تاریخ : دوشنبه 19 مهر 1389 | 12:58 | نویسنده : دکتر كشاورز

   لم تكن تقنیة (القناع) نَبْتاً منبتاً فی فلاة، بل جاءت نتیجة ولادة طویلة وعسیرة، بدأت إرهاصاتها الأولى منذ العقد الثانی من القرن الفائت، حیث امتزجت روافدُ متعددةٌ ومتباینة، بعضها عربی إسلامی، وبعضها الآخر غربی، مجسدةً وعی الشاعر العربی الحدیث بتراثه دون انكفاء علیه أو ذوبان فیه، وانفتاحَهُ على الآخر انفتاحَ الواثق من هویته الحضاریة، دون انبهار یُفْضی إلى حالة استلاب.

       ثمة محرضاتٌ متعددة دفعت الشاعر العربی الحدیث إلى الاتشاح بأقنعة تراثیة، تجلَّتْ فی محرضات سیاسیة واجتماعیة وفنیة، فتخلصت قصیدته من هیمنة الذات الشاعرة وتدفق مشاعرها، وهشاشة الإنشاء، والإفراط فی الوضوح، وراحت تمزج مزجاً عبقریاً بین الذاتی والموضوعی، وبین البوح والغموض، وبین استحضار الماضی وتوظیفه لخدمة الحاضر.




طبقه بندی: العصر الحدیث، العصر العباسی،

هذه ورقة مهمة فی باب دور الأدب فی الجهاد، ولقد كان للشعر فی العراق وقوداً أجج نیران ثورة العشرین، فأثار الخواطر ضد المحتل الإنكلیزی الذی هیمن على مقدرات الوطن -كما یذكر الشاعر محمد مهدی البصیر فی مقدمة دیوانه (البركان) وإن هذا الحكم العسكری الذی جاءت به بریطانیا جعل نفوس الشعب بمختلف طبقاته تضطرب وتضطرم حتى بذلوا جهوداً جبارة لتهییج الرأی العام لمصاولة المستعمر من خلال المساجد وأیام المناسبات. ویقول الدكتور یوسف عز الدین فی كتابه: الشعر العراقی الحدیث ص 148: والعراقی عاطفی تؤثر فیه الكلمة الطیبة، وقد قامت الثورة على عامل الحمار بالفتاوى والخطب والشعر: یقول جمیل صدقی الزهاوی:

لیس الحیاة بعزمثل الحیاة بذل

              إن القلوب من الغیـظ كالمراجل تغلی

ومن الملاحظ أن مدینة بغداد كانت قد تزعمت حركة الثورة بدایة لكنها لم تستطع أن تقوم بعمل حربی لأنها كانت تحت السیطرة البریطانیة مباشرة، وقد قضت على كل من اشتغل بالثورة، فقد نفت البعض وأعدمت الآخرین إلا أن الثورة استمرت فی مناطق أخرى، واتفق الشعراء على الهدف فی المطالبة بإنهاء حكم الإنكلیز والمطالبة بحكومة استقلال، وحرضوا على ذلك منتقدین هذا الاستعمار أیما انتقاد، فهذا محمد حبیب العبیدی یقول:

 

لم تكن یا ابن لندنٍ علویا        هاشمیاً ولم  تكن  قرشیا

لا  ولا  مسلماً ولا عربیا        من بنی قومنا ولا شرقیا

فلماذا تكون فینا وصیا

إنما نحن فی الحروب رجال        وكماة  یوم  الوغى  أبطال

یا  لقومی  فلتنتج   الأعمال        یا بنی العرب خابت الآمال

إن رضینا بالأجنبی وصیا

ولقد كان أشهر شعراء الثورة العراقیة محمد مهدی البصیر بعنفه وحماسته ضد الإنكلیز محرضاً الشعب قائلاً له:

 

 أفیطلبون لك الرعایة ضلة        ما كان أقصرهم وما أصحاكا

و أنصفوك لحرروك لأنهم        ربحوا  قضیتهم  بظل   لواكا

 

ثم أراد الشعراء أن یدعوا صریحاً للثورة لیبعثوا فی الشعب ثقته بنفسه وكرامته عملیاً، وقام الشاعر القشطینی بقصیدته التی نشرتها مجلة الأخلاق فی عددها 16 یدعو إلى الموت فی سبیل الأوطان:

