بانک مقالات عربی

مقالات رشته زبان وادبیات عربی - دکترای عربی - ارشد عربی - ترجمه عربی - تدریس خصوصی عربی - عربی آموزش و پرورش

د. رباب هاشم حسین / كلیة التربیة / جامعة بغداد
المقدمة
بعیدا عن محاولتنا ولوج عالم الأسطورة ورموزها یجدر بنا الإحاطة بمجمل الدوافع التی دعت الشاعر المعاصر إلى اللجوء إلى ذلك التراث الإنسانی الموغل فی القدم لیستلهم منه تلك الأجواء الروحیة العمیقة وملامح البطولة الإنسانیة المتفردة التی تجسدت بأفعال الشخصیات الأسطوریة وتطلعاتها ومواقفها إزاء الحیاة الإنسانیة وما یحیط بها من غموض وتعقید.
وإذا كانت الأساطیر فی مضمونها العام حكایات أو قصص غارقة فی الخیال والتصورات الخرافیة بوصفها مجافیة للمنطق الحضاری الحدیث فكیف یمكن أن یكون اللقاء بین الشاعر المعاصر وصانع الأسطورة؟ إن نظرة فاحصة متعمقة فی صمیم العمل الشعری والبناء الأسطوری تظهر لنا بجلاء مدى الصلات الحمیمة التی تربط بین هاتین الظاهرتین . ولعل أبرز تلك الصلاة هی البناء اللغوی وأسلوب الأداء التعبیری اللذان یتجاوزان حالة التشابه إلى حالة مهمة من التطابق الذی یثیر فی أذهاننا الاعتقاد بأننا ورثنا من إنسان بتلك الثقافة الأسطوریة البدائیة الكیفیة اللغویة التی كان یعبر بها عن تصوره وإدراكه للواقع وإننا برغم ما نملك من نظرة موضوعیة ما زلنا نحتفظ بتلك اللغة المفعمة بالحیاة والرموز ولعل الصفة الأسطوریة للتراكیب اللغویة والمفردات اللفظیة من المسلمات التی یقوم علیها العلم الحدیث فی أصل اللغة.
فضلا عن ذلك كله إن البناء الأسطوری لا یتضمن عنصرا نظریا أو فكریا فحسب بل انه یحمل عنصرا فنیا ذا طابع إبداعی على نحو ما یقول كاسیرر وأول ما یلفت انتباهنا فی الأسطورة هو صلتها الوثیقة بالشعر ذلك أن عقل مبدع الأسطورة عقل شاعر بل إن الشاعر وصانع الأساطیر یعیشان فی عالم واحد فلم تعد الأسطورة مرتبطة بمرحلة تاریخیة بدائیة لان الفن لا ینقد إطلاقا الخیال ألغرائبی الذی تصوره الأساطیر بل یتجدد مع كل فنان عظیم فی كل العصور.
إن الأسطورة بما تنطوی علیه من طاقات إبداعیة فاعلة ومؤثرات تكسب الشعر قدرات فنیة ودلالیة من خلال خلق علاقات لغویة عمیقة السعة والشمول بحیث تصبح بنیة القصیدة نسیجا فریدا من الدلالات والرموز التی تحیل إلى ذلك العالم الغامض الخفی الذی یتوخى الشاعر تجسیده على المستویات الفكریة والنفسیة والإنسانیة وعن طریق الأسطورة وما تتضمن من عطاء فنی وتاریخی تكون إسقاطات الشاعر الرامزة التی تجعله یوظف الأسطورة توظیفا رامزا یكون فی وسعه تخلیص اللغة الشعریة من غنائیتها الفجة بواسطة استحداث معادل موضوعی بین الذاتیة والموضوعیة والانطلاق بالتجربة الفردیة إلى مستوى التجربة الإنسانیة الكلیة.
ولعل القارئ الكریم لا یستغرب أن یستخدم السیاب الرموز الأسطوریة فی شعره لأنه أغرم بها وتوسع فی توظیفها منذ بواكیره وقد یتعجب من توظیف الرموز الأسطوریة فی شعر نازك الملائكة لان نازك فی دراسات الباحثین عزفت عن استخدام الأساطیر أو الاهتمام بها وهذا ما دفعنا إلى تألیف هذه الدراسة التی تعقد موازنة بین قدرة السیاب الفنیة فی توظیف السیاب للرموز الأسطوریة لتجسید معالم الموت التاریخی وضرورة الانبعاث من خلال الثورة والتضحیة بل عبر عن قضایا إنسانیة كبرى لها صلة مباشرة بحاضر الإنسان ومستقبله فی حین إن الرموز والإشارات الأسطوریة فی شعر نازك تكاد تتركز فی بواكیر شعرها من الناحیة الزمنیة أما فی المراحل اللاحقة فإنها كما یبدو قد عزفت عن تلك التقنیة الشعریة واضعة ثقلها على الرموز ذات الدلالة الخاصة والبناء الشعری ذی السمة الشعریة ولقد حاولت استقراء كل الرموز الأسطوریة التی وظفتها نازك فی شعرها لجاعل القارئ على بینة حول طبیعة ذلك التوظیف ثم قارنت بین توظیف السیاب الفنی للرموز الأسطوریة وتوظیف نازك لرفع الحیف عن الإهمال الواضح لظاهرة استخدام الرموز الأسطوریة فی شعر نازك الملائكة.
             توظیف الرموز الأسطوریة فی الشعر بین نازك والسیاب
الرموز الأسطوریة فی الشعر العربی الحدیث الدوافع والمؤثرات:
لا یخفى أن من المنجزات المهمة فی حركة الشعر الحر على ید الرواد استخدام الأساطیر رموزا یوظفونها فی بناء القصیدة لتعبر عن أفكار ومعان عمیقة وعن رؤى ومضامین طریفة ومكثفة لم یألفها القارئ العربی قبل خمسینات هذا القرن وبدأت تحتل لدى الشعراء المتأثرین بالأدب الأوربی حیزا كبیرا فی الخمسینیات والستینیات... وخاصة فی الإنتاج الشعری إلى الحد الذی جعل خلیل حاوی یعد استعمال الأسطورة فی الشعر الحدیث من أهم صفاته (1)
ولعلنا لانعدم البحث عن أساطیر ودت فی الشعر العربی القدیم ولأجرم أن نعثر على رموز أسطوریة فی الشعر العربی الحدیث قبل الرواد ولاسیما لدى جماعة الدیوان وابولو ولكن الاستخدام لدى الشعراء الرواد فی العراق أخذ اتجاها أخر أكثر عمقا وأوسع أفقا وأبعد نظرا وأكبر كما ومما لاشك فیه أن هؤلاء الشعراء قد تثقفوا بالثقافة الأجنبیة وأطلقوا على الأدب الأوربی عامة والشعر الغربی خاصة لان شعرهم كما یبدو استقى من الشعراء الأوربیین فكرة استخدام الاساطیر وعلى الرغم من أن الاساطیر نتاج (إغریقی أو رومانی) لكنه أصبح فیما بعد تراثا أوربیا یتبناه الشعراء الغربیون ویوظفونه فی شعرهم ولكنه تراث طبیعی للغربیین أولا ولكن شعراءنا سارو إلیه بدافع التقلید وبدعوى التجدید(2)على رأی الدكتور علی جواد الطاهر.
إن الشعراء العرب الذین لجأوا إلى استخدام الرموز الأسطوریة فی شعرهم مطلع هذا القرن تأثرا بالشعر الغربی واقتباسا لأسالیبه كانوا یدركون تماما إن واقعهم وظروفهم السیاسیة والفكریة آنذاك هو واقع مشابه للواقع الذی أشار إلیه ت.س. الیوت فی قصیدته الأرض الخراب وحین تكون الأرض الخراب بالنسبة ل(ت.س.الیوت) المدینة الخیالیة (الیوتوبیا) بكل ما فیها فالأرض الخراب بالنسبة للشعراء العرب هی أرض بلادهم التی غزتها الحضارة الجدیدة وبالتالی فقدان الناس فیها لهویتهم الأصیلة وبما أن الأرض الخراب فی قصیدة الیوت تسترد عافیتها بوعد هطول المطر فی الجزء الأخیر منها فالشعراء العرب قد استفادوا من هذه الفكرة فی أسطورة ادونهیس ولذا فان خلاصهم یتحقق حسب اعتقادهم من خلال التضحیة ویتضح ذلك مثلا لدى الشاعر یوسف الخال الذی یرى أن تجاوز الواقع المر إلى مستقبل مشرق لن یكون إلا من خلال الموت (التضحیة) الذی یتبعه واقع جدید (البعث) وانطلاقا من هذا المبدأ لجأ یوسف الخال إلى توظیف أسطورة 0تموز) لما فیها من دلالة رمزیة كان ینشدها.
ومن أوائل الذین أفادوا من أسطورة تموز وتوظیفها فی الشعر العربی بدر شاكر السیاب وعلى أحمد سعید الذی لقب نفسه ب(أدونیس) وهو الاسم الإغریقی ل(تموز) ففی قصیدته البعث والرماد (1957) خیر مثال على التعبیر عن موقفه السیاسی تجاه واقعه.(3)
ومن الطبیعی إن تتحدد دوافع استخدام الاساطیر بین التقلید للشعراء الغربیین أمثال ت.س.الیوت t.s.eliot وادیث سیتویل edith sitwell وجون كیتس gohn keats وشیللی shelley وغیرهم وبین البحث عن الأبعاد والدلالات الرمزیة أو الرجعة إلى الحیاة البدائیة الساذجة للتخلص من تعقید الحیاة أو البحث عن معین فنی بعید عن مادة الحیاة فیه غذاء للخیال وانطلاق من حدود العقل (4). ومن الجدیر بالإشارة أن الشعراء الرواد – وخاصة السیاب والبیاتی – حین استخدموا الاساطیر أضافوا إضافة نوعیة إلى الشعر العربی التحدیث وحسبهم أنهم وظفوه فی كیان قصیدة عربیة مكتوبة بلغة عربیة وأفكار عربیة وجها ولسانا بالرغم من التأثر بالشعراء الأوربیین ولقد نجحوا أیما نجاح.
إن قضیة التأثر والتأثیر واردة هنا ولا ضیر فیها فی ظننا لان الاساطیر أصبحت تراثا عالمیا وانسانیا فیها من شمول الدلالة والعمق ما یجعل الشاعر العربی یوظف رموزا أسطوریة توحی بما هو أكبر من المساحة التی تحتلها من اللفظ (5). ولكن استخدام الاساطیر كما یرى د. علی البطل لا یعد فی ذاته ظاهرة تستحق الاهتمام بقدر ما یستحقه الجدید فی الاعتماد على الأسطورة وجعلها عنصرا فاعلا من عناصر القصیدة الحدیثة لا تزیینا أو زخرفا بلاغیا (6). وهذ ما طمحنا إلى ألفات النظر إلیه فی مستهل هذا البحث لان تبنی الاساطیر فنیا لا یتأتى بسهولة لكل شاعر ما لم یفهم الأبعاد الإنسانیة والمعانی الفكریة العمیقة للأساطیر القدیمة وامتلاك دلالاتها مثلما یمتلك تجربته الشعریة وصیاغته الفنیة.
الرموز الأسطوریة فی شعر الرواد فی العراق:
ما یهمنا – إذن – أن استخدام الرموز الأسطوریة فی شعر الرواد كانت قضیة تستحق البحث لأنها ظاهرة مهمة من ظواهر هذا الشعر لما فیها من دلالات خاصة حاول الشعراء من خلالها تفجیر الدلالة المطلوبة فی إطار السیاق الشعری لیؤكدوا الأحاسیس والمعانی والأفكار التی یحملونها فی جنباتهم من خلال المواءمة بین الرمز والسیاق الفنی بمعنى توظیف الشاعر لرمزه الأسطوری انسجاما مع السیاق الفنی لقصیدته ولولا ذلك لتحولت القصیدة إلى (ترقیع) غیر متجانس فنیا.
ولقد تفاوت الشعراء الرواد فی أسالیب استخدامهم للرموز الأسطوریة فمنهم من ذكر شخصیة من شخصیات الأسطورة ومنهم من اتكأ على معناها العام دون أن یذكرها ومنهم من ذكرها وأفاد من مغزاها العام.
كل حسب قناعاته ودوافعه وذلك لما فی الأساطیر من طاقة رمزیة تمنح الشاعر مجالا للتعبیر لیفصح عن أفكاره على نحو فنی یبعد القصیدة عن المباشرة والسطحیة من جهة وینأى بالشاعر أحیانا أن یكون عرضة للأذى والملاحقة (7). وهذا یشیر إلى أن للظروف السیاسیة والاجتماعیة دورا فی هز كیان الشاعر أمام هذا القلق الحضاری وتبدل القیم والعلاقات الإنسانیة.
یبدو أن الشعراء الرواد كانوا على صلى بالثقافة الأوربیة والأدب الغربی وأخص بالذكر هنا نازك الملائكة والسیاب فقد اطلعوا مثلا على كتاب الغصن الذهبی لجیمس فریزر وعلى بعض المعاجم المیثولوجیة المترجمة وغیر المترجمة فالسیاب على سبیل المثال توزعت لدیه المصادر الأسطوریة وتنوعت بین مؤثرات ثقافیة لشعراء أوربیین وبین مؤثرات میثولوجیة قدیمة لكتب وأسالیب أدبیة حوت مضامینها دلالات اجتماعیة وإنسانیة كثیرة.(8)
یتفق مجمل الباحثین على إن السیاب هو أول الشعراء الرواد من العراقیین استخداما للأساطیر فی شعره فی مجال الرصد التاریخی وهذا مما شاع لدى شریحة كبیرة من القراء وحقیقة الأمر أن نازك الملائكة هی الأسبق إذا أردنا التسلسل الزمنی ومما یدل على ذلك ورود أسماء شخصیات أسطوریة فی شعرها منذ عام 1945 فی قصیدتها الطویلة مأساة الحیاة فی صورتها الأولى وذا ورد (ابولو) حوالی عام 1945 فانه یرد عابرا عاما فی مأساة الحیاة أی من غیر الموحیات البلاغیة المطلوبة وربما كان (بلاوتس) اله الذهب عام 1950 مثله أو قریبا منه (9).
وفی مقولتها أغنیة للإنسان 1950 أسماء شخصیات أسطوریة متعددة أیضا ومما یؤكد اهتمام نازك بالأساطیر الإغریقیة وغیرها ما ذكرته د.حیاة شرارة من أن نازك الملائكة درست اللغة اللاتینیة منذ عام 1950 والذی یدرس اللغة اللاتینیة یطلع بالضرورة على الأدب الرومانی وما فیه من أساطیر تقول واصلت نازك دراسة اللغتین اللاتینیة والفرنسیة وظلت تحفظ قوائم تصریف الأفعال وتغیرات نهایات الأسماء اللاتینیة وفی الوقت نفسه بدأت بكتابة ملحمة أدخلت فیها أساطیر عربیة وإغریقیة وبابلیة ووجدت أنها بدأت بمرحلة جدیدة فی تطور شاعریتها (10).
وهذا أیضا و أكدته نازك نفسها فی مقابلة شخصیة معها عام 1984 (فی الكویت) حینما سئلت عن الأسماء الأسطوریة التی وردت فی شعرها هل جاءت بسبب اطلاعها المباشر على المصادر الأجنبیة أم تعرفت علیها من خلال الشعر الانكلیزی؟
أجابت كل هذه الأسماء وسواها استعملتها لأننی أعرف المیثولوجیا الإغریقیة من أصغر تفاصیلها إلى أكبرها درستها دارسة مفصلة فی فرع التمثیل بمعهد الفنون الجمیلة عام 1942 (11).
ولعل نازك فی حدیثها السابق قد بالغت بعض الشیء فی هذا الشأن ولكنه یدل بلا شك على اطلاع ما على الأساطیر الیونانیة.
إن ما ذكرته د.حیاة شرارة وغیرها من الباحثین وتواریخ قصائد نازك نفسها أعنی مطولتها تدل دلالة واضحة على أسبقیة نازك الملائكة فی مجال استخدام الأساطیر مقارنة بالسیاب الذی بدأ باستخدام الأساطیر بعد عام 1952 كما هو معروف فی مطولته الرائعة (المومس العمیاء) بسبب تأثره بالشعر الأوربی كما اشرنا سابقا ولقد اهتم السیاب ونازك اهتماما خاصا بالشخصیات الأسطوریة إضافة إلى اهتمامهما بالأسطورة عامة لان الشخصیة الأسطوریة توحی من خلال توظیفها فی القصیدة بما فی الأسطورة من دلالات وتكثیف للمعنى المطلوب وعلى هذا الأساس وردت فی شعرهما أسماء شخصیات أسطوریة تنم عن اطلاعهما واهتمامهما بالأساطیر الإغریقیة والرومانیة وغیرها.
 

                         الأسطورة بین نازك والسیاب:
 نحاول فی هذا البحث الوقوف على استخدام الأساطیر الإغریقیة والرومانیة وغیرها من غیر العربیة والإسلامیة فی شعر نازك الملائكة وبدر شاكر السیاب وستكون وقفتنا أكثر اهتماما بالأساطیر المشتركة بین الشاعر والشاعرة مما وجد فی غیر التراث العربی والإسلامی والمسیحی حتى لا تتشعب خطوط البحث ویتضخم وسینحصر استقراؤنا بالأساطیر الإغریقیة والرومانیة والبابلیة المشتركة وهذا لا یعفینا من ذكر الرموز الأسطوریة غیر المشتركة بینهما نوردها على سبیل الذكر لا التحلیل ولا ننسى إن نشیر إلى إن الباحثین درسوا الأسطورة فی شعر السیاب دراسة تفصیلیة ولا حاجة هنا إلى التكرار ولذلك ستكون وقفتنا أطول عند الأسطورة فی شعر نازك نرصد تطورها ونلج غالى الرموز المشتركة بینهما ندرسها ونحاول بیان الأسبق أو الأكثر فینة فی استخدام بعض الرموز المشتركة ویبدو إن دراسة الأسطورة فی شعر نازك ظل بعیدا عن متناول الدارسین إلا ما ندر ویعزو الدكتور علی جواد الطاهر ذلك إلى أن نازك لیست مادة لموضوع الأسطورة والإعلام والرموز (12).
ونحن نرى أن شعر نازك فیه مادة طیبة فی مجال البحث عن الأساطیر لما فیه من دلالات ورموز أسطوریة وأسماء شخصیات استلت من أساطیر الإغریق والرومان أطلقت نازك على بعضها فی مقدمة دیوانها (شظایا ورماد) تسمیة بضع لكلمات أوربیة.
وعلى هذا الأساس یمكن التأكید على إن نازك استخدمت الرموز الأسطوریة قبل عام 1950 وخاصة فی مطولتها (مأساة الحیاة 1945 وهذا تاریخ له أثره المهم فی مجال الوعی باستخدام الأساطیر فی شعرنا العربی الحدیث فی العراق ولكن السبق الزمنی شیء والتوظیف الفنی شیء آخر ولعل استخدام نازك للأساطیر فی هذه المرحلة كان باهتا ضعیف الأثر فی بناء القصیدة الفنی بل یكاد یكون حرفیا ساذجا لیس له معنى خاص خارج الأسطورة القدیمة... لا یعدو أن یكون ركنا فی تشبیه أو حد الاستعارة... ویبدو فی الحالتین مقحما على السیاق الشعوری فی القصیدة وذا الحدیث الأسطوری أیضا مجرد سرد قصصی للأسطورة لم تتمكن الشاعرة آنذاك من تلوینه بأیة ظلال شخصیة تضفیها على المغزى الأصلی للأسطورة (13).
إن هذا فی اعتقادنا عیب من عیوب الریادة ونازك هی الرائدة الأولى للأسطورة فی الشعر العراقی الحدیث ولابد من الوقوع فی دائرة الضعف إذا ما عرفنا أن الاهتمام بالأساطیر لدیها كان عام 1945.
ولو تتبعنا الشاعرة بعد عام 1950 لوجدنا أن وعیها الأسطوری أخذ منحى آخر فیه شیء من العمق والتمثل الفنی للأسطورة وهذا یلمح إلى إن الشاعرة استعجلت الأمر وأخرجته قبل أن یختمر ولكنها سجلت سبقا زمنیا على زملائها فی مجال الاطلاع على الأساطیر.
قلنا أن الشاعرة لم تعط لنفسها الوقت الكافی لاستبطان الأساطیر وتمثلها على العكس من بدر شاكر السیاب الذی تعامل مع الأساطیر بوعی لا نظیر له وبقدرة یحسد علیها فی مجال التمثیل والفهم للأساطیر ولقد أفاد السیاب مما وقعت به نازك من عیوب ثم انه لم یستعجل الأمور فلم یخرجها إلا بعد أن تمكن منها مما جعل توظیفه للأساطیر ذا شأن فی بناء القصیدة مع تأخره زمنیا عن الشاعرة بسنوات والمهم كما یقول د.علی جواد الطاهر فی هذا المجال إن بدر شاكر السیاب تمكن من أداته وشرع یقدمها سمحة مطواعة یكسب بها ما كسبه الشاعر الغربی مثله... ثم قد یصل الباحث إلى بیان السابق أو الأسبق من شعراء الشعر الحر فی العراق إلى هذه الظاهرة ومكان بدر شاكر السیاب مضمون على أیة حال وذا كان غیره (وأفكر ببلند ونازك الملائكة) بدأ الطریق إلى غیر علم ببدر أو على غیر اعتراف بعمله فالممكن أنه زاد من الاستخدام عندما رأى نجاحها عند بدر. (14)
أن الدوافع إلى استخدام الأساطیر فی اعتقادنا مشتركة بین السیاب ونازك بل الشعراء الرواد فی العراق جمیعا هی دوافع فنیة وفكریة وسیاسیة واجتماعیة فبعد أن أدرك السیاب والملائكة حاجتهما إلى أسلوب فی التعبیر عما یدور فی خلجاتهما وهوا جسهما الشخصیة وافكارهما ومواقفهما السیاسیة والاجتماعیة دون أن یلحق بهما أذى أو یواجها برد فعل عنیف من الأطراف المعنیة التجأ كل من الشاعر والشاعرة إلى استخدام الرموز الأسطوریة فی شعرهما وقد أبدع الاثنان فی هذا المجال (15).
ولو درسنا الظروف التی كان یمر بها العراق آنذاك لوجدناها ظروفا قاسیة فی المجال السیاسی والاجتماعی والفكری وكانت لهذه الظروف مردودات سلبیة على الشعراء فی تلك الفترة نعنی منذ نهایة الأربعینات حیث كانوا یعانون من قوى التسلط والظلم والرعب التی كانت تحكم البلاد وقوى الشر التی تحكك العالم وعلى الرغم من أن الشعراء العراقیین قد عبروا عن تلك الظروف فی أغلب قصائدهم إلا أنهم فی الوقت نفسه كانوا متفائلین ویحلمون بشمس الحریة والثورة على الطغیان ولعل السیاب كان أكثر هؤلاء الشعراء تعبیرا بوساطة الرموز الأسطوریة عن الجدب السیاسی والفكری الذی یعیشه العراق وبعد ثورة 1958 أصبح السیاب أكثر اهتماما بالأساطیر خاصة بعد فترة مرضه للتعبیر عن حرمانه وغربته ومرضه وانتظاره الموت... نراه یستخدم موازنة بین متضادین رغم تناقضهما: أساطیر العذاب والموت وأساطیر الخصوبة والنماء. (16)
والمهم أن الشاعرین طمحا إلى التكثیف والتركیز ونبذ المباشرة والتقریریة التی شاعت لدى شعراء مطلع القرن العشرین لیجعلا من القصیدة عالما من الإسرار والرموز التی لا تعطی نفسها بسهولة للمتلقی حتى یصبح له دور فی مجال التأمل والاحتراف والفهم ونحن لا ننفی أن بدر كان متمكنا من أدائه مدركا لخطواته فی هذا الشأن لم یلج عالم الأساطیر لمجرد اطلاعه علیها فقط كما فعلت نازك بل تأملها جیدا بعد أن اطلع على الأدب الانكلیزی وعلى شعر ت.س.الیوت وادیث سیتویل بوجه خاص وكان له الفضل الأكبر فی قیادة خطواته نحو المنهج الصحیح فی استخدام الأساطیر (17).
ولعله استثمر جهود نازك فی هذا المجال وطورها وأفاد منها معتمدا على اطلاعه وقوة شاعریته وقدراته الفنیة التی تفوق بها على غیره من الشعراء.
أن مما یلفت النظر فی قضیة استخدام الأسطورة فی شعر نازك أمران:
الأول: إن الرموز والإشارات الأسطوریة تكاد تتركز فی بواكیر شعرها من الناحیة الزمنیة أما فی المراحل اللاحقة فإنها كما یبدو قد عزفت عن تلك التقنیة الشعریة واضعة ثقلها الإبداعی على الرموز ذات الدلالة الخاصة والبناء الشعری ذی السمة الرمزیة وكان الشاعرة قد أدركت أنها لم تستطع إن تضاهی ما قدمه زمیلاها الشاعران السیاب والبیاتی (18).
وهذا ما یأخذ بأیدینا إلى الأمر الثانی: وهو أن نازك لم تدرك شأو الشاعر بدر شاكر السیاب فی مجال توظیف الأسطورة فنیا فی شعرها وهذا فی ظننا یعود إلى أسباب متعددة ذكرنا بعضا منها فی الصفحات السابقة ونلفت النظر إلى أمر مهم لم یقف عنده الدارسون أبدا وأعنی اقتصار نازك على توظیف الأسطورة فی شعرها (العمودی) عامة وهذا فی اتقادنا یشكل خللا كبیرا فی مجال الإبداع الفنی.
فلیس من المعقول أن تستخدم الشاعرة أسلوبا جدیدا لم یألفه الشعر العربی سابقا وهی تطمح الى تغیر النوع الادبی من التقلید الى التجدید ثم توظف هذا فی قصیدة غنائیة تقلیدیة مما یحیله غالى استخدام محدود غیر متوالد وهی فی ذلك تشبه الشاعر أحمد شوقی الذی ادخل نوقا شعریا جدیدا إلى لشعرنا العربی ولكنه ظل یدور فی إطار القصیدة الغنائیة بینما یتطلب الشعر المسرحی شعرا درامیا حتى تحولت المسرحیة الشعریة لدیه إلى قصیدة غنائیة تتوزع على شخصیات المسرحیة یتحكم بها العروض والبحر الشعری والقافیة ولقد كانت مسرحیات شوقی تستجیب إلى الشعر فتتحول إلى قصائد جمیلة ومقطوعات منفصلة یثقلها الاستطراد والتفكك وتفتقد النمو الدرامی المطلوب... إن المأزق الرئیسی والأشكال الأساس فی شعر شوقی المسرحی (وتلامیذه من بعده) یكمن فی محاولتهم الوصول إلى التطور الشعری الخارجی (الشكل المسرحی) قبل تحولهم الشعری الداخلی الضروری (الحداثة) فكانوا یعالجون فنا متطورا بأدوات متخلفة ورؤیة قدیمة.(19)
وهكذا كانت نازك الملائكة فی مجال توظیف الرموز الأسطوریة قد أدخلت الجدید فی إطار قصیدة عمودیة غنائیة مألوفة ونحن هنا لا ننسى أن الشاعر المبدع أكبر من كل قید ولكنه لإبداعه لا تفوته فرصة الإتیان بالجدید بوسائل جدیدة أیضا ویبدو أن نازك لم تحمل قضیة التجدید فی مجال استخدام الأساطیر فی بواكیر شعرها على محمل الجد أو أنها لم تمثلها تمثلا عمیقا أو تدرك ما فیه من جدید أو لأنها أول من استخدم هذا الجدید بما نسمیه بعیوب الریادة ولم افترضنا أن نازك أخر من استخدم الأساطیر من الرواد هل سیكون توظیفها للرموز الأسطوریة بمثل هذا المستوى الذی هی علیه؟ هذا مانشك فیه.
والمهم أن نازك بالرغم من استخدامها لأسماء شخصیات أسطوریة فی دیوانها الثانی (شظایا ورماد) نراها تشیر إلى تلك الأسماء فقط دون الوقوف عندها وبیان دوافع استخدامها وكان مناسبا لو حدثتنا عنها فی مقدمتها القیمة لهذا الدیوان ویمكن القول أنها استعملتها كما تستعمل أیة لفظة لدیها أی إنها لم تفكر لدى الاستعمال ببلاغة خاصة لوقعها وبإدخال جدید على الشعر العربی ثم استعمالها لم یكن ذا أثر فی الآخرین.. وإنها لم تلتزمه صفة ویكفی أنها نشرت دیوانا من أهم دواوینها هو (قراره الموجة) 1957 دون أن تدل على اهتمام بالأسطورة (الاغریقیة). (20)
وهی فی هذا تختلف عن السیاب الذی ابتدأ بتوظیف الأساطیر دون أن ینتهی منها وظل متحمسا لها حتى اواخر أیامة لانه استخدمها عن وعی بمعنى التجدید وعن أدراك واستبطان لها وأجاد فیها أیما إجادة لأنه كان یضع قدمه على الأرض الصلبة التی تساعده على الندفاع فی هذا المضمار وابتكار ما هو رائع فی هذا الشأن ولقد لجأ إلى استخدام الرمز الأسطوری مؤمنا بقیمته الفنیة(21)
وانصب جزء من اهتمامه بتعریف القارئ العربی بتلك الرموز الأسطوریة أو أسماء الشخصیات الأسطوریة حتى یستوعب المتلقی ما یریده الشاعر و إذا كان بدر متمثلا لهذه الإعلام والأساطیر فانه یعلم أن أغلب القراء لم یسمعوا بها مع انه شاعر شعب ویطمح أن یكون شعبیا (22)
وكانت نازك أیضا تعرف بأسماء الإعلام الأسطوریة وغیرها فی نهایة دواوینها أو فی الهوامش كما فعلت فی شظایا ورماد ولكن السیاب كان أكثر اهتماما منها بتعریف الأساطیر.
أشرنا فیما سبق إن اهتمامنا سینصب على الاساطیر الإغریقیة والرومانیة وغیرها مما لا صلة له بالدین الإسلامی والمسیحی والتراث العربی لدى كل من نازك والسیاب ونحن نعقد مقارنة بینهما فی مجال توظیف الاساطیر فی شعرهما ثانیا ونعزو سبب ذلك إلى إن الأساطیر الإغریقیة درست دراسة وافیة من لدن الباحثین الأوربیین وهذا یعنی أنها متاحة للاستلهام الأدبی والفنی على نحو أفضل وهذا هو واقع الحال فی الثقافات والآداب الأوربیة التی تشكل جزءا أساسیا من المكونات الثقافیة والأدبیة لنازك (23) السیاب.
ویبدو أن توظیف الاساطیر لدى نازك توظیفا أدبیا لم یأت إلا بعد الخمسینات عندما اتخذ الرمز الأسطوری لدیها مستویین الأول: استخدام أسماء الشخصیات الأسطوریة مثل: ابولو apollo واریس ares وبلوتو Pluto ونارسیس... naressus الخ، والثانی: استلهام الاسطورة كاملة أی استثمار البناء القصصی للأسطورة أو الفكرة العامة لها فی توقیعه شعریة كاملة مثل أسطورة (نهر النسیان)  و(بلاوتس) وغیرها فالشاعرة فی قصیدتها نهر النسیان مثلا لم توظف الاسطورة مادة وشخوصا بل أنها اتكأت على فكرتها العامة ومزجتها بتجاربها الشخصیة ومعاناتها فلم تكن الإشارة طافیة على سطح القصیدة یمكن استبدالها بأی رمز أسطوری مناسب دون أن یختل المعنى أو یضطرب بناء القصیدة. (24)
أن الرموز الأسطوریة التی وظفتها نازك توظیفا عاما وجعلتها مادة أساسیة فی بناء القصیدة یمكن أن نحددها فی بواكیر شعرها المتأثر بالشعر الأوربی وخاصة فی مطولتها الشعریة فی صورتها الثانیة (أغنیة للإنسان) 1950 وسنقف عند تلك القصائد وغیرها عند المقارنة بینهما وبین السیاب ولعل من المفید أن نذكر هنا أن رموزا أسطوریة مشتركة بین نازك والسیاب یمكن أن نستعرضها ونقف عندها لأنها مادة البحث الأساسیة وهناك رموز انفرد فیها كل منهما سنكتفی بذكرها فقط حتى نقی البحث الطالة والتشعب والخطل وسنحدد فی الجدول التالی أهم الرموز المشتركة بین نازك والسیاب:
 

 





موضوع:

[ پنجشنبه 22 مهر 1389 ] [ 10:29 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


مغازلة درویش للإسرائیلیین بالرموز المشتركة

یعدّ محمود درویش أكثر شاعر فلسطینی تناولته الدراسات بالنقد والشرح والتحلیل، بعضها تمجیدی واحتفالی وبعضها أكادیمیّ حِیادیّ. محمود ظاهرة شعریة عربیة، ویتفق بشار إبراهیم مع المؤلف الناقد أحمد أشقر (دار قدمس ـ دمشق 2005) فی المقدمة على أن درویش هو العربی الوحید الذی یستطیع أن یخلق ازدحاماً فی أمسیة شعریة.

