرة لحجر الرجرجة والانتباه. إنَّ الشعر ممارسة وجدانیة لا یبقى أثر فعلها وتأثیر حفریاتها إلاّ عندما تكون فاعلة وذات تأثیر جاءت من منهل الأعماق المتلظیة بشواظ العنف الذاتى المتوالد إمّا من سادیة محتدمة أو مازوشیة مؤثرة تدفع بالذات إلى الهتاف صراخاً لیخرج صداها متسللاًّ من منعطفات الأعماق إلى فضاءات الذوات المتصالبة عیونها تطالع الآتى بما یحمله على أكتافه من افضاءات.. هكذا یترك الناص أثره ویطبع مؤثراته، فیأتى النص محملاً بالدلالات. هكذا نرافق الماغوط فى تصرفه مع المفردات، ومحاكاته مع جملة الطروحات :

الذین ملأوا قلبى بالرعب/ورأسى بالشیب المُبكّر/وقدحى بالدموع/وصدرى بالسعال/وأرصفتى بالحفاة/وجدرانى بالنعوات/ولیلى بالأرق/وأحلامى بالكوابیس. وحرمونى براءتى كطفل ٍ/ووقارى كعجوز/وبلاغتى كمتحدّث/وصبرى كمستمع/وأطیافى كأمیر/وزاویتى كمتسوّل/وفراستى كبدوی/ودهشتى كمسافر/وحنینى كعائد. ثم أخذوا سیفى كمحارب/وقلمى كشاعر/وقیثارتى كغجری/وأعادوا لى كلَّ شیء وأنا فى الطریق إلى المقبرة/ماذا أقول لهم أكثر ممّا یقوله الكمان للعاصفة؟ .
هذا السؤال المحمّل بالاستطالة، المتمخّض أسئلةً حُبلى بالهتاف، والمثقل بعبیر الآه الشفیف لا بدَّ إلاّ أن یزرع فى أرض إبحار المتلقّى متعة الألم اللذیذ لیحصد مرارة النشوة الباكیة.
من السؤال تأتى الصورة لترسم بریشة الكلمات جِرار الحسرات ملیئة بكافات التشبیه. التشبیه الذى یخلق هوَساً عُذریّاً لمعنى الكلمة ومفهوم العبارة. تشبیه العذوبة التى تشبه الرغاوى المتأجج فى صناعة الخیال المتناسل. تشبیه یتوالی، وصورٌ تتتالی، وتماوجٌ روحى یتظام ودفقةُ الشقاء. وسؤالٌ یُدرك جوابه المُرسل. فكل ما أفضى به وعرضه بألوان فائرة وفاقعة، ساخنة وناریّة، أو باردة وخامدة، جامدة ومحایدة لا تعدو أن تكون عرضاً لا غیر، لأنَّ الإجابة تنبثق من رحم السؤال فیتمخّض صریحاً وواضحاً رغم أنّه یتلفّع بنداء علامة الاستفهام التى هى خاتمةٌ للرد، لأنَّ صراخه لا یغدو سوى هباءً یضیع فى خضمٍ أهوج، أو عزف كمان یبعث ألماً یضیع فى جنون عاصفة لا تأبه: ماذا أقول لهم أكثر ممّا یقوله الكمان للعاصفة؟ ..
لقد قدّمَ بودلیر قصائدَ نثره بنفَسٍ سردی، رأى فیها قدرةً على تقبّل الابتغاء، وحاضنةً حنونةً تُشبع الفضول.. سرد یُنتج حكایة نثریة بإكسسوارات شعریة، عطر رومانسى یقاتل المألوف، ویخرج عن نطاق التقبّل المعهود. حتّى أنَّ أغلب نصوصه صُفِعت بقرارات الرفض، ووجِهت بشتائم الاحتجاجات.. انطلق من رغبة استقلال الخیال دون ترك الواقع والتنكّر له. دون احتساب الواقع مرفوضاً لا وجود له فى ذات الشاعر. أى أنّه مزج الداخلى المتألم الجریح بالخارج الرمادى المُرهق، التعیس. ورأى أنَّ نتاج الخیال یتأتّى عن نوع حقیقى من الألم، وهو لیس ألم الحیاة الیومیة المؤقّت العابر، الناتج عن فقدان الطمأنینة، أو الحرب والحب بقدر ما هو العذاب الداخلى العمیق الدائم الذى نكبته عادةً ونخفیه تحت ستار النسیان المقصود. (ہہہ). وإذْ نُعرّج على نصوص محمد الماغوط نستشف عدم انفصالها عن هذا التوصیف. تقدّم ترجمةً المعاناة والإرهاصات، والتأجج الجوّانى المحتدم الدفین بسردٍ أقرب إلى الحكایة، رفقة أبجدیة الواقع المتجسّد باقیانوساته التى تشى ببارقة أو بصیص من لهب سیطلق ضوء البهجة وإشعاع انشراح النفس.. إزاء هذه التهالكات ینكفئ الشاعر صوب العودة إلى مناشئ البراءة، لكنّها براءة مریضة علیلة یرهقها اصفرار الحال، وبُعد الأمل، وسدود الیأس التى تمنع أیّة موجة للفرح من الوصول إلى بیت البراءة.