 

یا   أیها   العربی  قم       واقدح  زنادك  ینقدح

وافتح طریقك بالظبى        فبغیرها   لا  ینصلح

وخذ  الحقوق  جمیعها       أو مت عزیزاً واسترح

وانبرى الشاعر محمد الباقر الحلی -كما فی كتاب الحقائق الناصعة ص 174 یحذر من الركون إلى وعود الإنكلیز وضرب أمثلة مما قاموا به فی مصر والهند:

 

یریدون   منكم    بالوعود   مكیدة        ویبغون  إن  حانت لهم فرصة غدرا

فلا    یخدعنكم   لینهم   وتذكروا        أضالیلهم فی الهند والكذب فی مصرا

ومن مات دون الحق والحق واضح        إذا  لم  ینل  فخراً  فقد ربح العذرا

 

وعلى الفور قام الشیخ محمد العبطان وسل سیفه وقال:

( إنا قطعنا على أنفسنا عهداً، إما الموت أو الاستقلال التام) .

والجدیر بالذكر أن أهل الفكر والشعر قد دعوا فی البدایة إلى مظاهرات سلمیة لكن الإنكلیز وصموا الأحرار بأنهم مفسدون والأبریاء مجرمون، فكان لابد من مباشرة الثورة، حیث كان السبب المباشر لها سجن الشیخ شعلان أبو الجون شیخ عشائر الظوالم، وتوبیخ الحاكم البریطانی له، فجاءت جماعة من عشریته وأخرجته عنوة من السجن، وحاصرت الحامیة البریطانیة، وقطعت طریق القطار، وحدثت عدة معارك أشهرها معركة (الرارنجیة) التی انتصر العراقیون فیها على المحتل، وأخذت الثورة تنتشر وأسهم الضباط فیها.

وقد سجل الشاعر محمد مهدی الجواهری بعض أعمال الثورة فی الفرات:

 

وللفرات نهضة               مشهودة لا  تجحد

بفتیةعلى المنى               أو المنایا احتشدوا

وللقطاروقعة                      منها   تفر  الكبد

ما تركوا حتى الحدید               سلسلوا وقیدوا

 

یشیر إلى واقعة الرمیثة (العوجة) حیث خسر فیها الإنكلیز قطارین مسلحین أرسلا لإخماد الثورة .

ویصف الشاعر مصطفى جواد جانباً من ثورة الخالص فی لواء دیالى فیقول:

 

ثبتنا فی مواقف محرجات        ولاقینا    مدافع   وانفجارا

وذدنا عن حمى وطن مباح       ورمنا فی معاركنا انتصارا

 

ولكن المستعمرین أسروا البعض من حاملی السلاح وكتفوهم وقتلوهم سراً أربعة أربعة. فقال:

 

شباب أعرسوا بالموت مردا    وكان رصاص قاتلهم نثارا

 

ثم ضربت بعض المدن والقرى بالطائرات، وهاجر البعض ومعهم الأطفال والمواشی والتجأ البعض إلى الكویت، وقد وقف الشاعر محمد مهدی الجواهری متعجباً من إیذاء الإنكلیز وهم مسیحیون یأمرون بالمحبة والسلام:

 

على  أی  عذر  تحملون  وقد نهت        قوانینكم عن فعلكم والشرائع

على رغم روح الطهر عیسى أزلتم        براء  دماء  هونتها  الفظائع

 

غیر أن الجواهری یهنئ العربی الذی ثبت ضد المحتلین:

 

ثبت وحسب المرء فخراً ثباته        كما ثبتت فی الراحتین الأصابع

 

وقد رثا الزهاوی الشهداء الشباب:

 

لهفی على السفر الشباب        مجندلین على الصحاصح

ولقد    تغور  جرحهم        بین   الترائب    والجوانح

 

ومع ضخامة الجراح كان الشاعر خیری الهنداوی یواصل الدعوة إلى الثورة بعد عودته من منفاه فی هنجام:

 

قم فجند من عزمك الأجنادا            واركب العزم واقتعده جوادا

فسوى   الأسنة  والمواضی البیض                  لاتشفی  الفؤادا

 

وكذلك حث الجواهری الشعب ألا یرسف فی أغلال الاحتلال وأن یعمل لإخراجه، ولا یلتفت إلى هذه المخدرات بأسماء: الانتداب الوصایة، الحمایة.