حوّل درویش بشعره المحسوس الى مجرد والوقائع الى واقعة وراوح بین الأیدیولوجیا والمیثولوجیا. ویعتقد أن شاعر القضیة لا یخلو من التناقض بین قصیدة وأخرى وكأنه یرید منه ثباتاً بتغیر الأزمان والمواقف؟ ویأخذ مثال قصیدة (عابرون فی كلام عابر) المستقاة فی رأیه من برنامج منظمة التحریر فی طور التسویة. الباحث أحمد أشقر یرید درویشاً مثل ناجی العلی الذی انتقد محمود درویش واستشهد فی سبیل موقفه ویتذكر أشقر الشهداء عبد الرحیم محمود وكمال ناصر وكمال عدوان وغسان كنفانی؟ ویقف مع الشاعر الفلسطینی أحمد حسین رافضاً مشروع درویش الثقافی السیاسی، ویمیز بین الجمالی والقومی فی شعره، ویعتقد أن درویش هو الشاعر الأكثر شهرة فی المشهد الشعری الفلسطینی حتى إنه یمكن الأطلال من خلال شعره على الحالة الفلسطینیة، لكنه لیس الأكثر أهمیة.

ویرى كثافة للرموز الیهودیة والمسیحیة والإسلامیة فی شعره وغیاباً للتراث الكنعانی وإذا حضر فموظفاً لخدمة الموقف السیاسی التسووی ولیس النضالی. عوامل كثیرة یعددها علی عشری زاید لاستخدام الرمز منها العوامل الفنیة المغنیة والمثریة للقصیدة والعوامل الثقافیة والسیاسیة الاجتماعیة والقومیة والنفسیة التی تحمی الشاعر من برد الواقع وقد زاد توظیف هذه الرموز بعد هزیمة حزیران فی الشعر العربی وكانت أول قصیدة نشرت بعد الهزیمة هی البكاء بین یدی زرقاء الیمامة للشاعر أمل دنقل.

یتهم أشقر درویشاً بتوظیف الرموز (السماویة الثلاث) بغرض الوصول الى أكبر عدد من الناس وكأنها سبة، وینفی استعماله لها عن "تجربة" و"اختبار دینی"؟ ولا أدری ما المقصود بهاتین الكلمتین فالرموز السماویة الثلاثة تعیش مع كل عربی وفی حارته وبیته. وكان درویش قد صرح أن الرموز التی یستعملها لها غرض جعل النص یعمل فی التاریخ والماضی هرباً من حاضر یذوب بسرعة، فالماضی یتحول فوراً الى ملكیة عامة، ویمكن الاتفاق مع أشقر على ان درویشاً حصر المثاقفة مع التراث العبری دون هومیروس وشكسبیر واراغون وناظم حكمت أی انه یستخدم الرموز كرشوة!! وانه یخلط بین الأساطیر والتاریخ وینسى أن حضور التاریخ العبری كثیف فی التاریخ العربی الإسلامی ویسمى الإسرائیلیات وان الأساطیر هی تاریخ مكتوب بالرموز أو انه تاریخ شعری. یعرض أشقر نماذج من رموز درویش واستعاراته "التوراتیة" (دون وجود موقف نقدی) فاستعماله للرموز (لا یختلف كثیراً عن مؤمن عادی أو "أصولی"!) أی انه لا یخدم قضیة التنویر و(التحرر من الموروث).

إلا أن أشقر لا یفسر قصیدة (إلهی لماذا تركتنی لماذا تزوجت مریم) الثوریة على طریقته وربما یراها فلتة وكیف یقرأ رمز الهدهد الذی یبحث فی قصیدة درویش عن سماء وعن الحبیب وعن (صفة الذی لیس له صفة) ربما یرید اشقر للهدهد ان یبحث فقط عن بندقیة؟ وینسى ان الماضی لا یموت ولا یقتل وانما یعاد انتاجه شعریا ویستفاد من اخطائه تاریخیاً.

یناقش اشقر قصیدة (القربان) التی نشرت للمرة الأولى فی الثانی من عام 2000 فی ملحق النهار متزامنة مع انتفاضة الاقصى. مقولة القصیدة تتلخص فی ان الشهید الفلسطینی قربان لاستمرار المفاوضات، والشهید غیر القربان، القربان مسلوب الارادة ویعود بالفائدة على غیره. القربان شهید سلبی. اشقر یتعامى عن الرثاء الموجع والنبرة الساخرة المزساویة فی القصیدة.

یحصر احمد اشقر أسباب استخدام محمود درویش الموروث (الیهمسلامی) فی العوامل السیاسیة لتحویل الأعداء الى خصوم ومشاركته العدو فی الثقافة ولیس التاریخ، ویتهمه بالإصلاحیة التلفیقة التی عبر عنها یوسف شاهین فی فیلم "المهاجر" ویذكر بمواقفه السیاسیة كموقفه من انعقاد (مؤتمر المراجعة التاریخیة) الذی كان من المزمع عقده فی بیروت 2001 لمنع ای مراجعة للهولوكست وموقفه من سعد الدین ابراهیم (احد اقطاب التمویل الأجنبی) فی مصر وبموقفه من العدوان على العراق والذی حمل صدام سبب العدوان ولیس أمیركا. واذا اشقر محق فی الأول فالثانی یجانب الصواب فی الآخر ویتهم درویش (شاعر القبیلة) وشاعر الربابة (الشاعر النقدی لا المعارض) بالمساومة للحصول على نوبل مثل أدونیس وانه یقلد لوركا.

لا یستطیع أشقر إقناعنا ان استخدام الشاعر احمد حسین للرموز اكثر ثوریة فی المثال الذی أورده وان استخدام درویش للرموز نمطی ویتغافل عن استئناس هذه الرموز فی سیاقات غنائیة قل نظیرها بین قصائد الشعراء.

استشهد عبد الرحیم محمود ولم یتحول الى لوركا وما یفصل درویش عن لوركا هو طلقة واحدة فقط. واذا نالها سیرضی عنه صاحب المدرسة.

 





موضوع: العصر الحدیث،

[ پنجشنبه 22 مهر 1389 ] [ 10:04 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]



إذا كان أحمد أمین فی القرن التاسع عشر أهم مناصر للمرأة نثراً، فإن معروف الرصافی لا یقل عنه أهمیة فی مناصرته للمرأة شعراً، لكن أحمد أمین نال حظه من الاهتمام والبحث والدراسة والانتشار، داخل حدود مصر وخارجها، بینما حُرم الرصافی من كل ذلك، وبقی صوتاً محركاً فاعلاً فی المجتمع العراقی فقط. وأكثر من ذلك، أن أحمد أمین وجد من یناصره ویدافع عنه أمام معارضیه، لكن الرصافی ظل وحده فی المیدان، یواجه المجتمع، بمثقفیه ورجال الدین، ومع ذلك لم ییأس ولم یتوقف، وبقی حتى وفاته العام 1945 مدافعاً عن المرأة فی كل مناحی الحیاة، مخْلصاً لقناعاته وآرائه.
القارئ لدیوان الرصافی بجزأیه الأول والثانی، یجد أن موضوع المرأة والسیاسة، یطغى على كل قصائده، وأن ما كتبه الرصافی فی الاجتماعیات والمراثی والوصف، مزدحم بموضوع المرأة والسیاسة، وكأنه فی شعره یوظف ما یقول لهذا الموضوع وحده، وهو حین یتحدث فی السیاسة فإنما ینشد حریته هو والمرأة معاً، وحین یتحدث عن المرأة فهو ینشد حریتها المرتبطة أیضاً بحریته، من هنا كانت المزاوجة عنده بین المرأة والسیاسة.
المرأة والرجل عند الرصافی مخلوق إنسانی واحد، یسعى لحریته والإعلان عن وجوده، وهو كامل الحقوق والواجبات، یعی ما له وما علیه، من هنا نرى الرصافی عندما یناصر المرأة لا یعادی الرجل، بل یحاول أن یعیده إلى صوابه وإلى إنسانیته التی فقدها بسبب مفاهیم اجتماعیة، أو معتقدات دینیة أو سیاسیة. وهو یرى أن قید الرجل هو نفسه قید المرأة، لذلك فإن ما یحرره یحرر المرأة أیضاً، فیكف یستطیع الرجل المقیّد والمسلوب الحریة، أن یمنح المرأة حریتها؟ فالعبد لا یمنح حریة للآخرین، بل یجب أن یكون حراً حتى یستطیع أن یعطی ما یملكه للمرأة.
لذا، أن الرصافی فی قصائده أن الرجل عبد للعادة، وعبد للمعتقد الدینی الخاطئ، وعبد للسیاسة المضلّلة، لذلك فهو لا یعطی المرأة إلاّ العبودیة، یقول الرصافی:
أیسعدُ محیّاكم بغیر نسائكم هل سعدت أرض بغیر سماء
هذه هی النظرة العلیا عند الرصافی للمخلوق الإنسانی رجلاًوامرأة، فهما معاً یشكلان كوناً رائعاً متكاملاً. وتصحُّر أحدهما یعنی تصحّر الآخر، وخصبه یعنی خصبه واخضراره:.
فالشرق لیس بناهض إلاّ إذا دنا النساء من الرجال وقرّبا
أساس متین یبنی علیه الرصافی موقفه من المرأة، وهو أن المرأة نصف مكمّل لنصف الرجل، وهما معا یعمّران كوناً واحداً؛ أرضاً وسماء. وهو یرى أن لا نهضة إنسانیة دون جهد الاثنین معاً، وهذا الجهد یجب أن یكون بتكافؤ الفرص وحریة العمل معاً جنباً إلى جنب.
وهو یتتبع فی شعره حركة المجتمع تجاه المرأة ویرصد هذه الحركة ویحاول تصویبها إذا رأى فی ذلك ضرورة، ویرى أن النظرة الدونیة للمرأة، حرمتها كثیراً من حقوقها واستقلالها، وأهم هذه الحقوق: العلم، فقد مُنعت المرأة فی زمنه من التعلیم مخافة الانحراف، فیتصدى الرصافی لهذا التوجه بقوله:
وقالوا الجاهلات أعف نفساً عن الفحشاء من المتعلمات
نرى جهل الفتاة لها عفافاً كأن الجهل حصن للفتاة
لقد كذبوا على الإسلام كذباً تزول الشمّ منه مزلزلات
ألیس العلم فی الإسلام فرضاً على أبنائه وعلى البنات
ولم یتوقف حرمان المرأة على العلم، بل حُرمت المیراث وحریة العمل وحریة اختیار الزوج، وفی ذلك یقول الرصافی:
منقوصة حتى بمیراثها محجوبة حتى عن المكرمة
عاب علیها قومها ضلّة أن تكسب القوت وأن تطعمه
وكیف وقد رأوا فی سعیها فی طلب الرزق من الملأمة
وكم فتاة فقدت بعلها من بعد ما قد ولدت توأمه
فانقطعت فی العیش أسبابها وأصبحت للبؤس مستسلمة
ما هكذا یا قوم ما هكذا یأمرنا الإسلام بالمسلمة
ویقول حین یرى ظاهرة زواج المسنین بفتیات صغیرات السن إكراهاً وإجباراً، وبموافقة الأب أو الأخ الكبیر:
ظلموك أیتها الفتاة بجهلهم إذ أكرهوك على الزواج بأشیبا
طمعوا بوفر المال منه فأخجلوا بفضول هاتیك المطامع أشبعا
أتباع أفئدة النساء كأنها بعض متاع وهن فی عهد الصبا
إذا كان لیس بالإمكان فصل الدین عن المجتمع، فإننا نرى أن هناك أموراً مختلطة یتنازعها الدین والمجتمع معاً، ویتفقان فی طرحها وتقدیمها ثم ممارستها، وأن هناك أموراً فی اتجاهین مختلفین. وقد تفشت فی عصر الرصافی بالعراق عادات اجتماعیة، وتقالید وأعراف، نُسبت إلى الدین، وهو من كثیرٍ منها براء، مما أثار حفیظة الشاعر الذی یرى أن السكوت عن الممارسات الخاطئة أكبر خطأ، خصوصاً أن هناك من نسب سلوكات منافیة للحقیقة التی یفهمها الرصافی وغیره، إلى الدین، من هنا كانت هجمة الرصافی علیهم قاسیة وشدیدة، وصرخة حاولت إیقاظ المسلمین من سباتهم، لیقفوا إلى جانبه مناصرین وداعمین مواقفه وأفكاره التحرریة.
ویرى الرصافی أن ما حلّ ویحل بالأمة العربیة الإسلامیة من ویلات ومآسٍ سببُه فی جزء منه، التقالید والعادات الفاسدة، التی ألصقها مدّعوها بالدین زوراً وبهتاناً:
ألا ما لأهل الشرق فی برحاء یعیشون فی ذل به وشقاء
لقد حكّموا العادات حتى غدت لهم بمنزلة الأقیاد للأسراء
وأقبح جهل فی بنی الشرق أنهم یسمّون أهل الجهل بالعلماء
لقد مزّقوا أحكام كل دیانة وخاطوا لهم منها ثوب ریاء
وما جعلوا الأدیان إلا ذریعة إلى كل شغب بینهم وعداء




موضوع: العصر الحدیث، الشعر الحر، مقالات حول معروف الرصافی،

[ دوشنبه 19 مهر 1389 ] [ 22:44 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


قال أبو الطیب فی قصیدة یمدح بها محمد بن عبدالله القاضی الأنطاكی:



أفاضل الناس أغراض لذا الزمن
یخلو من الهم أخلاهم من الفطن
وإنما نحن فی جیل سواسیة
شر على الحر من سقم على بدن
حولی بكل مكان منهم خلق
تخطی إذا جئت فی استفهامها بمن


یقول العكبری فی شرح البیت الأول: أغراض: جمع غرض، وهو الهدف الذی یرمى به. والفطن: جمع فطنة، وهی العقل والذكاء. والمعنى: یقول: الفضلاء من الناس للزمان، كالأغراض یرمیهم بنوائبه وصروفه، ویقصدهم بالمحن، فلا یزالون محزونین، وإنما یخلو من الحزن والفكر من كان خالیاً من الفطنة والبصیرة. وهذا من أحسن الكلام، وهو من كلام الحكیم. قال الحكیم: على قدر الهمم تكون الهموم، وذلك أن العاقل یفكر فی عواقب الأمور، فلایزال مهموماً، وأما الجاهل فلایفكر فی شیء من هذا. ویقول العكبری عن البیت الثانی: الجیل: ضرب من الناس «ولقد أضل منكم جیلا». وسواسیة: متساوون فی الشر دون الخیر. الواحد: سواء، من غیر لفظه. والسقم: المرض. والمعنى: یقول: نحن فی قرن من الناس قد تساووا فی الشر دون الخیر، فما فیهم أحد یركن إلیه. ویقول العكبری عن البیت الثالث: یروى خلق )بالخاء وبالحاء(، فبالحاء: الجماعة من الناس جمع حلقة، )وبالخاء(، جمع خلقة، وهی الصورة، والاستفهام عمن یعقل بمن، وعما لایعقل بما، تقول للجماعة من الناس: من أنتم؟، وتقول لما لایعقل: ماهذه القطعة؟.
والمعنى: یقول: حولی من هؤلاء الناس جماعة كالبهائم، فإذا قلت من أنتم؟ أخطأت فی القول لأنك خاطبت مالا یعقل بما یخاطب به من یعقل، بل إذا أردت أن تقول لهم: من أنتم؟ فقل: ما أنتم؟ وفیه نظر إلى قوله تعالى: «إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبیلا».
لقد ربط شاعرنا أبو الطیب فی أبیاته الثلاثة السابقة بین العلاقة الوثیقة بین الإنسان والزمن، فالزمن له مفعوله القاسی والمؤثر على الإنسان المفكر فی الأمور والأحوال التی تدور من حوله. ویلاقی الإنسان صاحب الطموحات العالیة الكبیرة، المصاعب والویلات والشدائد والقهر من الزمن. والزمن هنا بغض النظر عما یحدثه بمروره فی بدن الإنسان من تغیرات وتبدلات هو فی الحقیقة مایراه الإنسان العاقل من الناس من حوله، فإذا كان الناس كما قال الشاعر دون عقول وفهوم، ودون فطن ولا إدراك ومعرفة بما یدور حولهم، وكأنهم أصنام لا أرواح ولا عقول فیها، فأی زمن هذا الذی یكون أناسه مثل هؤلاء؟ إنه زمن الخسة والنذالة والقهر والأسى، ومن هنا یمكن القول بأن زمان شاعرنا الذی أشار إلیه هو الإنسان فی ذلك الزمن فأی زمن من الأزمان یمكن أن یصیر زمن قیم ومثل وأخلاق عالیة أو بالعكس من ذلك، وكل هذا یعتمد على نوعیة بشر هذا الزمان.
وقال المتنبی فی قصیدة یهجو بها كافوراً:



ما كنت أحسبنی أبقى إلى زمن
یسیء بی فیه كلب وهو محمود


یقول العكبری فی شرح هذا البیت: المعنى: یقول : ما كنت أظن أن یؤخرنی الأجل إلى زمان یسیء إلی فیه شر الخلیقة وأنا أحتاج أن أحمده وأمدحه، ولایمكننی أن أظهر الشكوى.
وقال الشاعر فی قصیدة یمدح بها فاتكاً:



إنا لفی زمن ترك القبیح به
من أكثر الناس إحسان وإجمال


یقول العكبری عن هذا البیت: المعنى: یقول: إنا فی زمان من فیه إن لم یعاملنا بالقبیح، فقد أحسن إلینا، وأجمل، لكثرة من یعامل فیه بالقبیح. والمعنى: أنه نبه على انفراد فاتك فی دهره، وانفراده بالكرم عن أبناء عصره، وهذا من إدبار الزمان، وزهد أهله فی الریاسة والإحسان، فقال: إنا لفی زمن إمساك أهله عن قبح الفعل، وتأخرهم عن مذموم السعی فضل یؤثر، وإحسان یحمد ویشكر، فكیف اتفق فیه فاتك، وهو رئیس المحسنین، وزعیم الكرماء المنعمین.
یقول أبو الطیب فی بیته الأول موجهاً كلامه لذاته: ما كنت أتوقع أن یمتد بی العمر ویتركنی الزمن ویبقی علی إلى هذا الوقت الردیء الذی أهان فیه من قبل أراذل الناس وخساسهم. أما فی البیت الآخر فشاعرنا المتنبی یقول: إن زمننا هذا زمن اختلطت فیه المعاییر والمقاییس والقیم، فمن یترك فعل القبیح من الناس فیه فقد أحسن وأجمل، لأن جل أناس هذا الزمن متعودون على اللئم والخسة وفعل القبیح. ومما سبق نتبین أن شاعرنا قد ربط ربطاً وثیقاً بین الإنسان وزمنه وأن أی وصف أو نعت یطلق على الزمان، إنما هو ناتج عن إنسان هذا أو ذاك الزمان.
وقال أبو الطیب فی قصیدة قالها وقد بلغه أن قوماً نعوه فی مجلس سیف الدولة:



بم؟ التعلل لا أهل ولا وطن
ولا ندیم، ولا كأس، ولا سكن
أرید من زمنی ذا أن یبلغنی
ا لیس یبلغه فی نفسه الزمن
لا تلق دهرك إلا غیر مكترث
مادام یصحب فیه روحك البدن
فما یدوم سرور ماسررت به
ولایرد علیك الفائت الحزن


یقول العكبری فی شرح البیت الأول: الوطن: مایتوطنه الإنسان من مسكن. والندیم: الصاحب. وأكثر مایكون فی الخمر. والسكن: الصاحب، وكل ماسكنت إلیه. والسكن )بسكون الكاف( أهل الدار. والمعنى: یقول: عند شكواه الزمان بم أتعلل؟ وأنا عن أهلی بعید، وعن وطنی، فلم یبق لی ما أعلل به نفسی. فبأی شیء أتعلل. وكتب رجل إلى امرأته من مصر وهی ببغداد مستشهداً بهذا البیت، فكتبت إلیه: لست كما قلت، وإنما أنت كما قال صاحب هذه القصیدة.



سهرت بعد رحیلی وحشة لكم
ثم استمر مریری وارعوى الوسن


ویقول العكبری عن البیت الثانی: المعنى: قال أبو الفتح: ذهب إلى أن الزمان كالذی یعقل، فیختار أن یكون كله ربیعاً، لأنه أطیب الزمان، یظهر فیه من الروض والزهر مالا یظهر فی غیره من الأزمنة. وقال الواحدی: أطلب من الزمان استقامة الأحوال، والزمان لایبلغ هذا من نفسه، لأنه أربعة فصول، كل فصل ضد الآخر. قال: ویجوز أن یكون أراد أن همته أعلى من أن یكون فی وسع الزمان البلوغ إلیها، وهو یتمنى على الزمان أن یبلغه همته، ویجوز أنه یطالب الزمان أن یخلیه من الأضداد. والزمان لیس یبلغ هذا من نفسه، فإن اللیل والنهار ضدان، ویجوز أن یرید: أنی أقترح على الزمان الاستبقاء. وهو لم ینل فی نفسه البقاء. ویقول العكبری عن البیت الثالث: تقول: ما أكترث له، أی ما أبالی. والمعنى: یقول: مادمت حیاً، فلا تبالی بالزمان وصروفه ونوائبه، فإنها تزول، ولیست دائمة، والذی إذا فات فلاعوض منه هو الروح. وهذا من كلام الحكیم: أیام الحیاة لاخوف فیها، كما أن أیام المصائب لابقاء فیها. ویقول العكبری عن البیت الرابع: المعنى: یقول: السرور، وهو الفرح لایدوم، ولابد له من انقضاء، وإذا حزنت على فائت تعبت، ولایرده علیك حزنك، وهو من قول الحكیم: الأیام لاتدیم الفرح ولا الترح، والأسف على الماضی یضیع العقل لاغیر.
لقد ربط الشاعر فی أبیاته الأربعة السابقة بین الزمان والحالة النفسیة للإنسان، وكیف أن كلاً من الحالتین: الزمان والحالة النفسیة یؤثر كل منهما فی الأخرى. فالزمن قد یصبح قصیراً وغیر محسوس به، وقد یصیر بالعكس من ذلك، وهذا یعود إلى الحالة النفسیة للإنسان. فالشاعر یقول: كیف أتعلل وأرتاح وأسر، وأنا متعب ومتألم، وبرم وقلق فی داخل ذاتی، لأننی بعید عن الأهل والسكن والوطن، ولاعندی ندیم أفضی إلیه بهمومی لیشاركنی بها، أو أن یزیلها عنی، ولهذا السبب أفكر بالزمن وأحس به وبوطئته على نفسی، وأرید منه أن یوصلنی لما أرغب به، ولكن حتى هذا الزمن أصبح ثقیلاً قاتلاً متغیراً لایثبت على حال من الأحوال، فمن كانت هذه هی حالته فلا یستحق أن یكترث به )وكما سبق وأن أشرنا فإن الزمن هو مایقوم به الإنسان من حوادث وأفعال إذا أغفلنا الزمن من منظوره الفیزیائی الطبیعی، وعلى هذا الأساس فإنه یمكن القول بأن الشاعر كان یشیر بالزمن إلى بنی البشر فی زمنه(.
یقول حلمی )1406ه1986م( فی تعلیق له على بیتی شاعرنا الثالث والرابع من الأبیات الأربعة السابقة: إن المتنبی یستخف بالزمن ویقول له: إنك تستطیع أن تفعل بجسمی ماتشاء من الوهن وأن تهد أركانه بالشیب، ولكن لاسبیل لك إلى نفسی، فإنها لاینالها سلطانك، وإنها ستبقى فتیة قویة فی هذا البدن الضعیف البالی.
ویقول الدسوقی )1408ه1988م( معلقاً على الأبیات الأربعة السابقة: من البیت الأول تحس هذا الاحتشاد والاقتصاد، وكأن المتكلم حكیم متقطع الأنفاس، یرسل الحكمة فی أقل لفظ، ویعترف فی أوجز تركیب. وتأمل هذا الاستفهام الباتر: بم التعلل؟ إن فیه طاقة من الحزن تتأملها فی لحظة صمت تجیء بعده، تعادل الأحزان التی تفجرها بعد ذلك هذه الاعترافات المباشرة المتتابعة فی سرعة خاطفة: لا أهل، ولا وطن، ولاندیم، ولا كأس، ولا سكن إن تیاراً من الحزن العمیق یتسلل إلى نفوسنا من خلال هذا السیاق الفنی الموحی المؤثر. وینتقل الشاعر من البیت الأول الذی یصور فیه مأساته الخاصة فی مصر وضیاعه الشخصی بعد أن فقد الأهل والوطن والصاحب والسكن إلى البیت الثانی الذی یصور فیه طبیعة الزمان المتناقضة التی لا تستقر على حال. فكیف یرید من هذا الزمن القاصر أن یبلغه آماله. ویزداد الشاعر حكمة ورضا فی البیت الثالث عندما یطلب إلى نفسه ألا یلقى هذا الدهر إلا غیر مكترث، فالحیاة أقوى من الموت، ومادام الإنسان حیاً، فلایهتم بشیء بعد ذلك، فلا یدوم السرور ولایدوم الحزن. ولا یعید إلینا الحزن ما فات من حسراتنا. ویختتم الدسوقی تعلیقه على أبیات شاعرنا الأربعة السابقة قائلاً: هنا نحس أن أبا الطیب یتحدث إلینا من وراء الزمن، بعد أن حول تجربته الخاصة إلى تجربة كونیة عمیقة، ولخصها فی كلمات حكیمة تناقلها الأجیال وترددها، وتشعر بالراحة بعد تردیدها لا تلق دهرك إلا غیر مكترث؛ فما یدوم سرور ما سررت به؛ ولایرد علیك الفائت الحزن.
وقال المتنبی فی قصیدة یعزی بها عضد الدولة وقد ماتت عمته:



تبخل أیدینا بأرواحنا
على زمان هی من كسبه
فهذه الأرواح من جوه
وهذه الأجسام من تربه
لو فكر العاشق فی منتهى
حسن الذی یسبه لم یسبه
لم یر قرن الشمس فی شرقه
فشكت الأنفس فی غربه

یقول العكبری فی شرح البیت الأول: المعنى: یقول: تبخل أیدینا بأرواحنا وتمسك بها بخلاً بها على الزمان، والأرواح مما أكسبه الزمان، وهذا الكلام من كلام الحكیم، قال: إذا كان تناشؤ الأرواح من كرور الأیام فما لنا نعاف رجوعها إلى أماكنها.
ویقول العكبری عن البیت الثانی: المعنى: یرید أن الإنسان مركب من هذین، من جوهر لطیف، وجوهر كثیف، فالأرواح من الجو، والأجسام من الأرض، فجعل اللطیف من الهواء، والكثیف من التراب. وهذا من قول الحكیم حیث یقول: اللطائف سماویة، والكثائف أرضیة، وكل عنصر عائد إلى عنصره. ویقول العكبری عن البیت الثالث: المعنى: یرید أن العاشق للشیء المستهام به، لو تفكر فی منتهى حسن المعشوق، وأنه یصیر إلى زوال لم یعشقه، ولم یملك العشق قلبه، وهذا یطرد فی كل شیء، لو فكر الحریص الذی یعدو ویقتل فی نفسه ویعادی على جمع المال، إن آخره إلى زوال، أو إنه یموت عنه لما حرص على جمعه. وهذا البیت من أحسن الكلام الذی یعجز عن مثله المجیدون، وهو من قول الحكیم حیث یقول: النظر فی عواقب الأشیاء یزید فی حقائقها، والعشق عمى الحس عن دراك رؤیة المعشوق. ویقول العكبری عن البیت الرابع: قرن الشمس: أول مایبدو منها. والمعنى: یرید أنه لابد من الفناء، وهذا مثل. یرید إن الشمس من رآها طالعة عرفها غاربة، كذلك الحوادث، منتهاها إلى الزوال، لأن الحدوث سبب الزوال.
لقد بین أبو الطیب فی أبیاته الثلاثة الأولى من أبیاته الأربعة السابقة إن الإنسان یخاف ویبخل بروحه وحیاته على الزمان والتی هی من كسبه فالروح من الجو والبدن من الأرض، والإنسان مهما طال به الزمن فمصیره إلى الهلاك والفناء، فروحه بعد الموت تذهب إلى خالقها وجسمه الذی هو مادة یعود إلى أصله وهو التراب فیتحلل.
وهنا فقد ربط الشاعر بین الزمان والإنسان فتكرار السنین یعمل عمله بجسم الإنسان حتى یوصله للهلاك والاضمحلال والتفكك. إضافة لذلك فقد أشار شاعرنا الفذ إلى ظاهرة یسمیها العلم الحدیث بظاهرة التحلل ولو بصورة غیر مباشرة فالكائن الحی بعد موته تعمل فی جسده الكائنات الحیة الدقیقة فتحلله وتعیده إلى مكوناته الأساسیة، وهی العناصر المختلفة والتی هی ذاتها موجودة فی التراب. وأشار الشاعر فی بیته الرابع إلى الزمان كظاهرة فیزیائیة طبیعیة، فالشمس تشرق ومآلها إلى الغروب ولكنها تكرر فعلها، واتخذ أبو الطیب من هذه الظاهرة الفلكیة مثلاً لحوادث الزمن




موضوع: العصر العباسی، مقالات حول المتنبی،

[ دوشنبه 19 مهر 1389 ] [ 22:41 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


لاشك أن المتنبی «أحمد بن الحسین» الذی عاش بین عامی «303-354»هـ كان ومازال علماً فی تاریخنا الأدبی والفكری.

ولد فی الكوفة، وفیها تعلم القراءة والكتابة، خرج إلى البادیة، وخالط فیها فصحاء البدو، أخذ عنهم الفصاحة، كما لازم الورّاقین، وقرأ كثیراً من الكتب. لقد أثرت بیئة عصره فی شعره، فظهرت نفسه القلقة، ومزاجه الحاد، وأخلاقه الصارمة، ومنظومة القیم لدیه.

سمع صلیل السیوف، وشهد الكثیر من المعارك، وهو فی بلاط سیف الدولة، وبرع فی وصف هذه المعارك. كان نابغاً حریصاً على التمسك بقیمه العلیا، كالشرف والشجاعة وعلوّ الهمة، ومازال الناس حتى الیوم فی شغل به، لئن فاته العرش الذی كان یبغی الوصول إلیه فی حیاته، فقد تبوأ عرش العقول والقلوب بعد مماته، إنه الخالد الذی تُروى حكمه السائرة كل یوم، یقول:

وما الدهر إلا من رُواة قصائدی

إذا قلتُ شعراً أصبح الدهر منشداً

فسار به من لا یسیر مشمّراً

وغنّى به من لا یغنی مغرداً

عبر هذه الإطلالة، نحاول المرور منهجیاً فی بعض مسائل الرؤیة لدیه، قد تكون الرؤیا صوراً، أو نظرة إلى العالم وتبصراً فی مصیر الإنسان، وتقییماً للصراع بین الخیر والشر، وبیاناً فی التعبیر عن فلسفة الحیاة. إنها تجربة جمالیة، تقوم على استبصار القارىء فیها «إنها نظرة شاملة ولیست فلسفة شاملة».

تحمل كل قصیدة جزءاً من رؤیة، یمكن الكشف عنها فی البنیة والأسلوب والصور، إن مهمة النقد هی إعادة تركیب رؤیة الشاعر «ومجموع الرؤى الجزئیة قد تؤلف الرؤیا الكلیة للشاعر».

إن الأدب «عالم مغایر»، بهذا یكون لدینا من العوالم بقدر ما لدینا من رؤىً، قد تكون الرؤیة نسبیة كونها تعبیرا عن وجهات نظر لمبدعین صاغوا بواسطتها تجربتهم الحیاتیة والفنیة، فتولدت فی عقل شامل وفكر حساس، یستجیب لتجارب الحیاة استجابة فنیة، تفسیراً للحیاة، واقتراحاً لعالم آخر.