كان بیتنا غایةً فى الاصفرار/یموت فیه المساء/ینام على أنین القطارات البعیدة/وفى وسطه/تنوح أشجار الرمان المظلمة العاریة/تتكسّر ولا تُنتج أزهاراً فى الربیع/حتى العصافیر الحنونة/لا تغرّد على شبابیكنا/ولا تقفز فى باحة الدار. .
مقتطع من نص "اللیل والأزهار" لا یكتمل إلاّ بتجسید ماهیّته كحلٍّ لأحجیة الحال، ولغز الموقف.. مقتطع یُحسب فى القراءة التأویلیة كخطاب موجّه إلى المتلقی، أو إلى الذات. إنّه یلمُّ فحوى الروح لیعطى معنى للبوح، ویمنح تغریدةً لحنجرةِ غرّید، لكنها مبحوحة بفعل الألم وتأثیر الفحوی. یتوجّه بعد منتصف النص نحو "لیلی" فنكتشف أننّا خُدعنا بحسباننا أنّه یهمس لنا بافضاءاته، وإنَّ "لیلی" هى المتلقیة الوحیدة الذى یقرع لها طبول نثر أسراره:
وكنتُ أحبّكِ یا لیلی/أكثر من... والشوارع الطویلة/وأتمنى أن أغمس شفتیك بالنبیذ/وألتهمك كتفاحة حمراء على منضدة/ولكننى لا أستطیع أن أتنهد بحریة/أن أرفرف بكِ/فوق الظلام والحریر.. إنّهم یكرهوننى یا حبیبة/ویتسربون إلى قلبى كالأظافر/عندما أرید أن أسهر مع قصائدى فى الحانة.. .

إنَّ بوح الشاعر یعرض الحصار الذى یحسّه. فهو محاصر بكل المعیقات والمعرقلات، وأرضه ملغّمة بالمطبّات وشعور بأنَّ مَن یضادِدونه یكرهونه لیس بدافع المنافسة والمواجهة الحرفیة، بل بدافع البغض المبرمج. فهم یدخلون إلى قلبه متسللین، بأظفار غیظهم ومخالب الاضرار به حتى وإنْ آثر الاختلاء بنفسه، وابتغى الاستحمام بقصائده فى حانة التماهى مع رضاء ونقاء الروح. حتى وهو یلج نص "تبغ وشوارع" ففیه بقایا شكوی، وتقدیم لوم وخطاب من عتاب لا ینقطع.