 

إن كان طال الأمد        فبعد ذا الیوم غد

هبوا كفتكم عبرة        أخبار من قد رقدوا

هبوا فعن عرینه        كیف ینام الأسد

 

وبهذا بقی الشعب یعیش بقلب ینبض ونفس لا تخاف من الأسلحة الحدیثة رغم انقسام الساسة والمفكرین والأدباء، إلى أن هذه الثورة نجحت أو فشلت مادیاً لأنها انحصرت فی إقلیم العراق فقط ولم تعمل على مؤازرة الآخرین فی بلاد العرب والمسلمین، ورغم أن الكثیر من شعراء الثورة اندثر وضاع، إلا أن رائحتها الزاكیة ستبقى دافعاً قویاً فی وجه الظلم والطغیان فی كل مكان، كما یقول د. یوسف عز الدین فی كتابه: الشعر العراقی الحدیث ص 149 .


تاریخ : دوشنبه 19 مهر 1389 | 12:23 | نویسنده : دکتر كشاورز
قبل الخوض فی الصورة التقلیدیة التی استعملها الشعر بدر شاكر السیاب* فی شعره لصورة المرأة ، علینا ان نبین ان الشاعر قد مر بمراحل مهمة ومتدرجة فی حیاته لقضیة المرأة ، فالمرأة فی شعر السیاب لم تكن محطة واحدة وقف علیها الشاعر فحسب ، بل تعددت تلك المحطات فی حیاته وفی قصائده .

ان اكثر الصفات الثابتة للمرأة فی الشعر التقلیدی لا یمیز فیها شاعر عن آخر إلا بمهاراته فی تكریس اكبر عدد من المهارات والصفات ، او إغراق الشعر بالإعادة والتكرار(1) .

وقد  تمیز الشاعر  بتصویر الأم وكذلك تطرق لصورة الجدة بوصفها حضنا دافئا ، وتنوع بوصفه للحبیبة .

فالأم عند السیاب  هی أول محطة مر بها فی حیاته  وهی مرحلة  مهمة لأنه قد تأثر بها تأثیرا واضحا فی قصائده ، كانت أمه قد توفیت وهو صغیر (( فقدت أمی ومازلت طفلا صغیرا فنشأت محروما من عطف المرأة وحنانها ))

ولكنه لم یحرم حنان جدته عندما كفلته فی الرعایة والعطف والتربیة والتی توفیت هی الأخرى فقال عن هذه الحادثة فی رسالة إلى خاله الشواف (( البصرة 23\ 11\ 1942 )) :-  ((حرمت عاطفة الأمومة وأنا ابن أربع ... ولكننی لم احرم من صدر یضمنی ویحنو علی ولكننی لم احرم جدتی ، ومرت السنون  وأنا أهفو إلى الحب ولكننی لم أنل منه شیئا ولم اعرفه وما حاجتی إلى الحب ما دام هناك قلب لجدتی یخفق بمحبتی ، أفیرضى الزمن العاتی ........

أیرضى القضاء ان تموت جدتی اواخر هذا الصیف ؟ فحرمت بذلك آخر قلب یخفق بحبی ویحنو علی ، أشقى من ضمت الأرض )) (2)  ، وهذا الإحساس بالخیبة والمأساة والوحدة دفعه مبكرا إلى كتابة قصیدة ( رثاء جدتی ) وذلك فی 9\9\1942 والتی یقول فیها :

جدتی

وهی كل ما خلف الدهر من الحب والمنى والظنون

ورجاء بدا فألهمنی الصفو وخفـًت انواره لحنینی

ثم یقول :

جدتی من أبث بعدك شكوای ؟ طوانی الأسى وقل معینی

أنت ِ یا من فتحت قلبی

 