یقول المتنبی معزیاً سیف الدولة بوفاة أخته الصغرى، وهی قصیدة أنشدها عام 334هـ تقع فی واحد وأربعین بیتاً یبدأ مطلعها:

إن یكن صبرُ ذی الرزیة فضلاً

فكن الأفضل الأعزّ الأجلّا

أنت یا فوق أن تعزّى عن الأحباب

فوقَ الذی یعزیك عقلا

أجد الحزن فیك حفظاً وعقلا

وأراه فی الخلق ذعراً وجهلا

لك إلفٌ یجرّه وإذا ما كرُمَ

الأصلُ كان للإلف أصلا

فی إطار تبصّر الرؤیة المعرفیة، التی یقدمها هذا النص، نرى مسألة أدبیة خلقیة حیاتیة وهی «الصبر فی المصائب»، وكیف یعلو الصبر لمرتبة الفضیلة، یزداد بزیادة فضل حامله. إن صبر سیف الدولة یجب أن یفوق صبر الآخرین، لمنزلةِ فضلهِ، وتمیّزه بینهم. ذلك نوع من الربط الفلسفی بین علاقتین: مستوى الفضل یقابله مستوى الصبر/ مستوى المعرفة والعقل یقابله كونه فوق التعزیة، وحاجة المعزّین. إن دیباجة المتنبی الشعریة، وصیاغته الفنیة الإیقاعیة، شعراً لمجمل هذه الرؤیا، خدم شكل تقدیم هذه الرؤیا ومادتها، فهی قد لا تحمل كل الجدید، ولكن إعادة صیاغتها، واقتران الفضل بالصبر، كقیمة إنسانیة، لیس بالغنى أو المنصب أو الجاه، ربما أكساها البعد الجدید. فالصبر عنوان حیاتی كبیر محرّكه العقل، أما حزنك فهو حفظ مودة یقابله حزن غیرك /قلق وخوف/ محلّك من الكرم والوفاء یقابله حسن المؤالفة.

یتابع الشاعر تقدیم رؤاه فی أبیات تالیة:

وإذا لم تجد من الناس كفواً

ذاتُ خدرٍ أرادت الموت بعلا

آلة العیش صحة وشباب

فإذا ولّیا عن المرء ولّى

أبداً تسترد .. ما تهب الدنیا

فیا لیت جودها كان بخلاً

یقدم هذا المقطع رؤیا فلسفیة ومعرفیة، هی أن المرأة الكفء ذات الجمال والخلق والسویة، إذا لم تجد زوجاً كفؤاً لها ومعادلاً لجمالها ومابها، أرادت الموت زوجاً موفیاً لحق جلالتها، دون أن تقع فیمن هو لیس أهلاً لها، فتعیش حیاة تعاسة وبؤس.

إن رؤیا حقیقة وضرورة التكافؤ هذه، والندّیة المطلوبة فی مثل هذه الحالات، هی لمحٌ فلسفیة تنسحب على كل أشكال العلاقات غیر المتكافئة بین كبارٍ بدلالة الكلمة وإنسانیة المعنى، وبین صغارٍ بالدلالة الصغیرة نفسها وما یورثه ذلك من خلل علائقی، وتشویه وظلم بادٍ دائماً فی مستوى العلاقات والتعامل. من هنا، جاء خیار الموت فی المثل السابق، وخیار اللاشیء فی حالات أخرى، أفضل من أن یتصاغر الكبیر فی علاقته وتعامله.

إن لذیذ الحیاة، ومستحبها، والرفیع المطلوب فیها: أنفس وأشهى من أن یُملَّ ویُستطالَ، فإذا ارتقت النفس الإنسانیة، وتعلقت بالمثل الأعلى، ابتعدت عن صغائر الحیاة، وحلقت فی فضاء قیمی راق، حیث تنتفی الملالة، ویُتجاوز المادی المزعج فی الوجود.

أما تضجّر الشیخ العاجز من الحیاة، فلیس كرهاً لها، ومللاً منها، لكنه العجز والضعف والمرض، فالحیاة أشهى من أن تُمَلّ. إن الرؤیا هنا صراعیة بین رغبة الحیاة والتعلق بها، وبین العجز الجسمی، ومتطلبات ومستلزمات الحركة ومتعة الحیاة، معادلة:/ محاولة النهوض یقابله الضعف والهرم/ والتلاشی، إنها رغبة الصعود والأمنیات الخائبة، فالحیاة صحة وشباب، ورحیلهما یعنی رحیل المرء (فإذا ولّیا عن المرء ولّى)... إنه الذهاب حیث لا عودة بعده، وهذه حقیقة أزلیة. أما فی مسألة عطاء الدنیا وأخذها (فیالیت جودها كان بخلاً) تسترد ما تعطی فلمَ هذا العطاء،  سیعكس بذهابه الحسرة والفقد والخیبة ومرارة النفوس، یتابع فی وصف الدنیا:

وهی معشوقة على الغدر لا تحفظ

عهداً ولا تتمم وصلاً

دنیا محبوبة عند أهلها، على غدرها، وقلة وفائها، لا تتمم وصلها، اللحظة الفلسفیة هنا هی التعلق بالدنیا، وهی الغادرة التی لا یدوم ودها، فِلمَ لا یُعْمِل الإنسان عقله ویعید حسابه فیما ینفع جوهر وجوده.. كل هذه الإطلالات الفلسفیة التی أوردها المتنبی شعراً، هی غالباً فی أبیات القصیدة حین لم  تجعل القصیدة من ذكر أخت سیف الدولة سوى الإشارة لذات الخدر التی اختارت الموت عندما لم تجد كفؤاً لها.. استفاد المتنبی من مناسبة القصیدة لیصوغ معانی وأبعاداً فلسفیة، ورؤىً فی الحیاة والموت والصداقة والشباب والتكافؤ. لقد قدم درساً فلسفیاً أغناه جمالاً دیباجتُه النضرة، ومتانةُ البناء الشعری لدیه، وحتى موسیقیة القصیدة وغنائیتها الجیدة، ورویّها اللامی بفضائه الواسع. و(اللا) كما نعلم أداة نفی، وكأن الشاعر أراد هذا الرَّوی «الانقطاعی» لیقیم جدلیة الحیاة: /الجود والبخل - المودة وزوالها - الفرحة والحزن - الوصل والانقطاع - النهوض والعجز/ وغیرها من ثنائیات الحیاة.

هذه بعض قراءة لرؤىً معرفیة وفلسفیة فی شعر المتنبی، تظهر فیها المحاكمة كما تبدو جزءاً من أسئلة العصر الذی عاشه المتنبی، وبعضها مازال قائماً فی أسئلة عصرنا هذا. ضج عصر المتنبی «القرن الرابع الهجری» بتیارات فكریة وفلسفیة، وامتزاجات ثقافیة، عبر النوافذ الیونانیة والفارسیة والهندیة والعربیة الإسلامیة، وكانت بغداد حاضناً فكریاً كبیراً، وكذلك سائر أقالیم بلاد الشام.

رحم الله المتنبی عََلَمَاً فی تاریخنا الأدبی والفكری، ویصح فیه القول: أدیب فی الفلاسفة وفیلسوف فی الأدباء وما أحوج الأجیال أن تقرأ المتنبی، وسواه من أعلام تراثنا الفكری والأدبی، عودةً معرفیةً فی بناء وتأریخ مشروعنا الحضاری، والجانب الفكری أحد أساساته ودعائمه.

یوسف مصطفى





موضوع: العصر العباسی، مقالات حول المتنبی،

[ دوشنبه 19 مهر 1389 ] [ 22:24 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


علی أحمد باكثیر فی " ملحمة عمر "(1)
سامیة وفاء عمر بهاء الدین الأمیری

الملحمة بین الفنون الأدبیة:

لا یكشف لنا تاریخ الأدب العالمی عن اسم الشاعر الذی وضع الملحمة فی انطلاقتها الأولى، ولكن الباحثین أجمعوا على أن الصورة المثلى للملحمة كانت من عمل هومیروس الشاعر الیونانی المبدع، وتذكر المراجع التی بین أیدینا أن شعر الملاحم: " ارتبط فی نشأته بالطقوس الدینیة، التی كان منها التغنی بالآلهة وتمجیدهم والتوسل إلیهم بترانیم وابتهالات یغنیها الأفراد أو المجموعات إلى جانب تقدیم الضحایا والقرابین لهم، وكان الشعراء الذین یقدمون هذه الأناشید الدینیة من سلالة الآلهة فی زعمهم، أو من الكهنة... وكانوا ینشدون هذه الأناشید بمصاحبة النای والمزمار، وكانت هذه الترانیم نواة لشعر الملاحم، وساعد على نموها كثیر من الأحداث والمغامرات التی قام بها أبطال الیونان فی حرب طروادة وغیرها، وقد افتن الشعراء فی تصویرها، وأضافوا إلیها من خیالاتهم الشیء الكثیر.

ویتفق رأی مؤرخی الأدب كما أسلفنا أن هومیروس هو رأس الشعراء الذین أنشأوا الملاحم، وتتخذ ملحمتاه " الإلیاذة " و " الأودیسة " نموذجاً لما بلغته الملحمة من إتقان وافتنان، وكان ذلك فی منتصف القرن التاسع قبل المیلاد، ولكن مما لا شك فیه أن كثیراً من الشعراء قد سبقوه إلى تألیف الملاحم، وأنه أفاد منهم فائدة كبیرة، وأن هذه الملاحم قد تطورت حتى بلغت على یدیه أوج الكمال (1).

لقد تطرق لتعریف الملحمة العدید من الأدباء والكتاب، ولكن وإن اختلفت التعاریف بألفاظها، إلا أنها تدور بمعناها حول محور واحد، ولقد اخترت من بین تلك التعاریف ما أورده الدكتور محمد غنیمی هلال فی كتابه: " النقد الأدبی الحدیث " إذ یقول:

"الملحمة قصة شعریة موضوعها وقائع الأبطال الوطنیین العجیبة التی تبوئهم منزلة الخلود بین بنی وطنهم، ویلعب الخیال فیها دوراً كبیراً، إذ تحكی على شكل معجزات ما قام به هؤلاء الأبطال وما به سموا عن الناس، وعنصر القصة واضح فی الملحمة، فالحوادث تتوالى متمشیة مع التطورات النفسیة التی یستلزمها تسلسل الأحداث، ولكل ملحمة أصل تاریخی صدرت عنه بعد أن حرفت تحریفاً یتفق وجو الخیال فی الملحمة، وهی محكیة لشعب یخلط بین الحقیقة والتاریخ مما یسیغ أن تحدث خوارق العادات، وأن یتراءى الإنس والجن أو الآلهة، والأبطال فیها یمثلون جنسهم وعصرهم ومدینتهم "(2).

وتحدثنا كتب الأدب عن اهتمام عدد من كبار المفكرین والفلاسفة أمثال أرسطو بالملاحم ونقدها ومقارنتها بالمأساة.. مما لا یتسع مجال بحثنا للترسل فیه، ولكننا نورد رأی بدوی طبانة فی مقارنة الملحمة بالروایة المسرحیة إذ یقول:

"وتختلف الملحمة عن الروایة بأنها تحكی الحادث، والروایة تمثله، وتختلف عن التاریخ بأنها تخلق وتبالغ وتؤثر بالصور الكلامیة الخلابة، والتاریخ یروی ولا یبتدع، ویحقق ولا ینسق " (3).

هذه هی الملحمة التی نشأت عند الیونان، وتبلورت حسب تقالیدهم وعقائدهم وطقوسهم، فترى لو أننا نقبنا فی تراثنا العربی عن الملحمة فی أدبنا، فهل نجد لها ذكراً؟

لقد طرح الأستاذ أدوارد حنین هذا السؤال، ولما لم یجد فی تراثنا أدباً ملحمیاً حاول إیجاد تعلیل لذلك فی طبیعة الشعر العربی القدیم، وفی طبیعة العقلیة العربیة. لقد لاحظ الأستاذ حنین... أن الشعر العربی القدیم یمتاز بخاصیتین كبیرتین هما: الخطابة، والوصف الحسی الدقیق، وطبیعة حیاة الرجل العربی وسط المهامه، والقفار ألهبت فی نفسه ملكة الملاحظة الدقیقة لما حوله، ولم تلهب خیاله جبال شاهقة ولا غابات فسیحة، ومن المعلوم أن الأدب التمثیلی یتطلب خیالاً واسعاً...

والغریب أن العرب عرفوا تعدد الآلهة والأوثان، بل وعرفوا الجن وعوالمه، ومع ذلك لم تنم عندهم

الأساطیر نموها عند الیونان، ورغم حروبهم وغزواتهم فإنه لم ینشأ عندهم شعر الملاحم، على نحو الإلیاذة والأودیسة... مع أن فی بطولة صلاح الدین ما یبذ بروعته بطولاتهم " (4)...

غیر أننا لو عدنا إلى تاریخ أدبنا العربی، فإننا نستطیع أن نقسمه إلى قسمین كبیرین، الأدب الجاهلی أو الأدب قبل الإسلام، والأدب بعد الإسلام، فأما سبب عدم وجود الملاحم عند العرب قبل الإسلام، فإننا لا نستطیع أن نرده إلى قصور خیال العربی وإلى الطبیعة الصحراویة الممحلة التی تحفه ـ كما علل ذلك الأستاذ حنین ـ لأننا لو سلمنا بما قاله بالنسبة لعرب الجزیرة وما جاورها، فماذا نقول عن عرب الیمن والشام والعراق؟ لقد كان لتلك البلاد حضارتها ومدنیتها، وكانت لدیها الطبیعة الخلابة التی تلهب الخیال وتمد آفاق الفكر بكل ما یرید من صور... ومع كل ذلك فإننا لا نجد لدیهم ملاحم بشكل أو بآخر؟ .

ولعل الذی یخرجنا من حیرتنا، عودتنا إلى فطرة العربی الأصیلة، وتتبعنا إلى صفاته وشیمه، عندما نجد أنه كان مطبوعاً بالصدق، جنوحاً عن الكذب، ولما كان الأدب عامة مرآة للحیاة، وتعبیراً عن المشاعر والأحاسیس، فكان الأدب الجاهلی ـ إن صح التعبیر ـ منطلقاً من واقع العرب، وصورة حیة لمشاعرهم وطبیعتهم وطباعهم.

وإذا ما سرنا مع التاریخ حتى أشرق الإسلام على الإنسانیة، فأنار العقول، وأزاح الظلام عن النفوس، وشجع العلم حتى حض على طلبه ولو فی الصین، من المهد إلى اللحد، وجعله فریضة على كل مسلم ومسلمة، وشرع للناس أصلح الشرائع، وسن لهم الدستور القویم، ودعاهم إلى نشر رسالته فی العالمین... فانطلقوا بعزم وإیمان، مجاهدین فی سبیل الله، ذائدین عن دینه بأنفسهم وأموالهم، لتكون كلمة الله هی العلیا.. وعندما كانوا مخلصین صادقین صابرین، أیدهم الله بنصر من لدنه، وبجنود لم یروها، وثبت أقدامهم... وهكذا اتصلوا ببلاد وعباد، لیست من طبیعتهم ولا من عاداتهم، ولا لغتهم... وبطبیعة الإسلام السمحة، التی جعلت حضارته مفتوحة، اعتبر المسلمون إخوانهم الجدد، إخوة لهم فی الله، فعاملوهم كما یعاملون أهلیهم وذویهم وتزاوجوا معهم، واختلطوا بهم، وتعلموا لغاتهم، ففتح أمامهم المجال للاطلاع على علومهم وثقافاتهم وآدابهم...

ومع ازدیاد الاستقرار فی بلاد المسلمین هدأت الحروب والفتوح وزاد اهتمامهم بالنهل من شتى ینابیع الثقافة، فترجموا العدید من الكتب، واطلعوا على مختلف العلوم والآداب، وتعمقوا فی ذلك، ولدوا فیه وجددوا، وظهر منهم بعض الفلاسفة الذین تأثروا بفلسفة الیونان ومنطقهم، ولا سیما بعد ترجمتهم لكتب أرسطو... ویهمنا هنا أن نتوقف قلیلاً لنقول: إن العرب لم یترجموا فقط كتب العلوم والفلسفة، بل ترجموا أیضاً كتب الأدب، ومن أهمها: كتابا " الشعر" و " الخطابة أو البلاغة " لأرسطو.. فهل تأثروا بمختلف الفنون الأدبیة عند الیونان؟.

إنهم فی الواقع لم یأخذوا الأدب الملحمی ولا المسرحی من الیونان، كما أخذوا مبادىء العلوم والفلسفة والمنطق... فلماذا یا ترى؟؟؟

نعم، إن الأدب الملحمی عند الیونان یعتمد ـ كما أسلفنا ـ على الحروب والبطولات، فهل ینقص المسلمین حروب أو بطولات؟ لا شك أن كل مطلع على التاریخ الإسلامی یؤكد معنا ما كان للمسلمین من فتوح عظیمة وبطولات فذة، یعجز القلم عن وصفها، ولا مجال لمقارنتها بحروب الیونان، لأنه شتان بین هذه وتلك، وهناك بون شاسع بین أن یحارب الیونان طمعاً فی سلطة أو مال... وأن یجاهد المسلمون لتكون كلمة الله هی العلیا.. ومعارك القادسیة والیرموك والجسر، بالإضافة إلى غزوات النبی ( صلى الله علیه وسلم)، وغیر ذلك كثیر، من بلاء المسلمین وفتوحاتهم، خیر دلیل على الاختلاف الكبیر بین الاثنین.

إن المسلمین كانوا یقاتلون لله فقط، فما كان یهمهم أن یدونوا بطولاتهم فی ملاحم، بل كان مبتغاهم، نصر دین الله، وما ینتظرهم عنده جل جلاله من حسن جزاء، سواء استشهدوا أم انتصروا یجاهدون فی سبیله:

"قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنیین" (5).

"إن الله اشترى من المؤمنین أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة یقاتلون فی سبیل الله فیقتلون ویقتلون.." (6).

وكانت الشهادة فی نظرهم مرتبة أعلى فی الحیاة من الحیاة الدنیا:

"ولا تحسبن الذین قتلوا فی سبیل الله أمواتاً بل أحیاءٌ عند ربهم یرزقون فرحین بما آتاهم الله من فضله"(7).

أما الدكتور محمد مندور فی مقدمة كتابه " مسرحیات شوقی " فیتساءل عن السبب الذی منع العرب من أخذ الأدب التمثیلی عند الیونان، على نحو ما اخذوا مبادىء العلوم والفلسفة والمنطق فی العصر العباسی؟ ویرد على هذا بقوله:

"...إن الأدب التمثیلی عند الیونان كان وثیق الصلة بدیانتهم الوثنیة، ففی أحضانها نشأ، ولتشخیصها وعرض مبادئها وفلسفتها وضع، وذلك على عكس العلوم والفلسفة التی هی ملك شائع بین البشر، تستطیع أن تتمثلها كافة العقول، ولا ترتبط بأوضاع دینیة أو اجتماعیة خاصة فلا تعارض بینها وبین الإسلام، بل العكس استخدمت فی تأییده والمحاجة دونه بالتفكیر المنطقی والحجج العقلیة عند علماء الكلام وفقهاء الشرع...

إنه العائق الروحی الكبیر الذی منع العرب، فالدیانة الیونانیة القدیمة التی نبع عنها الأدب التمثیلی عند الیونان، لا تتعارض مع الإسلام فحسب، بل وتختلف عن الوثنیة العربیة أیضاً، ذلك أن الیونانی القدیم لم یتصور آلهته كقوى منفصلة عن الإنسان، بل تصورها على شاكلته، وخلع علیها كافة صفات البشر بما فیهم من ضعف وقوة، فجعلوها خاضعة لقوة كونیة أسمى من الآلهة نفسها، وهی التی سموها بـ "الجبر الكونی" أو " الضرورة "... وهكذا جردوا آلهتهم من القداسة المعروفة عند الشرقیین، ووضعوا فوق الجمیع تلك القوة التی ترادف " القضاء والقدر" واتخذوا من صراع الإنسان ضد القضاء والقدر، المادة الأساسیة لمآسیهم، وأدخلوا الآلهة وأنصاف الآلهة والملوك والأبطال كشخصیات فی تلك المآسی، وكل هذه الأوضاع لا یمكن أن تتفق مع فلسفة الإسلام الذی نادى بالوحدانیة...

ومن البدیهی ألا تكون " ملحمة عمر" وثیقة الصلة بالطقوس الدینیة، والتغنی بالآلهة والتوسل إلیهم، لأن هذا مرفوض أصلاً فی دیننا، دین التوحید والعبادة، لا دین تعدد الآلهة والطقوس.

أما بالنسبة للمادة الأولیة التی استند علیها الیونان فی ملاحمهم، فلعل هناك شیئاً من التشابه الموضوعی المجرد بینها وبین " ملحمة عمر"، أقصد أن كلتا الملحمتین، اعتمدت على الحروب والمغامرات والبطولات، كأساس لموضوعها،غیر أنها اختلفت فی النهج الذی اتبعه لتفصیل جزئیات هذا الموضوع، هذا النهج الذی یوجهه الدین والعقیدة، ولقد تعرضنا قبل قلیل لما ینتج عن اختلاف الدینین، وأثر ذلك الاختلاف فی الأدب..

وإذا انطلقنا من تعریف الدكتور هلال للملحمة، منقبین عن وجود الاختلاف بینها وبین " ملحمتنا " فإننا سنجد فی "ملحمة عمر" الروح القصصیة، ولكنها غیر شعریة.

وموضوعها ".. وقائع الأبطال الوطنیین الذین تبوئهم منزلة الخلود بین بنی وطنهم.." نعم، إن حقیقة حیاة سیدنا عمر رضی الله عنه كلها جهاد یرفع صاحبه إلى أعلى درجات الخلود، لیس بین بنی وطنه فحسب، بل فی الإنسانیة جمعاء..

أما دور الخیال فیها، فهی لا " تحكی على شكل معجزات ما قام به هؤلاء الأبطال، وما به سموا على الناس"، وإنما هی تحكی لنا حقائق تاریخیة حیة قام بها هؤلاء الأبطال، وعاشوا بها ولها كل سنی حیاتهم.. وإذا استخدم الأستاذ بكثیر الخیال فهو لا یستخدمه فی تلك الوقائع التاریخیة، لیرتفع بها إلى درجة المعجزات، ولیضخم من بلاء أبطالها، لیكونوا بهذا البلاء متسامین على سواد الناس، إنه فی هذا الباب یسرد لنا حوادث
معیشة، تناقلتها الأجیال، جیلاً بعد جیل.. أما أین كان دور الخیال عنده، فهذا ما سنعرض له بشیء من التفصیل فی الفصل الثانی عندما سنتحدث عما أضافه المؤلف للملحمة من أحداث غیر تاریخیة..

وإذا ما وصلنا إلى عنصر القصة الذی یكون واضحاً فی الملحمة، فإننا نراه جلیاً فی " ملحمة عمر" حیث تتوالى الأحداث سائرة مع التطورات النفسیة اللازمة لتسلسلها.

ولما كان: " لكل ملحمة أصل تاریخی صدرت عنه بعد أن حرفت تحریفاً یتفق وجو الخیال فیها "، فإننا نجد أن جل " ملحمة عمر" یقوم على أساس تاریخی، وما أظن أن التاریخ حرف لیتفق وجو الخیال عنده، وإنما العكس فإن الخیال صیغ بشكل یربطه بخیوط مع حقائق التاریخ..

وطبقاً لدیننا الحنیف، فإننا لا نلمس فی "ملحمة عمر" ما یسمى بخوارق العادات، أو رؤیة الإنس والجن والآلهة، كما هو عند الیونانیین، ولكن الأبطال فیها یمثلون أمتهم وعصرهم.. وهذا ما سنتطرق إلیه فی عرضنا لموجز الملحمة..

على أن هذه الملامح التی رأیناها متوفرة فی " ملحمة عمر" من صفات الملحمة الأصیلة التی وصفها الأدباء لا تجعلها " ملحمة " بالمعنى الحقیقی، فلماذا دعاها المؤلف " ملحمة " إذن؟.

یبدو لنا أنه لما كانت الملحمة تدور دائماً حول بطولات وحروب ومغامرات عظیمة، فإن باكثیر وجد فی شخصیة عمر بن الخطاب رضی الله عنه وحیاته وخلافته وجهاده ما قد یبذ بروعته وجلاله تلك البطولات التی كان یخلدها أصحابها من خلال الملاحم..

أما إذا قیل: بأن المؤلف كتب لنا هذه الملحمة على شكل مسرحیة، فلماذا لم یدعها " مسرحیة عمر" عوضاً عن "ملحمة عمر" ؟ فإن الجواب على ذلك، أن للمسرحیة خصائصها الزمانیة والمكانیة، ومسرحیة بهذه الضخامة والطول لا یمكن بحال من الأحوال أن یستوعبها مسرح، لا من الناحیة الزمانیة ولا المكانیة، ویؤكد كلامنا هذا ما سبق أن ذكرناه عن مقارنة الدكتور بدوی طبانة بین الملحمة والروایة المسرحیة إذ یقول:

"... وتختلف الملحمة عن الروایة بأنها تحكی الحادث، والروایة تمثله.. ".

ومن ناحیة أخرى فإن الملحمة تعتمد على أصل تاریخی ـ كما سبق وذكرنا ـ وملحمة عمر تعتمد على أصل تاریخی أیضاً... وإن كان الدكتور طبانة ـ كما أسلفنا ـ قد فرق بینها وبین التاریخ بقوله:

" وتختلف عن التاریخ بأنها تخلق وتبالغ وتؤثر بالصور الكلامیة الخلابة، والتاریخ یروی ولا یبتدع، ویحقق ولا ینسق."

فإننا نذكر بأنه إذا لم نجد عند باكثیر من الإبداع والتنسیق ما تتصف به الملحمة، فلعله تعمد ذلك لما یهدف إلیه من وراء ملحمته تلك من أغراض إصلاحیة اجتماعیة سنذكرها فی حینها.

ولقد وجد باكثیر بعض أوجه الشبه بین عمله الذی أسماه " ملحمة عمر" وبین " أدب الملحمة "، ولهذا أجاز لنفسه أن یطلق على عمله وصف الملحمة، وما ذاك ـ فی نظری ـ إلا لأن كلیهما یجعلان البطولة والحروب أحد المحاور الكبرى التی تدور حولها الأحداث، ولم یبال بعد ذلك أن تأتی " ملحمته " نثراً لا شعراً، وأن ینقصها الخیال المجنح الذی یضعها فی مصاف الأساطیر، وأن تخلو من الآلهة الذین یشاركون فی صناعة الأحداث.

كما أن عنصر القصة واضح فی " ملحمة عمر" حیث تتوالى الحوادث متمشیة مع التطورات النفسیة التی یستلزمها تسلسل الأحداث..

ومن أجل تلك الأسباب مجتمعة، أطلق باكثیر، فیما یبدو لنا ـ اسم " الملحمة " على أثره الضخم هذا.

وهنا قد یرد سؤال على المطلع على هذا البحث: ترى هل سبقت دراسة هذه الملحمة من قبل؟ وإلى أی حد وصل الدارسون فیها؟.

فإنی أقول بأن المؤلف أنهى عمله هذا، كما یذكر لنا فی مقدمته للملحمة عام 1965م، وطبعت الطبعة الأولى منه سنة 1969م، أی قبل ست سنوات، والمدة قریبة، ولكن هذا لا یمنع أن یكون بعض الدارسین قد تعرضوا لها بالبحث والنقد، غیر أننی شخصیاً بحثت واستقصیت عن ذلك فی عدة كتب ومجلات فی مصر وسوریا ولبنان، ولم أحصل على أیة معلومات حول هذا الموضوع.

یتبع إن شاء الله

الهوامش:

1 ـ د. بدوی طبانة: النقد الأدبی عند الیونان، الطبعة الأولى، طبع ونشر مكتبة الإنجلو المصریة ص:117.

2 ـ الطبعة الرابعة : هامش ص89.

3 ـ المصدر نفسه: ص118 ـ 119.

4 ـ المجلد 32 ـ ص 563 من مجلة الشرق عن كتاب: "مسرحیات شوقی " لـ . د. محمد مندور (بتصرف).

5 ـ سورة التوبة: الآیة 52.

6 ـ سورة التوبة: الآیة 111.
7 ـ سورة آل عمران: الآیة 169، 1


[ دوشنبه 19 مهر 1389 ] [ 21:55 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]



   لم تكن تقنیة (القناع) نَبْتاً منبتاً فی فلاة، بل جاءت نتیجة ولادة طویلة وعسیرة، بدأت إرهاصاتها الأولى منذ العقد الثانی من القرن الفائت، حیث امتزجت روافدُ متعددةٌ ومتباینة، بعضها عربی إسلامی، وبعضها الآخر غربی، مجسدةً وعی الشاعر العربی الحدیث بتراثه دون انكفاء علیه أو ذوبان فیه، وانفتاحَهُ على الآخر انفتاحَ الواثق من هویته الحضاریة، دون انبهار یُفْضی إلى حالة استلاب.

       ثمة محرضاتٌ متعددة دفعت الشاعر العربی الحدیث إلى الاتشاح بأقنعة تراثیة، تجلَّتْ فی محرضات سیاسیة واجتماعیة وفنیة، فتخلصت قصیدته من هیمنة الذات الشاعرة وتدفق مشاعرها، وهشاشة الإنشاء، والإفراط فی الوضوح، وراحت تمزج مزجاً عبقریاً بین الذاتی والموضوعی، وبین البوح والغموض، وبین استحضار الماضی وتوظیفه لخدمة الحاضر.





موضوع: العصر الحدیث، العصر العباسی،

[ دوشنبه 19 مهر 1389 ] [ 11:58 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


هذه ورقة مهمة فی باب دور الأدب فی الجهاد، ولقد كان للشعر فی العراق وقوداً أجج نیران ثورة العشرین، فأثار الخواطر ضد المحتل الإنكلیزی الذی هیمن على مقدرات الوطن -كما یذكر الشاعر محمد مهدی البصیر فی مقدمة دیوانه (البركان) وإن هذا الحكم العسكری الذی جاءت به بریطانیا جعل نفوس الشعب بمختلف طبقاته تضطرب وتضطرم حتى بذلوا جهوداً جبارة لتهییج الرأی العام لمصاولة المستعمر من خلال المساجد وأیام المناسبات. ویقول الدكتور یوسف عز الدین فی كتابه: الشعر العراقی الحدیث ص 148: والعراقی عاطفی تؤثر فیه الكلمة الطیبة، وقد قامت الثورة على عامل الحمار بالفتاوى والخطب والشعر: یقول جمیل صدقی الزهاوی:

لیس الحیاة بعزمثل الحیاة بذل

              إن القلوب من الغیـظ كالمراجل تغلی

ومن الملاحظ أن مدینة بغداد كانت قد تزعمت حركة الثورة بدایة لكنها لم تستطع أن تقوم بعمل حربی لأنها كانت تحت السیطرة البریطانیة مباشرة، وقد قضت على كل من اشتغل بالثورة، فقد نفت البعض وأعدمت الآخرین إلا أن الثورة استمرت فی مناطق أخرى، واتفق الشعراء على الهدف فی المطالبة بإنهاء حكم الإنكلیز والمطالبة بحكومة استقلال، وحرضوا على ذلك منتقدین هذا الاستعمار أیما انتقاد، فهذا محمد حبیب العبیدی یقول:

 

لم تكن یا ابن لندنٍ علویا        هاشمیاً ولم  تكن  قرشیا

لا  ولا  مسلماً ولا عربیا        من بنی قومنا ولا شرقیا

فلماذا تكون فینا وصیا

إنما نحن فی الحروب رجال        وكماة  یوم  الوغى  أبطال

یا  لقومی  فلتنتج   الأعمال        یا بنی العرب خابت الآمال

إن رضینا بالأجنبی وصیا

ولقد كان أشهر شعراء الثورة العراقیة محمد مهدی البصیر بعنفه وحماسته ضد الإنكلیز محرضاً الشعب قائلاً له:

 

 أفیطلبون لك الرعایة ضلة        ما كان أقصرهم وما أصحاكا

و أنصفوك لحرروك لأنهم        ربحوا  قضیتهم  بظل   لواكا

 

ثم أراد الشعراء أن یدعوا صریحاً للثورة لیبعثوا فی الشعب ثقته بنفسه وكرامته عملیاً، وقام الشاعر القشطینی بقصیدته التی نشرتها مجلة الأخلاق فی عددها 16 یدعو إلى الموت فی سبیل الأوطان:

 

یا   أیها   العربی  قم       واقدح  زنادك  ینقدح

وافتح طریقك بالظبى        فبغیرها   لا  ینصلح

وخذ  الحقوق  جمیعها       أو مت عزیزاً واسترح

وانبرى الشاعر محمد الباقر الحلی -كما فی كتاب الحقائق الناصعة ص 174 یحذر من الركون إلى وعود الإنكلیز وضرب أمثلة مما قاموا به فی مصر والهند:

 

یریدون   منكم    بالوعود   مكیدة        ویبغون  إن  حانت لهم فرصة غدرا

فلا    یخدعنكم   لینهم   وتذكروا        أضالیلهم فی الهند والكذب فی مصرا

ومن مات دون الحق والحق واضح        إذا  لم  ینل  فخراً  فقد ربح العذرا

 

وعلى الفور قام الشیخ محمد العبطان وسل سیفه وقال:

( إنا قطعنا على أنفسنا عهداً، إما الموت أو الاستقلال التام) .