إنَّ النص الذى یسفح كلماته على رخامة تتبّع القارئ لا بدَّ من أن یبث بخور القلق فى مسارات التلقّی، ویثیر فى فضاء المتلقّى تخلخلاً وإرباكاً یهز الجدران، ویدفع أرض الرخاء إلى الإمادة، وعندها یؤدى هذا النص فعلته فى استقرار القارئ.. القارئ الذى یحس إنّه إزاء شیفرات سحریة إنْ وضعَ أصابعه على مجسّاتها قادته أصابع السحر إلى مدلولات ستزعزع لدیه قناعة كانت متكرّسة، وسیقوده النص إلى حتمیة بناء قناعة جدیدة. أى أنَّ نصّه الذى قرأه وأجرى مقارباته المتداخلة معه آلَ إلى نصٍّ آخر سیتمخّض كنتاج للقراءة وفعل للتداول. إنَّ نص البوح والشكوى والعتاب یبقى مُكرَّساً لـ "لیلی" الأنثى التى قد نجدها شیفرة للمفردة أو القصیدة أو الروح، أو هالة الوهم ودوائر الحزن، وقد تكون فم احتجاج على الذات المبتلاة بالمازوشیة والجلد المتواصل.. ولنقر افتراضاً كما هو الزبَد الراغى على السطح إنَّ النص موجّه لأنثى اقترن اسمها بِـ "لیلی" - لیلى قیس بن الملوَّح ، أو قیس بن ذریح، أو قیس الرقیات - جاءت لتأخذ حیّزاً فى جسد النص، فیتقابل فى مضمار النص وجهان أحدهما یطلق الصوت بالكلمات، والآخر یغترف الكلمات بالصمت. وإذا كان الوجه الأول ظاهراً یمثله الشاعر/الباث فإنَّ الثانى لا وجود له إلاّ فى مخیلتنا. وكل قارئ یخلق قسمات ذلك الوجه، ویمنحه صفة الحیاة لیتلقى سمعاً ونظراً:

شعرُكِ الذى ینبض على وسادتی/كشلال من العصافیر/یلهو على وسادات غریبة/یخوننى یا لیلی/فلن أشترى له الأمشاط المذهّبة، بعد الآن .
إنَّ الخیانة فى عتاب الباث لیست فى ضمیر لیلى ودواخلها إنّما فى ظاهرها، وهو الشعر الذى كان یتباهى بانسیابیته كشلال من عصافیر، ینتفض علیها فلا یخضع لإرادتها . وبجرّاء المؤثرات الخارجیة یمارس اللهو والعبث على وسادات غیره. هذا ما أنجزه المرسل ویغمر سهوب أعماقه بالأسى فیرثى زمن العَفاف والحب العذری، سیما وأنَّ المُخاطَب هو "لیلی" مَعلَم الحب العذرى وبیرق النزاهة.. والشاعر یُقدّر رُغم الألم المحفّزات والأسباب التى حدت بالشعر "شلال العصافیر" إلى اختیار غیره:

سامحینى أنا فقیر یا جمیلة/حیاتى حبرٌ ومُعلّقات ولیل بلا نجوم/شبابى باردٌ كالوحل/عتیق كالطفولة/طفولتى یا لیلی.. إلا تذكرینها ؟ كنتُ مهرّجاً/أبیع البطالة والتثاؤب أمام الدكاكین/ألعب الدحل/وآكل الخبز فى الطریق/وكان أبى لا یحبنى كثیراً/یضربنى على قفاى كالجاریة/ویشتمنى فى السوق/وبین المنازل المتسلخة كأیدى الفقراء/ككل طفولتی/ضائعاً.. ضائعاً/أشتهى منضدة وسفینة.. لأستریح/لأبعثر قلبى طعاماً على الورق .
إذاً هذا هو الفقر الذى ولّدَ عدم التكافؤ فأنتجَ انحراف شَعر لیلى لغیر وسادته الراقصة على أدیم جفافها أشباح الفقر وضعف الحال واستحالة تحقیق المُراد.. إنَّ الشاعر فقیر، فهو لا یملك غیر الحبر الذى یثیر امتعاض مَن یمتلك عین التطلّع لاغتراف ملذّات المحیط وحیازة البذخ والأبّهة والمظهر المثیر والأناقة الباعثة على تصالب العیون اندهاشاً وإعجاباً له ولحاشیته.. نعم ماذا تجنى الذات الراعشة باتجاه كسب الضوء والإشعاع من لیل بلا نجوم، وشباب معتم وبارد كالوحل. ناهیكَ عن طفولةٍ خرساء عتیقة هربت من دروبها حوریات الانطلاق وبنات الحبور وملائكة الفرح.. وفى الشباب كانت البطالة والتثاؤب من لا عمل، ولا إنتاج، ولا أبواب تنده بكفِّ الحنان، فى عائلة نشأ ربُّها على أبجدیة الوصف الذى یستعرضه الابن.. أب مقموع ومُعاقب بالفقر والتهمیش، ملیء بالغضب،؛ أین یصب الجام المحتشد... مرةً كتبتُ قصة ولم تُنشر، ثم ضاعت بین محطّات الترحال عن أبٍ تضطهده الأیام فى مجتمع یقسو علیه بسیاط البطالة والفقر وعار عهر ورثه عن أمٍّ ارتكبت الفواحش فكانَ أنْ اشترى فأساً وجذوع أشجار یابسة، رماها فى الفناء الخلفى لبیته. وحین یعود متألماً، وتثیر غضبه الزوجة البائسة أو الأولاد المقموعون، ومن أجل ألاّ یرتكب جریمة بحقّهم لحظة الغضب یتّجه إلى حیث الجذوع الیابسة. یمسك بالفأس ویروح یبدد حنقه وانفعالاته الجامحة بتكسیرها حتى یسقط منهكاً ولكن مرتاحاً. فیعود للزوجة والأولاد ببساطة رب الأسرة الحنون.