وهكذا بقی السیاب متعطشا لحنان أمه ، وهو یتذكر طفولته البائسة وحرمانه من أحضان الأم الدافئة ، ان محنة الإنسان فی حیاته تدفعه الى تتبع تاریخ ماساته من جذورها حینما یقول ( عطش أنت یا أمی ؟ ) لان الطفل لا ینام إلا فی حجر أمه كما یقول فی قصیدة ( سهر ) كما یتذكر أمه فی قصیدة ( نداء الموت ) ابان تذكره لابنه غیلان یقول :-  غیلان یدعو  أبی سر ، فانی على الدرب ماش أرید

الصباح

وتدعو من القبر أمی " بنی احتضنی فبرد الردى فی

عروقی " .  (3)

 

أما قصیدة ( الباب تقرعه الریاح ) فإنها محاولة لاستحضار صورة الأم وحنانها إلى ابنها ، ان صورة الأم هنا تعبیر عن العودة إلى الجذور الى البدایة والمنعطفات الأولى وجواهر الأشیاء ، إنها عودة الى جوهر الحقیقة فی التفاعل مع الحیاة والوجود لإعادة ترمیم ما تهدم ، فرح الأم یهزها الحب العمیق حب الأمومة فتسال عن ابنها والابن ینطلق عبر منولوج درامی یحاول أمه التی رحلت عن أطفالها ، فالتمسك بالأطیاف والأرواح هو التمسك بالأحلام :-

هی روح أمی هزها الحب العمیق

حب الأمومة فهی تبكی :

( اه یا ولدی البعید عن الدیار !

ویلاه ! كیف تعود وحدك ، ولا دلیل ولا رفیق  ؟ )

اماه .. لیتك لم تغیبی خلف سور من حجار

لا باب فیه لكلی أدق ولا نوافذ فی الجدار (4)

والشاعر لم ینس أمه حتى بعد ان لازمه المرض فی آخر حیاته ، فكانت الأم بالنسبة إلیه هی الحضن الدافئ الذی فقده .

كما انه   یقرن صورة الم بالوطن  ، ویجعل من صورة الأم والوطن ( صورتان متلازمتان ) فالأم هی رمز للوطن یقول :-

هی وجه أمی فی الظلام

وصوتها ، ینزلقان مع الرؤى حتى أنام

وهی النخیل أخاف منه اذا ادلهم مع الغروب

فأكتظ بالأشباح تخطف كل طفل لایؤوب (5)

هنا الشاعر قد جعل فی هذه القصیدة الرائعة  ذات مضامین قویة أثث لها عبر إیحاءات وصور فنیة فی غایة الجمال والرقة ، الشاعر نجح أیضا فی تكریس إقران الأشیاء بعضها مع بعض، عبر مزجه للغة التعبیریة التی جاء بها ، لیجسد لنا تلك الكلمات المعبرة .

الصور التی جمعها الشاعر كانت ممزوجة مع بعض فی صورة واحدة ، حتى ان بعض هذه الصور أو الأشیاء كانت صورا متناقضة إلا أن الشاعر جعلها ذات صورة واحدة بمضمون وشكل جدید ، فجمع ما بین ( الموت والحیاة - الجوع والنقود - العودة والبقاء - العراق والأم - الأرض والبحر والسماء ) هذه الصور المتشابهة كانت أو المتناقضة صوًَرها الشاعر عبر مدخل واحد لقصیدة واحدة فكان الإیحاء والشكل والمضمون لصورة فی غایة الجمال .

كان  السیاب یفتقر إلى علاقة راسخة مع أبیه الذی وردت عنه فی شعره المبكر إشارتان واضحتان یقول فی أولاهما :-

خیالك من أهلی الأقربین /ابر وان كان لا یعقل

 

أبی منه جردتنی النساء / وامی طواها الردى المعجل

مؤكدا انه یتوقع ان یجد من حب ابیه ورعایته ما یعوضه عن غیاب امه المبكر ، بینما نستطیع ان نفترض ان اباه لم یكن یختلف آنذاك عن ای رب عائلة من آباء طبقة متوسطة جاهلة یستغرقها الكدح ، لا یعی من علاقته بابنائه اكثر من انه یوفر لهم أسباب العیش حتى سن معیشة ولا شیء غیر ذلك .

