بانک مقالات عـربـی

مقالات مربوط به رشته زبان وادبیات عربی - دکترای عربی - ارشد عربی - ترجمه عربی

تناول عدد من الباحثین العلاقة بین الشعر والصحراء فی ندوة نظمت بالرشیدیة فی إطار الدورة altالخامسة لمهرجان الرشیدیة المنظمة تحت شعار"تافیلالت أیقونة ثقافة الصحراء"
الأساتذة الجامعیون والباحثون الذین تناولوا الكلمة  فی الندوة التی أدارها الفاعل الجمعوی عبدالله حدیوی، تطرقوا لعلاقة الشاعر الجاهلی بالصحراء وكذا الشاعر الحدیث مع وقفة خاصة عن الصحراء فی الشعر الأمازیغی

 

الباحث مصطفى فضیلی وقف فی عرضه عن شعریة الصحراء فی الشعر الجاهلی عند تجربة الصحراء فی الشعر الجاهلی باعتبارها قیمة أساسیة إضافة إلى كونها عالما متعدد الأوجه والصور المخیفة، فالصحراء عند الباحث مصطفى فضیلی بلدة موحشة، إنها عالم الخوف والموت. لأجل كل ذلك ،یضیف الباحث، تحضر الناقة فی الشعر الجاهلی باعتبارها وسیلة لقهر عالم الخوف والموت، لیخلص أن الصحراء مقابل للعالم الآخر

alt


أما الباحث عبدالرحیم سلیلی، فقد اعتبر أن الشاعر العربی الحدیث، ظل وفیا لانتمائه الصحراوی، ووفیا أیضا لبدویته فی تعامله مع فضاء الصحراء. فضاء اعتبره الباحث متشابها، تشابه انعكس على القصیدة الحدیثة. إلا أنه من جهة أخرى اعتبارا لكون لغة الشعر الحدیث لغة مغایرة، فإن حضور تیمة الصحراء حسب الباحث یظل رمزیا حیث توظف باعتبارها علامة شعریة
تجربة مغایر وقف عندها الباحث زاید أوشنا المهتم بالثقافة الأمازیغیة، فقد رصد هذا الباحث فضاء منطقة الجنوب الشرقی للمغرب التی یراها منطقة غنیة بهندستها وقصورها وبغنى وتنوع منتوجها الثقافی. وقد قسم الباحث أوشنا الشعر الأمازیغی إلى ثلاثة أنواع، نوع توجیهی یحمل أفكارا وحكما غالبا ما یبغی الشاعر تمریرها فی قالب فنی، وشعر نسائی بامتیاز، أما النوع الثالث فقد اعتبره الباحث شعرا بالمعنى الدقیق للكلمة
والشاعر فی هذا النوع رغم أنه لا یعرف الكتابة والقراءة، فإنه یخضع فی نظمه لقواعد شعریة متعارف علیها، أما أشكال الإبداع الشعری فقد صنفها الباحث كما یلی: أمارك أو شعر الجملة، إزلی وتكرومیت ثم تمدیاز. والأهم من كل ذلك أن القول الشعری یعكس فلسفة ما ووجهة نظر فكریة، وأحیانا قد یزخر بمواقف سیاسیة. ومجمل القول، فهو یعكس المعیش الیومی. لیقف بعد ذلك عند تجربة الشاعر الكبیر سكو الذی اعتبره الشاعر الفیلسوف
عرض الباحث والفاعل الجمعوی عامر الشرقی، وقف عند مجموعة من الموضوعات المرتبطة بتیمة الندوة، فتحدث عن علاقة الصحراء بالمدینةن لیشیر إلى أن هناك شعراء ارتبطوا بفضاء الصحراء، وآخرین ولدوا فی الصحراء فنیا ولیس وجودیا، لیؤكد أن الفضاء الصحراوی یجعل المبدع أكثر صدقا اعتبارا لكونها لا تكذب لأنها نقیة صالحة



[ چهارشنبه 28 مهر 1389 ] [ 16:46 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


مالك حافظ معروف من رموز الشاعر رمزاً نستطیع أن نربطه مع رمز النور هو ما یسمیه الشاعر بالسر أو السریرة , وهو شیء ظل یبحث عنه الشاعر عن كنهه طوال حیاته

ورحلته الشعریة , ومنذ فترة مبكرة یتحدث الشاعر عن حبه ویربطه بهذا السر , وبالنور والضیاء أیضاً فیقول :‏

هوایَ شجیه وشباب قلب ‏

وجلّ صبا القلوب عن التصابی‏

خضبت بلون سمرتك المصفى ‏

حیاتی والمحبّب من رغابی‏

ولا مك عندنا قوم وعابوا‏

یجلّ النور عن لوم وعاب ِ‏

وأنت النور فی عینی وقلبی ‏

على حالیك من شهد وصاب‏

وإذا كان السر أو السریرة بوجه عام هو المستور والخفی الذی یتعذر فهمه أو حله فإن الشاعر یربطه بالغیوب والحجاب والغروب والباب والضیاء والنور فیدخل بنا إلى جو (رومانتیكی ) قدیم یذكرنا بالجو الصوفی عند محی الدین بن عربی , فالمحبوبة عذراء یندى حدیثها صفاء , تكاد ألا تكون بشریة الصفات‏

یقول ابن عربی :‏

تحیی إذا قتلت باللحظ , منطقها ‏

كأنها عندما تحیی به عیسى‏

توارتها لوح ساقیها سناً , وأنا ‏

أتلو وأدرسها كأننی موسى‏

أسقُفّةٌ من بنات الروم عاطلة ‏

ترى علیها من الأنوار ناموسا‏

فتلك اذا نظرت سحرت , وهذه تقتل باللحظ , ثم تحیی من قتلت , هو السحر إذن على كل حال .‏

إیقاع الصورة الرمزیة فی شعر بدوی الجبل‏

وتعددت الإشارات التی حملها رمز ( النور) فی شعر بدوی الجبل ففی قصیدته ( هواجس ) یرمز بالنور واللهب إلى توق الصوفی وتعطشه للوصال :‏

هواجسی فیك إیمانٌ وغالیةٌ ‏

وأنجم وفراش تعبد اللّهبا‏

هواجس أنت دنیاها ومعدنها ‏

فكیف تبدع إلا النور والطربا‏

لم یشهد الله قلبٌ لا لهیب به ‏

ویشرق الله فی القلب الذی التهبا‏

النور هنا رمز مرتبط بالتوق والإحتراق للوصول والوصال , لهذا كنى الشاعر توقه باللهب دلالة على شدة التوق العاطفی . والحنین للاتحاد مع المطلق .‏

وفی قصیدته : وانجلت نفسی فی النور یتضح رمز النور رمزاً صوفیاً لاقترانه بالعبادة والقدسیة والحق والطهر :‏

أین أمسی ؟ فرّ لا یلوی به‏

اجتلى بدرٍ ولالأ لاء شمس‏

یُعبد الله ففی محرابه ‏

كعبةٌ زهراء من نور ٍ و قدسِ‏

مزق الحقُّ حجاباً للدجى ‏

وانجلت نفسی فی النور لنفسی‏

والنور هنا مرتبط بالسمو والطهر وبقدسیة الحقیقة التی ما زال البدوی یبحث عنها على عادة المتصوفة جمیعاً , فالنور یمثل للمتصوفة نور الحق وجماله وانعكاسه على الموجودات بما فی ذلك الطبیعة , ومدارك النفس وخصائصها .‏

ویتضح رمز النور ومشتقاته ـ اللهب ـ و النار لوافح ـ وهج ـ صوفیا ـ فی قصیدته اللهب القدسی ـ إذ یمثل النور واللهب فیها مصدر الهدایة وغایة الوصول واكتشاف المطلق , اذ یقول :‏

آمنت باللهب القدسی مضرمُه ‏

أذكى الألوهیة فینا حین أذكاهُ‏

العبقریات وهج من لوافحه ‏

والشمس مجْلوةٌ إحدى هدایاه‏

وتائهین بهدی من عقولهم ‏

لویمموا اللهب القدسی ماتاهوا‏

تضن باللهفة الحرَّى جوانحه ‏

والقلب أخصبه بالنور أسخاهُ‏

هنا یظهر لنا بجلاء ـ اختیار الشاعر للدلالة الصوفیة التی تنتمی الى حقل دلالی واحد هو حقل النور والضیاء واللهب ـ وقد أسند الشاعر صفة القدسی إلى اللهب لیكسبه دلالته الرمزیة ـ وهو بذلك یعم دلالة الرمزین الآخرین ـ النور والنار فی القصیدة لیدلا على الصفاء والطهر والنقاء أو ما یسمى بجوهر الوجود , أو مكمن الحقیقة المرجوّة , التی تمثل للبدوی منتهى الغایة بعد طول البحث والشقاء .‏

الرمز فی شعر بدوی الجبل .یقول البدوی :‏

بحتُ بأسراری فعبّوا الشذى‏

فضَّت عن الراح العتیق الدنانْ‏

فتشتُ عن خوفی فلم ألفه ‏

كیف أرى الخوف وأنت الأمانْ‏

قربنا الله ففوق الزمان‏

نحن مع النور وفوق المكانْ‏

یضوِّی الظلمة إیمانُنا ‏

ویُسكر الفجر رحیق الأذانْ‏

والبدوی هنا یبدو وكأنه اكتشف مكمن السر وهو متمثل بالعبادة والصلاة والحب وهنا نقول ـ ربما كان سر الخلق والإبداع هو ما بحث عنه البدوی فی الكون سواء فی العالم الأكبر أو فی نفسه او العالم الأصغر ـ وقد كان هذا البحث دأب المتصوفة الذاهبین فی دروب المعرفة شوطاً بعیداً , بالمكاشفة لا المدارسة ـ وبالریاضة الروحیة والذوق لا بالفلسفة والمنطق , وإنهم لفی درجات ومراتب .‏

ویعود البدوی فی آخر الرحلة الشعریة لیجعل من رمز السر مفتاحاً للمحبة كاشفاً جمیع الحجب لیتبدى الیقین الذی طالما سعى إلیه وهذا الیقین هو الحب ولهیبه یقول :‏

غیبٌ لحبك من نعمى الیقین به ‏

كأننی كاشف عن سره الحجبا‏

بینی وبینك أنساب موثقه ‏

من اللهیب بقلبی خیرها سببا‏

لاشك أن البدوی فی رموزه الصوفیة قد أغنى قصائده الشعریة بإیحاءات ودلالات جدیدة , ما كانت لتتفتق لولا هذه العوالم الروحانیة التی أدخلنا الیها البدوی لهذا ظل الشاعر یبحث طویلاً عن سره المفقود سواء أكان هو الذات المطلقة أم عالم الجمال المطلق الذی یبحث عنه فی الكون او فی الفن ـ وهكذا یوجه الرمز إدراكنا وینظمه فی مسار ایقاعی موجه یتفاعل مع فكر الشاعر ووجدانه .‏



[ چهارشنبه 28 مهر 1389 ] [ 16:30 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]



1- حنینی إلى وجه الحبیب جنون جنون یهیج القلب وهو شجون

معانی الكلمات:
حنینی: اشتیاقی
شجون: الحزن والهم والهوى النفس

شرح البیت:
یتحدث الشاعر هنا عن حنینه وشوقه للمحبوبة وتحول هذا الحنین إلى درجة من الجنون وهذا الجنون بدأ یهیج الفلب بالذكریات التی تملئها بالحزن والهم وهوى النفس

الجمالیات:
وهو شجون: شبة القلب بالإنسان الحزین
حنینی جنون: تشبیه بلیغ

2- أحبك ولا حبی علیك بسبة ولا أن وجدی فی هواك یشین

معانی الكلمات:
أحبك: من مصدر(حُب) وهو الود والغرام والمحبة
بسبة: بشتم
هواك: من الهوى والعشق وإرادة النفس ورغبتها

شرح البیت:
یبدأ الشاعر هنا ویعلن حبه ویقول لیس عیب هذا الحب لكی اضعفه واستحی منه ویؤكد أن حبه طاهر وعفیف

الجمالیات:
وجدی بشین: أستعارة مكنیة

3- غدا یكثر السالون منا ومنكم ویرقأ دمع بیننا وشؤون

معانی الكلمات:
یرقأ: من رق- صار رقیقا, لحال الشخص رحمة, رقت حال الشخص: أی ساءت, خضع وذل

شرح البیت:
یتحدث الشاعر هنا عن النسیان ویقول أن الإنسان یحب ولكنه فجأة یفنى كل ما كان وتخف الدموع وتجف مجاری الدمع

الجمالیات:
غدا: یدل على المستقبل

4- ونصبح لا قلب یحن إلیكم وتغمض عنكم أعین وجفون

شرح البیت:
یتحدث الشاعر هنا عن المستقبل ویقول بأن ستتغیر المشاعر ویصبح لا یشتاق لها ویغمض عینیه بعد ما كان یسهر فی اللیل

الجمالیات:
نصبح: تدل على المستقبل
أعین: جمع تكسیر یدل على القلة

5- وكم قبلنا خلى حبیب حبیبه وكم من قرین بان عنه قرین

معانی الكلمات:
قرین: ج. قُرناء : المصاحِب والمصاحَب
خلى: بان

شرح البیت:
یقول الشاعر هنا بأنه لیس أول أو آخر من یفنى ویترك حبیبه فقد كان قبلنا كثیرین تركوا أحبتهم وكم صاحب أبتعد عن صدیقة

الجمالیات:

كم: هنا خبریة وتفید على الكثرة

6- ویفجع ریب الدهر بالكف أختها تبین شمال أو تبین یمین

شرح البیت:
یقول بأنه یصیب الإنسان مصیبة من أقرب الناس ألیه وتؤلمه حیث كانوا وأین كان (یمین ß شمال) ویشیر هنا إلى أصحابه المازنی والعقاد

الجمالیات:
شمال – یمین: تضاد
یفجع ریب الدهر بالكف: استعارة

الأفكار:
[1-2] مقدمة غزلیة.
[3-6] بدایة التشاؤم والإحساس بالحزن
- ونبكی على حسن طوته ید البلى ومن بز عنه الحسن فهو غبین

شرح البیت:
یحزن ویبكی على الجمال یبتعد نتیجة لمصائب الدهر الذی أبعده وآخذه بقوه [الجمال] وهو ضعیف

الجمالیات:

ید البلى: شبه البلى بید الإنسان
من: تفید العموم

8- وما كنت أدری أن حسنك زائل وأن عزاء من هواك یكون

شرح البیت:
لم یعلم بأن یوم من الأیام سوف یذهب الجمال ویصبح العزاء نتیجة لفراق المحبوبة

الجمالیات:

الحسن الزائل: شبة الجمال بالحسن الذی یزول

9- فلا یخدعنك الحسن فالحسن طرفة تمر كحلم العین وهو ظنون

شرح البیت:

یبدأ بنصح وإرشاد كل عاشق بأن لا یخدعه الجمال لأنه سینتهی ویذهب ویمر كحلم العین وهذا كله ظنون

الجمالیات:

لا یخدعنك: أسلوب نهی غرضه النصح والإرشاد
الحسن طرفة: تشبیه بلیغ
البیت التاسع: فیه حكمة
تكرار "الحسن": یؤكد أن الحسن زائل
شبة الحسن: بالحلم الذی یمر بسرعة.