ویمكننا تخیل الماغوط - بل نحسبه - أبَ الكلمات یضاجعها كما یشتهی، ویجلدها بسیاط حزنه كما یروم.. كلماته بیده وموهبته لا تقبل التحجیم.. إنها تبغى الانفجار، وهى دوماً فى إرهاص، لذلك وفى كثیر من المواقف النصیّة تتمرّد علیه وتنتثر فتتبعثر نصوصاً لا قدرة له على كبحها أو إیقافها، أو حتى تأخیر اندفاعها. ومن هنا نرى نصوصه كما لو كانت لا تمت لشخصه: بسلوكه وعلائقه والتزاماته.. هكذا یغدو الحال فى عدید التجارب الإبداعیة لخلاّقین دخلوا حومة الإبداع باعتزاز وجودهم كماسكى صولجانه، ثم خرجوا من حلبته وهم كما لو كانوا غرباء عنه. ألم یقل ماتیس رائد تیار الوحشیة فى الفن التشكیلی: نحنُ لا نستطیع أن نكون أسیاد إبداعنا. إنَّ الإبداع هو الذى یوجّهنا. .
ــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ ـــــــ
(ہ) جیمس مكفارلن، الحداثة، مالكولم برادبرى وجیمس مكفارلن، ج1، ص76.
(ہہ) روبرت شولتز، السیمیاء والتأویل، ترجمة سعید الغانمی، ص82.
(ہہہ) والس فاولی، عصر السریالیة، ترجمة خالدة سعید، ص22.
(ہہہہ) نصوص الماغوط مأخوذة ممّا هو منشور فى "كتاب فى جریدة" بعنوان "حطاب الأشجار العالیة"


[ چهارشنبه 15 اردیبهشت 1389 ] [ 18:38 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


ما من عمل أدبیّ شعبیّ نال شهرة واسعة فی آداب المجتمعات الإنسانیّة أكثر من ألف لیلة ولیلة. وكثیرة هی الدراسات التی تناولت هذا العمل فی جوانبه المتعدّدة، بوصفه نتاجاً معرفیّاً وحضاریّاً لكثیر من الأمم والشعوب. ویمكن القول: إنّ حكایات ألف لیلة ولیلة تعبّر عن مخزون الذاكرة المعرفیّة الجمعیّة للمجموع الإنسانیّ عبر رحلته التاریخیّة والحضاریّة، هذه الذاكرة التی عایشت تاریخ المجتمعات، وعاداتها وأحوالها، والتحولات الفكریّة والسیاسیّة لهذه المجتمعات فی تطوّرها الحضاریّ. ومن هنا فإنّ السرد الحكائیّ فی لیالی ألف لیلة ولیلة لیس سرداً بعیداً عن الإیدیولوجیا الّتی تشكّل خلفیّة معرفیّة، یؤسّس علیها الرّواة مقولات أبطالهم الفكریّة، وحركة هؤلاء الأبطال، وما یقومون به من أفعال، ولیس هذا السرد بعیداً عن التاریخ والسیاسة. وكل محاولة لدراسة حكایات ألف لیلة ولیلة بعیداً عن بنیة المجتمعات التی تتحدّث عنها اللّیالی ستفرض علینا اعتبارها عملاً تخیلیّاً صِرْفاً، وبالتالی ستفقدنا المتعة الكامنة فی السرد الحكائیّ المرتحل فی مدن هذه المجتمعات، وفضاءاتها المتعددة، وعلاقاتها الإنسانیّة والطبقیّة الّتی یمكن أن تكون علاقات قد قامت فعلاً، فی زمان تاریخیّ معیّن، وفی فضاء مكانیّ معروف.