ربما هذه العوامل الأولى والمهمة فی حیاة الشاعر ، ومن ثم قد یكون دافعا مهما فی التاثیر بقصائده ومیله للنساء والتعطش لحنان المرأة سواء أكانت محبوبة او زوجة لسد فراغ حنان الأمومة الذی فقده الشاعر اضافة الى مزج فقدان الحنان بالحزن والمعاناة التی مرت على الشاعر فی بدایة حیاته .

فقد كان قلب الشاعر یتأجج بتلك المعاناة وتلك العاطفة الحزینة الرقیقة الناجمة عن إحساس دائم بالتهیؤ لحب امرأة تبقى بعیدة عنه ، وكان السیاب حساسا مرهفا ومحروما ینطوی على نفسه التی اختزنت كل روادع البیئة ونواهیها ، لا یستطیع لحرمانه ان یتكیف معها تكیفا مطلقا ولا یجد ان من حقه ان یتمرد علیها ، ومن خلال هذا الانطواء الذی یسببه إحساس مرهف بحرمانه یتكشف حنین الى امرأة :-

لا تزیدیه لوعة فهو یلقاك             لینسى لدیك بعض اكتئابه

قربی مقلتیك من وجهه الذاوی      تری فی الشحوب سر انتحابه

یتكشف حنینه الى جسد امرأة :-

حسناء یلهب عریها ظمأی

فأكاد اشرب ذلك العریا

وأكاد أحطمه فتحطمنی

عینان جائعتان كالدنیا

غرست ید الحمى على فمها

زهرا بلا شجر فلا سقیا  (6)

هذه البواكیر الاولى التی دفعت الشاعر الى البحث عن امرأة تعوضه عن الیتم المبكر الذی تضافر مع مواصفات البیئة المستقرة على الردع والكف والكبح المتخوفة من الحب تخوفها من ممارسة الحیاة فی الهاب شعور السیاب بالوحدة والحرمان

فالشاعر قد تعطش للمرأة ، للحب ، وللحنان منذ بدایة حیاته فكان الحب هو الكلمة الاولى التی افتتح بها الشاعر عهده الشعری ، فأول بیت انشده من الشعر هو :

على الشاطئ احلامی

طواها الموج یا حب

وفی حلكة أیامی

غدا نجم الهوى یحبو (7)

فالشاعر لا یتلقى الحب كما قلنا سابقا وانما یكون فی تقابل معه لان الشاعر منذ بدایة حیاته تعطش للحب ، ومن ثم بدأ مشوار البحث عن المرأة التی یراها الشاعر مناسبة له وبالتالی تسد له ظمأه وتشاركه المعاناة وظروف البیئة التی كان یعیشها الشاعر .

فالشاعر قد دخل مرحلة لا تقل اهمیة عن الاولى ، وربما ان هذه المرحلة هی الاصعب ( البحث عن امرأة ... ) وای امرأة تلك التی تسد له ظمأه من الحب والحنان اضافة الى الغریزة وربما كان البحث لدى الشاعر عن امرأة قد یكون بحثا عشوائیا یتركه للایام و للزمن وللصدفة حتى .

ولسنا نشك ان تلك الفتاة القرویة الجاهلة التی كانت اول امراة عرفها الشاعر  فی حیاته لم تكن ما یتمناه الشاعر فی حبیبته المنشودة وأیا كان نوع ومدى العلاقة بینهما فان معرفتنا بظروف تلك المرحلة واخلاقها الاجتماعیة تبیح لنا ان نفترض انها كانت علاقة حبیبة عابرة لا تتجاوز اللقاءات الخاطفة الحذرة التی لا تشبع ظمأ الشاعر اللاهب الى امرأة تغدق علیه من عطفها وحنانها ما یعوضه عن حنان الام :

(( كانت حیاتی وما تزال بحثا ممن سد هذا الفراغ وكان عمری انتظارا للمرأة المنشودة )) (8)