10- غداً یكثر الباكون حولی وحولكم وما الناس إلا هالك وحزین

شرح البیت:
یقول بأنه سوف یكثر الباكون ویقسم الناس نتیجة لتشائمة بأنهم میتین وحزینین نتیجة فراق المحبوبة

11- غدا یستدل الموت منا ومنكم وكل نفیس فی الممات یهون

شرح البیت:
یقول بأن الموت سوف یؤكد بأن كل شیء سیرخص وینتهی ویزول

الجمالیات:

تكرار "غدا": دلیل على تفكیره فی الموت
كل نفیس فی الممات یهون: حكمة

12- فنصبح موتى لا نحس افتقادكم وأی دفین یستبیه دفین

شرح البیت:
یقول بأن كلنا مصیرنا الموت ویصبح راحة لا تحس بالغرام والألم وتصبح كالأسیر الذی لا یستطیع أسر أخر

الأفكار:
[7-9] الحدیث عن الحسن وهو لحظات وتنتهی.
[10-12] الحدیث عن الموت.






طبقه بندی: العصر الحدیث، ترجمه فارسی و شرح قصائد عربی،

[ چهارشنبه 28 مهر 1389 ] [ 13:56 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


راسة أدبیة فی الأدب والنقد
بین شاعر الفلاسفة المعری وفولتیر العرب طه حسین/د.خالد یونس 
العقل وعاء العلم، والعلم شعاع نورانی إذا انكسر الوعاء انطفأ الشعاع وأفلَ الضیاء إلى حین. والغضب والفزع والهوى یكسر الوعاء. واللغة شاغل أساسی من شواغل الفلسفة، والأدب طریق حاسم ومباشر إلى عقل المتلقی فورا دون محاولة التمسح بحواسه فی الطریق.
راودتنی الأفكار كیف اجتمع شاعر الفلاسفة المعری وفولتیر العرب طه حسین فی مجلس الفكر والأدب والفلسفة والشعر عبر الأطوار والأزمان؟
أبو العلاء المعری (973-1057 (1058) شاعر الفلاسفة وفیلسوف الشعراء. (ینظر الهامش) (1).
طه حسین (1989-1973) "فولتیر العرب" عمید الأدب العربی، أدیب باحث ومفكر ناقد (ینظر الهامش) (2).
 
یقف الإنسان مفكرا، والفكر لا یبارحه، وهو یبحث عن أسرار اللغة والأدب والشعر، لیعرف مكنونات غایة اللغة فی الأدب وغایة الأدب فی اللغة. هذه أو تلك أو كلتاهما مزجتا بخواص النبوغ المشتركة من فكر وفلسفة وشعر ونقد فی قریحة عقلین كبیرین من عقول معرفیة مضیئة فی مسالك الظلام، فأنارتها لكل ذی بصیرة لایتجرأ أن یسلكها إلاّ العقلاء من الأدباء والشعراء والحكماء والمفكرین.
ألتقی الیوم بشاعر الفلاسفة وفولتیر العرب، فلیسمح لی عشاق الفكر والأدب والشعر أن أكون ضیفا فی مجلس هذین المبدعین الذین شغلا العالم الأدبی بفكرهما وأدبهما وأسلوبهما العبثی السلس الجذاب. أجد نفسی على ساحل نهر أتمتع بالنظر إلى الطبیعة المتعطشة للحب، والجمال الذی یعشق شعر المعری الخالد، وصحبة حسین الرائع. أسمع خریر النهر بین موسیقى الفكر والأدب بألحان "لزوم ما لا یلزم" حیث یتعانق التشاءم الغارق فی العقل الناضج مع تفاؤل الشعر وبسمات الفكر، وحدیقة "ذكرى أبی العلاء" رسالة طه حسین، مجدد النقد الذی جدد الفكر الأدبی بنقده المنهجی.
 
یمثل أبو العلاء المعری الأساس الفكری لنظریة طه حسین النقدیة، وهو بهذا یعتبر جزءا من "منهج العبث" الذی مارسه طه حسین فی نقده الأدبی. وعندما یتحدث طه حسین عن المعری، فإنما یمثل شخصیته الأدبیة والفكریة فی بعض جوانبه النقدیة لأدبیات الآخرین. وعلیه یمكن القول أن عمید الأدب العربی طه حسین تأثر بآراء أبی العلاء المعری وشعره وفلسفته فی نظریته النقدیة. وقد لقبَته (مَی زیادة) فی رسالتها إلیه بأنه (أبو العلاء وڤولتیر معا) ، وهنأته بعودته إلى الجامعة المصریة عام 1934 وذلك بعد إبعاده منها بسبب كتابه (فی الشعر الجاهلی) فابتدأت رسالتها بـ ‘‘ یا أبا العلاء‘‘ وهذا یعنی تقدیرا له لِما لأبی العلاء المعری من تأثیر فیه، ولما لأبی العلاء من مكانة فی الأدب العربی (3).  واعتبره الكاتب المصری سامی الكیالی أنه ‘‘ مَعَری القرن العشرین، ومفخرة مصر والعرب‘‘(4) .
 
لقاء فی محراب العقل
 
أفكر مرة تلو مرة، وأنا الزائر، أرید أن أروی ظمئی بالماء الزلال من ینبوع النقد الأدبی الذی لایرحم فی جنینة المعری الغناءة، وعلى جانبه أسمع ترنیمة أسلوب العبث المزخرف بألحان حب عمید الأدب العربی للأدب والفكر والفلسفة، وحبه المغرم بلا انتهاء لأبی العلاء المعری. ینهض شاعر الشعراء من مرقده بعد رحلته الطویلة فی رسالة الغفران إلى العالم الآخر وینشد:
قد كثرتْ فی الأرضِ هٌّالنا
والعاقل الحازم فینا غریبْ
وإن یكنْ فی مّوْتنا راحة
فالفّر الوارِد مینٌّا قریبْ
جاءنا الأدیب طه حسین، بعد أن أنفق أربعة أعوام فی الأزهر، وكان یعدها أربعین عاما یسمع كلاما معادا وأحادیث لا تمس قلبه ولا ذوقه، بدأ یفكر أن أمامه ثمانیة أعوام أخرى، سیعدها ثمانین عاما كما عد الأعوام الأربعة التی سبقتها (5). وفی هذا كله سمع أسم الجامعة، (الجامعة المصریة/ جامعة القاهرة حالیا)، فترك الأزهر والتحق بالجامعة، وحصل على شهادة دكتوراه فی الآداب عن رسالته الأولى بعنوان "ذكرى أبی العلاء". وفی ‘‘تلك الأیام قدم عضو من أعضاء الجمعیة التشریعیة اقتراحا یطلب فیه أن تقطع الحكومة معونتها عن الجامعة لأنها خرَّجت "ملحدا" (وما هو بملحد) هو صاحب رسالة "ذكرى أبی العلاء"(6). لكنه سحب اقتراحه بعد أن هدده الخدیوی سعد بأن صاحب الرسالة سیقدم طلبا إلى الحكومة أن تقطع معونتها عن الأزهر، لأنه تعلم فی الأزهر قبل أن یتعلم فی الجامعة (7).
جاء أبو الطیب المتنبی مسرعا لیدافع عن طه حسین فأنشد باعتزاز:
ذو العقل یشقى فی النعیم بعقله
              وأخـو الجهالة فی الشـقاوة ینعم
ومن البلیة عذل من لا یرعـوى
                عن جهله وخطاب من لا یفهــم
 
وأقدم المعری أبو العلاء من بعید وقال:
فقِدتْ فی أیامِكّ العلماء
                    وادْلهمتْ علیهم الظٌّلماء
وتغشٌّی دّهْماءنا الغّیٌ لما
               عطٌلتْ منْ وضوِحهِا الدٌّهماء
فجاوبه المتنبی:
عش عزیزا أو مت وأنت كریم
                    بین طعن القنا وخفق البنودِ
فقال أبو العلاء:
نرو الحیاةّ فإن هّمٌّتْ هواسنا
                   بالخیر قال راء النٌّفس: إراءّ
وما نفِیق من السٌكرِ المحیطِ بنا
                 إلا إذا قِیل: هذا الموت قداءّ
فلم یبق أمام طه حسین، بعد أن شرب من كأس الشاعرین أطیب ما شرب، إلاّ أن ینقد أولئك الذین یخافون من النقد الأدبی، ویعتبرون الأدب العربی القدیم مقدس لایشمله النقد، ولا ینبغی التحقق من صحته، لأنهم كسالى العقول یخافون من منهج البحث العلمی.
وما أن انتهى حسین من نقده حتى أنشد أبو العلاء:
أقررتُ بالجهل وادعی فهمی
                         قوم فأمری وأمرهم عجب
فتذكر عمید الأدب العربی غرامه لشریكة حیاته (سوزان الفرنسیة) التی رأى (حسین) الدنیا بعینیها، وقال فی قرارة نفسه حین اشتكت منه قرینته: كنتُ على حق حین قلت لها بعزة نفس وإباء "إننا لم نخلق لنعیش سعداء، إنما خلقنا لنقوم ماینبغی علینا أن نقوم به ".
لم یغب الفكر فی كل هذا الحوار، فالفكر توأم لشعراء العقل والأدب الحی. فكثیر من الفلاسفة الكبار كانوا شعراء وأدباء منهم:
فولتیر: شاعر وكاتب مسرحی،
نیتشه: أدیب وفیلسوف،
بول فالیری: شاعر العقل
هیبولیت تین، ناقد ومؤسس المنهج التاریخی،
البرت كامو: كاتب مسرحیة وروایة،
مونتسكیو: مفكر وأدیب وصاحب روح القوانین.
أبو الطیب المتنبی: فیلسوف القوة بین شعراء الحكمة بلا منازع، كقوله:
عش عزیزا أو مت وأنت كریم بین طعن القنا وخفق البنود
واطلب العز فی لظى، ودع الذل، ولو كان فی جِنانِ الخلود!
بدر شاكر السیاب: مجدد الفكر بتجدید الأدب
جمیل صدقی الزهاوی: شاعر وفیلسوف
وكثیرون غیرهم.
 
 
عنصر الفكرة
 
‘‘الفكرة عنصر هام من عناصر الأدب الحی، إن طغت علیها العاطفة، أو غلب علیها الخیال، أو حجبها رونق الأسلوب أحیانا … ولئن كانت العاطفة، وأحیانا الخیال، أبرز فی الأثر الشعری من الفكرة، فإن الفكرة فی الأثر النثری أغلب علیها بوجه العموم‘‘ (8).
- التشكك والنظر الفلسفی: أبو العلاء المعری. شاعر الفلاسفة وفیلسوف الشعراء، شعره أشبه ‘‘بتأملات الفلاسفة‘‘،
ولا سیما فی دیوانه ‘‘اللزومیات‘‘. من شعراء القرن الحادی عشر. كان عصره عصر فوضى. من أحب الشعراء لدى طه حسین. نزعاته الفلسفیة متنوعة‘‘من عقلیة برهانیة، إلى تشكیكیة لا أدریة، ومن إیجابیة تسلیمیة، إلى سلبیة هدّامة. فقوله فی خلود الروح وهلاك الجسد:
یفرق بین الروح والشخص حادث ألا إنّ أیام الفراق حسوم
إلى العالم العلوی تزمع رحلة نفوس، وتبقى فی التراب جسوم
 
واتهم الأدیان جملة (إذا أُسیئت فهمها) لاستسلامها للتقلید:
هفت الحنیفة والنصارى ماهتدت ویهود حارت والمجوس مضلله
إثنان أهل الأرض: ذو عقل بلا دین ، وآخر دین لا عقل له
 

 
الفكرة فی النثر الفنی
المنحى الفكری فی النثر أقوى منه فی الشعر، لأن النثر طلیق من القیود التی تكبّل اللفظة وتتحكم بالفكرة. وقد قال طه حسین: النثر لغة العقل. ویمكن أن نذكر على سبیل المثال:
قضایا المجتمع: العدالة الاجتماعیة- الحسن البصری. والتعاون الاجتماعی: اخوان الصفا
شؤون الفكر: التعلیل العلمی-أبو حیان التوحیدی. والبحث الأدبی – ابن خلدون وطه حسین (مثلا الشعر الجاهلی
موضوع أدبی صیغ فی قالب علمی ومنهج فلسفی وتاریخی وتحلیلی).
مباحث الفلسفة: النظر الفلسفی- الجاحظ. والانطلاق الغیبی- أبو العلاء المعری فی رسالة الغفران.
مسائل السیاسة: الفارابی والمعتزلة وابن خلدون وحسن البنا (9).
 
لنرجع إلى أبی العلاء وفكره، وهذا یتطلب منا أن نفهم شخصیته، لیس من خلال سیرته فقط، إنما أیضا من خلال وصفه لذاته، وعزته بنفسه، ورفضه مدح الحكام أیا كان، لأن الشاعر یُخلِد الحاكم، ولیس العكس، فما أكثر ظلم الحكام الجهلاء الظالمین الذین مدحهم بعض الشعراء.
أجمل ما یمكننا فهم هذا المفكر المعری العربی هو قراءة قصیدته ودراستها بتمعن:
ألا فی سبیل المجد ما أنا فاعل
                                       عفـاف وإقدام وحـزم ونائل
أعندی , وقد مارست كل خفیة
                                    یصـدق واش أو یخـیب سائل
أقل صدودی أننی لك مبغض
                                 وأ یسر هجری أننی عنك راحل
إذا هبت النكباء بینی وبینكم
                                   فأهون شـیء ما تقول العواذل
تعد ذنوبی عند قوم كثیرة
                             ولا ذنب لی إلا العلا والفضائـل
كأنی إذا طلت الزمان وأهله
                               رجعت وعندی للأنـام طوائـل
وقد سار ذكری فی البلاد فمن لهم
                             بإخفاء شمس ضوءها متكامـل
یهم اللیالی بعض ما أنا مضمر
                           ویث قل رضوى دون ما أنا حامل
وإنی وإن كنت الأخیر زمانه
                               لآت بما لم تسـتطعـه الأوائل
وأغدو ولو أن الصباح صوارم
                               وأسری ولو أن الظلام جحافل
وأی جواد لم یحل لجامه
                                ونضو زمان أغفلتـه الصیاقل
وإن كان فی لبس الفتى شرف له
                                فما السیف إلا غمده والحمائل
ولی منطق لم یرض لی كنه منزلی
                         على أننی بین السـماكین نازل
لدى موطن یشتاقه كل سید
                                 و یقصر عن إدراكـه المتناول
ولما رأیت الجهل فی الناس فاشیا
                                     تجاهلت حتى ظن أنی جاهـل
فواعجبا ، كم یدعی الفضل ناقص
                         وواأسفا، كم یظهر النقص فاضل
وكیف تنام الطیر فی وكناتها
                              و قد نصبت لفرقدین الحبائـل
ینافس یومی فی أمسی تشرفا
                          وتحس د أسحاری علی الأصائل
وطال اعترافی بالزمان وصرفه
                            فلست أبالی من تغول الغوائـل
فلو بان عضدی ما تأسف منكبی
                      ولو مات زندی ما بكته الأنامل
إذا وصف الطائی بالبخل مادر
                        وعیر قسـا بالفهاهـة باقـل
وقال السهی للشمس أنت خفیة
                     وقال الدجی للصح لونك حائل
وطاولت الأرض السماء سفاهة
                    وفاخرت الشهب الحصى والجنادل
فیا موت زر ، إن الحیـاة ذمیمة
                ویا نفس، جدی، إن دهـرك هازل
 
قارن البیت الأخیر من القصیدة
بقول الإمام علی بن أبی طالب علیه السلام. إنها الدنیا التی قال عنها الإمام :
"یادنیا إلیكِ عنّی، أبی تعَّرضْتِ، أم إلیَّ تشوقتِ، لا حانَ حَینُكِِ، هیهاتَ غُرّی غیری، لاحاجةَ لی فیكِ، قد طلقتك ثلاثا لارجعة فیها، فعیشُكِ قصیر، وخَطَرُكِ یسیر، وأَمَلُكِ حقیر، آه من قِلّةِ الزّادِ، وطولِ الطَریقِ، وبُعدِ السفرِ، وعظیمِ المورِدِ"(10).
 