وإذا كانت ‎حكایات ألف لیلة ولیلة تنهل من كثیر من الأبعاد الأسطوریّة والخرافیّة، والأحلام البشریّة الجمعیّة الجامحة للطبقات الوسطى والفقیرة، فإنّ ذلك لا ینفی أن تكون هذه الحكایات قد نهلت من بنیة الواقع بعلاقاته وعاداته، ومكوّناته الفكریّة والرؤیویّة، ولا ینفی أن تكون هذه الحكایات رصداً أنثروبولوجیاً لحضارة الجماعات البشریّة بأزمنتها وأمكنتها، لأنّ هذه الأزمنة والأمكنة ـ وإن كان من المحتمل أن تكون تخیّلیّة ـ متشكّلة بفعل الخبرات المعرفیّة للرّواة الذین قرأوا كثیراً من معارف عصورهم والعصور التی سبقتهم أو حفظوها بعد أن سمعوها شفاهیاً ـ قد تكون حقیقیّة، بل هی أقرب إلى الحقیقة منها إلى التخیّل.

إنّ وضع اللمسات على الحدود الفاصلة بین ما هو واقعیّ وبین ما هو تخیّلیّ وحلمی فی ألف لیلة ولیلة من الصعوبة بمكان، إذ لا یمكننا أن نحدد بدقّة متى ینتهی الواقعیّ ومتى یبدأ التخیّلی، لأنّ الواقعیّ فی مدن ألف لیلة ولیلة یبدو أحیاناً أغرب من التخیّلی نفسه، من حیث سحریّته وعجائبیّته.

وكذلك نجد أنّ السّرد التاریخی فی حكایات ألف لیلة ولیلة، وفی بعض الأحیان، لا یعنی مجرد ذكر الحادثة التاریخیّة بشخوصها و أفعال هذه الشخوص، وعلاقاتهم فی الزمان والمكان، بل هو یخرج عن إطار الحدث ومحدودیّته ومصداقیّته، لیصبح سرداً مؤسطراً یتجاوز ما هو تاریخیّ إلى ما هو تخیّلی وحلمی. فعلى سبیل المثال یُلاحظ ـ أحیاناً ـ أن السّرد الذی یذكر الخلیفة العباسیّ هرون الرشید یتخطّى حدود التاریخ، لیُدخل هذا الخلیفة فی دائرة العجائبیّ الأسطوریّة، إذ یبدو مستهتراً ماجناً، وعاشقاً مغتلماً، لا همّ له إلاّ إشباع لذائذه الجنسیّة، وباطشاً مستبدّاً بأقرب المقرّبین إلیه، وزیره جعفر البرمكی، وقادراً على إخضاع الجان لمشیئته.

ویبدو أنّ الراوی سبق له وأن رأى كثیراً من أخطاء الدولة العباسیّة، وتجاوزات خلفائها وسلطاتها لما هو شرعی ودینیّ وأخلاقی، فعمد إلى تبنّی إیدیولوجیا مضادة لإیدیولوجیا هذه الدّولة، ومن خلال هذه الإیدیولوجیا المضادة أضفى على تاریخ خلفاء هذه الدولة ـ ومنهم الخلیفة هرون الرشید ـ سرداً نأى عن الحدث التاریخیّ بواقعیّته، وحقیقة أبطاله، ومسیرتهم التاریخیّة، على أنّ أیدیولوجیا الرّاوی فی نهایة المطاف لیست فردیة، ولا یمكن أن تكون كذلك، لأنّها تمثّل رغبة الجماعات المستضعَفَة ـ بفتح العین ـ والفقیرة، والمحرومة، فی الدولة العباسیّة وتطلّعاتها. ومن هنا یبدو طبیعیاً أن تشكّل نصوص ألف لیلة ولیلة حقلاً مرجعیّاً، ووثیقة تاریخیّة واجتماعیّة، یمكننا من خلالهما أن نفهم طبیعة الإنسان والمجتمع، والحضارات الإنسانیّة، وقیمها وأعرافها، وأنظمتها الفكریّة والسیاسیّة، إذ لا یمنع التخیّلیّ الخارق فی ألف لیلة ولیلة هذه اللیالی من أن تكون هذا الحقل المرجعی، لأنّ التخیّلی ـ ومهما كان خارقاً وعجائبیّاً ـ فإنّه فی نهایة المطاف یستمدّ كثیراً من عناصره التخیّلیّة من الواقع وإشكالیاته، وحركته، وقبحه وجماله، وأحلام جماعاته، وهو بهذا یعمل على تخطی هذا الواقع، لیؤسّس مكوّناته التخیّلیة الجمالیة المتجاوزة لهذا الواقع، والقادرة على الدخول بالذات الإنسانیّة إلى عوالم سحریّة أخّاذة ملیئة بالدهشة والغرابة.