هذا الانتظار المنشود من قبل الشاعر قد یدفعه الى ان ینظر الى المرأة من جوانب عدة وذلك یضیف صبغة عصریة جدیدة على قصائده قد لا نجدها فی الشعر العربی القدیم ولو قابلنا شعراء او مواقف الشعراء من الحب او من المرأة لوجدنا الشاعر بدر شاكر السیاب الذی غنى للحب كثیرا واختلفت النظرة بالنسبة الیه للمرأة بجوانبها المتعددة قد تمیز كثیرا عن الشعراء الآخرین لما نجده من الحرقة اللاذعة التی المت به طوال عمره ، وقد تمثل الدافع والحافز والمحرك لاشعاره فی المرأة والحب فلاسباب متعددة لم یتیح للسیاب ان یعرف الحب على حقیقته ، ولم یكن من الوسامة ما یغری به الجنس الآخر ، اما مركزه الاجتماعی والاقتصادی فكان ادنى ما ان تطمع فتاة بالاقتران به ، ولعله الحب فی تلك الاثناء كان مبنیا اساسا على الرغبة فی الزواج وتكوین اسرة وما عداه فشیء عابر یمكن ان یعثر علیه لدى بائعة هوى ( 9 )

فها هو السیاب قد دخل عالم المرأة ، انه یدخل فی عالم ادغال ، لیس یدری ما اذا كان سیخرج منها سالما ، وهنا یبدأ بالتساؤل :-

(( ترى هل سیعود علی الحب ینفع ؟ هل سأظفر بحب متبادل ؟ )) ، ویلب السیاب یدیه الفارغتین ، فالحبیبة لا تبادله الحب ولذا فهو ینحنی نفسه محتفظا بفضوله فی البحث عمن تحب ، وعلى ایة حال ، فهی لا تحبه ، ولو تحقق ذلك لما كان من داع للتمنی ، فالحب ضالته التی ینشدها وهو اذ ینشد ضالته هذه ، فلانها وحدها كفیلة بارواء ظمئه الشدید ، ولكنه یتمنى ، ویخفق ما یتمناه وتأتی الصورة الشعریة تعبیرا عن هذه الحالة :-

فیا نفحة للحب ملئ جوانحی       ویا نبأة للوحی طافت بمسمعی

لقد ودً الشاعر لو یملا ( الحبیبة ) لكنه امتلأ بها فـ ( الحبیبة ) شیء من الحب ، والشاعر یستوعبها ، انها لم تعد منفصلة عنه وانما اصبحت فی داخله وهذا ما یمكن ان یكون تعبیرا مقلوبا لرغبة مضاعفة :-

•-         رغبة العودة الى رحم الأم بحثا عن الوسط الآمن  : - (10)

أماه لیتك ترجعین

شبحا ، وكیف اخاف منه ؟

وما اقحت  رغم السنین

قسمات وجهك من خیالی

این انتِ ؟ أتسمعین  (11)

 

•-         رغبة النفاذ الى ( الحبیبة ) معبرا عنها بنفاذ ( الحبیبة ) الیه ، كان یود الشاعر لو كان فی ( الحبیبة ) فی الشاعر فی الوقت الذی اراد لو انه یحل فیها .

ای عجب اذا فی ان یصبح الحب والامل اسمین لشیء واحد وای عجب فی ان یلجأ الشاعر السیاب  بعد توحیده ما بین الحب والامل الى كل الاسالیب من اجل تحقیق مبتغاه ؟ ها هو هنا ینادی ( الحبیبة ) وها هو هناك یبثها شكواه ، انه تارة یبكی امامها وتارة اخرى یعللها بالوعود ، وهو فی بحثه عن المرأة یختبئ وراء ستار ، فكأنما هو لا یجرؤ ان یقف على قدمیه امامها ، وعلى هذا فحبه یهفو الى ظلها ، وعلى هذا فهو یتوجه بالسؤال لا الیها وانما الى مندیلها ، وهكذا یكتشف السیاب ان حبه یجری عبثا ، فالحب لا معنى له ان لم یكن معروفا بعین الطرفین وهو فی ذلك كأنما یقول : (  أی جدوى لحب اكنه لفتاة لا تدری ؟ ) وهنا یبدأ السیاب الخطوة الاولى فی اعلان دعوة الحب ولكنها خطوة مرتعشة لانها تبقى تسؤلا لا یتم بشكل مباشر وصریح وانما عن طریق الزهرة رمز ( الحبیبة ) (12)

وكثیرا ما نرى مصطلحات الحب والغزل والحبیبة والحنان والدفئ وغیرها ، من المصطلحات التی تدخل ضمن الرومانسیة التی صورها لنا السیاب عبر قصائده من الواقع الذی كان یعیشه ، فالرومانسیة لیست احلاما فحسب ، انها ایضا تعبیرا عن ازمة التناقض بین القیم الاقطاعیة القدیمة والعلاقات البرجوازیة الجدیدة ( 13 ) وهذا ما جسده السیاب فی قصائده بدءا من یتمه الى مناجاته الاخیرة قبل وفاته مع زوجته اقبال .