ینبغی أن لا ننس ما قیل عنه. فهو مؤلف ألف وثمانمئة وخمسة أبحاث أدبیة فی قضایا المجتمع وشؤون الفكر، والأدب النقدی والنقد الأدبی، والإسلام، ومباحث الفلسفة والعلم والمعرفة والتاریخ باللغتین العربیة والفرنسیة.
هذا شاعرنا الجواهری یرحب بقدوم طه حسین عمید الأدب العربی لیترأس مهرجان الاحتفاء بأبی العلاء المعری فی سوریا عام 1944، بقصیدة عنوانها ‘‘أحییك طه‘‘ جاء فیها:
أحییك ((طه)) لا أطیل بك السجعا
كفى السجع فخرا محض اسمك اذ ترعى
أحییك فذا ً فی دمشق وقبلهـا
‏             ببغداد قد حییت أفذاذكم جمعا
شكوناك إنا فی ضیافـة نابغ
          نمتع منـه العین والقلب والسمعا
وكنا على آدابك الغر قبلـها
          ضیوفا فما ابقیت فی كرم وسعا
نهضت بنا جیلا وابقیت بعدنا 
            لابنائـنا ما یحمدون به المسـعى
أنبیك ان ((الرافدین)) تطلعت
          ضفافهما واستنهض الشجر الزرعا
هلم لشطئان الفراتین واستمع   
               أهازیجها تستطرف المعجز البدعا
هناك تلمس ((ضائع الحب)) وافتقد
                ضحایاه وارأب للقلوب صدعا
 جدد لنا عهد المعری: انه     
                  قضى وهوى بغداد یلذعه لذعا
ونهوی السفین الحائرات كأنها
              سفینته اذا تشتكی الاین والضلعا
أجل قد خطفناها مخافة فرقة
                وخشیة ازماع نضیق به ذرعا
أبا الفكر تستوحی من العقل فذّه
                وذا الأدبِ الغضِّ استثرتَ به الطبعا
ویا سحر موسى إنَّ فی كل بقعة
                    لما تجتلی من آیةِ حیّةً تسعى
لك الله محمولاً على كلّ خاطرٍ
                          ومن كل قلبٍ رحْتَ تحتله ترعى
وذاك نزار قبانی، قال أنشد فی قصیدة طویلة من ستین بیتا بعنوان ‘‘حوار ثوری مع طه حسین‘‘، ألقاها فی الذكرى المئویة لمیلاد طه حسین أقتبس منها الأبیات التالیة:
ضوءُ عینیكَ ، أم هُما نَجمتانِ كلهم لا یرى .. وأنت ترانی
                    لست أدری من أین أبدأُ بَوحی شَجَرُ الدمع شاخ فی أجفانی
…………………
إلى أن قال:
آه یا سِّیدی الذی جعلَ اللیلَ نهاراً .. والأرض كالمهرجان
أرمِ نظارتیــك كی أتملىَّ
                   كیف تبكی شواطئ المرجانِ
أرمِ نظارتیك ! ما أنت أعمى
                     إنما نحن جــوقة العمیان
أیها الأزهری یا سارق النار
                       یا كاسـرا حـدودَ الثوانی
عد إلینا فإن عصرك عصـر
                     ذهبی ونحن فی عصر ثانی
عد الینا فان مایكتب الیوم
                 صغیر الروئ .. صغیر المعانی
ذبح الشعر والقصیدة صارت
                    قینه تشترى .. ككل القیانی
جردوها من كل شی …
                     وأدموا قدمیها باللف والدوران
لاتسل عن روائع المتنبی
                         والشریف الرضی….أو حسان
ماهو الشعر ؟.. لن تلاقی مجیبا
                                هو بین الجنون والهذیان
عد الینا یاسیدی … عد الینا
                         وانتشلنا من قبضة الطوفان
هذا هو عمید الأدب العربی الذی لُقِب بفولتیر العرب وأحب النقاد إلیَّ، وهو واحد من أكثر الأدباء المعاصرین ثقافة، وأبلغهم منهجیة. أخذ حیزا كبیرا إلى جانب عدد كبیر من المفكرین العرب والغربیین فی أبحاثی الأكادیمیة الأدبیة والفكریة فی السوید وبریطانیا. ولا أزال تلمیذا فی مدرسة الفكر والأدب والنقد، أحتاج لكل إضافة وجدید ونقد منهجی معلل من كل كاتب وناقد مبدع أتعلم منه.
وهذا هو معری القرن العشرین، كان مؤمنا فاتهموه بالكفر لأنه انتقد بجرأة ومنهجیة. أیقظ العقل العربی من كسله، فتعرض كفیلسوف الشعراء لكثیر من المصائب والمشاكل والآلام، واتخذا أسلوب العبث منهجا لمقارعة الذین استسلموا للبدیهیات دون تحلیل ونقد وبحث منهجی. من هنا دخلا معركة الأدب والحیاة وانتصرا على الجهل ورفعا رایة الأدب والفكر بجرأة وعزة نفس وإباء.
كیف كان وكیف یكون؟ هذا ما أشرحه فی القسم الثانی من هذا اللقاء.
 
 

 
هوامش
(1) أحمد بن عبد الله بن سلیمان الملقب أبو العلاء المعری . ولد فی معرة النعمان بشمال سوریة عام 973  وفقد بصره فی طفولته (بعد أن أصیب فی آخر العام الثالث من عمره بداء الجدری فعمی فی الرابعة من عمره) ، وتوفی عام 1057 شاعر عربی معروف ، وفیلسوف وكاتب، لُقب بشاعر الفلاسفة وفیلسوف الشعراء.
See: Taha Husayn, An EgyptianChildhood, the Autobiography of Taha Husayn, trans., E.H. Paxton , Washington 1981, p. 80.
كانت حیاته تقشفا وعبادة وابتعاد عن المعاصی، سمی نفسه ‘‘رهین المحبسین‘‘ (العمى ولزوم بیته) . وقد أشار طه حسین فی رسالته "ذكرى أبی العلاء" أن عزة نفسه أبت أن یمدح أحدا من الزعماء والقادة. كان رؤوفا بالإنسان والحیوان، رفض القتل، حتى قتل الحیوان، ولهذا لم یأكل اللحم. ومن مظاهر زهده فی ملذات الحیاة ونظرته لها أنه رفض الزواج لكی لا یجنی على ابنه (إذا یكون له إبن) ما جناه علیه أبوه. وله قصیدة بهذا الصدد بعنوان "هذا ما جناه علی أبی وما جنیت على أحد". كان علمه باللغة العربیة والنحو والأدب هو الغایة القصوى حتى قیل إن المعری بالمشرق وابن سیده بالمغرب لیس لهما فی زمانهما ثالث فی اللغة. وذكر التبریزی أنه لا یعرف كلمة نطقت بها العرب ولم یعرفها أبو العلاء. " كان عصره (القرن الحادی عشر) عصر فوضى ساء فیه الوضع الداخلی … وقد یبدو من الغریب، لأول وهلة، أن تتمثل فی تفكیره نزعات فلسفیة مختلفة من عقلیة برهانیة، إلى تشكیكیة لا أدریة، ومن إیجابیة تسلیمیة، إلى سلبیة هدامة ". ینظر بهذا الصدد: كمال الیازجی، معالم الفكر العربی، ط6، دار العلم للملایین، بیروت 1979، ص123-124.
 
(2) ولد طه حسین فی 14 نوفمبر سنة 1889 فی حی الكیلو بمحافظة المنیا من صعید مصر. كانت طفولته ملأى بالأوهام والأحلام، حیث شكى الطفل یوما من عینیه لكن أمه لم تعن به، إنها لم تؤمن بالطبیب، إنما تؤمن بالخرافات و"علم النساء وأشباه النساء، وعلى هذا النحو فقد عینیه، أصابه الرمد فأهمل أیاما، ثم دُعِی الحلاق فعالجه علاجا ذهب بعینیه".وكان فی الثالثة من عمره. شعر أن "الحیاة مملوءة بالظلم والكذب وأن الإنسان یظلمه حتى أبوه ". (طه حسین: الأیام، ج1، ط59، دار المعارف، القاهرة 1981، ص17 و38 و120). حصل على شهادة دكتوراه فی الآداب من الجامعة المصریة عن رسالته بعنوان "ذكرة أبی العلاء". وبعد ذلك حصل على زمالة للدراسة فی جامعة مونبلیه، فدرس الفكر والفلسفة والاجتماع، وتعرف على الفتاة الفرنسیة (سوزان) وأحبها أشد الحب، وتزوجها، فكانت له عونا فی حیاته ولا سیما دراساته الأدبیة والاجتماعیة باللغة الفرنسیة. قال عنها "المرأة التی أبصرتُ بعینیها". انتقل بعد ذلك إلى جامعة السوربون وهناك تعمق فی دراسة فلسفة رینیه دیكارت مؤسس الفلسفة العقلیة، وقدم رسالته الثانیة بعنوان "فلسفة إبن خلدون الاجتماعیة". انتقل إلى مصر وأصبح عمیدا لكلیة الآداب، ولُقبَ بعمید الأدب العربی. تعرض لكثیر من المضایقات وفصل من وظیفته بسبب أفكاره الدیمقراطیة اللیبرالیة، ودعوته إلى منهج البحث العلمی، وعدم التسلیم بالفرضیات قبل التأكد منها. أعید إلى وظیفته الأكادیمیة مرة أخرى، وأصبح بعد ذلك وزیرا للتربیة والتعلیم، وجعل التعلیم إلزامیا فی مصر، وأحدث ثورة فی الفكر الأدبی والنقد الأدبی. ( ینظر: خیر الدین الزركلی: الأعلام، ج3، بیروت 1979، ص23.)
 
(3) رسالة می زیادة إلى طـه حسین فی ٨٢ نوفمبر/تشرین الثانی 1934 ،
وینظر أیضا: نبیل فرج ، طه حسین ومعاصروه ، دار الهلال ، رقم ١٢٥ ، القاهرة 1994، ص300.
 
(4) سامی الكیالی : مع طه حسین ، ج١ ، ص91.
 
(5) ینظر: طه حسین، الأیام، ج3، ص3-4.
 
(6) ینظر: طه حسین، نفس المصدر، ص 140.
 
(7) ینظر: نفس المصدر، نفس الصفحة.
 
(8) كمال الیازجی، معالم الفكر العربی، مصدر سبق ذكره، ط6، دار العلم للملایین، بیروت 1979، ص 103.
 
(9) كمال الیازجی، نفس المصدر، ص 128-136.
 
(10)علی بن أبی طالب، نهج البلاغة، جمعه الشریف الرضی من كلام أمیر المؤمنین علی، شرحه وضبط نصثوصه الإمام محمد عبده، قدم له هانی الحاج، ج4، المكتبة التوفیقیة، القاهرة (ب. ت)، ص533.
 
 
الدكتور خالد یونس خالد 4 أكتوبر 2009

 
بقیة: القسم الثانی :
تأثیر المعری ودوره فی نظریة طه حسین النقدیة





طبقه بندی: العصر العباسی، العصر الحدیث، النقد الادبی، مقالات حول أبی العلاء المعری،

[ چهارشنبه 28 مهر 1389 ] [ 12:19 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


[ سه شنبه 27 مهر 1389 ] [ 20:24 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