وإذا كانت بعض العلاقات الاجتماعیّة والسیاسیّة التی ظهرت مدن ألف لیلة ولیلة علاقات عجائبیّة سحریّة لا تتحقق إلاّ فی الحلم والتخیّل، وأوهام الذاكرة، و وفقاً لنسق میثولوجی وسحریّ، فإنّ كثیراً من مدن ألف لیلة ولیلة كانت مدناً واقعیّة معروفة بتاریخها وحكّامها، وطبیعة الحیاة فیها بمختلف أشكالها، فلقد قامت هذه المدن منذ القدیم، وعُرِفت، ولا تزال معروفة حتى الآن، ومن هذه المدن: بغداد والبصرة والكوفة، و دمشق، وحلب، وصنعاء، والقاهرة والإسكندریّة، وفاس و مكناس، وغیرها من المدن الكثیرة التی ذكرتها نصوص اللیالی، فی حین أنّ مدناً وجزراً أخرى ذكرتها اللیالی، كانت غایة فی العمران والهندسة المعماریّة الفائقة فنّاً وإبداعاً، وتخطیطاً جمالیاً مدهشاً، غیر أنّ هذه المدن، إذا حاولنا أن نتتبّع معالمها على الخریطة الجغرافیّة الحدیثة ـ بعد أن تشكل العالم الحدیث تشكُّلاً جغرافیاً جدیداً ومعروفاً من حیث معالمه وحدوده وبحاره ومحیطاته، وعواصمه ودوله ـ فإنّنا لن نجد أسماء لهذه المدن. فإمّا أن تكون قد اندثرت بفعل عوامل الطبیعة من زلازل وبراكین، وسیول وأنهار، وإمّا أن تكون قد تغیّرت أسماؤها، بفعل التحولات التاریخیّة والجغرافیّة التی تعرّضت لها قارات العالم وفق تشكّلاتها الجدیدة، وإمّا أن تكون مدناً قد تشكّلت مورفولوجیّاً وجمالیاً وفق رؤیة الرّواة الجمالیّة الخاصّة، ومن خلال عملیات التخیّل والحلم، أو من خلال المثاقفة الفكریّة والحضاریّة بین ثقافة رواة ألف لیلة ولیلة وبقیّة الثقافات الأخرى، هذا إذا أخذنا بعین الاعتبار أنّ هؤلاء الرّواة كانوا على قدر كبیر من العلم والمعرفة، إذا اطّلعوا على ثقافات الشعوب وعاداتها وتاریخها وأدبها، وعادات مدنها. وإمّا أن تكون هذه المدن قد خُرّبت وتهدّمت بفعل صیرورة التاریخ نفسه، وحركات الاضطراب والفتن والثورات المعارضة والحروب، وبالتالی تأسّست مدن جدیدة بدلاً منها، وبأسماء جدیدة، وإمّا أنّها انتهت بزوال سلطتها السیاسیّة وقوّة ملكها، لأنّ » الأمصار التی تكون كراسی للملك تخرب بخراب الدولة وانتقاضها (…)، [و] الدولة إذا اختلّت وانتقضت فإنّ المصر الذی یكون كرسیّاً لسلطانها ینتقض عمرانه وربّما ینتهی فی انتقاضه إلى الخراب .. «(1).