والجدیر بالذكر أن أهل الفكر والشعر قد دعوا فی البدایة إلى مظاهرات سلمیة لكن الإنكلیز وصموا الأحرار بأنهم مفسدون والأبریاء مجرمون، فكان لابد من مباشرة الثورة، حیث كان السبب المباشر لها سجن الشیخ شعلان أبو الجون شیخ عشائر الظوالم، وتوبیخ الحاكم البریطانی له، فجاءت جماعة من عشریته وأخرجته عنوة من السجن، وحاصرت الحامیة البریطانیة، وقطعت طریق القطار، وحدثت عدة معارك أشهرها معركة (الرارنجیة) التی انتصر العراقیون فیها على المحتل، وأخذت الثورة تنتشر وأسهم الضباط فیها.

وقد سجل الشاعر محمد مهدی الجواهری بعض أعمال الثورة فی الفرات:

 

وللفرات نهضة               مشهودة لا  تجحد

بفتیةعلى المنى               أو المنایا احتشدوا

وللقطاروقعة                      منها   تفر  الكبد

ما تركوا حتى الحدید               سلسلوا وقیدوا

 

یشیر إلى واقعة الرمیثة (العوجة) حیث خسر فیها الإنكلیز قطارین مسلحین أرسلا لإخماد الثورة .

ویصف الشاعر مصطفى جواد جانباً من ثورة الخالص فی لواء دیالى فیقول:

 

ثبتنا فی مواقف محرجات        ولاقینا    مدافع   وانفجارا

وذدنا عن حمى وطن مباح       ورمنا فی معاركنا انتصارا

 

ولكن المستعمرین أسروا البعض من حاملی السلاح وكتفوهم وقتلوهم سراً أربعة أربعة. فقال:

 

شباب أعرسوا بالموت مردا    وكان رصاص قاتلهم نثارا

 

ثم ضربت بعض المدن والقرى بالطائرات، وهاجر البعض ومعهم الأطفال والمواشی والتجأ البعض إلى الكویت، وقد وقف الشاعر محمد مهدی الجواهری متعجباً من إیذاء الإنكلیز وهم مسیحیون یأمرون بالمحبة والسلام:

 

على  أی  عذر  تحملون  وقد نهت        قوانینكم عن فعلكم والشرائع

على رغم روح الطهر عیسى أزلتم        براء  دماء  هونتها  الفظائع

 

غیر أن الجواهری یهنئ العربی الذی ثبت ضد المحتلین:

 

ثبت وحسب المرء فخراً ثباته        كما ثبتت فی الراحتین الأصابع

 

وقد رثا الزهاوی الشهداء الشباب:

 

لهفی على السفر الشباب        مجندلین على الصحاصح

ولقد    تغور  جرحهم        بین   الترائب    والجوانح

 

ومع ضخامة الجراح كان الشاعر خیری الهنداوی یواصل الدعوة إلى الثورة بعد عودته من منفاه فی هنجام:

 

قم فجند من عزمك الأجنادا            واركب العزم واقتعده جوادا

فسوى   الأسنة  والمواضی البیض                  لاتشفی  الفؤادا

 

وكذلك حث الجواهری الشعب ألا یرسف فی أغلال الاحتلال وأن یعمل لإخراجه، ولا یلتفت إلى هذه المخدرات بأسماء: الانتداب الوصایة، الحمایة.

 

إن كان طال الأمد        فبعد ذا الیوم غد

هبوا كفتكم عبرة        أخبار من قد رقدوا

هبوا فعن عرینه        كیف ینام الأسد

 

وبهذا بقی الشعب یعیش بقلب ینبض ونفس لا تخاف من الأسلحة الحدیثة رغم انقسام الساسة والمفكرین والأدباء، إلى أن هذه الثورة نجحت أو فشلت مادیاً لأنها انحصرت فی إقلیم العراق فقط ولم تعمل على مؤازرة الآخرین فی بلاد العرب والمسلمین، ورغم أن الكثیر من شعراء الثورة اندثر وضاع، إلا أن رائحتها الزاكیة ستبقى دافعاً قویاً فی وجه الظلم والطغیان فی كل مكان، كما یقول د. یوسف عز الدین فی كتابه: الشعر العراقی الحدیث ص 149 .


[ دوشنبه 19 مهر 1389 ] [ 11:39 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


قبل الخوض فی الصورة التقلیدیة التی استعملها الشعر بدر شاكر السیاب* فی شعره لصورة المرأة ، علینا ان نبین ان الشاعر قد مر بمراحل مهمة ومتدرجة فی حیاته لقضیة المرأة ، فالمرأة فی شعر السیاب لم تكن محطة واحدة وقف علیها الشاعر فحسب ، بل تعددت تلك المحطات فی حیاته وفی قصائده .

ان اكثر الصفات الثابتة للمرأة فی الشعر التقلیدی لا یمیز فیها شاعر عن آخر إلا بمهاراته فی تكریس اكبر عدد من المهارات والصفات ، او إغراق الشعر بالإعادة والتكرار(1) .

وقد  تمیز الشاعر  بتصویر الأم وكذلك تطرق لصورة الجدة بوصفها حضنا دافئا ، وتنوع بوصفه للحبیبة .

فالأم عند السیاب  هی أول محطة مر بها فی حیاته  وهی مرحلة  مهمة لأنه قد تأثر بها تأثیرا واضحا فی قصائده ، كانت أمه قد توفیت وهو صغیر (( فقدت أمی ومازلت طفلا صغیرا فنشأت محروما من عطف المرأة وحنانها ))

ولكنه لم یحرم حنان جدته عندما كفلته فی الرعایة والعطف والتربیة والتی توفیت هی الأخرى فقال عن هذه الحادثة فی رسالة إلى خاله الشواف (( البصرة 23\ 11\ 1942 )) :-  ((حرمت عاطفة الأمومة وأنا ابن أربع ... ولكننی لم احرم من صدر یضمنی ویحنو علی ولكننی لم احرم جدتی ، ومرت السنون  وأنا أهفو إلى الحب ولكننی لم أنل منه شیئا ولم اعرفه وما حاجتی إلى الحب ما دام هناك قلب لجدتی یخفق بمحبتی ، أفیرضى الزمن العاتی ........

أیرضى القضاء ان تموت جدتی اواخر هذا الصیف ؟ فحرمت بذلك آخر قلب یخفق بحبی ویحنو علی ، أشقى من ضمت الأرض )) (2)  ، وهذا الإحساس بالخیبة والمأساة والوحدة دفعه مبكرا إلى كتابة قصیدة ( رثاء جدتی ) وذلك فی 9\9\1942 والتی یقول فیها :

جدتی

وهی كل ما خلف الدهر من الحب والمنى والظنون

ورجاء بدا فألهمنی الصفو وخفـًت انواره لحنینی

ثم یقول :

جدتی من أبث بعدك شكوای ؟ طوانی الأسى وقل معینی

أنت ِ یا من فتحت قلبی

 

وهكذا بقی السیاب متعطشا لحنان أمه ، وهو یتذكر طفولته البائسة وحرمانه من أحضان الأم الدافئة ، ان محنة الإنسان فی حیاته تدفعه الى تتبع تاریخ ماساته من جذورها حینما یقول ( عطش أنت یا أمی ؟ ) لان الطفل لا ینام إلا فی حجر أمه كما یقول فی قصیدة ( سهر ) كما یتذكر أمه فی قصیدة ( نداء الموت ) ابان تذكره لابنه غیلان یقول :-  غیلان یدعو  أبی سر ، فانی على الدرب ماش أرید

الصباح

وتدعو من القبر أمی " بنی احتضنی فبرد الردى فی

عروقی " .  (3)

 

أما قصیدة ( الباب تقرعه الریاح ) فإنها محاولة لاستحضار صورة الأم وحنانها إلى ابنها ، ان صورة الأم هنا تعبیر عن العودة إلى الجذور الى البدایة والمنعطفات الأولى وجواهر الأشیاء ، إنها عودة الى جوهر الحقیقة فی التفاعل مع الحیاة والوجود لإعادة ترمیم ما تهدم ، فرح الأم یهزها الحب العمیق حب الأمومة فتسال عن ابنها والابن ینطلق عبر منولوج درامی یحاول أمه التی رحلت عن أطفالها ، فالتمسك بالأطیاف والأرواح هو التمسك بالأحلام :-

هی روح أمی هزها الحب العمیق

حب الأمومة فهی تبكی :

( اه یا ولدی البعید عن الدیار !

ویلاه ! كیف تعود وحدك ، ولا دلیل ولا رفیق  ؟ )

اماه .. لیتك لم تغیبی خلف سور من حجار

لا باب فیه لكلی أدق ولا نوافذ فی الجدار (4)

والشاعر لم ینس أمه حتى بعد ان لازمه المرض فی آخر حیاته ، فكانت الأم بالنسبة إلیه هی الحضن الدافئ الذی فقده .

كما انه   یقرن صورة الم بالوطن  ، ویجعل من صورة الأم والوطن ( صورتان متلازمتان ) فالأم هی رمز للوطن یقول :-

هی وجه أمی فی الظلام

وصوتها ، ینزلقان مع الرؤى حتى أنام

وهی النخیل أخاف منه اذا ادلهم مع الغروب

فأكتظ بالأشباح تخطف كل طفل لایؤوب (5)

هنا الشاعر قد جعل فی هذه القصیدة الرائعة  ذات مضامین قویة أثث لها عبر إیحاءات وصور فنیة فی غایة الجمال والرقة ، الشاعر نجح أیضا فی تكریس إقران الأشیاء بعضها مع بعض، عبر مزجه للغة التعبیریة التی جاء بها ، لیجسد لنا تلك الكلمات المعبرة .

الصور التی جمعها الشاعر كانت ممزوجة مع بعض فی صورة واحدة ، حتى ان بعض هذه الصور أو الأشیاء كانت صورا متناقضة إلا أن الشاعر جعلها ذات صورة واحدة بمضمون وشكل جدید ، فجمع ما بین ( الموت والحیاة - الجوع والنقود - العودة والبقاء - العراق والأم - الأرض والبحر والسماء ) هذه الصور المتشابهة كانت أو المتناقضة صوًَرها الشاعر عبر مدخل واحد لقصیدة واحدة فكان الإیحاء والشكل والمضمون لصورة فی غایة الجمال .

كان  السیاب یفتقر إلى علاقة راسخة مع أبیه الذی وردت عنه فی شعره المبكر إشارتان واضحتان یقول فی أولاهما :-

خیالك من أهلی الأقربین /ابر وان كان لا یعقل

 

أبی منه جردتنی النساء / وامی طواها الردى المعجل

مؤكدا انه یتوقع ان یجد من حب ابیه ورعایته ما یعوضه عن غیاب امه المبكر ، بینما نستطیع ان نفترض ان اباه لم یكن یختلف آنذاك عن ای رب عائلة من آباء طبقة متوسطة جاهلة یستغرقها الكدح ، لا یعی من علاقته بابنائه اكثر من انه یوفر لهم أسباب العیش حتى سن معیشة ولا شیء غیر ذلك .

ربما هذه العوامل الأولى والمهمة فی حیاة الشاعر ، ومن ثم قد یكون دافعا مهما فی التاثیر بقصائده ومیله للنساء والتعطش لحنان المرأة سواء أكانت محبوبة او زوجة لسد فراغ حنان الأمومة الذی فقده الشاعر اضافة الى مزج فقدان الحنان بالحزن والمعاناة التی مرت على الشاعر فی بدایة حیاته .

فقد كان قلب الشاعر یتأجج بتلك المعاناة وتلك العاطفة الحزینة الرقیقة الناجمة عن إحساس دائم بالتهیؤ لحب امرأة تبقى بعیدة عنه ، وكان السیاب حساسا مرهفا ومحروما ینطوی على نفسه التی اختزنت كل روادع البیئة ونواهیها ، لا یستطیع لحرمانه ان یتكیف معها تكیفا مطلقا ولا یجد ان من حقه ان یتمرد علیها ، ومن خلال هذا الانطواء الذی یسببه إحساس مرهف بحرمانه یتكشف حنین الى امرأة :-

لا تزیدیه لوعة فهو یلقاك             لینسى لدیك بعض اكتئابه

قربی مقلتیك من وجهه الذاوی      تری فی الشحوب سر انتحابه

یتكشف حنینه الى جسد امرأة :-

حسناء یلهب عریها ظمأی

فأكاد اشرب ذلك العریا

وأكاد أحطمه فتحطمنی

عینان جائعتان كالدنیا

غرست ید الحمى على فمها

زهرا بلا شجر فلا سقیا  (6)

هذه البواكیر الاولى التی دفعت الشاعر الى البحث عن امرأة تعوضه عن الیتم المبكر الذی تضافر مع مواصفات البیئة المستقرة على الردع والكف والكبح المتخوفة من الحب تخوفها من ممارسة الحیاة فی الهاب شعور السیاب بالوحدة والحرمان

فالشاعر قد تعطش للمرأة ، للحب ، وللحنان منذ بدایة حیاته فكان الحب هو الكلمة الاولى التی افتتح بها الشاعر عهده الشعری ، فأول بیت انشده من الشعر هو :

على الشاطئ احلامی

طواها الموج یا حب

وفی حلكة أیامی

غدا نجم الهوى یحبو (7)

فالشاعر لا یتلقى الحب كما قلنا سابقا وانما یكون فی تقابل معه لان الشاعر منذ بدایة حیاته تعطش للحب ، ومن ثم بدأ مشوار البحث عن المرأة التی یراها الشاعر مناسبة له وبالتالی تسد له ظمأه وتشاركه المعاناة وظروف البیئة التی كان یعیشها الشاعر .

فالشاعر قد دخل مرحلة لا تقل اهمیة عن الاولى ، وربما ان هذه المرحلة هی الاصعب ( البحث عن امرأة ... ) وای امرأة تلك التی تسد له ظمأه من الحب والحنان اضافة الى الغریزة وربما كان البحث لدى الشاعر عن امرأة قد یكون بحثا عشوائیا یتركه للایام و للزمن وللصدفة حتى .

ولسنا نشك ان تلك الفتاة القرویة الجاهلة التی كانت اول امراة عرفها الشاعر  فی حیاته لم تكن ما یتمناه الشاعر فی حبیبته المنشودة وأیا كان نوع ومدى العلاقة بینهما فان معرفتنا بظروف تلك المرحلة واخلاقها الاجتماعیة تبیح لنا ان نفترض انها كانت علاقة حبیبة عابرة لا تتجاوز اللقاءات الخاطفة الحذرة التی لا تشبع ظمأ الشاعر اللاهب الى امرأة تغدق علیه من عطفها وحنانها ما یعوضه عن حنان الام :

(( كانت حیاتی وما تزال بحثا ممن سد هذا الفراغ وكان عمری انتظارا للمرأة المنشودة )) (8)

هذا الانتظار المنشود من قبل الشاعر قد یدفعه الى ان ینظر الى المرأة من جوانب عدة وذلك یضیف صبغة عصریة جدیدة على قصائده قد لا نجدها فی الشعر العربی القدیم ولو قابلنا شعراء او مواقف الشعراء من الحب او من المرأة لوجدنا الشاعر بدر شاكر السیاب الذی غنى للحب كثیرا واختلفت النظرة بالنسبة الیه للمرأة بجوانبها المتعددة قد تمیز كثیرا عن الشعراء الآخرین لما نجده من الحرقة اللاذعة التی المت به طوال عمره ، وقد تمثل الدافع والحافز والمحرك لاشعاره فی المرأة والحب فلاسباب متعددة لم یتیح للسیاب ان یعرف الحب على حقیقته ، ولم یكن من الوسامة ما یغری به الجنس الآخر ، اما مركزه الاجتماعی والاقتصادی فكان ادنى ما ان تطمع فتاة بالاقتران به ، ولعله الحب فی تلك الاثناء كان مبنیا اساسا على الرغبة فی الزواج وتكوین اسرة وما عداه فشیء عابر یمكن ان یعثر علیه لدى بائعة هوى ( 9 )

فها هو السیاب قد دخل عالم المرأة ، انه یدخل فی عالم ادغال ، لیس یدری ما اذا كان سیخرج منها سالما ، وهنا یبدأ بالتساؤل :-

(( ترى هل سیعود علی الحب ینفع ؟ هل سأظفر بحب متبادل ؟ )) ، ویلب السیاب یدیه الفارغتین ، فالحبیبة لا تبادله الحب ولذا فهو ینحنی نفسه محتفظا بفضوله فی البحث عمن تحب ، وعلى ایة حال ، فهی لا تحبه ، ولو تحقق ذلك لما كان من داع للتمنی ، فالحب ضالته التی ینشدها وهو اذ ینشد ضالته هذه ، فلانها وحدها كفیلة بارواء ظمئه الشدید ، ولكنه یتمنى ، ویخفق ما یتمناه وتأتی الصورة الشعریة تعبیرا عن هذه الحالة :-

فیا نفحة للحب ملئ جوانحی       ویا نبأة للوحی طافت بمسمعی

لقد ودً الشاعر لو یملا ( الحبیبة ) لكنه امتلأ بها فـ ( الحبیبة ) شیء من الحب ، والشاعر یستوعبها ، انها لم تعد منفصلة عنه وانما اصبحت فی داخله وهذا ما یمكن ان یكون تعبیرا مقلوبا لرغبة مضاعفة :-

•-         رغبة العودة الى رحم الأم بحثا عن الوسط الآمن  : - (10)

أماه لیتك ترجعین

شبحا ، وكیف اخاف منه ؟

وما اقحت  رغم السنین

قسمات وجهك من خیالی

این انتِ ؟ أتسمعین  (11)

 

•-         رغبة النفاذ الى ( الحبیبة ) معبرا عنها بنفاذ ( الحبیبة ) الیه ، كان یود الشاعر لو كان فی ( الحبیبة ) فی الشاعر فی الوقت الذی اراد لو انه یحل فیها .

ای عجب اذا فی ان یصبح الحب والامل اسمین لشیء واحد وای عجب فی ان یلجأ الشاعر السیاب  بعد توحیده ما بین الحب والامل الى كل الاسالیب من اجل تحقیق مبتغاه ؟ ها هو هنا ینادی ( الحبیبة ) وها هو هناك یبثها شكواه ، انه تارة یبكی امامها وتارة اخرى یعللها بالوعود ، وهو فی بحثه عن المرأة یختبئ وراء ستار ، فكأنما هو لا یجرؤ ان یقف على قدمیه امامها ، وعلى هذا فحبه یهفو الى ظلها ، وعلى هذا فهو یتوجه بالسؤال لا الیها وانما الى مندیلها ، وهكذا یكتشف السیاب ان حبه یجری عبثا ، فالحب لا معنى له ان لم یكن معروفا بعین الطرفین وهو فی ذلك كأنما یقول : (  أی جدوى لحب اكنه لفتاة لا تدری ؟ ) وهنا یبدأ السیاب الخطوة الاولى فی اعلان دعوة الحب ولكنها خطوة مرتعشة لانها تبقى تسؤلا لا یتم بشكل مباشر وصریح وانما عن طریق الزهرة رمز ( الحبیبة ) (12)

وكثیرا ما نرى مصطلحات الحب والغزل والحبیبة والحنان والدفئ وغیرها ، من المصطلحات التی تدخل ضمن الرومانسیة التی صورها لنا السیاب عبر قصائده من الواقع الذی كان یعیشه ، فالرومانسیة لیست احلاما فحسب ، انها ایضا تعبیرا عن ازمة التناقض بین القیم الاقطاعیة القدیمة والعلاقات البرجوازیة الجدیدة ( 13 ) وهذا ما جسده السیاب فی قصائده بدءا من یتمه الى مناجاته الاخیرة قبل وفاته مع زوجته اقبال .

فالرومانسیة عند السیاب تهتم بوحدة الشكل فی القصیدة وهی تراها فی وحدة الجو النفسی المشحون بدفقه العاطفی ، وهذا ما نراه واضحا فی قصائده ، فعاطفته الحزینة التی تنبثق من جو مشحون بكل التراكمات الصعبة التی انصدم بها الشاعر وعاشها منذ البدایة نراها طاغیة على اكثر معانی قصائده مع الالفاظ السهلة التی یستخدمها فی اكثر قصائده لان الرومانسیة تمیل الى البساطة فی اللغة الشعریة ، فبدأ السیاب بقصائد تفتح له الطریق امام المستقبل الذی یسمو الیه ،ولكن اصراره على ایجاد المرأة المناسبة لتشاركه فی مسیره نحو المستقبل عبر الطریق الذی انشاه عبر رومانسیته السیابیة التی انحدرت إلیه عبر العوامل الكثیرة التی ذكرناها مسبقا مع ظروفه التی ولد فیها وعاش فیها  ، مع ما یطرأ علیه من تغیرات ومؤثرات تصادفه فی حیاته وكذلك الى تأثره بالشعر الغربی فمزج بین الشعر العربی القدیم مع الشعر الغربی اعطاه صبغة عصریة جدیدة تعطی لقصائده اصطلاحا نكاد لا نجده عند الآخرین من ابناء عصره .

إضافة إلى الموهبة الفائقة التی تمیز بها  والتی تبلورت مع الظروف الصعبة التی مر بها زائدا الثقافة القویة التی كان یمتلكها ، فالرومانسیة عند السیاب تبلورت بنكهة خاصة تمثلت باسالیب متمیزة فكانت صورة المرأة هی الصورة التی دخل السیاب عبرها الى عالم الرومانسیة .

والسؤال المهم الذی نطرحه : من هی المرأة او  الحبیبة ؟ هل كانت فعلا موجودة ؟ یراها وتراه ؟ ام هی مجرد عالم ولج الیه عبر منولوجه الشعری ؟  هذه التساؤلات وغیرها قد تصل بنا الى غایة او هدف جدید نستوحیه من قصائد الشاعر ، والتساؤل المهم ، ما هو الشیء التی حققها السیاب من المرأة ؟ ما هی الغایة من البحث عن امرأة ؟ فما الذی جعل السیاب یتمیز عن غیره بهذا الشأن ؟

وهل كانت المرأة تمثل شیئا ایجابیا ام سلبیا للسیاب ؟ فی غیابها او وجودها ، رحیلها ، بعدها او قربها ، عنفها او محبتها ، انوثتها وغریزتها ، حنانها ، وغیرها من المصطلحات .

كل هذه التسؤلات وغیرها یمكن ان تحقق نتیجة للوصول الى مصطلح المرأة الحقیقی لدى السیاب .

وربما من خیبة الأمل أو من الفشل یصنع لنا المبدع  هدفا او غایة او درسا نتعلمه ، وهذا ما حصل للسیاب وما فعله السیاب .

ما حصل له انه كان یتیما فقد حنان الأم ، وما فعله السیاب هو البحث عن امرأة ، لكنه فشل كثیرا ، وهذا الفشل او الاخفاق فی الهوى جعل منه شاعرا أزلیا یسعى الى تحقیق  جنة من نار ، وهی جنة لا یمكن تحدیدها الا بانها  بعیدة ، تفصلها الحجب المانعات عن ناظریه ، ولما كان الهوى بعیدا فانه یكتسب صفات الطهر والألوهیة :-

هناك لروحینا على الحب ملتقى

یزوقه طهر الهوى المتضوع (14)

فالسیاب یجعل من رومانسیته الحزینة اسلوبا مغایرا واصرارا على تحریرها من وجع الظروف التی كان یعیشها الشاعر آنذاك على الرغم من انه لم یكن آنذاك یعی حقیقة التركیب الاجتماعی بدلیل انه یعلل فشل الحب بظل القدر او الزمن القاسی .

لا ینفی بالضرورة ان رومانسیته كانت آنذاك ( رومانسیة برجوازیة صغیرة مذلة مهانة محرومة ترزح تحت وطأة تقالید اجتماعیة وتجابه تخلف مجتمع شبه اقطاعی شبه مستعمر وهی هزیلة التكوین والفكر ) (15)

السیاب یصنع من فشل الحب ومن الظروف واقعا او هدفا یجعله انسانا متكاملا ، مبتعدا عن التأملات والاحلام التی كانت تمتلكه اكثر من الواقع الذی كان یعیش فیه والذی صنعه لنفسه من الشعر ، على الرغم من ان الشعر واقع لا اسم له (16) فهو یختار الشعر كملاذ یلوذ الیه بواقعیته وتاملاته وخیاله   اذا فشل فی الحب من امرأة ما او لم یفشل ، لكن كثیرا ما نجده متعطشا فی قضایا الفراغ العاطفی .

والفراغ العاطفی والبحث عن امرأة هما عنصران الاخفاق فی الحب ، والاخفاق یؤدی الى الالم ، فالالم رفیق الحب عند السیاب ، ویبلغ الالم مداه عندما یتحول الى سخریة تعبث به ، وهكذا تحول الهوى الى ذكرى ارسلت شعاعا من الماضی لتملأ به الحاضر الخاوی :-

أهاب الغرام بقلبی الكئیب

فخف إلى عالیات الذرى (17)

 

ویحاول السیاب ان یحول هذا الألم وهذه الآهات الى شعر ، وان یطمرها بین اوراقه فتصبح انفاسه آهات وكأنه یعترف بان كل ما یفعله بناء شعر حزین یزید من ألمه ، والسیاب یعیش ألمه ویعبر عنه بالعدید من الوجوه ، فهو مرة یبكی ومرة اخرى یشكو ، وثالثة بقلبه الجوى ویخط على فؤاده السطور .

وهكذا بدأ السیاب یجسد المرأة فی البكاء والشكوى والتوسل ، وهذا ما جعله یعیش فی بحثه عن المرأة . ففی دیوانه  نقرأ عن أمرأة یحلم بلقائها غداً، لكننا نفاجأ فی مكان آخر عن ندمه فی أنه لم یمزق قمیصها :

«وغداً سألقاها

سأشدها شداً فتهمس بی

رحماك، ثم تقول عیناك

مزق نهودی - ضم أواها

ردفی.. وأطوی برعشة اللهب

ظهری، كأن جزیرة العرب

تسری علیه بطیب ریّاها (18)

ففی بدایة حیاته كانت هناك  سبع نساء احبهن السیاب دون ان تقتنع بحبه واحدة منهن فكان یكتفی باستدعائهن فی خیاله لیتحدث الیهن ویشبهن اشواقه وشجونه دون ان یمنحنه آذانا مصغیة (19) وهذا ما ذكره فی احدى قصائده وهن ( وفیقة ، هالة ، لمیعة ، ناهدة ، لبیبة او ( لباب ) ، لمیاء ، ألیس ) اضافة الى اسماء نساء اخریات هن من صمیم الوهم مثل ( لیلى ، نادرة ، سلوى ) كان الشاعر یردد اسماءهن فی شعره لیتلمس من خلالهن عواطفه الجیاشة ... فظل یتوق الى حبهن له ، لكنهن كن یشفقن علیه :- (20)

وما من عادتی نكران ماضی الذی كانا

ولكن كل من احببت قبلك ما احبونی

ولا عطفوا علی ، عشقت سبعا كن احیانا

ترف شعورهن علی ، لتحملنی الى الصین

سفائن من عطور نهودهن ، اغوص فی بحر من الاوهام والوجع (21)

هذه القصیدة كتبها الى الانسة لوك نوران وفیها یعترف لها صراحة انه احب سبع فتیاة ولم تبادله واحدة

منهن الحب ویتوسل إلیها أن تحبه لان كل من أحب قبلها لم تحبه (22) ، فالاولى تركته وتزوجت من رجل غنی ثم طلقها هذا الأخیر بعد ان صحا من غفلته :-

آه فتلك باعتنی بمأفون

لاجل المال ، ثم صحا فطلقها وخلاها .(23)

والأخرى كانت تكبره ببضعة أعوام او لعل حسنها أوحى إلیها انه لیس كفوءا لها ، ولم تكن تعلم ان الحسن لا یمكن ان ینتصر على الزمن ، وأخرى كانت تؤثر فیه السحر بما تملكه من حسن صارخ الا انها هی الأخرى فضلت علیه رجلا یمتلك قصرا ویمتلك سیارة واخرى فضلت حیاة السهر والملاهی والقمار ، وحتى تلك التی ظن انها شاعرة فكان یبادلها الغزل فی زورق فی شط العرب یخیم علیها لیل رومانسی ، لم تكن تتمتع بما یتمتع به هو من وفاء عمیق :- (24)

وأقرأ وهی تصغی

والربى والنخل والأعناب تحلم فی دوالیها

تفرقت الدروب بنا نسیر لغیر ما رحمة

وغیبها ظلام السجن تؤنس لیلها شمعه

فتذكرنی وتبكی

غیر انی لست ابكیها (25)

فتلك النساء وغیرهن ذكرهن الشاعر فی اغلب قصائده ، انه یذكر ( لبیبة ) فی قصیدة ( خیالك ) المؤرخة فی ( 31/ 1/ 1944 ) ویدعوها بذات المندیل الاحمر ، كما یهدی الیها ( اغرودة ) المؤرخة فی ( 19/ 3 / 1944 ) ، وفی القصائد ( ثورة الاهلة ، اراها غدا ، صائدة ) یدعوها ( لباب ) ، وفی قصیدة ( الى حسناء ) یرخم الاسم فیدعوها ( لبیب ) ، وقد قال عنها فی مقدمة قصیدة ( ثورة الاهلة ) بانها تكبره بسبع سنین ، یقول فی قصیدة ( أراها غدا ) :

أراها غدا ، هل اراها غدا

وأنسى النوى ، أم یحول الردى (26 )

 

وفی قصیدة أخرى یقول :

 

تمنیت لو كنت ریحا تمر

على الظل ولهى فلا تعذل

ویستأسر الموج اغراؤها

وترد یدها النائح المرسل (27)

اما هالة فانها لا تختلف فی مؤشرات حبها وبواعثه وظروفه عن ( وفیقة ) التی شكلت ظاهرة خاصة فی شعره ، وقیل ان اسمها ( هویلة ) فآثر الشاعر منح اسمها ایقاعا جدیدا وصورة محببة لدیه والتی یقول عنها فی قصیدة ( یا نهر ) المؤرخة فی 2/2/1962 :- (28)

یا نهر ان وردتك ( هالة ) والربیع الطلق فی نیسانه

ولی صباها فهی ترتجف الكهولة ، وهی تحلم بالورود (29)

ان ما یبدو على تأریخ القصیدة ومكانها ، والجو المحیط بالشاعر ان ( هالة ) من جیكور ، من قریته ومن حنینه الى مراهقته وایام صباه حیث الجذور وینابیع القریة الام ومنبع الطفولة .