لأندلس /هذا البلد الجمیل؛ المحبوب بلد أحبهُ المشارقة عامة، ووجد عنایة خاصة من الأدباء ومؤرخی الأدب والمثقفین؛ المهتمین بالشأن العام من جهة، والمعنیین بالشأن الأندلسی خاصة من جهة أخرى وعلى حب الجمیع لهذا البلد، فقد حرمهُ الكثیر من الباحثین؛ من فضل الإبداع، بینما نسب إلیه بعض الباحثین الكثیر؛ من التجدید، وكان كل من الطرفین على طرف من التطرف.
لقد وضع الدكتور باقر سماكة كتاباً سماه:- (التجدید فی الأدب الأندلسی)؛ ینسب فیه الكثیر من التجدید /فی الشعر والنثر للأندلسیین، وسیكون هذا الكتاب أهم الكتب التی سنحاورها بشأن التجدید فی الأدب الأندلسی، وإن لم یكن الدكتور باقر سماكة؛ أول من قال بالتجدید فی الأدب الأندلسی، لكنه كان أهم من قال بهذا الأمر، فقد سبقه إلى ذلك الدكتور محمد مهدی البصیر حین قال:- ‘‘وقد تفرد الأندلسیون بنظم الموشح نحواً من ثلاثة قرون أنتقل بعدها إلى الشرق‘‘، فی حین قال الدكتور باقر سماكة:- ‘‘وقد ظل هذا التقلید زمناً طویلاً حتى استطاع الشعراء الأندلسیون التحلل من قیود الالتزام به والسیر على منواله ونظموا وجددوا بكثیر من الأغراض الشعریة المستمدة من الواقع الأندلسی وجددوا حتى بطریقة بناء القصیدة فیما یتعلق بالوزن والقافیة كما یتضح ذلك فی شعر الموشحات.‘‘ و إلى جانب التجدید فی الموشحات والأزجال /الذی نسبه الدكتور باقر سماكة إلى أهل الأندلس نص على أنهم أنشؤوا فنوناً أخرى حین قال:- ‘‘لقد تمیز الأدب الأندلسی فیما تمیز بظهور فنون شعریة عدیدة مثل الدوبیت والقوما والكان وكان والموال ولكن أكبر تلك الفنون وأهمها الموشحات والأزجال.‘‘ أما الموشحات، فما یزال فی النفس من نشأتها شیء، وأما الدوبیت والقوما والكان وكان والموال، فهی جمیعاً من الفنون التی سبق المشرق إلى معرفتها، ومما یدل على ذلك، ما قاله صفی الدین الحلی عن الموالیا هی الفن الثانی من فنون كتاب العاطل الحالی:- ‘‘الموالیا وله وزن واحد، وأربع قواف على روی واحد، ومخترعوه أهل واسط‘‘ وأهل واسط من أهل العراق فی المشرق /كما هو معروف كذلك قال الحلی عن (الكان وكان) /وهو الفن الثالث فی كتاب العاطل الحالی بعد أن وصفه:- ‘‘ومخترعوه البغدادیون، ثم تداوله الناس فی البلاد فلم یجارهم فیه مجار ولم یدخل لهم مبار فی غبار‘‘
كذا قال عن (القوما) /وهو الفن الرابع فی الكتاب بعد أن وصفه: ‘‘ومخترعوه البغدادیون أیضا، فی دولة الخلفاء من بنی العباس رضی الله تعالى عنهم، برسم السحور فی شهر رمضان‘‘، وبغداد عاصمة المشرق عدة قرون كما هو معروف، وقال صفی الدین الحلی فی العاطل الحالی عن (القوما) و(الكان وكان):- ‘‘وهذا الفن وما قبله من الكان وكان لا یعرفه أهل البلاد سوى أهل العراق‘‘ وهكذا یتبین أن هذه الفنون؛ فنون مشرقیة؛ لم یعرفها قبل أهل العراق أحد، فإن عرفها غیرهم، فإنما أخذها منهم.
وإنما اعتمدْتُ (العاطل الحالی)، لقدمهِ ولأهمیتهِ التی قررها الدكتور باقر سماكة حین قال عن مصادر الزجل ومراجعهِ:-
‘‘من المراجع الهامة القلیلة كتاب (العاطل الحالی) للشاعر صفی الدین الحلی وكتاب (ملح الزجالین) لابن الدباغ الأندلسی ویعتبر دیوان ابن قزمان الذی یضم 149 زجلیة أهم مصدر لدراسة الزجل والتعرف علیه.‘‘
و إذ یعترف الدكتور باقر سماكة بأهمیة العاطل الحالی فی دراسة هذه الفنون، یبدو العاطل الحالی مناسباً لمناقشتهِ وتصحیح ما ذهب إلیه.
والدكتور باقر سماكة یُعَرِّفُ بابن قزمان قائلاً:-
‘‘فمن هو ابن قزمان؟ انه محمد ابن عبد الملك المكنى بأبی بكر ولد فی قرطبة.‘‘
لم یكتفِ الدكتور باقر سماكة بما تقدم، بل نسب إلى أهل الأندلس التجدید بنظم الأراجیز التاریخیة حین قال:- ‘‘وهكذا كان الشعر فی عهد الإمارة یسیر بین التقلید والتجدید ومن الملاحظ فی هذا العصر ظهور بعض الأراجیز التاریخیة التی أصبحت مصدراً من مصادر الدراسات الأندلسیة والتی اعتمد علیها كثیر من الباحثین فقد تضمنت الحوادث والمضاعفات والتطورات التی تخللت أوضاع الأندلس.‘‘ ولعل الدكتور باقر سماكة /فیما سبق یشیر إلى أأرجوزة ابن عبد ربه ت328 التاریخیة /التی ذكرناها سابقاً ولیس فی ظهور الأراجیز التاریخیة الأندلسیة؛ تجدید فی الشعر الأندلسی، فقد سبق ابن المعتز ت296 /من أهل المشرق إلى مثل هذه الأراجیز، حیث نظم أرجوزته التاریخیة المزدوجة التی مطلعها:-
بِاِسمِ الإِلَهِ المَلِكِ الرَحمَنِ ذی العِزِّ وَالقُدرَةِ وَالسُلطانِ
وهی مزدوجة من بحر الرجز فی 418 بیتاً، قال الدكتور یونس السامرائی
عن وقت نظمها:- ‘‘إن نظمه للمزدوجة التأریخیة كان بعد وفاة المعتضد ولم تكن فی أثناء حیاته‘‘وهكذا یتبین سبق ابن المعتز /من أهل العراق فی المشرق إلى هذا الفن.
لیس هذا فحسب، بل ذهب الدكتور باقر سماكة إلى أن شعر النساء من ممیزات الشعر الأندلسی حین قال:-
‘‘مما تمیز به الشعر الأندلسی ظهور عدد غیر قلیل من النساء الأندلسیات نظمن الشعر وأكثرهن من الجواری الحسان، وكانت قیمة الجاریة تقاس بقدر ما لها من الجمال وحسن الصوت والاهتمام بالشعر وقد اقتصرت أشعارهن على الغزل والنوازع الوجدانیة الأخرى تقریباً مما أضفى على الشعر الأندلسی حلاوة وطلاوة التجدید.‘‘
العرب /فی كل زمان و مكان عرفوا النساء الشواعر، فهذه المسألة لیست مقصورة على الأندلس.
فلیس دقیقا ما تصوره البعض /ومنهم الدكتور باقر سماكة من أن شعر النساء مقصور على الأندلس أو كان خصیصة من خصائصه، فقد عرف العرب شعر النساء فی جاهلیتهم وبعد إسلامهم، ومن یتتبع هذا الأمر، یجد نَصَبا، فكتب الأدب والتاریخ؛ ملأى بهذا الشعر النسائی الإنسانی، ولا یجادل أحد فی الخنساء وشعرها من المخضرمات، كما لا یجادل أحد فی لیلى الأخیلیة وشعرها من الأمویات، وبالرجوع إلى كتاب واحد هو:- (نزهة الجلساء فی أشعار النساء) للسیوطی مثلا؛ نجد جملة من الشواعر المشرقیات اللاتی عشن فی العصر العباسی، فبعضهم من بنات الخلفاء والكبراء، وبعضهن معروفة بمدینتها المشرقیة، ومن هاتیك الشاعرات المشرقیات:-
1. ‘‘بوران بنت الحسن بن سهل‘‘
2. ‘‘خدیجة بنت أمیر المؤمنین عبد الله المأمون‘‘
3. ‘‘سلمى البغدادیة الشاعرة‘‘
4. ‘‘شمسة الموصلیة‘‘
5. ‘‘صفیة البغدادیة‘‘
6. ‘‘طیف البغدادیة‘‘
7. ‘‘عائشة بنت الخلیفة المعتصم‘‘
8.‘‘عائشة الإسكندرانیة‘‘
9. ‘‘العباسة بنت الخلیفة المهدی‘‘
10. ‘‘علیة بنت الخلیفة المهدی‘‘

وحین یتطرف الباحث كل هذا التطرف لا یُستغرب منهُ أن یقول:-
‘‘لقد مرت الإشارة إلى أن أغراض الشعر الأندلسی كان منها المقلد المترسم للشعر المشرقی ومنها الأصیل المستمد من بیئتی الأندلس الطبیعیة والاجتماعیة وأهم تلك الأغراض الأصلیة هی:-
أ‌. وصف الطبیعة.
ب‌. الغزل .
ج .الخمریات .
د. رثاء الدول. ‘‘
كذلك لا یُستغرب قوله:-
‘‘أن الأندلسیین لم یقتصر تجدیدهم على ناحیة معینة من نواحی العطاء الفكری فی مختلف مجالاته.‘‘
وهو یفصل مسائل من تجدید الأندلسیین فی مختلف الجوانب حین یقول:- ‘‘أهتم الأندلسیون بالنثر وتفننوا وجددوا به.‘‘
ولا شك أن الأندلسیین اهتموا بالنثر وجددوا فی جوانب منهُ، كذلك یقول:- ‘‘أن الأندلسیین قد جددوا فی الشعر والنثر.‘‘
ویأخذ أحد الشعراء الأندلسیین /ابن خفاجة مثالاً على التجدید الشعری فی الأندلس حین یقول:-
‘‘أن أبن خفاجة /كما سبق الحدیث عنه تناول أكثر الأغراض الشعریة فجود وجدد بكل ما تناوله متمثلاً بالمعنى الرقیق والأداء الرشیق.
فمن شعره قصیدة نظمها بمدح الأمیر أبی یحیى بن إبراهیم ویذكر فیها خروجه للصید ویتعرض لوصف الكثیر من الطیر والوحش وهذه من المعانی التی جدد بها الشعراء الأندلسیون، إن القصیدة طویلة لا مجال لإثباتها كلها مادام الغرض هو التعرف على أغراض الشاعر وأسلوبه.
وهذا القسم من القصیدة وهی بعنوان:-(سمح الخیال) ‘‘…الخ، وهی أبیات تتضمن أفكاراً جمیلة مصوغة صیاغة حسنة، لكنها لا تخرج عن كونها تشبیهات أو استعارات أو كنایات منفصلة؛ تجمع بینها روح القصیدة التی لا تبتعد كثیراً عن شعر الصید فی الأدب العربی /وهو كثیر لولا حضریة هذه الألفاظ وبداوة تلك؛ هذا من ناحیة القصیدة، أما أن یكون ابن خفاجة قد (جود وجدد بكل ما تناوله متمثلاً بالمعنى الرقیق والأداء الرشیق)، فأمر ینظر إلیهِ بحذر شدید، إذ أین الشاعر الذی یجدد ویجود فی كل ما یتناوله؟!
قد تكون الرقة والرشاقة من طوابع شعرهِ، وحین ذاك، لا یكون تجدید ولا تجوید، فالرقة والرشاقة من طوابع هذا الشعر، ومن ذا الذی ینكر رقة الكثیر من شعر شعراء المشرق ورشاقة ألفاظهم؟!
عند ذاك یبدو عدم تمیز الأندلسیین برقة الشعر ورشاقة ألفاظهِ، فهذه أمور تطبع شعر شعراء معینین؛ فی المشرق والمغرب، وفی أوقات متعددة، لا یختص بها شاعر دون شاعر، وإقلیم دون إقلیم ولا زمان دون زمان، ففی كل إقلیم، وفی كل زمان شعراء؛ یذوبون رقة ورشاقة، كما أن هناك شعراء آخرین؛ یوشكون أن یكونوا من الحدید أو الحجر الصوان قوة وصلابة، فكأنهم ینحتون الأحجار القاسیة؛ من الجلامد الصلدة.
وكما یتطرف الدكتور باقر سماكة فی مسألة التجدید عند الأندلسیین، یتطرف الدكتور علی محمد سلامة حین یقول:- ‘‘فالشعر الأندلسی فی جملتهِ یمتاز على الشعر العربی عامة بما فیه من المعانی المبتكرة الجمیلة التی كان یعالجها الشعراء، بین الوصف البدیع، والكلام الرشیق، والذوق الفنی، والافتنان فی أسالیب الخیال، ولأنه یدل على الحیاة الأندلسیة ویرسم صورتین من أحوال العرب، فبینما نرى الشاعر یحن إلى ذكر بلاده الأولى من حیاته البدویة،فنجده یذكر الریاض والبساتین والأزهار، والمیاه الجاریة، وظلال الأشجار، والنسیم العلیل والآراء العامة والخاصة، وأحوال الاجتماع والعادات‘‘
وواضح أنهُ لیس فیما تقدم امتیاز للأندلسیین بغیر ذكر الأندلس، فقد كانت للعرب الآخرین معانٍ مبتكرة وكانوا یصفون وكانوا یذكرون الأطلال ویحنون إلى البداوة ویتفننون فی وصف الحضارة، الشیء الوحید الذی لم یذكره للأندلسیین ما اختلف الباحثون على أولیتهِ /وهو الموشح وإن كان خصه بفصلین /فی كتابه المذكور سابقاً أما وصف الطبیعة والجهاد، فلم یحتكرهما الأندلسیون، فبقیت الفنون التقلیدیة التی ذكرها /فیما بعد وهی:-
‘‘المدیح‘‘و‘‘الغزل‘‘و‘‘الرثاء‘‘و‘‘الزهد‘‘و‘‘الهجاء ‘‘و‘‘اللهو والمجون‘‘.
وإذ تطرف الدكتور (علی محـمد سلامة) فی حدیثهِ عن الامتیاز الشعـری عند الأندلسیین، فقد تطرف فی حدیثهِ عن تقلیدهم فی النثر إذ قال:- ‘‘لم یقتصر تأثر الأندلسیین بالمشارقة على الشعر فحسب بل تعداه إلى النثر، فكل تطور إلى الأمام، أو رجعة إلى الوراء فی النثر المشرقی سرعان ما یجد طریقه إلى الأندلس‘‘
وقال كذلك:- ‘‘مر النثر الأندلسی بمراحل متأثرا فیها وخلالها بالنثر المشرقی‘‘
ولیت شعری:- ما الذی دفع الدكتور علی محمد سلامة /المندفع لتصور الامتیاز فی الشعر الأندلسـی، كما تقدم إلى التطرف كل هذا التطرف فی تصور تقلید الأندلسیین للمشارقة فی الشعر والنثر كما هو واضح فی النصوص المتقدمة؟!
إننی أشعر بأن لهذا الاندفاع فی التطرف؛ سببین مهمین هما:-
1. عدم التدقیق.
2. التقلید الأعمى للسابقین، فقد قال الدكتور مصطفى الشكعة /وكتابه أسبق من كتاب الدكتور سلامة عن الكتابة الدیوانیة:- ‘‘كان النثر فی الأندلس یقتفی أثر قرینه فی المشرق وینسج على منواله ویسیر على نهجه ویجری فی مضماره، وكان فی الأندلس كما كان فی المشرق عد كبیر من الكتاب المجیدین الذین رق أسلوبهم وراق نهجهم وأمسكوا فی الكتابة بخیر زمام وملكوا منها ناحیة الإتقان وضروب البیان، غیر أن الأمر الذی یدعو إلى الدهشة هو أن كبار كتاب الأندلس هم أنفسهم كبار شعرائها المرموقین من امثال ابن زیدون وابن شهید وابن حزم وأبی حفص بن برد وابن دراج القصطلی ولسان الدین بن الخطیب وغیرهم.‘‘
وقال كذلك عن الرسالة الأندلسـیة:- ‘‘ولا تصیب الرسالة الدیوانیة الأندلسیة أی تطور أو تغییر، بل تظل مصرة على السیر فی ركاب قرینتها المشرقیة واقتفاء أثرها،‘‘
وقد تبین أثناء دراسة النثر الأندلسی بعض تفصیل هذه المسائل، وواقع الحال أن الأندلسیین؛ لم یكونوا مقلدین كل التقلید، ولا مجددین كل التجدید، إذ أنهم یقررون عروبتهم وأخذهم عن أهل المشرق، لكننا نعرف تمیزهم واختلافهم، عبر مسائل تجدیدهم ووسائل هذا التجدید، من هنا یصح /عندی قول المستشرق إیمیلیو غرسیه غومس:- ‘‘و إنه لمن العسیر أن نتبین الخیوط المشرقیة من الخیوط المغربیة فی نسیج الشعر الأندلسی الدقیق‘‘ ، فمن الصواب أنهُ یعسر على الباحث غیر المدقق أن یكتشف الخیوط المشرقیة من الخیوط المغربیة، لا أقول (فی الشعر فقط) /كما قال (غومس) لكن أقول:- من العسیر على الباحث غیر المدقق أن یكتشف الخیوط المشرقیة من الخیوط المغربیة فی مجمل الفكر الأندلسی /شعرهِ ونثرهِ لأن التداخل واسع وواضح؛ یتیح لمن ظنه تقلیداً أن یجد ما یدل على رأیهِ، كما أن من الیسیر على من یظنه تجدیداً أن یجد أدلة على مذهبهِ، وأجد التقلید والتجدید واضحین فی الأدب الأندلسی؛ متداخلین، لا یغنی أحدهما عن الآخر، كما لا یستغنی أحدهما عن الآخر.




طبقه بندی: الادب الاندلسی،

[ سه شنبه 27 مهر 1389 ] [ 11:39 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


قائمة الروابط

 

 

جمالیة النداء فی شعر محمد الماغوط *  

رمضان حینونی

المركز الجامعی بتمنراست

توطئــــة:

لا نبالغ إذا قلنا: إن النداء فی قصائد الماغوط یشكل ظاهرة فنیة لها وزنها فی المنظومة الجمالیة لنصه الشعری، فقلیلة هی القصائد التی تخلو من النداء فی دیوانه، وكأنما یرید أن یفجر بها هموما فكریة تسكنه فلا یكاد یتخلص منها حتى یمتلئ بها من جدید. إنها وسیلته الأساسیة فی التواصل مع القارئ، وأداته التی یضرب بها أعداءه المختفین خلف أقنعة من الصعب الكشف عنها.

وبما أن الماغوط یعانی هواجس العلاقة مع الآخر، فلا غرو أن یكون النداء من أكثر الأسالیب البلاغیة استعمالا عنده. فالبعد عن الناس فزیولوجیا ومعنویا یعطی للنداء حضورا متمیزا فی النص، خصوصا إذا كان البعد غربة بكل أبعادها النفسیة والاجتماعیة والفكریة.

ودراسة ظاهرة مثل النداء فی أی نص أدبی تتطلب التطرق إلى جوانب عدة، وتتفرع إلى مجالات معنویة و أسلوبیة و إیقاعیة كثیرة. لكننا فی هذه الدراسة الموجزة اكتفینا بأربعة محاور، نراها توصل إلى إدراك قیمة النداء الجمالیة عند شاعر لا یملك إلا أن ینادی ویتعب فی النداء طالما أنه لم یقتنع یوما أنه یعیش كما یراد للإنسان أن یعیش؛ فهو یرى العالم من حوله یتلون ویتبدل دون أن یشعر أن حیاته تلونت وتبدلت، كما یتوقع لكل حیاة تواكب الزمن وتطمح فیه للوصول إلى الأحسن والأفضل.