ومن هذه المدن التی ذكرتها حكایات ألف لیلة ولیلة، والتی تبدو مجهولة، أو التی لم تعد محتفظة بأسمائها فی خارطة التسمیات الجغرافیة المعاصرة: مدینة النحاس(2)، ومدینة اختیان الختن(3)، والطیران،(4) وجوهر تكنی(5)، وواق الواق(6)، والمدن والجزر الكثیرة التی كان یصل إلیها السندباد البحری، كمدینة الملك المهرجان(7)، ومدینة القرود(8)، وإقلیم الملوك(9)، وجزیرة السلاهطة(10)، وتلك التی لا تأخذ اسماً، وهی معظم الجزر التی وصل إلیها فی رحلاته السبع، ومدینة أخرى، یبدو أنّ الرّاوی لا یعرف اسماً لها، إذ یقول عنها:

» والله لا أعرف للمدینة (…) اسماً ولا طریقاً «(11). یُضاف إلى ذلك مجموعة كبیرة أخرى من المدن المتخیّلة التی تتوزّع على حكایات ألف لیلة ولیلة، والتی شكّلها الرّواة من خلال قراءاتهم الكثیرة فی الأساطیر والخرافات والحكایات الشعبیّة، ویبدو أنّ جمیع مدن ألف لیلة ولیلة الواقعیّة والمتخیّلة غیر المعروفة، باختلاف تشكیلاتها الاجتماعیّة وتوجهاتها الدینیّة، هی مدن موشّاة بالسحر والأسطورة والغرابة، وقلّما نجد مدینة فی ألف لیلة ولیلة إلاّ ولها سحرتها الخاصّون، ومنجّموّها الذین یستشعرون الخطر قبل قدومه، ونساؤها الخبیرات فی جمیع فنون المكاید والحیل والمكر، ورجالها السلطویّون الذین أفنوا أعمارهم فی مجالس الشراب والطرب، والتمتع بأجساد الجواری، والحروب الطاحنة، رغبة فی تعزیز بطشهم وسلطاتهم، بعیداً عن أیّة قوانین أو شرائع إنسانیّة أو أخلاقیّة، من شأنها أن تحمی مواطنیهم البسطاء من شرورهم واستبدادهم.

إنّ قسماً من مدن ألف لیلة ولیلة مدن واقعیّة معروفة عبر منها رجال التاریخ السلطویون فارضین رؤیتهم وقسوتهم، واستبدادهم المطلق بشعوبهم، والقسم الآخر مدن متخیّلیة شكّلها عدة رواة متشعّبو الثقافات، وینتمون إلى حضارات متعددة، متعاقبة، ومتجاورة زمنیّاً وتاریخیّاً.

و تعدّ حكایات ألف لیلة و لیلة من بین أكثر النصوص الأدبیة الإسلامیة والعربیة تأثّراً بالمجتمعات العربیة و الإسلامیة، و بخاصة فی عهد الدولتین الأمویة و العباسیة، بعلاقاتها السیاسیة و الاجتماعیة، فقد صوّرت هذه الحكایات عادات المجتمعات العربیة و الإسلامیة، و أنماط معیشتها، و عرّجت على تركیبتها الطبقیة و السیاسیة، و وقفت طویلاً عند مظاهر الترف و اللهو و الفجور التی انغمس بها كبار رجال السلطة ونساؤهم و أبناؤهم، و عرّجت على هموم الفقراء و المهمشین و مآسیهم فی هذه المجتمعات، و أشارت بشكل جریء إلى فساد الرجال والنساء فی هذه المجتمعات المنفتحة حضاریاً و معرفیاً على ثقافات الحضارات الأخرى المجاورة.