فهو یصفها بان صباها ولى واقتربت من الكهولة . (30) وبهذا اصبحت هذه المرأة لها تأثیرا واضحا فی انفعالات الشاعر  وصراعاته الداخلیة التی افرزتها حیاة السیاب وكذلك فی  طفولته وعفویته. (31)

والى جانب هالة ثمة فتیات احبهن السیاب ، وهن یدمن الصلة معه لكی یتغنى بهن فی شعره ، فهو یقول فی قصیدة (دیوان شعر ) التی اهداها الى مستعیرات شعره :- ُ

یا لیتنی اصبحت دیوانی

أختال من صدر الى ثان

قد بت من حسد أقول له

یا لیت من تهواك تهوانی

ألك الكؤوس ولی ثمالتها

ولك الخلود واننی فان( 32)

وهذا یكشف عن احساس الشاعر بالحرمان ، وبالخیبة فی حبه ، كما وذكر ذلك فی رسالة الى خالد الشواف مؤرخة فی 20/4/1964 :- (( هناك الآن زفرة من زفرات قلبی البائس ، وحسرة من حسرات حبی الخائب ، علها تعبر عما یعجز عنه الكلام ، وتعبر عما یثقل علی الاعراب عنه )) ، لكن المرأة التی استحوذت على جزء مهم من وجدان الشاعر وشعره هی ( وفیقة ) البتی صارت قضیة وذكرى ، فذكرها فی شعره بقصائد مستقلات ، وذكرها فی أخریات بشكل عابر ، فهی تشكل حالة من حالات العودة الى الجذور والى هموم الذات ، وقد ذكرها فی ( شباك وفیقة ، حدائق وفیقة ، مدینة السراب ) ویبدو انه تذكرها متأخرا ،كما یقول جبرا ابراهیم جبرا فی مقالته ( من شباك وفیقة الى المعبد الغریق ) :- ( اذكر بوضوح ان بدرا حدثنی فی  آواخر عام 1960 أو أوائل عام 1961 انه فجأة جعل یتذكر فتاة احبها فی صباه تدعى وفیقة وانها ماتت صبیة ، وكان شباكها أزرق یطل على الطریق المحاذی لبیته ) وهذا ما یؤیده تأریخ القصائد ، فقصیدة ( شباك وفیقة ) مؤرخة فی 29 / 4/ 1961 و ( مدینة السراب ) مؤرخة فی 2/11/1961 وهذا یدلل ان السیاب بعد احساسه بالمعاناة والمرض صار یستحضر بعض ذكریاته للتغلب على ضغط حیاته الآتی ، ای ان الماضی غدا وسیلة للخلاص أو للهروب من ازمته الذاتیة وأزمة واقعه السیاسی .

وهذه المرأة كانت بالنسبة له مجرد ذكرى ، لهذا انزلق الشاعر ینبش بأوصال الموت لینتزعها من براثنه فصارت ذكراها نوعا من التذلل الى الحیاة لمنع شبح الموت المتمثل بالداء الوبیل الذی اصابه من الاقتراب منه ، لذا صار الشباك معادلا موضوعیا للنافذة التی تطل على الحیاة بكل جمالها ، فهو نشوان یطل على الساحة :- (33)

شباك وفیقة فی القریة/نشوان یطل على الساحة

ثم یقول عنه :-

العالم یفتح شباكه /من ذاك الشباك الازرق ( 34 )

ان الشباك یطل على واقع ریفی جمیل هو عالم الذاكرة والبراءة ( الطفولة ، عالم الحب الریفی الخالص ، انه یشكل مع وفیقة رحلة نقیة عذبة صارت تقترب من شفاه السیاب كنوع من التعویض عن الاوجاع ، وتنوع من الهروب من واقع مریر . (35) وواقع لا یقبله الشاعر ابدا ، وهذا ما جعله ینتظر الحب ویتوقعه ویلح فی طلبه ، فان من البدیهی حین یجابه بالاخفاق ان یسخط ویخفق ویقول :-

أنت الفراشة ما تهوى سوى لهب

فلیعشق الدم واللحم الاخساء

ولتشهد الكاعب الحسناء مصرعها

لو انها فی الغد المنكود حسناء

ولیست ثمة تناقض بین هذا الموقف وبین اقتناعه بان تطل الحبیبة على طرفه الباكی ، ولكنهما موقفان یعبران عن وجهین متكاملین لحالة واحدة ، تكشف عن الصراع الباطنی بین تقالید الشعر الرومانسی وحاجة جیل السیاب الى الحب لا باعتباره حالة بیالوجیة فحسب بل وباعتباره ملاذا من عالم التحجر والتخلف والضیاع ، الامر الذی یؤكد بما لا یقبل الشك ، ان تقالید الشعر الرومانسی لم تكن تمثل الحاجات الاصلیة لجیل السیاب ویفسر تخطی هذا الجیل لحدودها حال اهتدائه الى الرؤیة الواقعیة للحیاة .(36)  وكمحاولة من الشاعر لخلق عالم طوباوی یبعده عن العالم الذی یضطهده ویتركه فریسة للمرض وطعما للموت فها هو یقول عن حبه الریفی وعن اكسیر الحیاة النابض بالاشواق فی رسالة منه الى خالد الشواف مؤرخة فی ( ابو الخصیب : 13/6/1946 ) :- (( انه الحب الریفی الخالص العریق فی ریفیته ، یسف دون ان یلامس التراب ، ویسمو فلا یجوز السحاب ، هذا الحب الرائع تؤطره اجواء مرویة من الطبیعة والازیاء ، والاسالیب من مواضع اللقاء وخلوات العزائم من ( مراحل ) اللذة ان نهایته المتوقعة ، زواج المعبودة ، او افتضاح الحب ولیس الطائر فی قفصه كل تلك تجعلنی ابذل كثیرا من الوقت فی سبیل هذا النوع الساحر من العشق )) (37) ولیس كما اعتقد بعض النقاد من ان ( الشباك ذاكرة الخطیئة والشهوة والموت یصیر لدى الشاعر طائرا اسطوریا یبشر بوحدة العالم وانسحابه ویضیع براءة الوجود تجاه الخطیئة واللعنة والخوف )) (38) ولأن وفیقة راحلة الى عالمه السفلی كما رحلت قبلها عشتار ، فانها تبدو كطائر محلق یشق عباب الموت ویطل على الشاعر من خلال صورة عشتار ، فوفیقة (( تحلم فی اللحد / بالبرق الاخضر والرعد ، ینادیها السیاب بان تطل علیه ، وهذا نابع من احساس الشاعر بالألم والفجیعة وبانه لاحق بوفیقة :-

أطلی فشباكك الازرق

سماء تجوع

تبنیته من خلال الدموع

كانی بی أرتجف الزوارق (39)

ولأنه یخشى ظلمة الموت ، فقد حاول التعویض عنه بالبحر لكنه ظل مشدودا الى صورة عشتار ، والسیاب لا یرید ان یموت ، انه یرید من یتذكره ، وهنا یكشف حب الشاعر العفوی الذی تحول الى شخصیة وصولیة للخلاص من شبح الانهیار والتلاشی اللذین یصارعهما ویذلانه ویردیانه طریح الفراش ، وبهذا تتحول وفیقة من حبیبة الى منقذة من وطأة المرض وهذا ما ینسجم مع طبیعتها الریفیة وعفویتها القرویة الطفولیة(40) :-

وشباكك الازرق /على ظلمة مطبق

تبدی كحبل یشد الحیاة/ الى الموت كیلا تموت ( 41)

هنا السیاب هو الذی یتذكر الحبیبة ، فهو لا یكف عن الطلب إلیها ، ونلاحظ ان فعل الأمر فی قصیدته ( اذكرینی ) یفترض وجود علاقة فی الماضی ، غائبة فی الحاضر والشاعر یطلب حضور هذه العلاقة أی عودتها ، ویستعمل الحجج فی ذلك :-

فاذكرینی واذكری قلبا بكى بین یدیك  .

فالسیاب یطل على الماضی من خلال التأثر به والرجوع الیه فی بعض الأحیان  ، ویعلق عز الدین إسماعیل فی مقاله " الشعر المعاصر والتراث العربی " :

(( یستغل السیاب قصة الحب البدوی التی تردد فی التاریخ العربی ، وهی قصة عنتر وعبلة )) :

ذاك عنترٌ یجوب

دجى الصحاری إن حی عبلة المزار (42)

كذلك هو یعتبر أن الماضی هو مفتاح للمستقبل ، فیطل علیه من نافذة الذكرى والحلم  ، ویعبر الى المستقبل عن طریق الذكرى والحلم ایضا، فانه لا یحلم بانه سیواصل الحبیبة وحسب ، وانما یحلم بها وهی تبادر الى وصاله ویروی على لسانها اشیاء لا نستطیع تفسیرها الا بانها نوع من الأحلام ، ویكتب الحب هنا صفات القداسة ، وهذا ما یشكل المعبر للدخول إلى عالم الحب الروحی عند الشاعر ،

فالحب قد یبدو مقدسا من خلال ارتباطه بالحلم ، مما یحوله الى قوة الآهیة ، انه لا یعود حالة یعیشها حبیبان ، وانما قوة ترعى الحبیبین ، هناك نرى المنى ، والحب والاحلام ترعانا .. ( 43)

غیر ان صورة المرأة التی اشتهاها صبیا ، مراهقا وظل یبحث عنها فی كل مكان لتنقذه من محنته وواقعه وآلآمه بعد ان تزوج إقبال فی عام 1955 ، وكان هذا الزواج عاملا مهما فی ترویض جموح عواطفه واندفاعها نحو الجنس والنساء ، یخلعه من الركض خلف المرأة التی یریدها ان تحبه لا ان تشفق علیه ، وبهذا ابتعد عن عقدة الشعور بالنقص نتیجة تواضع وسامته ، وقد احتلت اقبال مكانة متمیزة فی قلب الشاعر ورافقته فی حله وترحاله

مثل ممرضة تسهر علیه وتداری سأمه وارتعاش اصابعه على العكاز ، بالرغم من تقلب مزاجه وقلق عواطفه

 

فكان ان فسح لها مكانا فی شعره فمرة یدعوها باسمها الصریح ومرة یدعوها باسم الزوجة وقد ورد ذكرها فی

قصائد المتأخرات ذات النضج الفنی الواضح وبالذات فی مجموعاته الشعریة ( المعبد الغریق ، منزل الاقنان ، شناشیل ابنة الجلبی ) ففی ( نبوءة ورؤیا )(44) یقول :-

أرى افقا ولیلا یطبقان علی من شرفه

ولی ولزوجتی فی الصمت ، عند لدودها وقفه (45)

وفی قصیدة ( الوصیة ) یقول عن زوجته اقبال :-

اقبال یا زوجتی الحبیبة /لا تعذلینی ما المنایا بیدی

ولست ان نجوت بالمخلد /كونی لغیلان رضى وطیبة /كونی له أبا وأما وأرحمی نحیبه ( 46)

 

هنا یكشف الشاعر عن أوجاعه وآلامه وإحساسه  بنهایة المطاف ، ان التذرع للزوجة بان تظل على الذكرى ، وان تمنح اطفاله الحب والحنان مما یعبر عن صدق عواطف الشاعر وأحساسه بالعجز امام سطوة القدر وأمام ذراع الموت التی توشك ان تمتد الیه ، انه یتذرع الى الحیاة من خلال صورة الزوجة ، لكی یمنح نفسه نوعا من الاستقرار الذی یبعده عن الفزع المستوفز فی دواخله ، لكنه عندما یصل الى النتیجة المذهلة بان الانسان غیر مخلد كما كان طرفة بن العبد یرى مرغما ، وبانه لا محالة فان وان نجا من مرضه هذا ، فانه یلجأ الى الانتظار فی قصیدة ( سفر ایوب ) حینما دعا زوجته الى الانتظار وهو یتقد على نار هادئة :- (47)

اقبال ..... ان فی دمی لوجهك انتظار /وفی یدی دم ، الیك شده الحنین

ویقول ایضا :- ایه اقبال ، لا تیأسی من رجوعی /هاتفا ان اقرع الباب : عادا (48)

السیاب یكرر مع زوجته ما فعله مع حبیباته فی السابق ، فالشاعر یكرر فعل الامر أحبینی ، لكن هذه المرة مع زوجته اقبال ، قبل ان كان یدعو حبیباته فی السابق ویطلب منهن الحب ، فهو یدعو زوجته لان تحبه لان كل من احبهن قبلها لم یحببنه ، وانما كن یشفقن علیه فصار یشك بحب زوجته له ، وانها تداریه وتسهر على صحته لمجرد الاشفاق :-

آه ... زوجتی ، قدری ، أكان الداء

لیقعدنی كأنی میت سكران لولاها ؟

وها أنا ... كل من أحببت قبلك ما أحبونی

وأنت ؟ لعله الاشفاق !! (49)

السیاب یجد ان اقبال هی مفتاح للخلاص ، وهو یتمنى ان تكون هی المرأة المشفقة علیه مع اننا نجده فی بعض الأحیان یلومها لانها اصرت على العودة من لندن الى العراق ، وقد ساءت صحته بعد ذلك ، فتشاءم  واعتبر زوجته مسؤولة عن تدهور صحته ، وقد كتب قصیدة ( القن والمجرة ) فی لحظة غضب من هذا الموقف :-

ولولا زوجتی ومزاجها الفوار لم تنهد أعصابی

ولم ترتد مثل الخیط رجلی دونما قوه

ولم یرتج ظهری فهو یسحبنی إلى هوه

ولا فارقت احبابی (50)

اما قصیدة ( لیلة وداع ) التی اهداها الى زوجته وكتبها فی الكویت بتأریخ ( 21/ 8/ 1964 ) فانها تختلف بعض الشیء عن القصیدة السابقة فهو یعبر عن حسرته على حیاته وحنینه الى زوجته التی سهرت علیه اللیالی حتى انه دعاها بانها باعثته من العدم (51) :-

غدا تأتین یا اقبال ، یا بعثی من العدم

ویا موتی ولا موت (52)

وان مرض الشاعر قد اضعف كثیرا من شعره ، الا ما كان من اطیاف عابرة عاودته فی اقبال وهو یكتب رسالة :

رسالة منك كاد القلب یلثمها

لولا الضلوع التی تثنیه ان یثبا

رسالة لم یهب الورد مشتعلا (53)

الشاعر فی آخر حیاته كثیر التساؤل عن الوطن عن الابناء ، عن الزوجة ، كما نراه فی قصیدة ( اقبال واللیل ) یخرج التساؤل بین العراق والابناء والزوجة :-

یا لیل این هو العراق

این الاحبة ؟ این اطفالی ؟ وزوجتی والرفاق

یا ام غیلان الحبیبة صوبی فی اللیل نظره

نحو الخلیج تصورینی اقطع الظلماء وحدی(54)

ان صلة الشاعر مع زوجته إقبال كانت عبر مواطن الألم ولم تأت من الجسد ، وهكذا ابتدأ الشاعر  حیاته بمناجاته لامه وكثرة تساؤلاته وحنینه وبحثه عن امرأة تعطیه حنان الأم التی فقدها منذ طفولته كما ذكرنا سابقا ، فهو احب العدید من النساء ، لكن لم یصل الى الاندماج الكامل مع ایة واحدة منهن الا مع اقبال ، الزوجة التی كانت تمثل المرأة الأخیرة فی حیاته .

 

هوامش

 

*ولد الشاعر بدر شاكر السیاب فی جیكور بجنوب العراق ، عام 1926 ومات فی الخامس والعشرین من دیسمبر عام 1964 ، أی انه عاش نحوا من اربعین عاما . انظر رواد الشعر العربی الحدیث ، یوسف نور عوض ، ص 157

 

 

•(1)             جلال الخیاط ، الشعر والزمن ، ص59

•(2)             عبد الجبار عباس ، السیاب ، ص15

•(3)             قیس الجنابی ، مواقف فی شعر السیاب ، ص 104

•(4)             قیس الجنابی ، المصدر السابق ، ص 104

•(5)             د. عبد العظیم رهیف السلطانی ، فسحة النص ( النقد الممكن فی النص الشعری الحدیث ) ، ص72

•(6)             عبد الجبار عباس ، المصدر السابق ، ص 15

•(7)             د. عبد الكریم حسن ، الموضوعیة والبنیویة ( دراسة فی شعر السیاب ) ، ص 51

•(8)             عبد الجبار عباس ، المصدر السابق ، ص 17

•(9)             د. ابراهیم خلیل ، مدخل لدراسة الشعر العربی الحدیث ، ص300

•(10)        د. عبد الكریم حسن ، المصدر نفسه ، ص52

•(11)        محمد صالح عبد الرضا ، 27 قصیدة للسیاب بخط یده ، ص31

•(12)        د. عبد الكریم حسن ، المصدر السابق ، ص52

•(13)        د. ابراهیم خلیل ، المصدر السابق ، ص118

•(14)        د. عبد الكریم حسن ، المصدر السابق ، ص 53

•(15)        عبد الجبار عباس ، المصدر السابق ، ص 21

•(16)        حسن نجمی ، الشاعر والتجربة ، ص13

•(17)        د. عبد الكریم حسن ، المصدر نفسه ، ص58

•(18)        فوزی معاش ، مقال (حكایات عن السیاب ، المثقف العراقی ، 28/1/2008

•(19)        د.ابراهیم خلیل ، المصدر السابق ، ص30

•(20)        قیس الجنابی ، المصدر السابق ، ص 105

•(21)        محمد صالح عبد الرضا ، المصدر السابق ، ص52

•(22)        محمد صالح عبد الرضا ، المصدر نفسه ، ص 8

•(23)        دیوان الشاعر بدر شاكر السیاب ( شناشیل ابنة الجلبی ) ص 600

•(24)        د. ابراهیم خلیل ، المصدر نفسه ، ص 300

•(25)        بدر شاكر السیاب ، المصدر نفسه ،  ص 62

•(26)         (26)دیوان الشاعر ، ج2 ،ص30   

•(27)            (27)المصدر نفسه ؛ ج2 ، ص 150

(28)قیس كاظم الجنابی ، مواقف من شعر السیاب ، ص 106

(29)دیوان بدر شاكر السیاب ،  ج1 ، ص 172

(30)قیس كاظم الجنابی ، المصدر نفسه ،  ص 106

(31)قیس الجنابی ، مجلة افاق عربیة ( بغداد ) ،( بین شاذل طاقة والسیاب) ، العدد 2 ، السنة 11 شباط 1986 ، ص 69

(32)المصدر نفسه ،  ج1 ، ص 109

(33) قیس كاظم الجنابی ، المصدر السابق ، ص 107

(34)دیوان بدر شاكر السیاب ، ج 1 ، ص 117

(35)قیس كاظم الجنابی ، المصدر نفسه ، 108

(36)عبد الجبار عباس ، المصدر السابق ، ص 24

(37)قیس كاظم الجنابی ، المصدر نفسه ، ص108

(38)امطانیوس میخائیل ، دراسات فی الشعر العربی الحدیث ، ص 66

(39)دیوان بدر شاكر السیاب ، ج 1 ، ص 117

(40)قیس كاظم الجنابی ، المصدر السابق ، ص110

(41)المصدر نفسه ، ج1 ، 117

(42)د.فاروق مواسی ، مجلة دیوان العرب ، 10/آب 2006

(43)د. عبد الكریم حسن ، المصدر السابق   ، ص72

(44)قیس كاظم الجنابی ، المصدر السابق ، ص 112

(45)دیوان بدر شاكر السیاب ، ج1، ص165

(46)المصدر نفسه ، ج1 ، ص 221

(47)قیس كاظم الجنابی ، المصدر نفسه ، ص103

(48)المصدر نفسه ، ج1 ، ص 253

(49)المصدر نفسه ، ج1 ، ص 642

(50)دیوان الشاعر  ، ج1 ، ص 166

(51)قیس كاظم الجنابی ، المصدر السابق ، ص 115

(52)المصدر نفسه  ، ج1، ص 711

(53)د. حمادی حمود ، د. جواد علی الطاهر ، الشعر ومتیرات المرحلة ، ( الشعر والتراث ) ، ص 89

(54)المصدر نفسه ، ج1، ص 761
مقالات مرتبط:

المرأة والحب فی شعر السیاب

الصورة التقلیدیة للمرأة فی شعر السیاب

الزمن والرفض فی تجربة السیاب الشعریة

بدر شاكر السیاب

السیاب مزیج من الیأس والشعر

قراءة فی قصیدة أنشودة المطر لبدر شاكر السیاب

لوركا فی شعر السیاب والبیاتی ودرویش

للغة الشعریة عند السیاب

شرح قصیدة سفر ایوب بدر شاكر السیاب

البنائیة الأسطوریة عند السیاب

الروافد الأسطوریة فی شعر بدر شاكر السیاب

السیاب.. الرجل الذی تاه فی عرض المنفى!!

التناص وتحولات الشكل فى بنیة القصیدة عند السیاب

غرض الحنین فی شعر السیاب

لغة الشعر عند بدر شاكر السیاب

البنائیة الأسطوریة عند السیاب






موضوع: الشعر الحر، العصر الحدیث،

[ دوشنبه 19 مهر 1389 ] [ 11:23 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]



البصرة ـ رؤیا الغالب:
وجه اسمر وانف طویل حاد وعینان براقتان وجسم هزیل ولكن القلب ینبض بحب الحیاة ولد الحب فی قلب بدر بعد وفاة والدته وهو فی السادسة من عمره وقد كان شدید التعلق بها فلما خطفها الموت ولدت لوعة فی قلبه وعرف حینها ماذا یعنی الحب فقد الحبیب وتتفاوت صورة العاشق الطفل فی شعره من حیث درجة وعیه بها ولكنها تاتی منسجمة مع سیاقها نابعة من اعماق شعوره وتاتی الصورة عفویة لا تثیر تساؤلا:



سعف النخیل: سواك خان مودتی
وبقیت تحفظها لمن لا ینسلی
اشكو الیك اذى الفؤاد وان تكن
لا ترجع الشكوى لصب مبتلی
تمضی الحبیبة والزمان كلاهما
واظل اندبها وتصغی انت لی
راح بدر یبحث عن حضن دافئ ومن اعتاد على الحب لا یستطیع ان یعیش بدونه وقد وجده فی حضن جدته لابیه التی كانت الانسانة الوحیدة الحقیقیة فی حیاته لانها كانت حبیبته الاولى ولكنها ماتت فی صیف 1942 ونبض قلبه بحب المرأة الغریبة والبعیدة لاول مرة عندما رأى ابنة احد الملاكین الكبار وهی تطل من شرفة خشبیة مزركشة ذات نوافذ ملونة كانت احدى شرفات بیوت الشناشیل المطلة على المدرسة التی یتعلم بها وهناك شعر بان الوصول الى ابنة الشناشیل حلم وقد عانى كثیرا ولم یستطع حینها ان یعبر عن مشاعره الا بعد سنین طویلة فی قصیدته شناشیل ابنة الجلبی:
ثلاثون انقضت وكبرت كم حب وكم وجد
توهج فی فؤادی
غیر انی كلما صفقت یدا الرعد
مددت الطرف ارقب ربما ائتلق الشناشیل
فابصرت ابنة الجلبی مقبلة الى وعدی فهی اذن نابعة من تجربة حقیقیة افصحت عنها كلمات الشاعر حین غفل رقیب الوعی عند قول الشعر فهو یحب صاحبته كما یحب الطفل الرضیع امه یطلب عندها الحب والحنان ویتوسل الیها باظهار ضعفه ویتمنى ان یظل طفلا حتى لا تصدمه تجربة الواقع فهو یرتاب فی الرقة التی یبدیها له الحبیب وكانه یشعر ان حبیبه یعامله معاملة الاطفال ویتمنى فعلا ان یعود طفلا ولكن الكبریاء كانت كبریاء رجل:
تعالی نهجر الانام والناس ودنیانا
لارض سبقتنا نحوها بالسیر روحانا
هناك نرى المنى والحب والاحلام ترعانا
ضعی یدك الجمیلة فی یدی ولنذهب الآنا..
اتجه بدر للدراسة فی البصرة لمواصلة تعلیمه الثانوی ولكن قلبه كان هناك فی جیكور حیث حبه الدامی الى احدى بنات عمومته وكان حبه لها من الحوادث التی أثرت فیه تأثیرا عمیقا لانها تركته وتزوجت وظلت بالنسبة الیه الحلم الممتنع وقد انعكس ذلك فی شعره لیقع مرة اخرى فی حب راعیة الغنم وللتعویض عن حبه الضائع ویبدو ان علاقاته بنساء القریة كانت علاقات خیالیة تعكس حب الریف والرعی وذكریات الطفولة وخضرة النخیل وزرقة شط العرب وكان السیاب یردد دائما ان الصبایا العذارى الریفیات یتشبثن ببقائه ولم یكن هذا حقیقیا اذ ان الصبایا الریفیات كن اكثر بعدا عنه وفی رسالة بعثها الى صدیق له قال فیها:
انا محروم من العاطفة لا ارى قلبا یخفق بحبی مرت السنون وانا اهفو الى الحب ولكنی لم انل منه شیئا ولم اعرفه.
شكوت الى اللیل جور الغرام
فارسل آهاته الباكیة
فقال: وانی احب النهار
ویعشق اطرافی الساجیة
كلانا یفتش عن إلفه
 وكل تفرق فی ناحیة
فقلت وفی القلب من حبه
 نواظر تحلم بالراعیة!
كان عالم المراة معقدا فی مخیلة بدر ویعود ذلك الى طبیعة وضع المرأة فی ریف متخلف كالریف فی العراق واصبحت مشكلة المرأة تنمو مع نموه واذا كانت صلته بالمرأة الریفیة صلة الوعی فان مدخله الى المرأة المدنیة كان الشعر لانها تتكلم وتبتسم وتقرأ الشعر واصبحت دواوینه تتنقل بین مخادع العذارى ولكن المرأة فی المدینة تظل بعیدة عنه لان البنات البرجوازیات اللواتی یتشبث بهن وكان ذلك مجرد تسلیة واصبح وحیدا یحن الى اللقاء ولكنه لا یصل ویبحث عن حلم ضائع وكان یتصور السراب ماء فما یلبث ان یكتشف الحقیقة فتعلق قلبه بامرأة تكبره بسبع سنوات ولما راوده الیأس احب فتاة صابئیة ولكنه لا یستطیع الزواج بها وسماها الامبراطورة لانها استحوذت على قلبه وعقله وكل حیاته وبعد سنوات طویلة من المعاناة كان یصرخ:
لغیرك لم یخفق فؤادی ولا هفا
بجنبی قلب ضارب فی التفجع
ولا ذرفت عینای دمعا اذا جرت
بوادره طاف اشتیاقی بمدمعی
فرحماك لا تستنزفی دمع ناظری
 فدمعی اذا ما هاجنی الشوق مفزعی
كان الشاعر القروی الشاب یجری وراء السراب بحثا عن الماء الحقیقی الواقعی كان عطشا الى المرأة المحسوسة الملموسة كان یطلب الحب والعاطفة وكان مستعدا لان یغرف من هذا الحب ویجعل من حلمه فی امتلاك المرأة حقیقة حیة والنسیان لیس هو الخلاص فهو عدم والشاعر لا یطلب العدم بل یطلب الخلود فاین یجد هذا الخلود؟ انه یجده حیث یغوص فی اعماقه فیستخرج صورا شتى للمرأة.. المرأة التی ستبقى فی وعی الانسان ابدا سر الحیاة وصانعة السعادة والشقاء:
سالتنی ذات یوم عابره
عن غرامی وفتاتی الساحره
لم تكن تعلم انی شاعر
ملهم اهوى فتون الطاهره
وحبیب لست اهوى عابثا
انما اهوى العیون الآسره

مقالات مرتبط:

المرأة والحب فی شعر السیاب

الصورة التقلیدیة للمرأة فی شعر السیاب

الزمن والرفض فی تجربة السیاب الشعریة

بدر شاكر السیاب

السیاب مزیج من الیأس والشعر

قراءة فی قصیدة أنشودة المطر لبدر شاكر السیاب

لوركا فی شعر السیاب والبیاتی ودرویش

للغة الشعریة عند السیاب

شرح قصیدة سفر ایوب بدر شاكر السیاب

البنائیة الأسطوریة عند السیاب

الروافد الأسطوریة فی شعر بدر شاكر السیاب

السیاب.. الرجل الذی تاه فی عرض المنفى!!

التناص وتحولات الشكل فى بنیة القصیدة عند السیاب

غرض الحنین فی شعر السیاب

لغة الشعر عند بدر شاكر السیاب

البنائیة الأسطوریة عند السیاب





موضوع: الشعر الحر، العصر الحدیث،

[ دوشنبه 19 مهر 1389 ] [ 11:21 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


فی دیوان الشعر العربی صفحات طویلة لم تقرأ بعد، ولم تجد لها فی كتب الدارسین وأبحاثهم مجالاً ومتسعاً، مع ما لها من أهمیة فی الكشف عن بعض الجوانب الخفیة فی شعرنا العربی، ومن ذلك ما قیل فی الطیر والحیوان من قصائد وأشعار ذات خصائص نادرة المثال، قلما نجد لها نظیراً فی أشعار الشعراء، لما تتسم به من طرافة فی المعانی والأغراض، ورقة فی المشاعر والأحاسیس، وروعة فی التعابیر والأسالیب.

فقد كان للطیر والحیوان نصیب وافر جداً من أشعار الشعراء العرب منذ أقدم عصور الشعر، كان الشاعر فیها یصدر عن بیئته، فیصور ما فیها من ظواهر ومظاهر، ویصفها وصفاً حیاً دقیقاً ومباشراً ومرتبطاً بعواطفه الذاتیة، وأحاسیسه الوجدانیة، دون أن یتعدى حدود هذه البیئة وما فیها من بید ومهامه وقفار، ودمن ورسوم وآثار، وطیر وحیوان ونبات أو غیر ذلك من مدركات هذه البیئة الصحراویة البسیطة التی انعكست صورتها على صفحات شعره، وكان لها أثر واضح فیه، وقد تنبه إلى قیمة هذا الأثر بعض النقاد القدماء فقال ابن طباطبا العلوی (-322ه): "واعلم أن العرب أودعت أشعارها من الأوصاف والتشبیهات ما أحاطت به معرفتها، وأدركته عیانها، ومرت به تجاربها، وهم أهل وبر صحونهم البوادی، وسقوفهم السماء، فلیست تعدو أوصافهم ما رأوه فیها"(1).

ومن المعروف أن وصف الرحلة والراحلة، ونعت الحصان والفرس، وذكر الظبی والظلیم والنعامة والذئب والثور والكلب والصید وغیرها من أبرز معالم القصیدة العربیة، ومن أغراضها الأساسیة، قبل أن یستقل هذا الغرض بنفسه، ویتطور بتطور الحیاة الحضاریة للعرب، فیصبح فناً شعریاً قائماً بذاته، له شعراؤه وأعلامه، وتتنوع أسالیبه ومذاهبه، وتتعدد أغراضه لتشمل الوصف والمدیح والهجاء والرثاء وغیرها من أغراض الشعر.

وإذا كنا قد أطلنا الوقوف عند هذه الأغراض فی بحث سابق مسهب ومفصل(2)، فإن مراثی الطیر والحیوان تظل من أهم هذه الأغراض وأجدرها ببحث مفرد ومستقل، لما فیها من جدة وطرافة وصدق قد تفتقر إلیه كثیر من مراثی الشعراء فی بنی الإنسان.

ولم یكن هذا الفن من الرثاء جدیداً أو مستحدثاً فی العصر العباسی، وإن كان قد ارتقى فیه وتطور، وإنما عرف منذ العصر الجاهلی والإسلامی، ولدى عدد غیر قلیل من الشعراء الذین وصلت إلینا أشعارهم، وكانت لهم فیه طرائف جمة، وبدائع مستحسنة، ومن ذلك ما رواه صاحب الأغانی من خبر أبی زبید الطائی "وكان له كلب یقال له أكدر، له سلاح یلبسه إیاه، فكان لا یقوم له الأسد، فخرج لیلة قبل أن یلبسه سلاحه، فلقیه الأسد فقتله" فقال فی وصف مقتله ورثائه قصائد عدیدة "فلامه قومه، وقالوا له: قد خفنا أن تسبنا العرب بوصفك له، فقال: لو رأیتم ما رأیت، أو لقیكم ما لقی أكدر لما لمتمونی"(3) وكان أكدر قد خرج من البیت مختالاً كعادته، ومضى نحو عرزال بعید، ظن فیه فرائس یصیدها، ویجلب معها الفرح لأهل بیته، فإذا هی أجمة لأسد ولبؤة وجراء ستة، فأیقن بالهلاك والموت، وجال یرید الهرب وأنى له ذلك، وقد أدركه الأسد، فأصبح طعمة بین براثنه، وما انفك أبو زید یرثیه ویذكر مصرعه، ویصور دخیلته وهو یواجه الموت بین أنیاب ذلك الوحش الكاسر، دون أن یخفی مشاعر الحزن والأسى التی تعتاده كلما تذكر ذلك المشهد المخوف فیقول: (4)

اخال أكدر مختالاً كعادته             حتى إذا كان بین البئر والعطن

لاقى لدى ثلل الأطواء داهیة                  أسرت، وأكدر تحت اللیل فی قرن

حطت به شیمة ورهاء تطرده                  حتى تناهى إلى الأهوال فی سنن

حتى إذا ورد العرزال وانتبهت                 لحسّه أم أجر ستة شزن

وظن أكدر أن تمُّوا ثمانیة              أن قد تجلل أهل البیت بالیمن

فخاف عزتهم لما دنا لهم               فحاف أكدر مشفیّاً من الوسن

ألفاه متخذ الأنیاب جنته              وكان باللیل ولاّجاً إلى الجنن

وللكلب لدى الأعرابی منزلة خاصة، فهو رفیقه وسمیره وحارسه الأمین، وجالب القوت والصید له إذا صاد أو قنص، شأن ذلك الصباحی الذی لم یكن له من أسباب العیش سوى أكلب سلوقیة تجلب له من الصید والطرائد ما یقیم أود عیاله، فأودت، وأودى شخصه معها، وأیقن بالجوع والفقر والمسألة، فقال المزرد بن ضرار یصف شقاءه الطویل بعدها، ویرثی لحاله، ویرثیها معه(5).