أ - تتالی النداء:

ما أكثر ما نجد تتالی النداء فی قصائد الماغوط، إلى حد أن القصیدة قد ترد كلها سلسلة نداءات، كما هو الحال فی " أطلال دارسة " و" دخان الخرائط" و" سفر برلك" و" مدرجات رومانیة" على سبیل المثال، وبتعدد النداء تتعدد الجهات المخاطبة به، فی إشارة إلى تشتت الشاعر وتیهه وضیاعه. فحین یخاطب الشاعر جهة واحدة، فإن ذلك یعنی تركیز وعیه، وأن القضیة التی تشغله محددة معینة، وبالتالی یكون أكثر ارتیاحا فی صوغ فكرته. أما فی حال الماغوط، فإنه یبدو كمحارب مرهق وسط عالم من الأعداء، أو متهم بین عشرات القضاة، كل منهم یرید توریطه وانتزاع الحق منه.

ففی (أطلال دارسة) وهی نموذج القصیدة الندائیة، یرید الشاعر استرجاع جملة مطالب صرفت فی غیر وجهتها الصحیحة ، أو أخطأت وجهتها :

فلسطین أرید شهدائی

إسرائیل أرید حطامی

أیتها الشواطئ أرید مرساتی

أیتها الصحراء أرید سرابی

أیتها الغابات أرید طیوری

أیها الصقیع أرید جدرانی1

ویمضی فی نداءاته الكثیرة التی تجمع الجامد والحی، المادی والمعنوی، من عتبات وعواصف ومطربین ومراجیح وملكات جمال ومقابر وغجر وغیرها، یطالبها جمیعا باسترجاع ما منحها إیاه، وكأن ما أعطی لها لم یؤد إلى نتیجة، أو إلى النتیجة التی كان یرجوها. فكثرة الشهداء لم تحرر فلسطین، وحطام الأرض لم یكسب إسرائیل إخضاع أصحاب الأرض التی حطمتها، و الطیور لم تحول الغابات إلى جنان الراحة و الهناء ، و هكذا یفعل الیأس فعلته فیجعل الماغوط یخبط فی غیر اتجاه، یوزع صرخاته على الجمیع، و كأن موجودات الأرض كلها ساهمت فی هذا الوضع السیئ الذی یعیشه .

وفی " دخان الخرائط " یهندس الشاعر النص بطریقة تتالی النداء أیضا ینتهی بطلب، كما هو الحال فی السابقة؛ غیر أن ما یریده هو البراء من أشیاء ولیس الرغبة فی استرجاعها. وتبدو الأشیاء فی نظره مزیفة فقدت بریقها وحقیقتها:

أیها التایمز الجمیل هذه لیست أغنیتی

أیتها البحار الهائجة هذه لیست سفنی

أیتها البحار هذه لیست مغاوری

.........................

نیتشه لیس هذا جنونی

كافكا لیست هذه متاهتی

.....................

أیها المسیح هذا لیس صلیبی

أیها المهدی المنتظر لست بانتظارك

موسى هذه لیست سینائی

هرتزل هذه لیست أرض میعادی.

وإذا كان الماغوط مولعا بالتعدید، كما نرى، والإبحار فی إیراد المعلومات العامة، فلیس ذلك إلا لیخدم فكرته أو مطلبه. إن هذه الأغانی والسفن والمغارات وما إلیها ما هی جمیعها إلا وجود الشاعر المسلوب أو المهدور. إذ تغدو الأشیاء التی تشكل جوهر الإنسان فی غیر صورتها الحقیقیة، مقنعة لا یكاد یتعرف علیها رغم أنها كانت جزء منه.

وفی كلا النصین، نلمس حرص الشاعر على نسبة الأشیاء إلى أصحابها كما یعرفها الناس ویعتبرونها من بدیهیاتهم، وهو عندما یتوجه إلى منادى معین فإنه یربطه بما عرف عنه. إنه أسلوب یبین مدى معرفة الآخر بما یسببه من ضیق أو أذى أو تزییف، و كأن الشاعر یقیم الحجة على الآخر، ویترك الكرة فی مرماه.

أما فی سفر برلك فإن الشاعر یمضی معتمدا الطریقة نفسها، مع فارق بسیط هو الاكتفاء بأداة نداء واحدة فی مطلع النص، ثم یعطف علیها كامل نداءاته بالواو:

أیتها التفاحة الهاربة من الإصلاح الزراعی

والقطة الهاربة من جمعیة الرفق بالحیوان

والنشید الهارب من مدرسة الإعداد الحزبی

والنشید الهارب من مدرسة الإعداد الحزبی

والیافطة الهاربة من إحدى المسیرات

.............................

تعالوا إلیّ

وتجمعوا حولی فی هذه اللیلة الموحشة

فلی معكم حدیث طویل ومستفیض

كدجلة والفرات والنیل والیرموك

قبل أن یجفوا ویلحقوا ببردى القائد.

فلا نكاد نلمس اختلافا لهذه القصیدة عن سابقتیها إلا فی شیء واحد هو الخبر المؤجل إلى نهایة النص، فالنداء یتسلسل ویتنازل لیصل فی آخر المطاف إلى ما یرید الشاعر من كل مناداته. لهذا تشكل الأسطر الأخیرة فی هذا النوع من النصوص زبدة النص أو فكرة الشاعر الجوهریة. وهو ما نجد شبیها له فی " مدرجات رومانیة" حیث یختم الشاعر قصیدته بسلسلة من النداءات الموزعة على جهات مختلفة كما فی النماذج السابقة .فهو یخاطب الحدادین والنجارین والحجارین والبواقین وشرطة المرور والنساء المتلاسنات، وكل ذی صوت وضجیج وصخب لیطلب فی النهایة شیئا واحدا:

اخفظوا أصواتكم

و أصوات صفاراتكم وأبواقكم و مطارقكم

تخاطبوا همسا

و سیروا على رؤوس أقدامكم

فالوطن یحتضر !!

یفاجئنا الماغوط هنا بالربط الغریب بین أصوات تصخب بها الحیاة الیومیة للكادحین والناس العادیین وبین الخشوع للوطن المحتضر، فهذه الفئة من الناس لا دخل لها مباشرا فی احتضاره. بل إن الفئة التی كان یجب أن یطلب منها ذلك هی الساسة، وكبار رجالاتها باعتبارهم أصحاب الحل والعقد، فهم الأجدر بهذه النداءات لأن احتضار الوطن یمس بمراتبهم و مصالحهم. فإذا كانوا لم ینجحوا فی انتشال الوطن من الكارثة، فحری بهم على الأقل أن یتركوه یحتضر بسكینة وسلام.

إن الشاعر بهذا یعبر عن وعی ناضج بحقیقة الأمور، فعندما یقلب المفاهیم فإنما یرید فی إشارة ذكیة إلى كشف الزیف عن واقع یراه منحرفا.. إنها نوع من السخریة الناقدة التی تسعى إلى إظهار مبلغ الخطأ فی النظر إلى الغطاء الخارجی للأشیاء، وعدم التعمق فی جوهر الحقائق.

ویتموضع النداء فی النص وفق حالات نفسیة، ویعكس دلالات معینة؛ فعندما یرید الشاعر أن یفجر غضبه وثورته العارمة یبدأ بالنداء، كأنما یصرف به تلك الضغوط النفسیة التی نتجت عن غلیان الأحداث وتناقضها وعبثیتها أحیانا، قبل أن یعود إلى هدوئه وتقاریره وأوصافه وتصوراته. یقول فی  (الرجل المیت):

أیتها الجسور المحطمة فی قلبی

أیتها الوحول الصافیة كعیون الأطفال

كنا ثلاثة .....

فالنداء هنا یكشف عن ثورة متفجرة، وهم طاف على السطح یؤكدان أن الشاعر فی حالة من الصحب والاضطراب. ثم قلیلا قلیلا یمتص القص والحكی شیئا من ذلك، وإن كان یلجأ من حین لآخر إلى النداء لكن نبرته لیست كالتی نلمسها فی مطلع النص.

إن تحطم الجسور على القلب لتعبیر صارخ شاك یعكس حجم المأساة التی أضحى یعیشها، واختیار الجسر لیتحطم على القلب فی حد ذاته اختیار دال. لقد كان یكفی فی الحقیقة شیء اقل حجما من ذلك بكثیر لیتألم الشاعر، لكن الجسر رمز التواصل قد تحطم على قلبه. أما الجمع بین الأوحال والصفاء فإنه من باب وضوح المصائب وشفافیتها دون أن یكون هناك إمكانیة للانصراف عنها.

هذا التموضع یختلف عما نجده فی (آخر تانغو فی الصعید) إذ یبدأ النص بسلسلة منوعة من الأخبار التی تدور كلها حول الجدید المستجد فی العالم:

إعصار جدید فی أمریكا

حوت جدید فی الیابان

أرز جدید فی الصین زهور جدیدة فی هولندا

........................

ثم ینطلق فی سلسلة نداءاته المعتادة المشتتة، والموجهة إلى أشیاء لا یجمعها جامع:

أیتها الأغصان الباردة كأطراف الموتى

أیتها المواهب الذابلة فی ربیعها الأول

أیتها السجون المزدحمة بالأحرار

.................

لیختم باستفهام حائر عن الجدید الأهم الذی ینتظره ولا یتحقق:

أما من عبد الناصر جدید و لو برتبة عریف؟

 لقد خدم النداء فی هذه القصیدة الخاتمة التی تمثل زبدة المعنى الذی یریده؛ إنه واسطة ناجحة بین الأخبار الجدیدة التی لا أهمیة كبیرة لها فی نظر الشاعر، وبین الیأس من تحقیق الحلم الكبیر الذی یراوده. 

إن النصوص التی تعتمد تتالی النداء فی أغلبها وحدویة الفكرة؛ فالنص بأكمله یأتی لیقول شیئا واحدا، أو لیعكس خاطرة واحدة، وهی فی نص: استرجاع ما قدم للآخر فلم یأت بنتیجة، وفی آخر:التبرؤ مما قدم للآخر لأنه تعرض للتشویه والتزییف، وفی ثالث: الرغبة فی الحدیث وتفریغ الهموم الناتجة عن اختلال الأوضاع، وفی رابع: الخشوع لاحتضار الوطن، وهكذا.

ویربط الماغوط الفكرة فی النصوص السابقة بذاته، فضمیر المتكلم حاضر فیها، مما یعزز الاعتقاد بأن النداء عند الماغوط وسیلة للتنفیس عن غربة متجذرة، وعامل من عوامل التعبیر عن سخطه من الواقع الفردی و الجماعی السیئ.

وبالطبع، لیس تتالی النداء بهذه المواصفات بدعة ماغوطیة، بل نحن واجدون شعراء ضاربین فی القدم عاشوا الغربة فی وجه من أوجهها، وجدوا فی هذه الطریقة وسیلة للتعبیر والتخفیف، مثل الذی نجده عند امرئ القیس فی قوله:

أجارتنا إن الخطوب تنــوب     و إنی مقیم ما أقام عسیــب

أجارتتا إنا غریبان ههـــنا     و كل غریب للغریب  نسیـب

أجارتنا ما فات  لیس یـؤوب     و ما هو آت فی الزمان فریب .

ألا ترى أن الشاعر عمد فی خطابه للمرأة المیتة إلى تكرار النداء بالهمزة (أ) و كرر المنادى أیضا، ثم عطف إلى تكرار الغربة فی صیغ مختلفة،(واستحضر روحها فأحیا شخصها، وهو الغریب البعید عن وطنه؛ وأخذ یكرر نداء القریب مع لفظ یدل على لطف بدیع لیزیل وحشته.)2

ب - أنواع النداء:

قبل أن نتطرق إلى هذه الجزئیة ، حری بنا أن نقف عند لغة الماغوط نفسها؛ تلك اللغة التی لا تختلف كثیرا فی معجمها اللغوی من اللغة العامة، و لیس ذلك غریبا بالنسبة إلى شاعر مسكون بهم الإنسان العربی البسیط، ومتمرد على القوانین التی تقید التعبیر دون أن تنجح فی الوصول إلى القراء .

فاللغة عند الماغوط تبدو كأنها وسیلة لا غایة.. وسیلة لإیصال الفكرة، ونقل الواقع أكثر منها لغة تمضی فی ركاب البلاغة العربیة بزخارفها وأبهتها وأسالیب البیان المبهرة فیها. بل یذهب الأمر به أحیانا إلى الوقوع فی أخطاء لغویة یعترف بها ویصر على بقائها، یقول فی مقابلة له مع " العربیة ": حتى إذا حدث فی شعری خطأ لغوی أو مطبعی أصر علیه، ولا أسمح لأحد بأن یعبث بكتاباتی."3 وكأنی بالماغوط یفضل أن یكون كما هو بسیطا فی لغته ومظهره ، عاریا من كل تنمیق أو زیف أو تظاهر ، وأن تكون لغته استجابة لدعوة إلیوت بهبوط اللغة إلى مستوى الحیاة الیومیة، إلیوت الذی كان له(دور مؤثر فی إشاعة هذه الدعوة التی وجد فیها الشاعر العربی إغراء خاصا، دفعه إلى تبسیط لغته الشعریة، وإحكام صلته بالأرض  ما تعج به من غبار وأنین وبساطة) 4.

وربما كان لمسیرة شاعرنا الدراسیة أیضا دور فی ذلك؛ فهو لم یتابع دراسته بعد الابتدائیة إلا قلیلا عندما أراد أن یدرس الزراعة، لكن فقر أسرته حال دون أن یجعلها مسارا لیتركها إلى الكتابة الشعریة والأدبیة. ولا یعنی هذا بالطبع أن لغة الماغوط ضعیفة أو ركیكة، لكنها لغة استطاع صاحبها أن یجعلها فی مستوى الأفكار التی تحملها، فهو یلبس اللفظ البسیط حلة من الإیحاء الفنی، والإشارة المعنویة الجمیلة، وأحیانا التصویر المكشوف والمغری للظواهر والأحداث، بحیث یؤثر فی القارئ، ویترك فی نفسه مجالا للتصور ورد الفعل.   

لهذا كله، لا نكاد نعثر فی شعر محمد الماغوط سوى على أداة نداء واحدة هی(یا)، وكأن الماغوط لا یعرف غیرها. فهل یعود ذلك إلى فقر فی لغته كما ألمحنا آنفا، أم یعود إلى الدور والمعانی التی یعكسها هذا الحرف فی البلاغة العربیة؟

یجمع العرب على أن أدوات النداء كثیرة ومتنوعة الدلالات والأغراض البلاغیة، فمنها ماهو للقریب وما هو للبعید، وما هو للنداء الحقیقی وما هو لأغراض بلاغیة تفهم من سیاق الكلام، ولاحظوا أن العربی قد ینزل القریب منزلة البعید، والبعید منزلة القریب، وما إلیها مما ورد فی كتب البلاغة قدیما وحدیثا. ویهمنا من ذلك بعض ملاحظات تتعلق بحرف (یا) لها علاقة بشعر الماغوط نوردها فیما  یأتی :

-إنه الحرف الأقرب من بین أحرف النداء الثمانیة إلى الاستعمال مطلقا، ألا نراء شائعا فی كتاب الله عز وجل؟ فی ندائه لأنبیائه، وللمؤمنین، والكافرین، والناس أجمعین فیقول:(یا عیسى)،(یا أیها الذین آمنوا)،( قل یا أیها الكافرون)،( یا أیها الناس اعبدوا ربكم).