[ چهارشنبه 15 اردیبهشت 1389 ] [ 18:37 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


الشاعر والفأر من اكثر الكائنات استشعارا للخطر والمبدع الحقیقی هوالذی یقرع الاجراس التی قرعها هعمنجوای وكفكا ونیتشه لعله ینبه الناس للخطر انی امارس كتابة القصیدة النثریة منذ سنوات وانا الاحظ النقاد یعلنون حربا باسلحة جرثویة تحطم ا بداع الذات والعقل باسم ان الشعر دیوان العرب وله قوانین یجب امرا ان تتبع والملاحظ ان الذین یكتبون شعرا من المسمىبالموزون لیست له علاقة بد هشة القصیدة وروعتها حتى ولو كان هذا الكلام للعقاد حین استفز صلاح عبدالصبور الذی شعر بغثیان الواقع قبل العقاد نفسه .. لقد تفطن عبد الرحمان بدوی لعلاقة الشعر بالوجودیة وحاول ان یحدد مواطن التشابه بین الشعر والوجود وفی نظری الخاص فعلاقة الشعر بالوجود تتلخص فیما یلی الاغتراب الحریة الموت الوجود الانسان والتوتر ای القلق یقول اندریه جید ان الدافع الخفی یفلت من والشعر له علاقة بفینومولوجیا الذات والوجود والشاعر هو الكائن الوحید الذی یحددهذه العلاقة الحلم الجمیل دائما یضیع باسم النظام وحماقة العقل وهذا ماینطبق على قصیدة النثر منذ رودها جماعة شعر ادونیس انسی الحاج... قصیدة النثر فی نظری الخاص هی قصیدة العصر والغثیان والاحباط والعدم والانتحار الحداثة والعولمة... وهی تعنی فضاء نصی یجسم الرؤیا والمعرفة وهذا یدل فی نظری على شیئین التشكیل اللغوی بالكلمات التی تجسد الرؤیة الرؤیا وانا اشعر والشیء الثانی تعطی للمتلقی وعیا جمالیا وافقا معرفیا وموقفا حضاریا انسانیا ولذلك فحاجتنا لقصیدة النثر مثل حاجتنا للالة والصناعة وتجلیا ت
الافق الابداعیة وفی نفس الوقت تعید للمبدع اكتشاف الوجود المجهول المدهش الرائع ثم ان تجسید الرؤیا فی قصیدة النثر یضمن لنا الكینونة وهذا فی نظری لایتم فی مستوى قصیدة النثر الا على الخصائص التالیة
1 تجسید الرؤیا ونعنی به ان الشاعریحول الحالة الى كلمات لااضیف اشارات او شطحات وان یصبح شیئا لا یناسب حساسیة العصر بل هناك الشعر الخالص التأملی السردی الفلسفی الدرامی الواقعی شعریة الشاعر هی الاساس فی التقسیم الشعری لا الجانب السیاسی
2دیمومة الابقاع ونقصد بها ناموس الایقاع لا ناقوس الوزن الذی یحنط القریحة وبتلد الاحساس وحریة الشاعر فی اختیار ایقاعه الخاص بانفاسه لان النص یولد قانونه من نفسه لا ان یاتی بقانون وضعه غیره مثلما یقع فی ساحة الشعر الان
3دراما الذات الشاعر نبی نورس یحمل فی قلبه نبراس الكلمات وفی البدء كانت الكلمة انه یتوحد مع العالم وهو البطل الذی ینقل لنا فطرة الحیاة وزیفها وروعتها وومضاتها المشرقة.
4 سردیة الواقع المبدع مع الواقع یصفه كما یراه یتأمل یسرد لنا الاحداث والظواهر لیكشف لنا عن فحیح الشر وشهوة الخیر ویفتح صدورنا للحق والحب والحلم.
5لا ایحاء الصورة الصورة فضاء تركیبی تخیلی یصوغ به الشاعر علاقات الاشیاء بوحیه ولغته فیؤسس كونا خاصا والصورة فی قصیدة النثر تنبثق من شیئین التخیل والتوتر التخیل یبدع الاشكال او یركبها والتوتر هو اللحظة الزمنیةالدیمومة المشخصة للرؤیة لتصبح رؤیا ومنه یلجأ الشاعر الى اللغة لیفجرها بالمفارقة المدهشةویشكل صورة على نمط جید .
ان الشاعر فی قصیدة النثر یتمرد یرفض یتوتر لیجسم لحظة الجمال الكامنة فی ذاته.




موضوع:

[ چهارشنبه 15 اردیبهشت 1389 ] [ 18:36 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


.: تعداد کل صفحات 7 :. [ 1 ] [ 2 ] [ 3 ] [ 4 ] [ 5 ] [ 6 ] [ 7 ]

با کلیک بر روی 1+ بانـــک مقــــالات عربـــی را در گوگل محبوب کنید