فعدّ قریض الشعر إن كنت مغزراً              فإن قریض الشعر ما شاء قائل

لنعت صباحی طویل شقاؤه           له رقمیّات وصفراء ذابل

بقین له مما یبرّی وأكلب              تقلقل فی أعناقهن السلاسل

بنات سلوقیین كانا حیاته              فماتا فأودى شخصه فهو خامل

وأیقن إذ ماتا بجوع وخیْبَةًَة           وقال له الشیطان: إنك عائل

فطوّف فی أصحابه یستثیبهم                     فآب وقد أكدت علیه المسائل

تغشَّى یرید النوم فضل ردائه                  فأعیا على العین الرقادَ البلابل

 وقد روى لنا الجاحظ فی الحیوان أبیاتاً مؤثرة من قصیدة الأعرابی فی رثاء شاة له كان یسمیها: وردة، ویجعل كنیتها: أم الورد، فأكلها الذئب مع الصبح، وترك صغارها أیتاماً بعدها، فراح یبكیها، ویألم لحال صغارها بعدها، ویجد فیها سلوة عنها فیقول (6) :

أودى بوردة أم الورد ذو عسل               من الذئاب إذا ما راح أو بكرا

لولا ابنها وسلیلات لها غرر          ما انفكت العین تذری دمعها دررا

كأنما الذئب إذ یعدو على غنمی               فی الصبح طالب وتر كان فاتأرا

ولطالما وجد الشاعر فی موت الحیوان وهلاكه أو مصرعه الأسوة والعزاء والسلوان لنفسه الحزینة، وهو یفقد صدیقاً أو قریباً أو حبیباً تخطفه الموت أو القتل، فیبكی علیه ویرثیه، ویقرن ذلك الرثاء بذكر الحیوان، ویستخلص الدروس والعبر، شأن أبی ذؤیب الهذلی فی عینیته الشهیرة التی رثى بها أبناءه الخمسة الذین أودى بهم الموت جمیعاً، فراح یبكیهم، ویجمع فی رثائهم ما بین مصرعهم ومصارع الحیوان أو الإنسان فیقول(7):

أمن المنون وریبها تتوجع              والدهر لیس بمعتب من یجزع

أودى بنیّ فأعقبونی غصة              بعد الرقاد وعبرة لا تقلع

والدهر لا یبقى على حدثانه          جون السراة له جدائد أربع

والدهر لا یبقى على حدثانه          شبب أفزّته الكلاب مروّع

شعف الكلاب الضاریات فؤاده               فإذا رأى الصبح المصدق یفزع

فصرعنه تحت الغبار وجنبه            متترّب، ولكل جنب مصرع

والدهر لا یبقى على حدثانه                    مستشعر حلق الحدید مقنع

فإذا المنیة أنشبت أظفارها             ألفیت كل تمیمة لا تنفع

وكان جهم بن خلف المازنی، من شعراء الدولتین، مختصاً بالحیوان والطیر فی شعره(8) یصفها ویتغزل بها، ویبكی لبكائها، ویرثی لحالها، ویجد فی ذلك العزاء والتسلیة عما یجد فی دنیاه من المآسی، ومن ذلك قصیدة رقیقة له فی حمامة أضلت فریخاً لها، فراحت تجدّ فی البحث عنه دونما جدوى، حتى بدا لها الیأس منه، وأیقنت أن جوارح الطیر قد تخطفته فأكلته، فراحت تنوح علیه وتبكیه، وتستدر دموع الشاعر فیها، فقال یشاركها أحزانها، ویصف هذا الموقف المؤثر وصفاً بارعاً یثیر المواجع فی النفوس الرهیفة(9):

وقد شاقنی نوح قمریة                طروب العشی هتوف الضحى

أضلت فریخاً فطافت له                وقد علقته حبال الردى

فلما بدا الیأس منه بكت              علیه وماذا یردّ البكا

تغنَّت علیه بلحن لها          یهیج للصب ما قد مضى

فلم أر باكیة مثلها           تبكِّی ودمعتها لا ترى

وكان الحكم بن عبدل الشاعر الأموی الهجَّاء الخبیث اللسان، صاحب طرف ونوادر(10)، وله أشعار كثیرة فی صنوف الحیوان والحشرات والطیر لیست تخلو من طرافة وفكاهة(11)، ومنها قصیدة له فی سنور له مات فقال یتفجع علیه، ویذكر أیامه ویصف جنازته ومأتمه(12).

سقیاً لسنورة فجعت بها                كانت لمیثاء حقبة سكنا

لو أصبحت عندنا جنازتها             لحنطت واشتری لها كفنا

ثم جمعنا صحابتی وغدوا               فیهم كریب یبكی وقام لنا

كل عجوز حلو شمائلها               كانت لجرذان بیتنا شجنا

من كل حدباء ذات خشخشة                 أو جرذ ذی شوارب أرنا

وقد تطور هذا الفن لدى المحدثین من شعراء العصر العباسی تطوراً واسعاً جداً، فاختص به عدد كبیر من الشعراء الذین جعلوا معظم أشعارهم فی الطیر والحیوان، فاتسعت أبوابه، وتنوعت أسالیبه، وتعددت أغراضه، وكان لذلك ما یبرره من وجهة نظر بیئیة وحضاریة، بعد تطور الحیاة الاجتماعیة والاقتصادیة فی هذا العصر، كما كان لاضطراب الحیاة السیاسیة فیه اكبر الأثر فی تعمیق هذا الاتجاه، وتلوینه بألوان الرمز والكنایة والتعریض، أو التعبیر من خلاله عن النزعة السلبیة إزاء أمور الحكم والسیاسة ورجالها، والانصراف نحو عالم الطیر والحیوان فی الوصف والمدیح والهجاء أو الرثاء الذی یمكن أن یعد من أهم هذه الأغراض، وأقواها تعبیراً عن هذه التحولات الجدیدة.

ومن أوائل ما نقف علیه من الأشعار فی رثاء الحیوان فی هذا العصر أرجوزة لأبی نواس فی رثاء كلبه خلاّب، وقد لسعته حیة رقطاء، فمات لدیغاً مسموماً، فقال یذكر مصرعه ویرثیه(13):

یا بؤس كلبی سید الكلاب           قد كان أغنائی عن العُقاب

یا عین جودی لی على خلاَّب                  من للظباء العفر والذئاب

خرجت والدنیا إلى تباب              به وكان عدّتی ونابی

فبینما نحن به فی الغاب                إذ برزت كالحة الأنیاب

رقشاء جرداء من الثیاب             لم ترع لی حقاً ولم تحابی

فخرّ وانصاعت بلا ارتیاب           كأنما تنفخ فی جراب

لا أبت أن أبت بلا عقاب            حتى تذوقی أوجع العذاب

وقد برع فی هذا الفن الفرید من الرثاء عدد من الشعراء المحدثین، فكانت لهم فیه بدائع ونوادر كثیرة، وعلى رأسهم القاسم بن یوسف، أخو الوزیر الشاعر الأدیب أحمد بن یوسف وزیر المأمون، كما كان القاسم والیه على الخراج، وكان شاعراً "قد جعل وكده فی مدح البهائم ومراثیها، فاستغرق أكثر شعره فی ذلك(14)" كما یقول صاحب الأغانی، وروى له الصولی عدة قصائد طویلة فی رثاء الطیر أو الحیوان، وقال فی تقدیرها: "وهو أشعر فی فنه الذی أعجبه من مراثی البهائم من جمیع المحدثین، حتى أنه لرأس فیه، متقدم على جمیع من نحاه، وما ینبغی أن یسقط شیء من شعره فیه، لأنه كله مختار، وللناس فیه فائدة(15)"، ومما رواه له من هذه القصائد البدیعة المختارة، قصیدة طویلة فی رثاء عنزة سوداء، كانت عنده خیراً من محظیات الملوك والأمراء والوزراء، فأودى بها الموت فقال یرثیها ویصف محاسنها الدقیقة، ویذكر مآثرها الحمیدة فیقول(16):

عین بكى لعنزنا السوداء              كالعروس الأدماء یوم الجلاء

أذن سبطة وخدّ أسیل                 وابتسام عن واضحات نقاء

أین لا أین مثلها مصطفاة             من صفایا الملوك والوزراء

كیف یرجو البقاء سكان دار                   خلق الله أهلها للفناء

وإذا كان الشعراء قد اعتادوا فی مراثیهم فی بنی الإنسان استخلاص المواعظ والعبر، والإفصاح عن أثر الفراق الأبدی فی نفوسهم، فإن هذه العواطف، وتلك المواعظ تبدو أعمق تأثیراً، وأقوى دلالة وتعبیراً لدى الشاعر فی رثائه هذه المخلوقات الودیعة بعد موتها، ومن ذلك قصیدته فی رثاء طیره القمری المطوّق، إذ تضمنت من رقیق المعانی، وعمیق الحكم، وبسیط التعبیر ما یفوق الكثیر من مراثی الشعراء فی الناس، وفیها یقول(16):

هل لامرئ من أمان          من ریب هذا الزمان

ما اثنان یجتمعان              إلا سیفترقان

كان المطوّق خدنا            من أكرم الأخدان

فغاله حادث من               حوادث الأزمان

فالقلب فیه كلوم            من لاعج الأحزان

هیهات مالك ثان            مقارب أو مدان

فاذهب فقیداً حمیداً          فما خلا الله فان

قد كان هذا الشاعر مُرزَّأً حقاً، إذ غاله الدهر بأحب الخلائق لدیه، فقضى أخوه الوزیر أحمد، ومات عدد من أبنائه فی حیاته، وفقد عدداً من البهائم التی كانت تؤنس وحدته، ویجد فی عشرتها وتربیتها العزاء والسلوى، ومنها دیك صغیر، كانت كنیته عنده أبا سعد، لم یكد یشب عن الطوق ویصیح حتى قضى صریعاً، فقال فی رثائه من قصیدة طویلة ومؤثرة(17):

أوحشت منك أبا سعدٍ عراصّ ودیار

فجعتنا بك أقدارٌ لها فینا الخیار

عثر الدهر بنا فیك وللدهر عثار

وتولت بك أیام من العمر قصار

یا أبا سعد فلا تبعد وإن شطّ المزار

إنما الدنیا مزار وإلى الله المجار

وله من هذه المراثی العجیبة قصیدة طریفة فی رثاء هرة أنیسة وادعة تخطفتها ید المنیة، مخلفة وراءها قططاً صغاراً ویتامى، فقال یرثیها، ویذكر مآثرها الحمیدة وأیادیها(18):

یقولون كانت لنا هرة                 مربیة عندنا تالده

وكنا بصحبتها حامدین                وكانت بصحبتنا حامده

فعنّ لها عارض للردى                 فأمست بتربتها هامدة

وأصبحت الفأر فی دارنا              أوامن صادرة واردة

ولعل مما لا یخفى على أحد ما فی هذه المراثی من رمز أو كنایة وتعریض، وما لها من علاقة بظروف الشاعر وعصره، وما یعبر عنه انصرافه التام نحو الطیر والحیوان فی شعره، وقد وجد فیها ما لم یجده فی بنی الإنسان من معاصریه من رقة ووفاء وطیب، فاستغنى بها عنهم، وجعل معظم شعره فیها: وصفاً أو مدیحاً أو هجاء أو رثاء، إذ لا نكاد نجد له فی رجال عصره من الخلفاء والرؤساء والكبراء مدیحاً أو رثاء، على الرغم من صلته القویة بهم، سوى ما قاله فی أخیه وأبنائه من مراث رقیقة(19).

وقد كان الرمز بالطیر أو الحیوان سبیل عدد من الشعراء فی التعبیر عن بعض أحداث العصر، وما ساد فیه من اضطرابات خطیرة، أودت بحیاة عدد كبیر من الخلفاء والوزراء والقادة، وذهب ضحیتها عدد غیر قلیل من الكتاب والشعراء، ومن ذلك قصیدة لأبی بكر الحسن بن علی العلاف، روى الدمیری أنه "كنى بالهر فیها عن ابن المعتز حین قتله المقتدر، فخشی منه، ونسبها إلى الهر، وعرّض به فی أبیات منها، وقیل إنما كنّى بالهر عن المحسن بن الوزیر أبی الحسن علی بن الفرات أیام محنته، لأنه لم یجسر أن یذكره ویرثیه، وقیل كان له هرّ یأنس به، فكان یدخل أبراج الحمام التی لجیرانه، ویأكل أفراخه، فأمسكه أربابها فذبحوه، فرثاه بقصیدة. وقال ابن خلكان: وهی من أحسن الشعر وأبدعه، وعدد أبیاتها خمسة وستون، وفیها أبیات مشتملة على حكم، وفیها یقول(20):

یا هرّ فارقتنا ولم تعد                   وكنت عندی بمنزل الولد

صادوك غیظاً علیك وانتقموا                  منك وزادوا: من یَصِد یُصَد

ثم شفوا بالحدید أنفسهم              منك ولم یرعووا على أحد

فلم تزل للحمام مرتصداً             حتى سقیت الحمامُ بالرصد

أذاقك الموت ربّهن كما              أذقت أفراخه یداً بید

وللهر أو القط فی الشعر العربی مدائح ومراث طویلة ترتبط بما بین هذا الحیوان الألیف المؤنس وبنی البشر من أواصر الصحبة والمودة وحسن العشرة، فكان فقده بعد ذلك یخلف الحزن العمیق، والأسى البالغ فی النفوس، یعبر عنه الشعراء منهم تعبیراً صادقاً فی قصائد مؤثرة، ومن ذلك قصیدة لأبی الحسن التهامی (-416ه) فی رثاء قطّ له سقط فی بئر فمات، فقال یبكیه(21):

ولما طواك البین واجتاحك الردى              بكیناك ما لم نبك یوماً على قط

ولو كنت أدری أن بئراً یغولنی                بمثواك فیها لاحتبستك بالربط

ولكن أیدی الحادثات بمرصد                  إذا أرسلت سهم المنیة لم تخط

فهل نافعی أنی رثیتك بعدما           رأیتك توفی لی وتحكم بالقسط

ومن الغریب حقاً ألا نجد فی دیوان شاعر متأخر من شعراء العصر العثمانی، كان من أعیان هذا العصر، وعلى صلة وثیقة بالكبراء من رجاله، وهو محمد بن الحسین الكیوانی (-1173ه) أی مرثیة فی أحد من معاصریه سوى مرثیة واحدة فحسب جعلها فی هرّة، واتخذ من رثائها مجالاً للعبرة التی ینبغی لأهل البغی من حكام هذا العصر أن یعتبروا بها، وفیها یقول(22):

واسمع رثاء هریرة            كانت ترى عندی أسیره

خلس الحمام حیاتها          وابتز من قلبی سروره

نال الردى منها وكا                   نت منه قد أخذت طفوره

قد غالها ما غال ذا الأوتاد            واستقصى نفیره

فلیعتبر من كان ذا           بغی ولا یركب غروره

على أن من أجود ما قیل فی رثاء الطیر أو الحیوان من الشعر، قصیدة لصاحب الأغانی أبی الفرج الأصبهانی (-بعد 362ه) وكان شاعراً محسناً ومجیداً(23) فی رثاء دیك له یدعوه: أبا النذیر، نقلها إلینا ابن شاكر الكتبی كاملة فی عیونه، وقال فی تصدیره لها وتقدیرها: "وهی من أجود ما قیل من مراثی الحیوان، ومن مختار الشعر، ونادر القصید، عذبة الألفاظ، بدیعة المعانی، مطردة الأجزاء، متسقة القوافی" وفیها یقول: (24)

خطب طرقت به أمر طروق          فظّ الحلول علیّ غیر شفیق

فكأنما نوب الزمان محیطة              بی راصدات لی بكل طریق

ذهبت بكل مصاحب ومؤانس                 وموافق ومشاكل وصدیق

حتى بدیك كنت آلف قربه           حسن إلی من الدیوك رشیق

لهفی علیك أبا النذیر لو أنه           دفع المنایا عنك لهف شفیق

أبكی إذا أبصرت ربعك موحشاً               بتحنن وتأسف وشهیق

صبراً لفقدك لا قلى لك بما كما               صبر الأسیر لشدة ولضیق

لا تبعدن وإن نأت بك نأیة           فی منزل نائی المحل سحیق

وإذا ما طوینا هذه الصفحة المشرقة من دیوان العرب، ولم نأت إلا على بعض سطورها، وحاولنا البحث عن الدوافع الكامنة وراء هذا الاتجاه الشعری الفرید، واختصاص بعض الشعراء به، وإجادتهم القول فیه، دون غیره من أغراض الشعر المعروفة الأخرى، فإن بإمكاننا أن نعزو ذلك فی جملة من الدوافع والأسباب التی یمكن أن تكشف عن بعض المؤثرات المحیطة بحركة الشعر وتطورها:

وأول هذه الأسباب إنما یرتبط بما فطر الله الإنسان علیه من عواطف ومشاعر وأحاسیس، ولم یجعلها مقصورة لدیه على بنی جنسه فحسب، وإنما تتعداهم إلى غیرهم من المخلوقات الحیة من طیر وحیوان وغیرها، إذ جعل بینه وبینها ألفة ومودة ومحبة ورحمة، یزیدها قوة وتأصلاً ما فی طباع هذه البهائم من أنس ببنی الإنسان، وتنمیة أواصر الألفة بینهما.

أما السبب الثانی فمتصل بالبیئة كما ذكرنا آنفاً، إذ كانت البیئة البدویة مصدراً أساساً من مصادر الشعر لدى أهل هذه البیئة من الشعراء، وكان الطیر والحیوان من أهم مظاهرها، وأقواها صلة بأهلها، ثم كانت البیئة الحضریة بعد ذلك مصدراً جدیداً لهم، وأصبح لها أثر أوضح فی أشعارهم، لما تفرضه طبیعة العمران من تحضر واستقرار وتدجین لعدد من أنواع الحیوانات والطیور، وما یتبع ذلك من منافع وألفة وروابط، وفی ذلك ما یفسر سبب تطور هذا الفن، وتنوع أغراضه، وتلون أسالیبه بألوان الحضارة الجدیدة فی العصر العباسی خاصة.

وقد عرف هذا العصر تطورات خطیرة، وتناقضات كبیرة، كان لها أثر واضح فی تطور حركة الشعر، إذ انعكست فیه صورة الحیاة الفكریة والسیاسیة والاقتصادیة والاجتماعیة المحیطة بالشعراء، ولم یتمكن عدد منهم من مواكبة هذه التطورات، أو التلاؤم معها، فانكفؤوا على أنفسهم، أو ثاروا على مجتمعاتهم، فكانوا فلاسفة أو زهاداً أو متصوفین أو ثائرین، وانصرف كثیر منهم عن الحیاة السیاسیة،  وما یحیط بها من تقلبات ومؤامرات ودسائس، ووجدوا فی عالم الطیر والحیوان ما یغنی عن الخوض فی غمرات هذه الحیاة المضطربة، والاتصال برجالها، فجعلوا فیها مدائحهم وأهاجیهم ومراثیهم، واختصوا بها، وكثیراً ما كانوا یعبرون أثناء ذلك عن آرائهم فی السیاسة وأحداثها ورجالها تعبیراً غیر مباشر، یتخذ من الرمز والكتابة أو التعریض سبیلاً ووسیلة، فیتقون بذلك الأذى، ویتجنبون مظاهر القمع، وفی ذلك كله مجال واسع للتعلیل والتحلیل والدراسة وتقلیب النظر.

ومهما یكن من أمر، فإن هذا الفن الشعری الفرید، یعد بحق من أروع فنون الشعر العربی على اختلاف مذاهبه وأغراضه وأسالیبه، لما فیه من جدة ورقة وبراعة وصدق، وما یمكن أن یكشف عنه من ملامح فنیة، وطوابع فكریة، ومظاهر سیاسیة، وظواهر اجتماعیة تجعله جدیراً بالدراسة والتقدیر.

الهوامش:

(1) عیار الشعراء: ص10 وانظر بحثنا حول الملامح البیئیة فی النقد العربی فی الموقف الأدبی ع 141-143 والفصل السادس من كتابنا فصول فی النقد العربی وقضایاه.

(2)انظر بحثنا "الطیر والحیوان فی الشعر العربی" فصلة المناهل- وزارة الثقافة- الرباط- العدد 30- سنة 1984- ص 173-220 وفیه تفاصیل وافیة حول هذه الأغراض كلها.

(3)الأغانی 12/132.

(4)الحیوان 2/274 والأغانی 12/133. والعطن: مبرك الإبل- ثلل الأطواء: أطراف البئر- القرن: الحبل- ورهاء: حمقاء- شزُن: غلاظ.

(5)المفضلیات: القصیدة 17- ومنها أبیات فی الحیوان 2/18-19. والرقمیات: السهام- الصفراء: القوس- عائل: فقیر- یستثیبهم: یطلب ثوابهم- أكدى: طلب فلم یجد- البلابل: الهموم.

(6)الحیوان: 2/203 و 2/276-277. والوتر: الثأر- اثأر: أخذ بثأره.

(7)المفضلیات: القصیدة 126. ودیوان الهذلیین: ص 1-20. وجون السراة: حمار الوحش- الشبب: الثور المسن – مسشعر حلق الحدید: البطل المدرع.

(8)الفهرست ط طهران ص 52 والتجاریة/ مصر ص 70.

(9)الحیوان: 3/199.

(10)الأغانی 2/404-428.

(11)الأمالی 2/260.

(12)الحیوان 5/300 وانظر فی أشعاره فی الطیر والحیوان والحشرات 5/297 وما بعدها.

(13)دیوانه ص 620.

(14)الأغانی 23/118.

(15)أخبار الشعراء المحدثین 164-166 وفی الأغانی 23/118 مطلع القصیدة.

(16)أخبار الشعراء المحدثین 193-195 وفی الأغانی 23/119 مطلع القصیدة.

(17)أخبار الشعراء المحدثین 176-178 وفی الأغانی 23/118 مطلع القصیدة.

(18)أخبار الشعراء المحدثین 172-173.

(19)أخبار الشعراء المحدثین 203-205.

(20)حیاة الحیوان الكبرى 2/362-363 وانظر دراسات فنیة فی الأدب العربی ص 296-297.

(21)رحلات حمد الجاسر ص 235 عن مخطوطة دیوانه.

(22)دیوانه 179.

(23)وشعره كثیر، ومحاسنه مشهورة، وفیه قصائد كثیرة فی الطیر والحیوان والحشرات، ولم یجمع فی دیوان، وقد جمعنا شعره من مظانه، وأعددناه للطبع، ونأمل أن یرى النور قریباً. وانظر فی هذا الشعر ومظانه بحثنا: أبو الفرج الأصفهانی أدیب مشهور ومغمور فی عالم الفكر –الكویت مج 15- ع1- س 1984 ص 259-294.

(24)انظر مقدمة الأغانی ط الدار 1/26-28.

المصادر والمراجع:

-أبو الفرج الأصفهانی أدیب مشهور ومغمور: عالم الفكر- الكویت- مج 15- ع1- س 1984-ص259-294.

-أخبار الشعراء المحدثین: للصولی- تحقیق هیورث- ط2 بیروت 1979.

-الأغانی: لأبی الفرج الأصفهانی- ط الدار الكاملة 1937-1974 القاهرة (مصورة).

-الأمالی: لأبی علی القالی- ط 1 دار الكتب (مصورة دار الكتاب العربی- بیروت).

-حیاة الحیوان الكبرى للدمیری –دار الألباب- دمشق- مصورة- بلا.

-الحیوان: للجاحظ- تحقیق عبد السلام هارون- ط1 مصر 1948.

-دراسات فنیة فی الأدب العربی: د. عبد الكریم الیافی- ط2 دمشق 1972.

-دیوان أبی نواس: مصورة- بیروت.

-دیوان الكیوانی: القاهرة 1301ه.

-دیوان الهذلیین: ط دار الكتب- مصورة- مصر 1965.

-رحلات حمد الجاسر: ط 1 دار الیمامة- الریاض 1980.

-الطیر والحیوان فی الشعر العربی: محمد خیر الشیخ موسى –المناهل- الرباط- ع 30- س 1984-ص173 –220.

-عیار الشعر: لابن طباطبا- تحقیق الحاجری وسلام- ط 1 القاهرة 1956.

-فصول فی النقد العربی وقضایاه: محمد خیر شیخ موسى- ط 1 دار الثقافة – الدار البیضاء 1983.

-الفهرست: للندیم- ط 2 تحقیق تجدد- طهران 1973 والتجاریة مصر- بلا.

-المفضلیات: للمفضل الضبی – تحقیق شاكر وهارون- ط 3 مصر 1964.

-الملامح البیئیة فی النقد العربی: محمد خیر شیخ موسى- عدد خاص بالنقد ع 141-143-ص1983 ص 159-186.


[ دوشنبه 19 مهر 1389 ] [ 10:01 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


لوحدة
أدب
الثلاثاء 27 / 3 / 2007
شعبان سلیم لم یكن تبنی شعراء الخمسینیات استخدام الاسطورة تقلید أعمى للغرب بل جاء ثمرة إحساسهم بالغربة والانسحاق تحت قیم الحضارة الغربیة, خاصة وإن الإنسان فی الشرق روحانی یؤمن بمنظومة من الأفكار والمعتقدات الخاصة, وكانت الاسطورة لدیهم طموحاً

لتغییر العالم العربی, كما فعل اسلافهم فی الجاهلیة والإسلام, فوجدوا فی الاسطورة تعبیراً عن صفاء الإنسان وبذلك عاد الشعراء إلى المنابع الأولى للإنسان المتمثلة فی الأساطیر.‏

والبیاتی كان رائداً فی عصره بما اختزنه من ثقافة عربیة وغربیة فعدَّ واحد من رواد الحداثة والتجدید, ثم طور اسلوبه بعد اغترابه الطویل فاتخذ من الأساطیر والمقبوسات من التراث العربی والإسلامی والتاریخ القدیم جسراً لتجسید رؤیاه الشعریة.. وكان أمله فی تغییر الواقع ذلك القناع الذی اختاره وأهم شكل له (عشتار) الأم التی تفیض بحنانها على الكون وتساعد المحتاجین.‏

ومن حضارة بلاد الرافدین الآلهة (نانا) مصدر الخصب والخیر.‏

وأحیاناً تستنبط رموزاً تتصل بالتراث ولا وجود لها فی الواقع (كعائشة) وهی رمز لحلم الشاعر حیث یرتبط اسمها بالتراث العربی الإسلامی, أو یستعیر نصوصاً من كتابات دینیة أو تعابیر شعبیة (ماحك جلدك مثل ظفرك) (یا سامعین الصوت) لكن دور المرأة الطاغی فی شعره كان بارزاً فهی الشجرة التی یفیء إلیها وإلیها تتجه شكواه وعلیها یقع القهر ثم على أطفالها..‏

وكثیراً ما یتجاوز البیاتی استغلال الرموز والأقنعة لیوسع مدلولاتها الاسطوریة ویمنحها دلالات ووظائف فوق ما قدمتها الأساطیر أو التاریخ..‏

وقد اسهمت الاسطورة فی منح شعر البیاتی إیقاعاً تاریخیاً ومیثولوجیا غنیاً ومعظم ما قدمه فی شعره من أساطیر لیس بعیداً عن ثقافة الإنسان العربی وذلك لبساطتها ووضوح دلالاتها وهو یبعث المعری من جدید:‏

یا رهین المحبسین‏

قم تر الأرض تغنی‏

وردة حمراء والریح غناء‏

قم تر الأفق مشاعل‏

وفی هذا التوظیف یربط الشاعر الفكر التراثی (الماضی) وتطلعاته مع الجماهیر لیوجه المسیرة لبعث الأمل الإنسانی فهو لیس یائساً كالمعری ولا ینزوی كما فعل المعری یحبس نفسه هرباً من جور الحیاة وقسوتها بل واجهها بجناحیه المشرّعین للشمس, یتطلع أبداً لتجدید الحیاة وبعثها فی مواجهة الموت والظلم.‏

وأحیاناً یختار رموزاً سلبیة من الحیاة كنیرون وقیصر وفرعون.‏

أو كالشعراء المتكسبین الذین امتطوا الشعر لنیل الحظوة فیقول فیه:‏

رأیته مهرجاً فی السوق‏

محمولاً على الأكتاف‏

فی غاشیة النهار‏

تبیعه... ببیعها من یشتری الأحجار.‏

أما عن أقنعة المدن ومرایاها فإن البیاتی ینفر من المدینة ویراها تجسیداً للاستغلال الطبقی وسحق الفقراء ومنها المدن المشهورة (بابل- نینوى- إرم ذات العماد).‏

وأنجح الأقنعة لدیه (السندباد البحری) فهو جوّاب الآفاق یقطع البحار ویغامر لا ییأس لأنه مفعم بالأمل حتى لو طال الزمن.‏

ویستخدم أحیانآً لغة صوفیة ورمزیة وغموضها یأتی من القناع نفسه بأن یكون شخصیة ذات فكر فلسفی كالهروری أو محیی الدین بن عربی.‏

ویزاوج الحلم بالواقع لیطل المستقبل كما یتخیله, مستقبل ینتصر فیه الفقراء بوحدة كفاحهم وتضامنهم.‏

غیر أن الشاعر یدرك أن حلمه بعید المنال, فینقلب به الحزن والیأس والمعاناة ویسلم روحه وهو أشد إیماناً بانتصار القیم الإنسانیة, وعظمة الشاعر تكمن فی بساطته وعمقه فی أن معاً:‏

قصائدی بساطة العصفور وانتفاضة العبید‏

وقصفة الرعود‏

وحسرة الربیع فی جنائز الورود‏

وصرخة الإنسان فی دوامة الوجود‏

بحق یستحق البیاتی لقب رائد الشعر الحدیث, فقد أجاد مزج كیمیاء العصر فی مخبره باعتدال, لم یبتعد عن روح الشعر العربی وإیقاعه ولغته.‏

اهتم بالأصالة والموروث الشعبی, مضمناً الاسطورة والتراث إبداعه الخالد.‏

بطاقة تعریف‏

ولد عبد الوهاب البیاتی فی بغداد عام 1926 م .‏

خریج قسم اللغة العربیة عام .195 .‏

عمل مدرساً فی العراق والجامعات الأوروبیة.‏

عمل فی السلك الدبلوماسی.‏

ترجمت أشعاره إلى معظم اللغات العالمیة.‏

أعماله أربع وعشرون مجموعة شعریة.‏

ومسرحیتان... وعدة أعمال مترجمة.‏

كتب عنه دراسات عالمیة متعددة.‏

مات فی دمشق ودفن فیها عام 1999 م.‏





موضوع: العصر الحدیث، الشعر الحر، مقالات حول عبدالوهاب البیاتی،

[ دوشنبه 19 مهر 1389 ] [ 09:56 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


بدیع الآلوسیهل كان البیاتی صوفی النزعة والهوى ..؟ هل أفشى سر السر ؟ لیس مهما ً المهم إننا نعلم جیدا ً انه اختبأ فی

جلباب الحلاج دهورا ً،، وبقى یقاوم ،،متطلعا إلى قمر الفقراء الساحر الذی یرشح ألوانا ًوابتهالا ً، وبقیت

ذاكرته كالجمر ترمد المأساة وتبحث فی ألأفق عن مجد ضائع .

قبل الحدیث عن علاقة البیاتی بالحلاج ، أود أن احدد وأتتبع الخیط السحری لصوت الشاعر الذی یكثف التجربة

الآنیة لیوصلنا إلى ما هو أزلی.

قال الحلاج :(وداعا ً) فاختفت ألأحواض وداعا ً !