-إنه الحرف الذی یستخدم للمسافات البعیدة بعدا حقیقیا أو مجازیا، ذلك أن صوته( یتشكل من جوف الفم مع حركة انفتاح الفك الأسفل باتجاه الصدر، وهذا یعنی أنه یخرج من أقصى الحلق ثم یلتصق بالقعر العمیق لتجویف الفم، مما یجعله بعیدا فی المنطلق، وأكثر التصاقا بالنفس الداخلیة.) 5

-إنه الحرف الذی لا یصلح فقط للنداء الحقیقی، بل یخرج أیضا إلى الندبة والاستغاثة، إذا أمن اللبس، وهما أقرب النداءات تعبیرا عن الأزمات والأحزان وضیق النفس وغربتها.

-وهو الحرف الذی یقترن بأیها وأیتها المخاطب بهما المعرف بـ(أل)، مذكورة قبلهما أو محذوفة. بل هی التی نقدر بها الأداة المحذوفة فی كل منادى، فقولنا: أیها الطالب، مقدر بـ: یا أیها الطالب. وقولنا: محمد احذر عدوك، مقدر بـ: یا محمد احذر عدوك، وهكذا.

إن اختیار الشاعر لحرف(یا) بالمواصفات السابقة لیكشف عن ملمحین أساسین: أحدهما شكلی یتمثل فی الإیقاع، والآخر معنوی هو غربة الشاعر.   

أما دور النداء فی إیقاع القصیدة فواضح للعیان، ألا ترى أن الشاعر یحرص على بناء النداءات وفق نظام من تشابه الكلمات وزنا أو تقاربها على الأقل؟ لا أعنی بالطبع أنه یقیم للوزن العروضی أهمیة، ولكنه الوزن الذی یأتی من نظام تجاور الكلمات :

فلسطین أرید شهدائی

إسرائیل أرید حطامی

و الشیء نفسه فی :

أیها التایمز الجمیل هذه لیست أغنیتی

أیتها البحار الهائجة هذه لیست سفنی

وأیضا فی :

والقطة الهاربة من جمعیة الرفق بالحیوان

والنسیم الهارب من جمعیة حمایة البیئة

فكل كلمة من السطر الأول تقابلها أخرى فی السطر الثانی، بحیث تكون من النوع الصرفی نفسه. فالاسم یقابل الاسم والفعل یقابل الفعل والحرف یقابل الحرف وقل مثل ذلك عن الصیغ اللغویة الأخرى. ففی غیاب الوزن العروضی، یبحث شاعر قصیدة النثر عن البدیل ممثلا فی التوازی والسجع والجناس والتكرار وحجم الأسطر إضافة إلى التركیب اللغوی1 الذی نجد النداء من أهم مكوناته فی شعر الماغوط.

وأكثر ما یستخدم هذا النظام مع (أیها)و(أیتها) مع حذف الأداة، أو مع حذف الأداة فقط كما تبینه النماذج السابقة .

 أما الملمح الثانی فیبدو جلیا من خلال تجسید الماغوط لغربته وبعده عن واقعه والعالم الذی یحیط به، فهو یشعر أن ثمة حائلا بینه و بین ما یرید سیاسیا واجتماعیا. لهذا لا یوظف أدوات النداء التی أجمع العرب أنها للقریب مثل الهمزة و(أی)، والماغوط یوظف (یا) لهذا الملمح بشكل ملفت للانتباه دون تكرار أو حذف غالبا؛ فهو یقول فی " الرجل المیت" مثلا:

یا قلبی الجریح الخائن

أنا مزمار الشتاء البارد

و یقول فی "رجل على الرصیف":

یا أشجار الأكاسیا البیضاء

لیتنی مطر ذهبی

یتساقط على كل رصیف وقبضة سوط.

و یقول فی" جفاف النهر":

یا صحراء الأغنیة التی تجمع لهیب المدن

و نواح البواخر

لقد أقبل اللیل طویلا كسفینة من الحبر

و أنا أرتطم فی قاع المدینة

كأننی من وطن آخر.

یبدو إذن من خلال ما سبق أن النداء بـ(أیها) موظف لیكون للثورة والانفعال، فالشاعر یحمله ما یرید أن ینقله إلى الآخر رفضا وتمردا وصرخا، بما یمكن أن نسمیه فی النهایة هجوما على الآخر، وزمجرة فی وجه القدر الذی وضعه فی غیر الزمان والمكان الذین یوائمانه، بینما النداء بـ(یا) موظف للانكفاء على الذات، والتقوقع فی محراب الحزن والیأس فی انتظار الموت.

وهكذا یصنع النداء عند الماغوط جزء من جمالیة القصیدة معنویا وشكلیا، خصوصا فی القصائد الندائیة المتمیزة عن غیرها باستعراض ملفت لترسانة من الكلمات المتجانسة إیقاعا، رغم بعدها الشاسع بعضها عن بعض من حیث الدلالات اللغویة، إلى الحد الذی یبدو فیه كأن الشاعر یسوقها، كما تساق نوق عشواء فی صحراء ممتدة.

ج - النداء و الخطابیة الجدیدة:

یعیب كثیر من النقاد على الشعراء استغراقهم فی الخطابیة الجافة التی تملی على الآخر ولا تعطیه شیئا، تتسلط علیه ببیانها وتركیب كلماتها دون أن تحركه فعلا للقیام بشیء للصالح العام. وقد أذكى النبرة الخطابیة على امتداد عقود ماضیة صراع مذهبی وسیاسی وعقائدی كرسته نكبة فلسطین وما آل إلیه الوطن العربی بوجود احتلال مفروض فی قلب هذه الأمة؛ فانقسم الشعراء إلى معسكرات وأحزاب، كل حزب یحاول الدفاع عن مبادئه ورؤاه.

وأصبح الشاعر نتیجة لذلك خطیبا فواهة لا یشق له غبار، یهز الجماهیر هزا بما أوتی من بیان، ثم سرعان ما تتآكل الكلمات المنمقة بمرور وقت قصیر كأنه لم یقلها، ولم تكن من صنع حماسته وثورة نفسه؛ حتى دأبنا على إلصاق وصف(الجوفاء) لكل كلام أو شعر أو نثر یحمل هذه الصفات.

لا أقصد هنا الخطابة النثریة سیاسیة كانت أو غیرها، بل أقصد الشعر عندما یتحول إلى مجرد كلمات وعبارات خطابیة. قد نشاطر سمیح القاسم قوله: (لو یُعطى الآن خطاب سیاسی حماسی لأی واحد منا " الشعراء " نراه أفضل من خطیب. الفرق بین الخطابة كعمل سیاسی ثوری وبین العبارات الجوفاء الكبیرة، حیث یقف الخطیب لمدة أربع ساعات ویقرأ جملا كلها صحیحة لغویا، كان قد جمع أبیاتا شعریة وآیات قرآنیة وكلمات سیاسیة منتقاة. لكنها لم تصل إلى الجماهیر لأنها مجرد خطابة)6 لكن القاعدة لیست واحدة، ولیس الشعراء جمیعهم قادرین على توظیف الخطابیة بشكل واع وفعال خصوصا فی هذه المرحلة الصعبة من تاریخ الأمة.

ومهما یكن من أمر، فإننا لا نرید مما سبق أن تبخس الخطابیة حقها فی استنهاض الهمم، ودفع الشعوب إلى التحرك لاسترجاع الحقوق، لكننا نعیب علیها أنها اعتمدت على الأوامر والنواهی الفوقیة العمودیة، واتخذت منحى واحدا ولهجة مكررة عند عدید من الشعراء حتى غدت صالحة للتنكیت والدعابة أكثر منها للفعل الحقیقی.

وجاء جیل من الشعراء، بقدر ما تمرد على الواقع المزری الذی وصلت إلیه الأمة، تمرد أیضا على النظم التقلیدیة للخطاب. وإذا لم یكن هو صانعَها ومبتكرَها فعلى الأقل هو الذی فرضها بدیلا، فهو لا یمیز نفسه عن القارئ، بحكم كونهما ضحیتین لعالم مجنون تتقلب قوانینه وأحكامه كما یتقلب النائم على سریر من شوك.

وهكذا، بدأت الخطابیة الجدیدة تبتعد عند محمد الماغوط من مجرد كلام أجوف إلى كشف فاضح ونقد لاذع لكل مظهر سلبی مهما علا شأنه السیاسی والاجتماعی فی شجاعة وقوة. فالشاعر تجاوز الاستجداء وطلب الفعل إلى وضع القارئ أمام واقعه ومسؤولیاته. تكفی صورة الذات التی یرسمها، وعلاقة الفرد الضعیف بالآخر القوی، والبراءة من الفساد و التشویه، والمطالبة باسترجاع ما یبذله الفرد لمجتمعه دون أن یجد ما یرید من الحمایة والعزة والكرامة، وأشیاء غیرها كثیرة مما رأیناه فی النماذج السابقة، یكفی كل ذلك لإیصال الخطاب إلى القارئ دونما حاجة إلى قرع سمعه بالعنتریات التی لا تنتج غیر التثاؤب والتقاعس.

والخطابیة الجدیدة عند الماغوط أیضا توظف المأساة والملهاة معا؛ فهی تلهیك لتبكیك، وتبكیك لتخفف عنك شیئا من مأساة الواقع، وفی كلتا الحالتین على القارئ أن یكون منتبها إلى الرسالة التی یوجهها الشاعر إلیه. وبمعنى آخر، فإن الخطابیة الجدیدة خطابیة مثقفة وواعیة، أما التقلیدیة فهی حماسیة غوغائیة تلونها العاطفة، ثم تدفع بها إلى الواجهة، لكن سرعان ما تذهب الأصباغ ویفتر الإعجاب وتسقط الكلمات فی بحر الضیاع، فتضیع القضایا ویظل خطابنا یراوح مكانه، ولا یبرح دائرة القول إلى الفعل إلا ناذرا.  

د - جرأة النداء:

نصطدم أحیانا، ونحن نبحث فی فنیة الكتابة، بتعابیر وأفكار مرفوضة اجتماعیا أو دینیا؛ فالالتزام بمفهومه الشامل لا ینفك مطلبا یصر علیه جمهور كبیر من القراء. ویكفینا ما لاقته مقولة " أعذب الشعر أكذبه " من ردود أفعال عند النقاد، فهناك أشعار تهزنا بمبالغاتها وخروجها عن المألوف القولی وتبلغ القمة بلاغة وجمالا، لكن الذوق یرفضها لأنها تمس وترا حساسا فی ثقافة الإنسان.

فقدیما عیب على ابن هانئ الأندلسی قوله فی الخلیفة الفاطمی:

ما شئت لا ما شاءت الأقدار   فاحكم فأنت الواحد القهار

كما عیب على المتنبی قوله :

أنا الذی بین الإله به الأقدار والمرء حیثما جعله

فالأول أراد أن یهز ممدوحه ویخترق به الحدود العقلیة بجعله إلها أو شبه إله، والثانی أراد أن یغیض أعداءه فجعل من نفسه نبیا أو شبه نبی.

وإذا سلمنا بأن على الناقد أن یلتمس للشاعر الأعذار، وأن یحاول ربط ما یمكن أن یكون زلات فكریة أو معنویة بالرغبة فی إبداع الصورة الأدبیة الراقیة، فإن المبالغة فی الحالتین السابقتین تتجه إلى هدف محدود، ولا یجب أن نفهمها على إطلاقها، وإلا خرجنا إلى تكفیر الشاعر وإخراجه من دینه وثقافته، وهذه لیست مهمة الناقد بأی حال من الأحوال.

والماغوط مثل أی شاعر متمرد لم یسلم من النقد (الأخلاقی) لبعض أشعاره؛ ففی قصیدة " خوف ساعی البرید " یقول:

لكن یا أیها التعساء فی كل مكان

جل ما أخشاه

أن یكون الله أمیا.

قد یبدو الشاعر بهذا – فی نظر شریحة هامة من القراء - متجاوزا كل الحدود، وماسا الذات الإلهیة بوقاحة الجاهل، وإذا كان لهؤلاء الحق فی حكم كهذا، أفلا یمكن للناقد أن یقرأ هذه الجرأة من منظار آخر تصبح فیه العبارة مربوطة بسیاق معین یبعدها عن أن تكون مجرد عبارة مطلقة متحدیة لمشاعر المؤمنین؟

وإذا عدنا إلى سیاق هذه الأسطر وجدنا للأمیة تلمیحا لعدم الاستجابة؛ فالشاعر ینادی مجموعة من البائسین الیائسین الذین تجمعهم الشكوى من الحیاة طالبا منهم أن یبعثوا له بهمومهم لیعد بها ملفا یرفعه إلى الله، ولكنه یخشى بعد كل هذا الجهد والعناء، ورغم درجة المأساة التی مست هؤلاء، أن لا تكون ثمة استجابة من الله للتخفیف من وقعها.

إن رفع ملف إلى الله، بهذا التعبیر الجریء یمكن قراءته على أنه لجوء من الشاعر إلى الله بعد أن تمادى البشر فی غیهم وطغیانهم، وفرطوا فی رسالتهم ومهامهم. وإذا كان اللفظ قارعا حساسا فإن المعنى لا یخرج عن نطاق ما یعیشه الإنسان فی مجتمع أهمل واجباته تجاه الضعفاء.

وبغض النظر عن إدراك المؤمن أن استجابة الله عز وجل لدعاء عبده مربوطة بإرادته وعلمه، فإن الشعراء عادة، وإن كانوا یدركون هذه الحقیقة، لا یعبرون عنها بالشكل المباشر كما هو عند الناس، فیتجرؤون على ركوب ألفاظ خطرة یعرفون أنها تمس جانبا فی نفس المخاطب، لكنهم یریدون بها بالمقابل الثأثر فیه من خلال إظهار مدى بلوغ القضیة المعنیة حد الاستفحال الذی سببه تقصیر الإنسان فی مواقعه المختلفة.

ویمضی الماغوط فی نداءاته الجارحة، فیقول مثلا فی (أطلال دارسة):

أیها الله أرید صلواتی.

وفی (الرجل المیت):

یا رب

أیها القمر المنهوك القوى

أیها الإله المسافر كنهد قدیم

یقولون أنك فی كل مكان.

على أننا لسنا فی صدد تبریر جرأة الماغوط أو إدانتها، إنما نرید أن نقرأ فیها الشاعر نفسه بعذاباته وغربته ومعاناته فی الحیاة، وهو الذی قال فی قصیدة (بعد الذی والتی):

ووزارات الأوقاف لا تقرر أهلیتی كمؤمن

وهذا صحیح، وهو یعنی ما یقول؛ إذ فی النهایة لا یصح إلا ما یعتقده الإنسان فی نفسه، لا ما یقوله فیختلف الناس فی تأویله و قیاسه.

ثم أین یمكن أن نضع نداءات أخرى ابتعدت عن هذا المنحى، وجاءت وفق ما هو متعارف علیه. یقول فی (كرسی الاعتراف):

یا رب

ساعدنی على قول الحق

ومواجهة الواقع.

وهو استسلام كما نرى لقوة الله وجلاله، فی لحظة هادئة صافیة؛ مما یعزز القول بأن النظر إلى عمق الشاعر أهم من النظر إلى سطحه، وقراءة الشاعر فی سیاق اتجاهه العام أجدى من تتبع الألفاظ والعبارات لإدانته بها، وكأن الهدف هو إقامة محكمة للشاعر تعری سقطاته وزلات لسانه وتظهره للناس تافها حقیرا، وهذه لیست مهمة النقد الحقیقیة على كل حال.   

الهوامش:

* شاعر ومسرحی سوری معاصر (1934 – 2006 ) رائد من رواد قصیدة النثر فی الأدب العربی، من أعماله : الفرح لیس مهنتی – حزن فی ضوء القمر – غرفة بملایین الجدران (شعر)–المهرج (مسرحیة)– شرق عدن غرب الله، وغیرها.

1     نظرا لغیاب كثیر من قصائد الماغوط عن أعماله التی نشرتها دار المدى بدمشق عام 1998، و غیاب دیوانه، طبعة دار الآداب ببیروت 1973 عن حوزتی حالیا ، فإننی اعتمدت على موقع " أدب" على الإنترنیت ورابطه :

http://www.adab.com/modules.php?name=Sh3er&doWhat=lsq&shid=354&start=0

2     جمالیة الخبر و الإنشاء . د/ حسین جمعة .193. منشورات إتحاد الكتاب العرب – دمشق . 2005

3   مقابلة للماغوط مع قناة العربیة. الرابط:

http://www.alarabiya.net/programs/2004/07/26/5293.html

4   فی حداثة النص الشعری. د/ على جعفر العلاق.25. دار الشروق- عمان .ط1 . 2003

5   جمالیة الخبر و الإنشاء. م . السابق . 186

6    المباشرة فی شعر سمیح القاسم . حوار أجرته اعتقال الطائی مع الشاعر فی بودبست 1980 . الرابط:



[ شنبه 24 مهر 1389 ] [ 00:35 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


 تقــدیـــم :

سأحاول فی هذه المداخلة، تتبع صورة المرأة فی الشعر الأندلسی، حسب المراحل التاریخیة، ومن خلال بعض الأبحاث التی أنجزتها فی هذا الموضوع، ابتداء من رسالتی الجامعیة : "الشعر فی عهد المرابطین بالأندلس والمغرب" سنة 1984/1985 فی الشعر الأندلسی على هذا العهد.

وقد قدمت ملخصا عن هذه الدراسة فی الندوة الدولیة بقرطبة سنة 1987 .

ثم طورت هذا البحث فی أطروحتی للدولة : "الغربة والحنین فی الشعر الأندلسی" لیشمل الفترات ما قبل عصر المرابطین إلى العهد النصری.

وقبل أن أنتقل إلى مقاربة صورة المرأة من خلال بعض النماذج الشعریة، عبر هذه المراحل التاریخیة الممتدة.

أود قبل ذلك أن أمهد بلمحة عن طبیعة المجتمع الأندلسی وطبیعة رؤیته للحیاة وضمن ذلك رؤیته للمرأة .. وهو مقصدنا.

تمهیـــد : بناء على تحلیل عدة نصوص تاریخیة، تراجم، ونصوص نثریة وشعریة بالدرجة الأولى، یتبین أن هناك ازدواجیة واضحة فی حیاة المجتمع الأندلسی وفی طریقة تفكیره وسلوكه ورؤیته للحیاة.

فهنا الدین والتقوى والورع وهناك الجهر بالمتع الحسیة بلا حدود، هناك الجمود والتزمت وهنا الشذوذ والإنحلال..

وهی ظاهرة تحدث عنها الدكتور إحسان عباس فی كتابه :"الشعر الأندلسی والأخلاق" وأتى بنماذج عدیدة على هذه الإزدواجیة مثلا. حدیثه عن القاضی ابن ذكوان، كیف یكون شدیدا، وقورا فی مجلس القضاء، ثم كیف یكون متحررا،... فی مجلس الصفاء ومع جلسانه وأصدقائه

وتعلیل هذه الإزدواجیة ـ عندنا ـ أن هذا المجتمع عاش أوضاعا خاصة، منها : تعدد العناصر والأجناس والطبقات التی كان یتكون منها،

ومنها على المستوى السیاسی، الخارجی الداخلی، هناك الفتن والحروب التی لاتهدأ إلا لفترات محدودة، والتقلبات السیاسیة المذهلة التی عاشتها الأندلس.

وعلى مستوى آخر هناك مستحدثات الحضارة الأندلسیة الباذخة، خاصة فی الأوساط المترفة، من طرب ولهو ومجالس خمر، ورقص، وجواری ... إلخ.

یقابل كل هذا، طائفة من الزهاد والورعین، والقائمی على تطبیق الدین ونواهیه ...

الشیء الذی ولد فی النفوس نوعا من الترجس من المستقبل، وغدر الزمان، وبالتالی شعورا بضرورة اغتنام الفرصة واختلاس لحظات المتعة قبل تجهم الدهر.

من هنا، كانت غزارة شعر الخمریات، والدعوة إلى التمتع بالحیاة التی نلمسها فی الشعر الأندلسی، خاصة إبان القرنین الرابع والخامس الهجریین.

ومن خلالها نلمس ذلك الصراع لدى شعراء الخمریات والغزل .. بین الولاء للقیم الدینیة وتعالیم الإسلام والاستسلام للذائذ الحیاة، حیث مغریات الدنیا من جواری وغلمان ومجالس طرب وخمر..إلخ وغیر ذلك من المغریات التی طورتها الحضارة الأندلسیة، إضافة إلى جمال الطبیعة الذی یدفع إلى الإقبال على الحیاة وهو صراع كثیرا ما كان الشاعر یتخلص منه بأن الأمر فیه إلى غفور رحیم .

هذه الازدواجیة تجلت لدى معطم الشعراء الأندلسیین، وانعكست فی أشعارهم على مستوى تباین الرؤیة الفنیة وتعدد المواقف فی القصیدة الواحدة .

فقد نقرأ لشاعر واحد ـ مثلا، قصیدتین، إحداهما فی منتهى المجون والتهتك، والأخرى فی منتهى الزهد والوعظ الدینی حتى یخیل للقارئ أن هناك شاعرین فی شاعر واحد .

وما یهمنا نحن فی هذا السیاق هو انعكاس هذه الإزدواجیة على رؤیة الشاعر الأندلسی إلى المرأة، ومدى تأثیر ذلك فی رسم ملامح صورتها.

صورة المرأة بین الحسیة والرمزیة :

تتراوح صورة المرأة فی الشعر الأندلسی، تبعا لهذه الإزدواجیة ـ بین الحسیة حینا والرمزیة أحیانا.

وإن كانت صورتها كجسد ومتعة، تطغى، خاصة فی بعض الفترات التاریخیة التی شاعت فیها أسباب اللهو والترف. (خصوصا القرنین الرابع والخامس ..)

وستنقلب هذه المعادلة، كلما تقدمنا فی الزمن، بتأثیر قصیدة التصوف، وبدایة الإنكماش الحضاری والتراجعات السیاسیة.

غیر أن ما تجدر الإشارة إلیه أن هذه الرؤیة الحسیة المهیمنة للمرأة كجسد، لیست رؤیة خاصة بالشعراء الأندلسیین، بقدر ما نجد أصولها ترجع إلى وضعیتها داخل المجتمع، وإلى البنیة الثقافیة بصفة عامة.

كما تجدر الإشارة إلى أن هذه الرؤیة الحسیة تتفاوت حسب أنماط النساء، ووضعیتهن داخل المجتمع الأندلسی :

فالمرأة الجاریة، أو امرأة المجلس وساقیة الخمر، لایرى فیها الشاعر سوى المفاتن الجسدیة.

والمرأة المحبوبة من طبقة أرقى، غالبا ما تأتی الصورة ممتزجة بین تصویر الجمال الجسدی واللواعج النفسیة التی تخلقها فی قلب الشاعر.

أما صورة الزوجة أو الأم، فالأشعار فیها قلیلة، والصورة لهذا النموذج من النساء أرقى وأسمى، نظرا لمكانتها ودورها بالنسبة للزوج وللأبناء، خاصة عندما یرثیها الشاعر بعد وفاتها، ویصف مقدار ما خلفته من فراغ فی البیت، ومن حزن فی قلب الأبناء والزوج ..


وأستطیع القول، انه بتتبع صورة المرأة فی الشعر الأندلسی عبر هذه المراحل التاریخیة الممتدة، یمكن تحدید ملامح هذه الصورة فی ثلاثة أصناف :

1 ـ الصنف الاول :

تطغى فیه صورة الجاریة والندیمة فی أبیات ومقطوعات قصیرة كما تعكسها كتب المختارات الشعریة التی جمعت نصوصا تنتمی للقرن الثالث والرابع والخامس الهجری على الخصوص. ككتاب "البدیع فی وصف الربیع" للحمیری وكتاب "التشبیهات من أشعار أهل الأندلس" لابن الكتانی وغیرها من كتب التراجم والدواوین، كدیوان ابن شهید .. فی وصف ساقیة صغیرة السن وفی وصف لهوه بجاریة ..إلخ.

وهی صور تركز على مواضع الجمال الجزئی فی المرأة : لون العیون، وشكلها، حمرة الخدود، لون البشرة، دقة الخصر، ضخامة الأرداف ..إلخ فی أبیات ومقطوعات قصیرة غالبا.

كما أنها غالبا ما تقترن بمجلس الشراب أو بجمال الأزهاروالأنوار.

مثل هذه الأبیات لأحد القضاة یصف زهرة النیلوثر :

كأنمـا النیلوثـر المستحسـن الفــض البهــج

مقلــة خــود ملئت سمـــرا و غنجا ودعج

أو خاتمتــا مـــن فضة وفصه مــن السیج.

أو مثل هذه الأبیات التی تبرز الصورة الماجنة وتكشف عن نظرة الشاعر للمراة كوسیلة للهو والمتعة :

فالــورد وجنة خــود بیضــاء، غــراء، بضــه

كمــــا البنفسج خــــد أبقى بــــه الهشــم عضـه

وكثیر من النصوص أن لم تقل كلها، تعتمد على رسم مثل هذه الصور الخاطفة واللمحات الجزئیة للجمال الجسدی فی إطار رؤیة لهویة، وطربیة وسینمو هذا الإتجاه عند شعراء أمثال المعتمد بن عباد وابن شهید، وابن خفاجة وغیرهم.

2 ـ الصنف الثانی : تتراوح فیه الصورة بین الحسیة والرمزیة، ویتجلى هذا على الخصوص لدى شعراء العهد الطائفی وعهد المرابطین.

كالمعتمد بن عباد فی الفترة الاولى من حیاته، أیام ملكه بإشبیلیة. حیث نظم مقطوعات عدیدة فی وصف الجواری والتغزل بجمالهن الخارجی ..

وكان ابن زیدون أكثر سموا ورمانسیة فی غزله فی ولادة، خاصة قافیته المشهورة التی نذكر فیها المحبوبة فی إطار منظر طبیعی خلاب :

إنی ذكرتك بالزهراء مشتاقا والأفق طلق ووجه الارض قد راقا

وكان أكثر الشعراء مثالیة فی حبه وأكثرهم سموا فی رؤیته للمرأة هو الفقیه الشاعر ابن حزم القرطبی، ویكفی أن نستشهد بهذه الأبیات لتتضح المكانة المحترمة التی تحتلها المرأة المحبوبة فی قلبه :

وددت بأن القلب شت بمدیة وأدخلت فیه ثم أطبق فی صدری

فأصبحت فیه لاتحلین غیــره إلـى ملتقى یــوم القیامـة والحشــر

تعیشین فیه ما حییت فإن أمت سكنت شغاف القلب فی ظلم القبر

فهذا الفیض فی المشاعر الصافیة، وهذا التدفق العاطفی الهادر نادر فی الشعر العربی، خاصة الأندلسی.

غیر أن هذا النموذج المثالی لصورة المرأة قلیل فی الشعر الأندلسی، خاصة فی هذا العصر إذا ما قورن بصورة المراة فی بعدها الجسدی، وهو الإتجاه الغالب.

وبالتقصی للنصوص وتحلیلها، یمكن تحدید أهم مظاهر هذه الحسیة فیها یلی :

1 ـ اتخاذ المرأة كهدیة تهدى، خاصة الجواری اللواتی كن یقدمن أحیانا هدایا كبقیة الهدایا المادیة، بین الطبقات الموسرة خاصة.

وقد قارنوا القصیدة تقدم للممدوح بالفتاة البكر التی تهدى، أو الجاریة الملیحة،

وهناك أمثلة عدیدة على ذلك، لدى كل من الأعمى التطبیلی وابن حمدیس وابن سارة الشنترینی وغیرهم كثیر .

منهامثلا هذا البیت لابن خفاجة فی ختام قصیدة مدحیة :

زفت أبا بكر إلیك محاسنا جاءتك تحمل عذرة الأبكار

ومثل هذه اللغة التی تكشف عن وضعیة معینة للمراة بطریقة غیر مباشرة لیس خاصا بشعراء هذا العهد، بل هو یضرب عمقا فی البنیة الثقافیة للمجتمع.


2 ـ الرؤیة إلیها من خلال أعضاءها الجسدیة :

ولعل أبرز مظهر من مظاهر هذه الحسیة یتجلى فی وصف جمالها الجسدی، والنظر إلیه عضوا، من قمة الرأس إلى أخمص القدم.

وبمقدار توافق تلك الأعضاء للذوق العام بمقدار ما تحظى باعجاب الشاعر والرجل عموما. وهو ذوق یعتمد على مقیاس جمالی یكاد یكون ثابثا منذ عهد امرئ القیس : أی المرأة البیضاء البشرة، ذات القد المیاس، والخدود الحمراء والشعر الأسود المسترسل، والعیون النجل، الرقیقة الخصر، الضخمة الأرداف ... إلى آخر النقش.

كقول أبی القاسم المنیشی :

وعجزاء لفاء وفق الهوى تحیرت فیها وفی أمرهــــا

غلامیة لیس فی جسمــها مكان رقیق سوى خصرها

ویتكرر هذا النموذج لجمال المرأة ویستمر إلى عهود متأخرة، فلحازم القرطاجی قصیدة مطولة تتبع فیها هذه الصفات الجمالیة فی المرأة عضواعضوا.

أن مثل هذه النظرة إلى الجمال عضوا عضوا لاتتسم بالحسیة فقط بل هی صور تجزیئیة للجمال، سطحیة وخارجیة، لاتكاد تتجاوز سطح الجسد إلى ما وراءه من كیان إنسانی وأحاسیس بشریة.

فمثلا المرأة عند ابن حمدیس، هی المرأة الغانیة، التی تسلب الألباب، قوامها كالغصن، أردافها كالنقا وثغرها كالأقاح وهی كالمهاة حین ترنو فی نقابها، كالظبیة فی التفاتتها وجمال عنقها رضا بها كالطل، كالروضة تعبق نشرا، ...

كما فی قصیدة له :

بأبی من أقبلت فی صــورة لیس للتائــب عنــها مـن متـتاب

كل حسن كامــل فی خلقهــا لیتها تنجـو مــن العیــن بعــاب

فالقوام الغص والردف النقا والأقاح الثغر والطل الرضـاب

طیبة فی العقد إمـــا التفتت ومـهاة حیـن تـونـو فـی النقـاب

إنها امراة لایصرح الشاعر باسمها، امرأة استوفت كل شروط الجمال، ونحن أمام صورة لدمیة جمیلة، لكن لا ملامح تحدد شخصیتها أو أحاسیس تنم عن دواخلها..

غیر أن ابن حمدیس كثیرا ما اتخذ من جمال المراة رمزا لحنینه واشواقه، خاصة فی المقدمات الغزلیة لأمداحه فی آواخر حیاته،

حیث تصبح المرأة مرتبطة بتجربة الغربة التی عاناها منذ أن خرج من وطنه صقلیة، وحیث یصیر حب المرأة جزءا من حبه للوطن ومن الحنین العارم إلیه كما فی هذا البیت یصف حنینه إلى فتاة صغیرة السن ویشبهه بحنینه إلى وطنه :

رشأ أحن إلى هواه كانه وطن ولدت بأرضه ونشیت

كما تصیر المرأة رمزا للجنة الموعودة التی ظل یحن إلیها، ویمنی نفسه دوما بلقاءها.