غابات طفولة حبی ، سیصیر الماء دموعا ً

وأموت رحیلا ًفی هذا المنفى .


ارتبط البیاتی بتجربة التصوف عبر أبطالها ورموزها ،، فكتب عن الحلاج ،العطار ،السهروردی ،وجلال الدین

الرومی ...امتزجت دماؤه بدمائهم وكان یصبو إلى الوصول إلى عوالم أكثر صفاءا ًوانسجاما ً.

 

ما یهمنا فی هذا المقال المتواضع هو تسلیط قلیل من الضوء على البیاتی وتجربته مع الحلاج ،، ما نحب تأكیده

إن اختیار و تمجید الشاعر لأبرز الشخصیات الصوفیة (الحلاج ) له مدلولاته الأنسانیة والفكریة.

فی دیوان (سفر الفقر الثورة)الصادر عام 1965 ودیوان (قمر شیراز )الصادر 1978 حاول البیاتی بوعی ودون

وعی أن یعید أسطرة مأساة الحلاج ، ومحنته الوجودیة،،وكان بتجربته تلك یتوق أن یخرج الحلاج من عزلته

لیعلن انتصاره على ظلام الموت .

هنالك وشائج عدیدة جمعت بین الشخصیتین من أهمها :1ـ إن الحلاج كان مبشرا ًعبر الشعر وكذلك البیاتی ،2

ـ أن ألاثنین كانا حاملین رایة الرفض،،3ـ إن الشخصین یعبران عن أزمة عصرهما،،،4 ـ كان الاثنان

یحملان رؤى جدیدة،،،5 ـ إن الحلاج له حلم كونی وكذلك الشاعر ،،6 ـ أخیرا ًولیس أخرا ً: إن الحلاج عاش

غربة الاغتراب وكذلك البیاتی مع الفارق الزمنی والتاریخی .

الحدیث عن الحلاج یقودنا إلى التعلیق على أزمة الإنسان بما فیها الشاعر ،المؤمن بقضایاه وحریته أمام جور

وظلم قوى غاشمة .

لكن ألأمر كان عصیا ً ومتشابكا ًعند الحلاج فما إن نضجت تجربته حتى لاح فی أفق حیاته التساؤل المصیری

التالی : هل ستجهر برأیك یوما ًإن أحسست فی ذلك نهایتك وقتلك .....بعد مجاهدات وقلق وشك قرر إن یرفع

صوته فی وجه الطغیان ،، وان یجهر للعامة بفحوى ألأسرار .

اختار الحلاج طریق الحق والرؤیة لیلتحم بالروح الربانیة والكلیة، كان موته وصمة عار بوجه الخلیفة العباسی

وأزلام السلطة المأجورین ....

ومن هذا المنطق والرؤیة أصبح الحلاج رمزا للحریة والثورة..ومن شعره :

یا نسیم الروح قل للرشا

لم یزدنی الورد إلا عطشا

لی حبیب حبه وسط الحشا

إن یشا یمشی على خدی مشا

ما یهمنا هو الشاعر المعاصر وكیف وظف فنیا ًروح الحلاج وانبعاثه ،،،یعد الشاعر البیاتی احد أبرز الأقطاب

التی أسست رؤیة جدیدة دعیت بمدرسة الشعر الحر ،،وله تأثیرات واضحة على معاصریه وعلى كل ألأجیال

التی تعاقبت بعده فی العراق والوطن العربی .

عاش الشاعر البیاتی المولود عام 1926 كثیر من سنین حیاته فی الترحال والنفی إذ یشترك مع الحلاج بهذه

الصفة (حلم الحركة )

حین نقرأ شعر البیاتی عن قرب نجده قد وظف ونهل من الظاهرة الحلاجیة وعانقها لتلعب دور المرآة المحاكیة

للواقع بصورة مباشرة أو غیر مباشرة،، ولكنه أبقى اسطورة الحلاج مفتوحة ًعلى فضاء مفتوح یسكنه التأمل

والحلم والحزن والمراثی .

ویبقى الحلاج كالنهر یتدفق بالانفعالات التی تؤجج فی نفس البیاتی الصور :

 

من أین لی ؟ ونارهم فی أبد الصحراء

تراقصت وانطفأت

وها أنا أراك فی ضراعة البكاء

فی هیكل النور غریقا ً،صامتا ً، تكلم المساء

 

عالج البیاتی رمز الحلاج فی قصائد متنوعة لیعطیها بعدا ًجدیدا ًیتمثل بروح الثورة التی طعمها بالأمل والخلق

والانبعاث،وكأنه كان یرید أن ینهض بالحلاج لینهضنا جمیعا ً،،هكذا تحولت مأساة الحلاج إلى نبع للمقاومة :


 

عشر لیالی وأنا أكابد الأهوال

واعتلی صهوة هذا ألألم

أوصال جسمی قطعوها

احرقوها

نثروا رمادها فی الریح

 

لتواصل القصیدة رصدها للمشهد المأساوی ،،لیبث البیاتی الحیاة والأمل فی تأكیده على انتصار رایة الخیر فی

نهایة المطاف وذلك بقوله :

حر كهذی النار والریح ، أنا حر إلى الأبد

نرى هنا إن الشاعر اعتمد على الرمز الداخلی لتفجیر مشاعره ورؤیته وبث صدى روحه الذاتیة على العمل

الفنی لیلد تجربة تعبیریه بلون جدید،، نستنتج من كل ذلك إن البیاتی حاول أن یستنطق الجوهری فی سِفر

الحلاج.

عانى الشاعر أثناء خلقة لعملة الفنی صراعا ً ،، لیدخل حلبة التناقض بین ما هو نفسی وعقلی ،صراع بین

قوتین البیاتی ن جهة والحلاج من جهة أخرى،،هذا الإحتدام الدرامی یتمثل فی أن البطل(الرمز ) الذی ینهض

من رماد المأساة یعلن عن مكنونات روحة بزوایا وتجلیات متعددة ، لكن فنانا ًمثل البیاتی یحاول أن یقرأ الحلاج

من زاویة جدیدة فیها الأصالة والمعاصرة والمستقبلیة ،، ومن تجلیات الشاعر أنه یصرخ فی وجوهنا ووجه أبیه


متسائلا ً: فلماذا یا أبتی صُلب الحلاج ؟


خلف هذا التأویل الذاتی هنالك تساؤلا ً إنسانیا ً مؤلما ًینحصر فی : (لماذا یموت ویصلب الثوار فی كل مكان)

،، هنا یرصد البیاتی عمق مشكلة الموت من خلال روح الرمز المتجلیة بالمأساة والأمل .

شخصیة الحلاج كرمز حظیت ووظفت فی مجالات إبداعیة متنوعة ،،وكان صدى روحه ،القلقة ، الصارمة

،العمیقة ،الثائرة ، الجریئة ،،كل تلك الصفات لها مناغاتها فی نفس الشاعر المحب للفقراء والمعدمین والثائرین.

 

تحولت نهایة الحلاج المأساویة فی نهایة ألأمر إلى رمز للصمود ،،كانت عبارته ( أنا الحق ) لحظة قدح وشطح

وتجلی وكأنه بعبارته التی اخترقت الزمن كان یرید أن یعلن قیام العدل على ألأرض ..

لتضعنا أمام ألتساؤل :هل كان الحلاج فی قوله هذا مع الرب أم ضده ؟.

 

فإذا أبصرتنی أبصرته

وأذا أبصرته أبصرتنا

اتكأ والتجأ البیاتی إلى الحلاج بوصفه رمزا ً وذلك لعدة اعتبارات منها :

1 ـ لأنه شَعر بضرورة التواصل مع جذوره وتراثه وعمقه الحضاری

2 ـ لأن الشاعر عاش فی أنظمة سیاسیة واجتماعیة قمعیة

3 ـ لان الشاعر یتقاسم والحلاج الرؤى ، والتجربة الإنسانیة

تبقى من مشاغل البیاتی ألأكثر إلحاحا ًهو عنصر التغیر ..فهو یلجأ إلى الخزین المعرفی ( الرمز ) یحاول

التفاعل معه لیعطیه اشراقة جدیدة نحو المستقبل. فأعاد الشاعر أسطورة الحلاج لیستلهم منها روح ،التمرد

،الرفض ،التحدی ...لیوصلنا إلى عالم الثورة ، كما یراها ویتلمسها عبر قصائده التی تحكی دورة التكامل فی

ثنائیة الموت والحیاة .


ما أوحش أللیل إذا ما أنطفأ المصباح

وأكلت خبز الجیاع الكادحین زمر الذئاب

 

الغریب والجمیل أن الحلاج یمكن أن یظهر كالمارد فی كل ألأزمان ،والأمكنة، فأن دوره وشخصیته فی

صیرورة مستمرة ،، انه أصبح رمز ا ً لذلك نراه یتجدد ،، وتبقى تحوم حوله الحكایات والرؤى ،، یخرج من

رماد الموت ، أغنیة ،وعرس ،وتوتر جدید . نراه یردد


روحه روحی وروحی روحه

أن یشأ شئت وان شئت یشأ

نجد فی رمز الحلاج ما هو فردی ـ وإلهی ،،بین ما هو حسی وعقلی بین ما هو ظاهری وجوهری .. هذا

 

التنوع الاعتراضی والجدلی نرى البیاتی یتعامل معه بحذر ومحبة لیؤسطر رمزه بأبعاد ذات رؤیة جمالیة

معاصرة ،ولیحرر طاقة جدیدة حالمة یمكن أن تكون دقیقا ًطیبا ًلخبز جدید .

 

هكذا من وجهة نظری ینفلت النص عن الزمكان إلى حدود أرحب وأكثر أبهارا ً....وهذا ما نراه فی قصیدته

(رحلة حول الكلمات )

یسألنی

عن الذی یموت فی الطفولة

عن الذی یولد فی الكهولة

رویت ما رویت

كان ویا ماكان

إذن نستطیع إن نستخلص أن شعر البیاتی محاوله لاستلهام الذاكرة الفردیة وتحویلها إلى ذاكرة جماعیة ...

 

اللافت للنظر فی ألإبداع إن كل منا یرى اللوحة (الحلاجیة ) على مزاجه ومخیلته ووعیه ...نستنتج من ذلك إن

البیاتی أبحر إلى عوالم الحلاج بقاربه الشخصی.. لیعود لنا محملا ًبالحكایات والأشعار واللوحات ، كأنه عاد من

حلم عمیق لیرویه لنا مستعینا بالمخیلة والذاكرة وبعض ما أهاج غرائزه المتوهجة ووعیه المتقد ...نجده یكتب

فی قصیدة (رماد فی الریح )

ستكبر الغابة ، یا معانقی

وعاشقی

ستكبر الأشجار

سنلتقی بعد غد ٍ فی هیكل الأنوار

فالزیت فی المصباح لن یجف ،والوعد لن یفوت

والجرح لن یبرأ ، والبذور لن تموت


حینما یشق البیاتی الطریق نحو (اسطورة الحلاج )فأنه یتلون بطقوس النار والرماد ... ولم یصغ ِ فی بحثه إلا

إلى هاجسه الداخلی وعذاباته الفریدة ، أملا ًفی الوصول بالعمل الفنی إلى ذروة الإیقاع والهارمونی .

هكذا یمكننا القول إن صراع البیاتی والحلاج صراعا ًتراجیدیا ً، یبلوره قانون (النفی ونفی النفی ) ومن خلال ا

لعمل الفنی یتحد الشاعر مع طقوس التجلیات التی تحكی صیرورة الموت والحیاة... یقول فی قصیدة (المحاكمة)


بحت بكلمتین للسلطان

قلت له: جبان

قلت لكلب الصید كلمتین

ونمت لیلتین

حلمت فیهما بأنی لم أعد لفظین

توحدت

تعانقت

وباركت أنت أنت

تعاستی

ووحشتی


نجد فی هذا النص مناغاة واضحة لرؤى وأسلوب الحلاج بشكل جدید.

أثناء العملیة الإبداعیة هنالك عنصران یشتغلان ویتفاعلان :هما الهدم والبناء ، والمبدع هو ذلك الساحر الذی

ینتصر فی بناء عالم جدید أكثر إشراقة وتسامی...أن صراع البیاتی مع الحلاج أثناء العمل الفنی یعد صراعا

ًبین القدیم والجدید بین الرماد والنار، هكذا یتطهر الشاعر بعد الأنتهاء من قصیدته ،، باثا ًروح التغیر فی نفسه

وفی بطله وفی المتلقی فی نهایة الأمر....فی دیوان (قمر شیراز )نسمعه یقول


فی أحواض الزهر وفی غابات طفولة حبی

كان الحلاج رفیقی فی كل ألأسفار ، كنا

نتقاسم الخبز ونكتب أشعارا ًعن رؤیا الفقراء المنبوذین


یموت الحلاج الهرم القدیم لینهض حلاجا ًمغایرا ً ، فی شكل وقوالب شعریة جدیدة ..كل ذلك یعود بالخیر

والنصر للحلاج حیث انه یلد أكثر قوة وأكثر تمردا ً،بدماء نوعیة تجمع فی رحمها دورات فصول حلم مقدس....

عبر البیاتی عبر مأساة الحلاج عن فكرة الموت الجسدی والشهادة والأنبعاث ، كانت تساؤلات الشاعر تبدو

بسیطة (من السهل الممتنع ) بلیغة ً عمیقة ، تبث فی الحاضر والمستقبل بذور الحیاة ..

یعود البیاتی بغنائیته فی تذكیر كل المضطهَدین بغد وبحلم متعدد ألأبعاد والأحتمالات ،،یضخ فی الحیاة ضیاء

الخلاص الذی یحقق كرامة الإنسان وحریته،، نراه یردد متسائلا ًمحذرا ً فی دیوان

( قمر شیراز)


.........................

.......................

فلماذا یا أبتی لم ترفع یدك السمحاء ؟

*        *       *     *

ثورات الفقراء

یسرقها فی كل ألأزمان لصوص الثورات

*        *          *       *

( زاباتا) كان مثالا ًومئات ألأسماء ألأخرى

فی قاموس القدیسین الشهداء

*             *             *

لماذا یا أبتی لم ترفع یدك السمحاء بوجه الشر القادم من كل ألأبواب؟

 

بدیع الآلوسی

التعلیقات

الاسم:     وفاء عبد الرزاق
التاریخ:     11/01/2009 06:56:42
اخی الفاضل الاستاذ بدیع

دراسة وافیة ورائعة بحق مبدع العراق الكبیر البیاتی

اعجبتنی فعلا بتناولك الجانب التصوفی من القصائد لانه من وجهة نظری جانب مهم یبعد المبع والقارىء عن الكلام المباشر او الشعر المباشر ویدخلنا عالما روحیا من خلاله نفیض نقاءا شعریا، او شعرا یدعو الى الصفاء الكونی




موضوع: الشعر الحر، مقالات حول عبدالوهاب البیاتی،

[ دوشنبه 19 مهر 1389 ] [ 09:53 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


علاء هاشم مناف
الحوار المتمدن - العدد: 2487 - 2008 / 12 / 6
المحور: الادب والفن
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع      Bookmark and Share

البنائیة الأسطوریة عند السیاب
فی قصیدة
(سربروس فی بابل)
تقدم لنا التصورات البنائیة بطابعها الأسطوری ابنیه تركیبیة تشیر الى عملیة البناء الذی یتعلق بالكیفیة التركیبیة للنصوص الشعریة ، هذه الابنیة التی تقوم بتصور الوقع الاسطوری بوظیفة ذهنیة بفرز نموذج یقیمه الفعل العقلی بعد الفراغ من عملیات التشكیل المدروسة بتراتبیة بنائیة وهی توجد بالقوة التصوریة ، وبفعل التمثیل بمعالمها حتى یصل بالمبحث الاسطوری الى الدراسة المستفیظة والحالة المتتابعة للاحتمالات التی یتسع لها مصطلح البنائیة الاسطوریة عند السیاب ، وان التصمیم الذی یتعلق بهیكلیة هذه المنظومة الاسطوریة باعتبارها منظومة تتعلق بالكشف الحسی والادراك الظاهر للخصائص المتمثلة فی العنصر التركیبی للصورة التجریبیة للاسطورة وهی تعتمد على رموز عملیات التوصیل المتشكلة بالوقائع وان تعریف البنائیة الاسطوریة للشعر بانها اٍحكام دقیق لعملیات التولید الذهنیة بوقائع تتمثل فی الوصف لبنیة القصیدة عبر الاجابة على اسئلة تقتضی التمییز بین هذه التصورات المختلفة للبنیة الاسطوریة وهو الاصطلاح الذی تحدده نتائج ذات طابع موضوعی یحتكم فیه التولید والخلق الشعری الى اسس معرفیة . والسیاب اتخذ من هذه الوحدات البنائیة للاسطورة المكون المتشكل وفق قوانین الصیاغة وعنصر التمییز بین المنظومة الاسطوریة وطبیعة الوقائع التی تتصل بالظاهرة الصوتیة للقصیدة الى جانب رمزها المتمثل بالقدرة على اثارة هذه التصورات الذهنیة من الناحیة الدلالیة ، وعلیه فان العناصر التی تتعلق بالجانب الاتصالی الصوتی للمفردة الشعریة الذی نسمیه العنصر الموضوعی لحركة الاسطرة ، وقصیدة السیاب (سربروس فی بابل ) هی نسج اتصالی لحلقة مفقودة داخل هذه الوقائع فی العراق وان اساسیاتها مرتبطة بحالة التشابه البنائیة من الناحیة الاسطوریة بین المدلول الخارج للحدث ، والمدلول الداخلی لتركیبة البنیة السیاسیة فی العراق وهی البنیة الموضوعیة التی تكشفت للوهلة الاولى بالسیطرة الاستعماریة على العراق واقامة منظومات سیاسیة خاویة وخائبة قامت بتجریدها للاشیاء وفق حجة (البنائیة السیاسیة الجدیدة) وقد تشكلت هذه البنائیة السیاسیة على مجموعة من المنظومات السیاسیة ذات الدلالة الخارجیة وقد مثلت هذه المنظومات احكاما اسطوریة شكلت فی حینها اتجاها ت تاریخیة وشخصیة اعطته رؤیة جدیدة لعالم اسطوری تكمن فیه هذه الصورة البشعة المحكومة بالعلاقات المطلقة احیانا والمباشرة من الناحیة الفوضویة فی بناء هذه المنظومات. والبنیة الاسطوریة عند السیاب خاضت غمار هذه الصراعات متصلة بتركیب النص الشعری ونسجه اللغوی – والصوتی الخفی الذی یظهر فی اسطورة ( سربروس فی بابل) وهو الكلب الذی یحرس ( مملكة الموت) فی الاساطیر الیونانیة القدیمة حیث یقوم عرش (برسفون) الهة الربیع بعد ان اختطفها اله الموت وقد صور دانتی (فی الكومیدیا الالهیة ) حارسا ومعذبا للارواح الخاطئة( ).
والسیاب یمیز بین البنیة من ناحیة الاسلوب الاسطوری وهی تتصل بتركیبة النص والبنیة المتعلقة بالنسج اللغوی الاسطوری ، وفی الحالة الثانیة یتشكل النص الشعری عند السیاب حیث نرى البنیة تتصل بالحكایة ووظیفة الزمن والشخصیات وهیكل الاحداث الذی یشكل الخلیة اللغویة بمستویاتها الصوتیة وامكانیاتها البنائیة فی تاكید مهمة النص الشعری واهتمامه بفروع المعرفة الصوتیة المتخفیة والمضمرة داخل النص الشعری وهی تبحث عن الاسس النظریة لكی تجعل البحث النظری داخل هذه النصوص هی من الاهتمامات المتعمقة فی اشعار القاریء الجاد بان هناك معطیات عدیدة تقوم بعملیة التحلیل لهذا الاشعار الصوتی الخفی وهو یبلور نقطة عمیقة الجذور فی خلق هذا الكشف الدقیق للخصائص الاصیلة فی نظم الایقاع الصوتی الخفی، وقد یظهر هذا النظم عند السیاب وفق تراكیب عدیدة من الاختلافات ذات الدلالات العمیقة وهی القادرة بالمقابل على اضاءة حقائق قیمة ترتبط بالبنیة الاسطوریة وعقول تلك المجامیع البشریة التی تعین هذا الفهم من التطورات التی تحدث فی هذه التشكیلات ذات النظام الایقاعی الظاهر وفق اسس جذریة تتعلق بالدور التكوینی لاساسیات التوازن الاسطوری من الناحیة اللغویة الذی یقوم به التركیب الشعری وفق الصیغة الكیفیة من منظومة اللغة وتفاصیلها الصوتیة الخفیة التی تبلغ عنصر المبحث الشعری الذی یركز على المنظومة الایقاعیة التی تتناسب والمجال الطبیعی لحركة الاسطورة فی (سربروس فی بابل) وهنا یتشكل الفضاء الاسطوری عند السیاب بواسطة مركبات متعددة المستویات یطغی علیها الفعل الدلالی داخل اختلافیة للبنیة وفق قیمة دلالیة للمعنى بانكماش مجال التعدد للمعانی وازدیاد الاكتمال فی الفائدة التی تجعل ثراء المضمون من الناحیة الفنیة هو الجانب الامكانی فی الاستبعاد للمعانی المترهلة ،ونحن مع رای الجرجانی فی المعنى الذی (ینقسم الى قسمین)(قسم انت ترى احد الشاعرین فیه قد اتى بالمعنى غفلا ساذجا ، وترى الاخر قد اخرجه فی صورة تروق وتعجب)( ) المعنى الذی یاتی غفلا وفی الصورة الاخرى الذی یاتی مصنوعا ویكون ذلك اما لانه متاخرا قصر عن متقدم واما لانه هدى متاخرا لشیء لم یهتد الیه المتقدم. مثال ذلك:
قال البحتری:
لیل یصادفنی ومرهفة الحشا
ضدین اسهره لها وتنامه