ففی مقدمة غزلیة لقصیدة مدحیة مطلعها :

سنحت فی السرب من حور الجنان ظبیة تبسم عن سمطی جمان

قدم فیها وصفا لفتاة تشبه إحدى حوریات الجنة، ذات أسنان بیضاء منتظمة ولامعة وعیون ساحرة النظرات، تغوی الناسك المتعبد فلا یستطیع التوبة.

وقد استعان فی وصفه لمحاسن الفتاة، بكثیر من رموز النعیم الحسی فی الجنة، بل هی تبدو كشجرة من أشجارها المثقلة بثمارها الدانیة منه، لكنه لایستطیع وصالها، فهی فی الرابعة عشر من العمر وهو فی الواحدة والخمسین :

بنت سبع وثمان وجدت عمری ضربك سبعا فی ثمان

فهناك حاجز الزمن والفتاة هنا، رمز لشباب الشاعر الذی تولى، وترتبط بتجربة الزمن والغربة أكثر منها بامرأة معینة.


3 ـ مقارنتها وادماجها بعناصر اللهو الأخرى، كالخمر والطبیعة

وأوضح مایتجلى هذا عند ابن خفاجة فكما نعلم عن هذا الشاعر أنه لم یتزوج قط، كما عرف عنه حبه شغف بالطبیعة شغفا بالغا،

ومن یقرأ اشعاره التی نظمها فی الطبیعة والمراة، خاصة تلك التی نظمها فی مرحلة الشباب، فإنه لن یستطیع التمییز بینهما، فهو یرى الطبیعة والمرأة كلاهما مصدر للجمال وللمتعة معا.

فالصورتان تتداخلان والإستعارات تتمازج، فالریح تنفض لمم الربى، والطل ینضح أوجه الأشجار، والرابیة ردف، والقرار خصر، وفروع الأشجار سوالف الشعر، والصبح جبین حین یسفر، والشجرة المائسة بفعل الریاح امرأة سكرى، تهتز طربا...

وكما شخص الشاعر الطبیعة بالمرأة، جمد صورة المرأة فی الطبیعة، فالجاریة التی تقترن بلحظة اللهو الآنیة، هی أفضل من الحسناء وتتوب عنها فی المجلس، لها عیوب كالنرجس وراحة كالسوسن وهی قوراء، بیضاء المحاسن.

إنها حسناء مثقلة بانواع الحلی والدمالج والأسورة قدها كالغصن، تهودها كالرمان...

وقـوراء بیضاء المحـاسن طلقة لبست بها اللیل البهیم نهارا

هززت لأغصان القدود معاطفا بــها ولـرمـان النهود ثمـارا

فقد قدم لنا بعض عناصر الجمال الجسدی لهذه الجاریة مجزاة، ومن خلال صفات الطبیعة، الأغصان الرمان ...إلخ.

لكن هذه الصورة اللهویة للمراة عند ابن خفاجة ستتغیر كلما تقدم به الزمن، ستصیر رمزا للتحول الزمنی ولمعاناته، فقد كان ذا إحساس حاد بالزمن وبالوحدة وكلها عوامل أثرت فی رؤیته للكون بصفة عامة، فالشاعر تكاد تقتله الحسرة لأنه لم یعد یستطیع التمتع بتلك الفتاة الیافعة التی یدعوها "عفیراء" كما فی قصیدة له، فقد تفتحت أنوثتها، لكن حاجز الزمن یبرز كجدار فالفتاة فی سن الرابعة عشر وهو فی سن الواحدة والخمسین فتبقى اللهفة على الشباب وتتحول القصیدة إلى تمنیات وحسرات فهل للزمن أن یرجع إلى الوراء، فلا یدعوها یا : "ابنتی؟" ولا تدعوه : "یاعمی"؟

فیا لیتنی كنت ابن عشر وأربع فلم أدعها بنتا ولم تدعنی عما

3 ـ الصنف الثالث : هیمنت فیه الصورة الرمزیة بشكل ملحوظ خصوصا بعد القرن السادس، بدایة عصر التراجع الإسلامی بالاندلس، وتوجه كثیر من الأعلام والأدباء إلى المشرق وتونس، بفعل السیاسة المتدهورة والشعور الداخلی المنذر بالإنهیار وبتأثیر شعر محی الدین بن عربی الصوفی الشهیر، خاصة من خلال دیوانه "وترجمان الاشواق"، فی أشواقه الصوفیة إلى المرأة، "فلیلى" و"هند" و"سلمى" رموز الجمال فی الأرض لجمال وحب مطلق.

وكلما مضینا مع التسلسل الزمنی، كلما تحولت صورة المرأة إلى رمز للأشواق العارمة حنین جارف نحو نساء رمزیات لا یعرفن الشاعر فی الواقع، لكن یعرفن كرموز من خلال الوجدان كهند وسلمى ولیلى، هذه الأسماء الثلاثة هی الأكثر حضورا فی غزلیات شعراء هذه العهود المتأخرة.

وبالتالی هی نفس اسماء النساء الرمزیات اللواتی یردن فی أشعار محی الدین بن عربی ومعظم الشعر الصوفی.

وهی أسماء لها قداسة وتجذر فی وجدان العربی المسلم (فی المشرق غالبا)

وغالبا ما یأتی ذكرهن مرتبطا باماكن فی الجزیرة العربیة خصوصا بالحجاز، "كرامة" و"سلع" و"تهامة" و"نجد" وغیرها من الاماكن التی یحن إلیها هؤلاء الشعراء حنینا عارما لما تمثله لی وجدانهم من قداسة.

وهناك نماذج عدیدة، لایمكن إحصاؤها، أشیر فقط إلى حازم القرطاجی، ابن خاتمة، ابن الخطیب، یوسف الثالث والشعراءه المداحین أمثال لبن قركون، وغیره الذین مدحوه فی العهد النصری والقرن السابع والثامن والتاسع، الذین ذكرت فی دراستی عن هذا العصر. بعضهم له دیوان شعری وآخرون لادواوین لهم،

كلهم توجهوا بأشواقهم العارمة، إلى امراة مثالیة فی جمالها غالبا ما تسمى سلمى أو لیلى، تذهب بعقل الشاعر وترحل عنه بعیدا، وتتركه یعانی الوحدة والأشواق الملتهبة، فیستفهم الشاعرعن الركب ویسائل الراحلین المتوجهین نحو المشرق، نحو نبع النور، عن مطیتها؟ عن وجهتها؟ هل رأوها فی تهامة؟ أم فی رامة؟ أم فی وهاد الحجاز؟

أسئلة تتكرر دون جواب ودموع تنهمر لا تتوقف، فی معظم غزلیات هؤلاء الشعراء وفی المقدمات المدحیة على الخصوص.

ومن الامثلة على ذلك قصیدة أبی الحسین بن فركون الطویلة فی مدح الملك النصری یوسف III.

سل البان عنها أین باتت ركائبها ولم رفعت فوق المطی قبابها

ولــم تركــت منا قلوبــا مشوقــة بقلبهــا طــوع الغـرام التهابـها

فقد مهد لهذه المدحیة بمقدمة غزلیة طویلة، وصف فیها أشواقه العارمة إلى تلك الفتاة التی یذكرها بضمیر المؤنت ولا یصرح باسمها، أو یحدد ملامحها، مستفسرا فی جزع عن ركبها الذی لا یعرف له مقرا، وعن سبب ما خلفته فی قلبه من غرام ملتهب ... أسئلة عدیدة یرسلها الشاعر فی هذه المقدمة دون ان یجد لها جوابا.

ویتكرر هذا عند ابن فركون وغیره من شواءء زمانه فی عدة قصائد، مثل تلك المقدمة التی مهد بها لقصیدة نظمها بمناسبة حصار جبل طارق (سنة)

ففیها تتردد نفس الشكوى من رحیل المحبوبة، واكتواء قلبه بغرامها، ومعاناته الوحدة والعذاب بعد فراقها له ...إلخ.

والمرأة غالبا فی هذه المقدمات، سواء عند ابن فركون أو غیره من شعراء المدح، امراة رمزیة، أكثر منها إمراة واقعیة، كما أنها إمرأة مثال فی حسنها وجمالها وهی تبدو دائما بعیدة، كطیف.

كما أن التركیز غالبا ما یكون على ما تخلفه هذه المراة من أشواق عارمة وحرقة وحزن فی قلبه بعد رحیلها وحنین جارف إلى اللحاق بركبها الذی یحملها مبتعدا عن ناظریه شیئا فشیئا ...

والأمثلة عدیدة على ذلك لكل من أبی جعفر النباهی وأبی عثمان الألبیری،

ومنها مقدمة أبی عبد الله الشران فی مدح الملك یوسف الثالث وهی مفعمة بالشكوى من لواعج الهوى الذی خلفته فی قلبه تلك الظبیة النافرة التی تشبه هلال الدجى، والتی أتسته أهله ووطنه .. ثم یتحسرر على تلك الفتاة/ الجنة ویتمنى عودة اللقاء بینهما فی آلم وحرقة ...

فیـاجنة مـازلت منذ فـــراقـــــها بنار الأسى بعد اتصالی صالیا

ألا عطفة ترجى من الزمن الذی وردت به منك التصافی صافیا

 

خـــاتمـــة : هكذا نخلص إلى القول، أن هذه المقدمات تمثل نوعا من الإغتراب الصوفی، والفرار من الواقع الاندلسی، الذی ینذر بالإنهیار، والتوق إلى الرحیل واللحاق بركب المحبوبة، والمرأة هنا رمز، یقترن ذكرها بالحنین إلى الأماكن المقدسة بالحجازوبالذكریات الماضیة، إن الشكوى من المحبوبة الغائبة والأحباب الراحلین یمثل تنفیسا للمشاعر الحبیسة فی قلب الشاعر وتحیل على هموم أخرى. 




طبقه بندی: الادب الاندلسی،

[ پنجشنبه 22 مهر 1389 ] [ 16:49 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


وضراغم سكنت عرین ریاسـهتركت خریر الماء فیـه زئـرا
فكأنما غشى النضار جسومهـاواذاب فـی افواههـا البلـورا
اسـد كـأن سكونهـا متحـركفی النفس لو وجدت هناك مثیرا
وتـذكـرت فتكاتهافكـأنـمـااقعـت علـى ادبارهـا لتثـورا
وتخالها والشمس تجلو لونهـانارا والسنتها اللواحـس نـورا
فكأنما سلـت سیـوف جـداولذابـت بلانـار فعـدن غدیـرا
وكأنما نسـج النسیـم لمائـهدرعـا فقـدر سردهـا تقدیـرا
وبدیعه الثمرات تعبـر نحوهـاعینای بحر عجائـب مسجـورا
شجریـه ذهبیـه نزعـت الـىسحر یؤثر فـی النهـى تاثیـرا
قد سرجـت اغصانهـا فكانمـاقبضت بهن من الفضاء طیـورا
وكانمـا یاتـی لوقـع طیرهـاان تستقـل بنهضهـا وتطیـرا
من كل واقعه تـرى منقارهـاماء كسلسـال اللجیـن نمیـرا
خرس تعد من الفصاح فإن شدتجعلت تغـرد بالمیـاه صفیـرا







ابن حمیدس الصقلی
یصف البركة

كلمة الشاعر :
أبو محمد عبد الجبار بن أبی بكر بن محمد بنحمدیسالأزدی الصقلی , شاعر مبدع , رقیق الشعور , سمحالأخلاق , ولد وتعلم فی جزیرة صقلیة عام 447 هـ , ورحل إلى الأندلس سنة 471 هـ , بعد أن استولى النورمندیون على جزیرة صقلیة.
اتصل بالمعتمد بن عباد فی اشبیلیةفمدحه فأجزل له العطاء , وانتقل إلى أفریقیة سنة 484 هـ , فمدح صاحبها یحی بن تمیمالصنهاجی , ثم ابنه علیًّا وابنه الحسن . وتوفی بجزیرة میورقیة سنة 527 هـ عن نحوثمانین عاماً , وقد فقد بصره وقد برع فی جمیع فنون الشعر وبخاصة الوصف وشبهوه بابنالرومی الشاعر العباسی فی دقة الملاحظة ودقة التصویر , وله دیوان شعر .

جو النص :
أنشأ المنصور بن أعلى الناسأمیر( بجایة ) بالمغرب الأوسط -إحدى المدن الجزائریة الآن - بركةجمیلة فی قصره زینت حافتها بأشجار علیها طیور صناعیةوعلقت على أغصانها قنادیل مذهبه ومفضضة وأقیمت حولها تماثیل على هیئة أسود یخرجالماء من أفواهها ومن مناقیر تلك الطیور فیحدث موسیقى جمیلة ویتألف من ذلك كله منظرساحر , وقد وفد ابنحمدیسعلى المنصور فتأثر بهذاالمنظر الرائع ووصفه فیقصیدةطویلة منها هذه الأبیات .

غرض النص :الوصف .

معانی الكلمات :
خریر الماء : صوته .
مثیراً : منیثیرها ویهیجها ویستفزها ویحركها .
الاقعاء : الجلوس على المؤخرة مع الاعتمادعلى الذراعین .

الأفكار الرئیسة :
1 : 7 : وصف منظر الأسود التی تحیط ببركة القصر .
8 : 13 : وصف منظر الأشجار والطیورالتی تحیط بالبركة وما علیها من زینه .

تحلیل الصور :
* فی البیت الأول :
فی : عرین ریاسة - استعارة تصریحیه حیث شبه قصر الرئاسة بعرین الأسد حذف المشبه وصرح بالمشبه بهوالصورة وضحت المعنى وأعطت إیحاءاً بشجاعة الأمیر ( تشبیه بلیغ ) .
فی : (( تركتخریر الماء فیه زئیرا )) (تشبیه بلیغ ) شبه صوت خریر الماء الصادر من أفواه الأسودبالزئیر وهو صوت الأسد ( الحقیقی) ووجه الشبه صدور الصوت من كلیهما . وهو تشبیه غیرجمیل لتناقض الجو النفسی بین الطرفین وهو الأثر الذی یتركه صوت الأسد وصوت خریرالماء فی النفس متناقضان فصوت الماء جمیل محبوب للنفس وصوت الأسد مخیف .

* فی البیت الثانی :
غشى النضّار ” كنایة عن شدةاصفرار المعدن الذی صنعت منه الأسود .

أذاب فی أفواهها البلور“ استعارةتصریحیه حیث شبه الماء المندفع من أفواه الأسود
المنتصبة بالزجاج النقی الصافی - حذف المشبه ( الماء ) وذكر المشبه به ( البلور ) والصورة كنایة عن صفاء الماء .

* فی البیت الثالث:
البیت بشطریه - كنایةعن دقة صنعها فتبدو لك كأنها أسود حقیقیة ساكنه الظاهر حیة الباطن تتحرك لو أثارهاأحد والصورة فیها إیحاء بروعة الصنع وبراعة التصویر .

* فی البیت الرابع :
أقعت على أدبارها ” كنایة عن التحفز والاستعدادللهجوم على الفریسة ولا زال إیحاء الشاعر قویاً بروعة الصناعة .



طبقه بندی: الادب الاندلسی، ترجمه فارسی و شرح قصائد عربی،

[ پنجشنبه 22 مهر 1389 ] [ 16:45 ] [ حبیب كشاورز ]

[ نظرات() ]


.: تعداد کل صفحات 8 :. [ 1 ] [ 2 ] [ 3 ] [ 4 ] [ 5 ] [ 6 ] [ 7 ] [ ... ]