وقول المتنبی :
وقیدت نفسی فی ذراك محبة
ومن وجد الاحسان قیدا تقیدا
وقول المتنبی:
وماثناك كلام الناس عن كرم
ومن یسد طریق العارض الهطل
وقول الكندی:
عزُّوا وعزَّ بعزهم من جاوروا
فهم الذرى وجماجم الهامات
فی هذه الابیات تتشكل الصور بعملیة اختلافیة ، وان البنائیة الشعریة التی تقول (ان المعنى فی هذا البیت هو المعنى فی ذلك ولاخلاف فی معنى عائد الیك فی البیت الثانی فی هیأته وصفته، وان الحكم فی البیتین كحكم الاسمین فی منظومة اللغة مثل (سربروس فی بابل) حسب ماتقوله الاسطورة الیونانیة ، ولكن السیاب جمع (سربروس) وهی كلمة یونانیة مع كلمة تخص حضارة بابل وسربروس كلب یحرس مملكة الموت فی الاساطیر الیونانیة – ولاعلاقة بین سربروس وبابل لان الكلمة الیونانیة لایجمعها جنس واحد مع بابل لان بینهما اختلاف كبیر فی تفاصیل المعنى ولكن هناك تطابق بین سربروس ووجوده الان فی العراق ، والسیاب كان یمیز بین هذه الاساطیر ومسمیاتها لانها تؤدی وظیفة تكاد تكون مطلقة من الناحیة الفنیة وهی تتمازج وتتداخل وتنسجم مع خواصها الاسطوریة برغم التصویر المتناقض فی نظر السیاب الذی انتج هذا التناقض فهو السبیل الى حالة الصیرورة الوجودیة واستمرار الحیاة برغم الاحتلال ورغم مایحدث من انتهاكات مریبة وهذا یذكرنا بقصیدة السیاب (وصیه من محتضر) حین یقول:
این العراق؟ واین شمس ضحاه تحملها سفینة
خیر البلاد سكنتموها بین خضراء وماء
هی جنة فحذار من افعى تدب على ثراها .
هذا یعنی ان الرمز الاسطوری عند السیاب كان رمزا ستراتیجیا فی بابل ولو كان الناقد المبدع عبالجبار عباس حیا لغیر رایه فی مفهوم الاسطورة عند السیاب لجعلها مفهوما ستراتیجیا ولیس كنایة بلاغیة ولیس فرصة للتلذذ باكتشاف الحقائق او الاختفاء وراء هذه الرموز ، وان الوظیفة الاسطوریة لاتنتهی بمجرد الانكشاف للقاریء لتشكیلة هذه الرموز وان سربروس هو لیس رمزا للطاغیة قاسم فقط انما هو رمز لاكبر احتلال عسكری (امیركی بریطانی للعراق) فی العصر الحدیث وفی هذا السیاق اتذكر قال لی الناقد الانطباعی المبدع عبدالجبار عباس ( انی كتبت كتاب السیاب بشكل سریع) ثم یستدرك الناقد الراحل فی الصفحة (196) من كتابه السیاب قائلا ( ان السیاب عمد الى الاكثار من الاساطیر لحاجة تنكریة) ویقول ( ان الاساطیر فی شعره لیست حلیة جمالیة تضاف الى قصائده ویمكن الاستغناء عنها ، بل امست ضرورة فنیة واسلوبا راسخا یبنی به قصیدته حتى لو لم یكن ثمة حرج من مضمون القصیدة بدلیل انه عمد الى هذه الاساطیر فی هجائه للشیوعیین فی قصیدة ( رؤیا 1956) وهذا اعتراف من الناقد المبدع عبالجبار عباس بان الاساطیر تؤدی وظیفة تنكریة قد یصح فی قصیدة ( سربروس فی بابل )( ) وهو رمز اسطوری عبر عن خیبة امل سیاسیة لم تحقق الحلم المنشود فی العراق .
یقول السیاب :
لیعوِ سربروس فی ا لدروب
فی بابل الحزینة المهدمة
ویملأ الفضاء زمزمة ،
یمزق الصغار بالنیوب ، یقضم العظام
ویشرب القلوب
عیناه نیزكان فی الظلام
وشدقه الرهیب موجتان من مُدى
تخبیء الردى .
و العلاقة التی تربط الاسطورة باللغة تكون من خلال ابراز الصورة ومظاهر التكوین فی التشكیلة المرئیة للصورة الشعریة وهی تقتضی رسالة لغویة تحدث داخل مجموعة من الاشیاء وهی تنتقل الى السیاق الاسطوری فی اللغة ، لانها تتخلل اللحظة الحرجة فی التصور داخل مكون لغوی اسطوری یتمتع بالمعنى الدلالی للاسطورة وهو مقتضى جدید لانطولوجیا الاسطورة عند السیاب حیث تعود هذه الجذور الى مفهوم الحاضر الوجودی فی فلسفة الاسطورة وفی اللحظة الراهنة عند السیاب وهو یكتب النص الشعری لانه أقتضاء یتعلق ببیان هذا العنصر الوجودی للاسطورة وملامحه الحاضرة فی مسار التذكیر الواقعی فی (سربروس فی بابل) وهو ایضا الزامی فی تبیان الموجود فی الحاضر ، والامر یتعلق فی مسار الكلب الذی یحرس مملكة الموت فی الاساطیر الیونانیة باعتباره لحظة خطابیة راهنة تتعلق بالحدث التاریخی للاسطورة لانه الكشف عن القیمة الاسطوریة فی ثنایا وجودها الذی تمیز بالتحدیث فی اطارها الفلسفی وهو تساؤل عن اللحظة ودلالتها اللغویة ومدى الامكانیة التی توفرها الاسطورة فی تدشین التحدیث كمسار یتمحور داخل منظومة التاریخ التی ارست الاشكالیة التقنیة كما تفسرها النصوص الاسطوریه ، وهی قیمة تقع فی مركزیة حركة التاریخ لانها اثبتت خصوصیة هذا التحدیث الاسطوری داخل نصوص السیاب الشعریة ، والسیاب اسس هذا التوازن الاسطوری فی فلسفة التحدیث وعمد على نقله خطابیا داخل شروط امكانیه ومعرفیة وهی تتحرك بملاحظة جد تحدیثیة وفق مقتضیات الحالة الراهنة ، فالكلب (سربروس ) هو نفس الكلب الذی یجوب العراق من شماله الى جنوبه حالیا وهو نفس العراق المهدم وسربروس الذی یمزق اطفاله( بالنیوب ویقضم العظام) وینشر الخراب والمكان هو العراق ولبنان وفلسطین الحقول التجریبیة فیما یتعلق بتحلیل النص الشعری بانطولوجیا الحاضر، ویرى السیاب ان التشخیص الدقیق لفلسفة الاختیار الاسطوری فی اللحظة الراهنة هو الشكل الممتد داخل اسس منهجیة تندرج داخل النص الشعری ،هذا المنهج اللاسطوری هو الذی شكل حفریات المعرفة منذ البدایة لدى السیاب وهو التجسید الحقیقی لما یحدث باختیار یمتد عبر التاریخ . والسیاب حول هذا الرصد للوحدات الاسطوریة بتجذیر یتعلق بالمقولات الواعیة التی تولدت بلغة اتصالیة عالیة الوقع بعد ان قوض مفهوم الوظیفة التنكریة للاسطورة التی اشتملت الحس التاریخی الذی یلوذ به السیاب كما یتهمه البعض من النقاد هنا وهناك فی كتب النقد ، فالسیاب لابس التاریخ بالاسطورة وبشكل تحدیثی باعتبارها تحول فی الانساق وتباین فی الانشطار الذی اصبح یطبع مسار النص الشعری للسیاب .
اشداقه الرهیبة الثلاثة احتراق
یؤج فی العراق-
لیعِو سربروس فی الدروب
وینبش التراب عن الهنا الدفین
تموزنا الطعین،
یاكله : یمص عینیه الى القرار ،
فی هذه الابیات یشكل المنظور اللغوی بانساق فلسفة الاسطورة واقعا جدلیا یستطلع اشكالیة التاریخ ، اننا نستطیع ان نفكك هذا التشكیل فی اللغة الاسطوریة وفق انموذج بنائی یعكس دعامة الوجود الصوتی الخفی للنص وفق مركزیة الماضی والحاضر ووفق رؤیة ارسطیة تفترض التاسیس اللغوی باقتراب یصور تدرج هذه العملیات وفق زمنیة لغویة تتقدمها المصدریة السیكولوجیة وفق منظومة تعتمد الثنائیة ( السیكولوجیة) الذهنیة فی استعمال یجذر التعیین بنظریة اللغة وذهنیة القدرة التطبیقیة للاسطورة واعادة تشكیل الوعی باستدعاء حركیة التاویل لنمطیة التفكیك الارسطی لهذه الوحدات التی تشكلت بنواة النظریة البنائیة فی اللغة ، فالسیاب افصح عن الابنیة النصیة باحتیاطی وفره ببناء سابق فی حلقة القص الاسطوری ورهافة فی النسج الشعری حیث طور هذه التكوینیة الاسطوریة بمشاهدة وسماع (العواء لسربروس) فی الدروب وفق منطق اجرائی انتجه السیاق الفلسفی للنص وفق انتقائیة تاملیة ماخوذة من تجربة الیباب لالیوت وعملیة النبش فی التراب والبحث الدقیق فی ثنایا التركیب للاسطورة فی (تموزنا الطعین) والسیاب واصل تتبع الواقعة المحسوسة سسیولوجیا انه الفعل العملی لتجمیع الحدود الفلسفیة للاسطورة داخل بوتقة التفكیك التعاقبی الذی شكله الصوت فی (یاكله یمص عینیه الى القرار) وهذا تحول فی المنظور الرؤیوی عند السیاب فی فلسفة اللغة الاسطوریة من وجهة النظر المركزیة للابنیة النصیة وهی تقوم بتاهیل الوعی الاسطوری من وجهة نظر دالة وشروح تمرر هذا الارث الفلسفی للاسطورة عند السیاب .
یقصم صلبه القوی، یحطم الجراء
بین یدیه ، ینثر الورود والشقیق .
اواه لو یُفیق
الهنا الفتیُ، لویبرعم الحقول ،
لو ینثر البیادر النضارفی السهول،
لو ینتضی الحسام ، لویفجر الرعود والبروق والمطر
ویطلق السیول من یدیه. اه لو یؤوب !
ان المباشرة بتمثیل العودة لحقیقة بعث الحیاة من جدید لانها العنصر الوسیط الذی یربط بین لغة التمثیل هذه من الناحیة (السیمیولوجیة) لانها تفعل فعل التجاوز لحدود اللغة العادیة ای لغة الاداة الى لغة الاسطورة الفلسفیة وهذا موضوع یعكس المبحث (السیمیولوجی) فی وحداته الدالة الكبرى لان المنحى اللغوی الذی ینتهجه السیاب فی هذه الاشكالیة هو منحى الرسائل المشفرة التی تتواصل مع العام الاسطوری لفلسفة اللغة وفق دراسة بنائیة تتموضع داخل الوظیفة الشعریة لانها الاهمیة الدقیقة فی اقتضاء الضرورة لان السیاب یقوم بایقاف الانماط التقلیدیة للغة ذلك بانتقاله الى العمق لینشر البیادر النضار فی السهول ، فهو یربط التفاوت الاختلافی فی اللغة وفق سیمیولوجیا تاسیسیة لرموز اسطوریة یستخدمها السیاب كرسائل مشفرة یحاول ان یتواصل مع الرمزیة التقلیدیة للغة وبالمحاور اللغویة الاوسع فی ظل سیمیولوجیة التواصل (الانثروبولوجی للغة) (لو ینتضی الحسام ، لویفجر الرعود والبروق والمطر ) ویطلق السیول من یدیه . اه لو یؤوب !) وهذه حالة التصنیف للابنیة اللغویة وفق تلك المعاییر المشفرة عند السیاب من الناحیة الاسطوریة . والسیاب اعتمد علاقة التجاور الحسی فی اللغة، فالاشارة عنده ترتبط (بالدال والمدلول) وهی تتجاوز المنحى الواقعی الى مشهد الواقع الاسطوری ، وهناك علاقة ایقونیة تتمركز فی الدال والمدلول فهی ترتبط بالمشاركات الشكلیة وتظهر اثناء القراءة او فی التصویر اللغوی للمشهد فی حقیقته الاسطوریة ( الهنا الفتی لو یبرعم الحقول). لقد اتخذ السیاب فی بنائه الاسطوری دلالة تحدیثیة قائمة بین ماحدث فی العراق فی المرحلة الماضیة ای فی العام 1959 وبین ما یحدث الان من اشكالیات وتجاوز فی ظل الاحتلال العسكری الامیركی البریطانی للعراق ، ففعل التشابه قائم بین المرحلتین التاریخیتین قبل العام 1958 وامتداداتهما فیما بعد وما حصل من نزاعات سیاسیة ، هذه التركیبة او المعادلة الرمزیة فهی تؤكد الدال والمدلول فی الرابطة الفعلیة بین الداخل والخارج والحالة الرمزیة التی لم تنفصل لانها تمثل مرجعیات رمزیة واسطوریة مختلفة ، واننا نلاحظ هذا التنوع التدریجی القائم على الانتقال داخل الحدث التاریخی من مرتبة تحدیثیة فی النص الى مرتبة تحدیثیة اخرى وهی تتشكل من الناحیة اللغویة على اساس تقلیدی فی عملیة تفصیل الحدث كما قلنا فی بدایة هذا البحث ، الا ان الوظیفة الاسطوریة هی التی تخضع هذه المستویات من البنیة اللغویة الى الحالة الضروریه فی تكوین الصیرورة ، وهو مظهر اشاری مشفر عند السیاب لانه یكتسب اهمیة (سیمیولوجیة) من ناحیة انتاج الرمز الاشاری لیتفاعل مع العناصر الایقونیة التی تتمثل فی الدوائر اللغویة المشفرة مع الاخذ بعین الاعتبار الرموز اللغویة الاداتیة التی تنبنی بالتقابل مع هذه المفاصل الرمزیة المحددة بالسیمیولوجیا الثقافیة وهی تضفی على النص عدة من الدلالات والاعتبارات السسیولوجیة العامة .
یقول السیاب:
لحافنا التراب ، فوقه من القمر
دم ، ومن نهود نسوة العراق طین .
ونحن اذ نبض من مغاور السنین
نرى العراق ، یسال الصغار فی قراره :
(ما القمح ؟ ماالثمر ؟ )
ماالماء ؟ ماالمهود ؟ ماالاله ؟ ماالبشر ؟
فالتقسیم الذی تمحور فی العلاقة السیمیولوجیة الخاصة بین (سربروس الامیركی فی العراق) وهی الاشارة التی تتضمن العلاقة بین الدال والمدلول وفق منظومة (داخلیة وخارجیة) وهی ترتبط باشارات تتكون من سیاقات متجاورة ومعروفة ، اما التشابه الحسی (لسیمیولوجیا اللغة) التی تركزت على التجاور الواقعی وفق انموذج لغوی اسطوری واضح وهو یشیر الى العلاقة الایقونیة بین الدال والمدلول بالمشاركة النوعیة التی تظهر للمتلقی لهذه الابیات الشعریة التحدیثیة عند السیاب لتضع التشابه وفق النسبة والتناسب فی اطار مراحل تاریخیة تتجلى فیها المشاهد (السسیولوجیة الحسیة) وتلتقی فیها الصیغ المتناظرة بقساوة تلك الابعاد التاریخیة ، والتشابه الحاصل فی المحصلات فی العراق ماقبل العام 1958 وما بعدها وبین احتلال العراق فی العام 2003 من قبل الامبراطوریة العسكریة الامیركیة ، فالذی حصل هو صدق حدس السیاب فی التحدیث للنص الشعری وماشكله من رموز اسطوریة فی الكلب (سربروس) هذا الكلب الاسطوری الذی ظهر فی مرحلتین تاریخیتین من اخطر المراحل التأرخیة التی حدثت فی العراق الذی شكل التنوع فی الدلالة التحدیثیة فاصبح معناه الرمزی یقع طردیا فی سلم التاریخ وفی المقدمة فی تصویر فعل هذا التجاور وقوته اللغویة الاسطوریة وتراثه وعمقه الرمزی ، والسیاب یهدف من هذا التحدیث السسیولوجی للنص الشعری عبر البحث السیمیولوجی ووفق وظیفة بنائیة فی تمثیل قائمة من الاسئلة ، ولذلك ینبغی ان نحدد طریقة الانبثاق فی تفصیل معیار الحدث الشعری وهو یتركب من الاشیاء لیتصل بتلك المحاور السیمیولوجیة التی تشیر الى الضرورات الدالة فی ( ما القمح؟ ما الثمر ؟ ما الماء ؟ مالمهود ؟ ما الاله ؟ ما البشر ؟ ) هذه الضرورات من الاسئلة تتعرض لجوانب سیكولوجیة وسسیولوجیة واقتصادیة ودینیة اضافة الى الدلالة الرمزیة التكوینیة وهذا یرتبط بتشكیلة الانبثاق التی تتعلق بمنهجیة التحدیث للنص الشعری عند السیاب ، فكـان جواب السیاب:
رفیقة الزهور والمیاه والطیوب ،
عشتار ربة الشمال والجنوب ،
تسیر فی السهول والوهاد
تسیر فی الدروب
تلقط منها لحن تموزاذا انتثر ،
تلمه فی سلة كأنه الثمر
لكن سربروس بابل – الجحیم
یحبُ . فی الدروب خلفها ویركض
ان الوصول الى البنیة السیمیولوجیة یؤكدها الاختیار التوثیقی للدلالة فی انتظام یستخلصه كشف القواعد العملیة للغة الاسطوریة وفق المستوى التوقیتی الذی الزمه التناول لزمنیة عشتار الدالة من الناحیة الاسطوریة , وهی زمنیة متغیرة وفق حتمیات واختیارات تتوضح انظمتها بالبحث على مستوى التاریخ للوصول الى حالة ایقاعیة تؤكد سر المتغیرات فی الوعی السیمیولوجی للاسطورة ،وهنا یتم اخضاع العنصر السیاقی الى مفهوم الدوائر الدلالیة وفق استیعاب ینبثق بدلالة اختلافیة للاسطوره(عشتار ربة الشمال والجنوب ) و(تلقط منها لحم تموز اذا انتثر ،) وهنا تاتی وظیفة النظم الدلالی المتعلقة بالمنهجیة السیمیولوجیة طبقا للحالة البنائیة ، والسیاب یتمثل تصوره للاشیاء من خلال تواصل حلقة الانبثاق للاتصال بالموضوع السیمیولوجی للاسطورة وتشیر دلالة الاشیاء الى الحالة الضروریة التی یتركب فیها مستوى الوعی للاسطورة والتضامن الذی تقتضیه الوحدات المتبادلة سواء على المستوى اللغوی للاسطورة او مستوى الانساق التوفیقیة داخل البنیة اللغویة ، فالاختیار یأتی مرة اخرى فی نظر السیاب بحركة الفعل الانبثاقی حیث تنبعث عشتار بحكم التوفیقیة الاسطوریة وبرغم الخضوع السیاقی وتدرجه واحتمالاته ، فالمنظومة الاسطوریة تتناسب بشكل عكسی مع حجم الواقعة والوقیعة التی احدثها (سربروس فی عشتار ) لكن الادلة اللغویة تشیر الى عملیة التوازن عند السیاب وهی عودة البنیة الاسطوریة فی التدرج والتقنیة فی الانبعاث . هذا التدرّج هو الذی یحدد مفهوم التغایر الذی یحدث فی سیمیولوجیة اللغة بصفته تطابقا یفضی الى حاجة واستجابات لوسائط تتموضع فی الاتساق والمكوث والاجابة على كل الاحتمالات التی یحدثها ( سربروس فی بابل وفی عشتار حصرا)
یمزق النعال فی اقدامها یعضعض ،
سیقانها اللدان ، ینهش الیدین او یمزق الرداء.
یلوث الوشاح بالدم القدیم
یمزج الدم الجدید بالعواء .
لیعوِ سربروس فی الدروب
لینهش الالهة الحزینة ، الالهة المروعه ،
فان من دمائها ستخضب الحبوب
سینبت الاله ، فالشرائح الموزعة
تجمعت ؟ تململت . سیولد الضیاء
من رحم یترُُّ بالدماء .
لقد افرغ السیاب اللغة من التلیّف والخضوع الى طائلة الذات الاسطوریة وعممها بالواقعة وبحركة تصویریة مثلت أداة التبادل فی هذه الوقائع من صیغ اللفظ السیمیولوجی الذی افصح عن معناه بطریقة منفتحة على الحس والربط الجدلی بین هذا التموضع داخل الحس والنسج داخل الجملة الشعریة بافتراض مبحث سیمیولوجی یخضع العلامة الى الدلالة كما فی (لینهش الالهة الحزینة ، الالهة المروعة ، فان من دمها ستخضب الحبوب) فالمبحث الدلالی اكتسب الجدیة فی الاتصال بالاخر حیث استند الى المطابقة فی اللغة والتوثیق الاسطوریین وفق مقاومة تتشكل بالواقعة لعشتار والعودة الى الجذور الفكریة للاسطورة الرافدینیة باعتماد المغزى السسیولوجی، لان هذا الافتراض یذكرنا بالمغزى الفكری وفق دلالة لغویة تشكل المحتوى لهذا الفكر الرافدینی ، والسیاب موضع المستوى الدلالی حین موضع اللغة وطوع الاسطورة تحت هامش التاویل باستهداف یمتلك انعكاسیة مرتبطة بالخطاب الشعری المتین الذی وضع ارضیة للدلالة تحت رایة اللغة الاسطوریة بانجاز تخاطبی ذی اهمیة ( انثروبولوجیة) مكن السیاب من خلال التعبیر الاسطوری واللغة المؤسطرة العالیة الخصوبة ان یؤكد هذا الانفتاح داخل رؤیة جدلیة وجودیة تعنی بحركة الاتصال والتواصل مع جدلیة التاریخ من خلال الكشف اللغوی للاسطورة وعلاقتها التحدیثیة بالنص الشعری صاحب الجاذبیة العلائقیة فی التحدیث .
مقالات مرتبط:

المرأة والحب فی شعر السیاب

الصورة التقلیدیة للمرأة فی شعر السیاب

الزمن والرفض فی تجربة السیاب الشعریة

بدر شاكر السیاب

السیاب مزیج من الیأس والشعر

قراءة فی قصیدة أنشودة المطر لبدر شاكر السیاب

لوركا فی شعر السیاب والبیاتی ودرویش

للغة الشعریة عند السیاب

شرح قصیدة سفر ایوب بدر شاكر السیاب

البنائیة الأسطوریة عند السیاب

الروافد الأسطوریة فی شعر بدر شاكر السیاب

السیاب.. الرجل الذی تاه فی عرض المنفى!!

التناص وتحولات الشكل فى بنیة القصیدة عند السیاب

غرض الحنین فی شعر السیاب

لغة الشعر عند بدر شاكر السیاب

البنائیة الأسطوریة عند السیاب




[ دوشنبه 19 مهر 1389 ] [ 09:52 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


علاء هاشم مناف
الحوار المتمدن - العدد: 2493 - 2008 / 12 / 12
المحور: الادب والفن
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع      Bookmark and Share

عندما تكون الخواص فی خلق الدلالة الأسطوریة ، للمنهج ، الشعری ، فی أحداثة (( للبطل الأسطوری )) فی النصوص الشعریة المرهفة .. وهی تحدث ضرورة ، منطقیة –وحیویة فی الأثر الحیاتی الكامل .. وعبر أنبثاق متطور فی ( الصورة – واللغة ) فهی فی مقدمة الحالات المتداخلة ، فی أنعاش التجربة المتمثلة بطقوسیة ((شعریة)) كبیرة … تبدو منبثقة عبر دوافع متمیزة بحیویة تخلق ، طروحات (( لغویة –وصوریة )) لتجد فی هذا المضمار ، وثائق أنسانیة لاتحصى ، وهی تأكید للحیاة المشحونة ، بخواص الفكر العمیق (( للبطل الأسطوری )) الذی الیة یرجع الشعور فی عملیة الكشف عن الأوهام التی تتباین بالإفراد فی الوقوف عند حافة المواجهة القیمة .. وهی تطرق معنى الرصانة فی ((منهج البطل الأسطوری)) وفی ((النواظم الفكریة)) المشحونة بالصیاغات الشعریة – والشعوریة والحدث فی هذة المسألة ، من المسائل الجمالیة ، التی یعالجها المعیار الموضوعی فی الصورة الشعریة .. ونتاج محكم الاساس للعامل المتخیل … وهی المادة الرئیسیة فی الجمل الشعریة المنظومة … والأستعانة الدقیقة بالمحاكاة ، والأفعال المنطقیة ، بقواعدها الجمالیة وبخواص الجمل الشعریة ، وسیاقاتها النسقیة –والفنیة ، بأطار من الوحدات الأدبیة .. وهذا تأكید لخواص العمل الأدبی من ((مسرحیة وملحمه)) فی جهد من الوعی – بألاحكام المتطورة ، وفی صیاغة للخطة المناسبة فی أستحضار الصیغ التجریبیة ، التی تشخص المنظومات الدقیقة ، فی التجربة المشحونة بالمطابقة الواعیة فی عمق التأمل ، الذی یفضی الى رغبات ذات علامات تشخص التنوع – والاتصال فی ((المغامرة الأسطوریة)) وما بین هذه الحالات .. یكون الأیقاع ذو محصلات فاعلة فی المعانی ، حتى تكون مادة مهمة فی أحكام الأدوات ، وهی تنتج العمل المتمیز فی الأداء .. وبشكل یكتمل فی وحدة الناتج الكامل المتمثل ((بالنقلة الشعوریة -والشعریة)) وهی تفصح عن الجدید فغی تفسیر المعنى الدقیق ((للبطل الأسطوری)) المحاصر فی الوعی الشعری ، المتوهج فی (( الصورة الشعریة )) الصادقة وهی تفصح كذلك عن التوحد .. والتحلیق المستمر فی فضاء القصیدة .. وهی تتمركز لتولد (( التناقض فی المساحة التعبیریة )) وهی من اساسیات البلوغ فی الاشیاء – والاسطورة اللغویة .. كذلك مشكلات التأمل التی تتركز فی المنطق الوجودی – للاسطورة الشاخصة فی (( الصورة الشعریة )) .
لقد كانت خواص البطل الاسطوری ، وعبر تدقیق جمالی فی المسلمات ، الرئیسیة ، وتحقیقاً للبنیة فی الكشف عن المداخلات والسیاقات المعرفیة فی تشاكیل عدیدة ، لصفة غلبت على شاعرین خرجا من شرنقة النصوص الشعریة الجاهزة ، وبنیتها المختلفة وهما (( سعدی یوسف – ومحمد درویش )) یبعثان و ینبعثان فی نواظم – وانساق ، تضمنت (( الثبات )) الدقیق فی التجربة الخاصة (( للبطل الاسطوری للاثنین )) وفی بناء القصیدة الحدیثة .. واطلاق الفاعلیة الفكریة فی تجربة تغتنی برؤیة شعریة ، تتحرر من عبء الرغبة ، وضغطها باتجاه النواظم التی تعطی التسامی فی العملیة الشعریة ، وباطلاقیة دقیقة فی صورة تحدد دلالتها المنهجیة فی الحوار الى حد الروابط القدسیة بین (( التحدیث – والتراث )) والتلازم الدقیق فی العملیات الفكریة ، وفی السیاقات ودلالتها العامة ، وتصور یحیل مرام اللفظ الى اطرافه الحقیقیة ، لكی یحصل التواصل ، فی المعنى – والبحث عن المراكز الدالة من حیث متطلبات الوقوف على المعانی – والصیاغات التی تتطلب التشخیص الدقیق لمیلاد التوثیق (( للبطل الاسطوری )) (( باللغة – واللفظ )) (( والمعنى – واسالیب الضرب )) من صیغ ، المجاز – والاتساع الدقیق ، فی صیاغة النص الشعری – (( وتناص - اللفظ )) فی (( الدال – والمدلول )) وهی تأتلف لتكوّن المنعطف ، المطلوب تحقیقه فی العملیات الذهنیة – والتلازم المتعاقب فی (( الاصوات – والمعانی )) و (( الصیاغة والدلالات )) وحتى تظفر بالمعانی .. وقد یحدث التصور للبطل فی (( مرام اللفظ )) لابراز حبكة المعنى .. فالحصیلة للمعانی العامة تتطلب :- (( اللفظ داخل النص الشعری )) وبتناص یؤدی الغرض والفروض والمعانی .. وهنا تأتی مزیة (( الصورة البلاغیة )) للبطل الاسطوری عن طریق الوصف فی المعانی – وطریقة النظم فی صیاغة الجملة – الشعریة فی لفظ الدلالة – واختلافها فی المواقع المحددة فی (( تركیبة النص الشعری )) وتناصه فی معانی (( الفصل والوصل )) (( كما یقول عبد القاهر الجرجانی )) .
ویشكل المنعطف (( السیكلوجی )) فی صورة (( البطل الاسطوری )) لیشكل عملیة التسامی خالصة فی شیء محدث من المسؤولیة – لتؤكد جملة من الانفعالات فی دلالة الصورة – بدلالة المنطق الشعری وانبثاقه فی آصرة فی الحدود الخیالیة ، وهی عدة من السیاقات الراسخة ، (( سیكولوجیا )) لكی تتحدد الصورة بمظهر (( اللغة – المتركبة )) من عدة صیاغات (( سیكولوجیة )) فی (( النص – والتناص الشعری )) عند الشاعرین (( سعدی یوسف - ومحمود درویش )) .
وعندما تبدأ المخاظات فی قلب المنعطف الشعری فی دراسة((البطل الاسطوری)) وهو یقطع فی اللحظات المركبة فی (( اللغة والصورة – والمعنى )) وفی الارتباط بین الماضی والحاضر ، (( والحداثة والتحدیث )) .. الى حد ما قدمته الفجوات فی (( دلالة الحس )) وصیغة الانفعال فی اطار بلورة جملة من الاشارات التی تتداخل (( فی تناص الكائن الاسطوری )) لیعود الحس الشعری وهو یعبر عن اشارة – ورمز یتفجر فی حاضر (( النص الشعری )) لیكون متسامیاً فی تناصه (( عمودیاً – وافقیاً )) الى ان یتحقق الاسلوب الشعری باطاره (( السیكولوجی )) وهو یرتقی (( سلم الصورة )) باستكشاف عدد المعانی الخفیة (( لینسج البطل الاسطوری )) .
وحین ینطلق لیستوعب المظهر المعرفی (( لسیكولوجیة المعنى )) باعتباره وصفاً ابداعیاً كامنأ فی (( تناصه – ومكوناته )) الثقافیة التی تتمحور بایقاع یعالج منطقاً تشاركه حیاته الابداعیة وفی تجاوز حققته الكثیر من المصادر وهی تنفرد بخواص منطقیة ، من المصادر تقوم بتفصیل الامتلاك لانماط ولخواص تندفع فی انسجتها التحلیلیة وهی تفصل الشكل الاسطوری للمعانی (فی النص والتناص الشعری ) یقول سعدی یوسف : -
منذ ان كان طفلاً تعلّم سّر المطر
وعلاماته :-
الغیم یهبط فی راحة الكف
والارض تقنط
والنمل كیف یخطط ارض الحدیقة …
والجذر یهتز فی سره …
والشجر .
منذ ان كان طفلاً ، تعلم ان المطر
حین یأتی رذاذا …
فلا برق فی آخر الافق
لا رعد فی القلب … لا موجة فی النهر
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
غیر انك تعلم ان الحیاة التی اتسعت
كالعباءة فی الریح
سوف تسوق المطر
لیلة ، هائجاً كالجاموس …
سوف یجیء المطر
ولا برق فی آخر الافق
لا رعد فی القلب …
لا موجة فی النهر
هكذا نتعلّم
او نتكلّم
او ننتمی للشجر .
فی العملیات التحلیلیة یكون الحدس لتراكیب الصورة وللغات المتوقعة والغیر معتادة على وضوح التوقعات ، بشیء من شرنقة الصیرورة ، یترتب العالم الاسطوری :- فوق جدائل البنفسج .. وهی تعرف التجاوز وتشعر المسار فی انطلاقة تفتش عن صیغة الاختلاف فی الاستثناءات والقواعد ودون خلاف یقیمان فی الندرة القائمة فی عملیات التسامی ، لتطلق الخواص للاستقطاب والانفعال یاتی لیؤكد السیطرة الكاملة لصیغة الاسطورة للبطل الذی سبق الصورة الشعریة فی تفاصیلها یقول محمود درویش :-
لو كان لی عودُ
ملأتُ الصمتَ اسئلةُ ملحِّنةً
وسلّیت الصحاب ..
لو كان لی قدمٌ ،
مشیتُ .. مشیتُ حتى الموت
من غابٍ لغاب ..
ماذا تبقَّى ایها المحكوم ؟
لو كان لی ..
حتى صلیبی لیس لی
انیًّ له ، !
انَّ اللیل خیمَّ مَّرة اخرى
وتهتفُ لا اهاب ؟!
یا سیداتی .. سادتی
یا شامخین على الحراب !
الساق تقطع والرقاب
والقلب یُطفأ – لو اردتم –
والسحابْ ..
یمشی على اقدامكم ..
والعین تُسمل ، والهضابْ
تنهار لو صحتم بها
ودمی المملَّح بالترابْ !
ان جفَّ كرمكمُ ،
یصیر الى شرابْ !
الخطاب الشعری یفهم بحدوده وخارج حدوده ، ویتم التواصل باستحقاق منفتح على العالم السفلی لیبین تجاور الادوار (العلویة والسفلیة) لیتألف النظم الذی جاءت منه حدود المعنى لسبیل لا ینبغی التفریق بینهما .. فالخواص من حسنت الفاظه وهظم معناه عبر السبل التی احترفها التفریق ، فجاءت باطار معین وهی مجموعة معان (تعصمك من الحیرة) كما یقول الجاحظ فهی الصدق فی نسبتها فی كل احاسیس المفردات حتى ترشحت (قطرة فقطرة) باحساس متمیز ینكشف بوضوح لیعلو فی فضاء النص .. بعدها یخرج بشكل متكامل فی حدوده المتواضعة داخل عدة من التفاصیل وهی مقاییس تضطرب بین آونة واخرى .. وبطبیعة الحال یحتاج البطل الاسطوری الى عملیة توثیق وتحدید المستویات ذات الانبعاثات المطلقة وبضرورات منهجیة توصف عدة من الاغراض المتناظرة وفی تعریف الكیفیات لاثبات الادلة فی متون من الكلام یقع فیه النظم موقع الكشف عن الصورة (فی مزیة جدلیة) تنتصر للمعنى فی سلسلة من التنافر لیشكل المعرقل الاول فی عملیة الافصاح عن شخصیة البطل وهو یوضح الاستعارات والمجاز ، والمحسنات البدیعیة من حیث جریانها فی اللفظ ، وهذا الموضوع یفاضله الغرض فی البحث لیكون الصواب وهو النسبة فی اظهار المذهب الرئیس فی خواص الافكار والطبائع التی تؤلف التصور فی استرجاع دقیق للاستعارة واللفظ ، وهی الدلالة فی الایجاز على المجاز .
فی هذه الحالة یأتی موقع الصیاغة وجمال النظم القویم والمعنى لتتوهج الشروط المركبة ، والخلاف المستفحل فی (العملیة الجدلیة) فالتشخیص یبدی الملاحظة ومن المؤكد فی الوجوب ان یتم تحدید المنطق (السایكولوجی) باعتباره یبدأ بالمقدمة وهی الخاصیة فی انجازات المعنى الكبیر للاعمال والخواص المتحولة فی سیاقات تجعل عملیة الوصف بالفرشاة وافیة ودقیقة عند (البطل الاسطوری)
كان سعدی یوسف قد استشعر هذا الموضوع .. وتم تشخیص المناقلة ، فی الاغتراب .. وتعمیقه بشكل مباشر لجذور – البطل المغترب اجتماعیاً دائماً فی ((الذات – والموضوع)) وهی حالات متنوعة تستفیق .. على رؤیة اسلوبیة جدیدة بابداع یتساوى بالحیاة وبالصورة المستقبلیة للبطل الذی یعیش داخل ((النص – والتناص)) الشعری .
یقول سعدی یوسف
بین منزله فی (( المعرةّ )) والسوق ، درب یظلله شجر مترب وشناشیل بیضاء – بنیةّ كل باب رتاج ،
وكل الكوى تستدق منها نهایاتها مغلقات عن النور . كلب وحید ، تكاد الرطوبة ان ترتمی حجراً فی الرئات ،
الظهیرة واقفة . یعوی الكلب ، یهدأ . من غصت سقطت ورقة كالحجر .
فخواص النسج الشعری تبدأ باحتفاظ الصورة بمكنوناتها ، فهی عملیة افصاح عن مكنون الخیال عبر الصورة المتحققة ذهنیاً وهی مفاهیم لقیم الحریة .. فهی تبدأ بالمكونات المتعددة – للاصالة ، فی استنطاق دقیق لخواص التناص ، باستحكام جمالی .. غایة فی التمثیل ، والتناول المعرفی لخصائص المعنى الدلالی للنصوص الشعریة : وشعر(( سعدی یوسف )) قابل للاشكالات والتحولات .. بحدودها المتقاربة حیث استحالت الى العملیة – الاسطوریة والى تأصیل دقیق لمعنى البطل ..
ولكن بقی (( درویش )) یبحث عن المنطق الاستدلالی فی مشروعه الشعری – الكبیر باستحداث روابط دقیقة فی عملیات التشریح والتحقیق لارجاع موقف العقل .. الى عملیة التغییر فی خواص النص الشعری .. واعادة بناءه على ضوء الحوار الدقیق مع البطل الاسطوری .. لقد ابتعد ((درویش)) كثیراً عن حالات التطابق ، الذاتی فی وحدة النص – والتناص ..
فكانت .. فرادته فی عملیة التكوین والبناء بنموذج یصلح لازمنه متغیرة .. فكانت اسهاماته فی بناء ((نص شعری)) مركب من مسلمات رئیسیة واضحة فی ایدیولوجیات اجتماعیة تتمركز بالموضوع خارج العلّة بانفتاح ذاتی على ((التناص)) وبشكل خفیف ، یقول (( درویش ))
ملَّوحة ، یا منادیل حتى
علیك السلام !
تقولین اكثر مما یقول
هدیل الحمام
واكثر من دمعةٍ
خلف جفنٍ ینام
على حلم هارب !
منفتحة ، یا شبابیك حبّی
تمُّر المدینة
امامك ، عرس طغاة
ومرثاه ام حزینة
وخلف الستائر ، اقمارنا
بقایا عفونة
وزنزانتی .. موصدة !
ملَّوثه ، یا كؤوس الطفولة
بطعم الكهولة
ان ادراك العلاقة الحسیة .. والتی تدرك معنى العلاقات بین منطق الاشیاء فی تمثیلها للجمال الاسطوری ، وهو الذی – یقرر الاحتواء لنفسه ، فی اطار الوعی بالذات – والموضوع وهی الحلقة المفقودة فی فكرة الجمال ، وما یوصله الادراك من قیم ، واعتبارات وما یتأسس علیه ، من احتفاء بالشروط الواجبة تحقیقها .. وهی تستمد اعتباراتها ، من حریة العقل ، التی تضع اللغة الاجتماعیة فی المصاف الاول .. لا مجرد سیاقات خیالیة – خالیة من الالتزام والتی یؤشرها ((مارسیل بروست .. وبرجسون)) وهی الدالة العقلیة التی تتسامى مع الطبیعة ، ویكون العقل فی هذه الحالة .. غیر خاضع الى نسبیة الحقیقة .
فالعلة : تكون متوازنة .. ویضیف ((سعدی یوسف))
فكرت یوماً بالملابس …
قلت انی مثل كل الناس ، ذو عینین
ابصر فیها شیئاً
ولكن مثل كل الناس ، لست ارید اربع اعین
عینان كافیتان لی
بل … ربما ابصرت عن شخص ینام الان
او یخش انفتاحة مقلتیة
والحقیقة فی ادراكها ، هی فی ادراك كنة الجمال الاسطوری للبطل .. وهو یقف فی الكلمة – وفی الجملة – ودون ان یقف عند موقعها ولكن فی ذاتها – وفی وموقعها العام .. وهو حكم بین النسبة – والتناسب .. بمعنى الادراك للجمال فی جرس الكلمة .. واطلاقها بصیغة جمالیة لا تحتاج الى فضاء التأمل .
فالصیغة الجمالیة : هی عملیة توجد فی الكینونة – وطریق التأمل یفضی ، الى برهنة للانساق – والخبرة – والمدنیة فالعلاقة فی ادراك المعانی .. سیعطینا الموقف الجمالی للادراك الصحیح ولموضوع التشبیهات ، فی صورة الوعی ، الجمعی ، حسب درجة الكمال الجمالی فی صورة الاسطورة للبطل وموقعه من ((الحقیقة – والطبیعة)) .
(( ومحمود درویش )) یستمد جمالیة بطله الاسطوری من واقع یزداد وحشیة : بسبب الموقف الحاسم من الحیاة – وتشخیصه الدقیق فی الصرامة والتعقل – وشد الاوتار برقة متناهیة ، لیبدأ العزق – ویبدأ النزال بمهارة الاثنین معاً .. عازف یحاكی الموقف والحیاة ومنازلة مستمرة على ایقاع الوتر .. ((ومحمود درویش)) یبنی موقفه ، الفكری على خواص موقف البطل الحقیقی فی اطار الحقیقة والطبیعة الاجتماعیة .
كانت اشجار التینْ
وابوكَ …
وكوخ الطین
وعیون الفلاحین
تبكی فی تشرین !
المولود صبی
ثالثهم ..
والثدی شحیح
ذرَّت اوراق التین
انها الولادة ، البطل ، ومشكلة الاستحالة فی نطاق البنیة الشعریة ، وهی ترشح الواقع لتمنحه (( دینامیكیة )) وتوقف فی معنى التسامی بالنص – والتناص الشعری ، لیولد الحقیقة – والخیال ، بولادة متسامیة عند حدود المعرفة وایقاعها ، المتناوب فی عملیات التأمل ، والتعدد فی المفاراقات ، وحدودها داخل هذا الشكل الموضوعی ، المتجانس … وبمستویات منفعلة تكتفی ، بالنفور والتعادلیة فی علاقة … وتتبنى المنحنیات الدقیقة للبطل فی استكشافیة عبر بیان (( النص الشعری )) .


المراجع
1. دیوان محمود درویش : دار العودة .
2. الاعمال الشعریة لسعدی یوسف من العام 1952-1977 مطبعة الادیب البغدادیة .





موضوع: العصر الحدیث، مقالات حول سعدی یوسف،

[ دوشنبه 19 مهر 1389 ] [ 09:49 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


.: تعداد کل صفحات 5 :. [ 1 ] [ 2 ] [ 3 ] [ 4 ] [ 5 ]

با کلیک بر روی 1+ بانـــک مقــــالات عربـــی را در گوگل محبوب کنید