فالرومانسیة عند السیاب تهتم بوحدة الشكل فی القصیدة وهی تراها فی وحدة الجو النفسی المشحون بدفقه العاطفی ، وهذا ما نراه واضحا فی قصائده ، فعاطفته الحزینة التی تنبثق من جو مشحون بكل التراكمات الصعبة التی انصدم بها الشاعر وعاشها منذ البدایة نراها طاغیة على اكثر معانی قصائده مع الالفاظ السهلة التی یستخدمها فی اكثر قصائده لان الرومانسیة تمیل الى البساطة فی اللغة الشعریة ، فبدأ السیاب بقصائد تفتح له الطریق امام المستقبل الذی یسمو الیه ،ولكن اصراره على ایجاد المرأة المناسبة لتشاركه فی مسیره نحو المستقبل عبر الطریق الذی انشاه عبر رومانسیته السیابیة التی انحدرت إلیه عبر العوامل الكثیرة التی ذكرناها مسبقا مع ظروفه التی ولد فیها وعاش فیها  ، مع ما یطرأ علیه من تغیرات ومؤثرات تصادفه فی حیاته وكذلك الى تأثره بالشعر الغربی فمزج بین الشعر العربی القدیم مع الشعر الغربی اعطاه صبغة عصریة جدیدة تعطی لقصائده اصطلاحا نكاد لا نجده عند الآخرین من ابناء عصره .

إضافة إلى الموهبة الفائقة التی تمیز بها  والتی تبلورت مع الظروف الصعبة التی مر بها زائدا الثقافة القویة التی كان یمتلكها ، فالرومانسیة عند السیاب تبلورت بنكهة خاصة تمثلت باسالیب متمیزة فكانت صورة المرأة هی الصورة التی دخل السیاب عبرها الى عالم الرومانسیة .

والسؤال المهم الذی نطرحه : من هی المرأة او  الحبیبة ؟ هل كانت فعلا موجودة ؟ یراها وتراه ؟ ام هی مجرد عالم ولج الیه عبر منولوجه الشعری ؟  هذه التساؤلات وغیرها قد تصل بنا الى غایة او هدف جدید نستوحیه من قصائد الشاعر ، والتساؤل المهم ، ما هو الشیء التی حققها السیاب من المرأة ؟ ما هی الغایة من البحث عن امرأة ؟ فما الذی جعل السیاب یتمیز عن غیره بهذا الشأن ؟

وهل كانت المرأة تمثل شیئا ایجابیا ام سلبیا للسیاب ؟ فی غیابها او وجودها ، رحیلها ، بعدها او قربها ، عنفها او محبتها ، انوثتها وغریزتها ، حنانها ، وغیرها من المصطلحات .

كل هذه التسؤلات وغیرها یمكن ان تحقق نتیجة للوصول الى مصطلح المرأة الحقیقی لدى السیاب .

وربما من خیبة الأمل أو من الفشل یصنع لنا المبدع  هدفا او غایة او درسا نتعلمه ، وهذا ما حصل للسیاب وما فعله السیاب .

ما حصل له انه كان یتیما فقد حنان الأم ، وما فعله السیاب هو البحث عن امرأة ، لكنه فشل كثیرا ، وهذا الفشل او الاخفاق فی الهوى جعل منه شاعرا أزلیا یسعى الى تحقیق  جنة من نار ، وهی جنة لا یمكن تحدیدها الا بانها  بعیدة ، تفصلها الحجب المانعات عن ناظریه ، ولما كان الهوى بعیدا فانه یكتسب صفات الطهر والألوهیة :-

هناك لروحینا على الحب ملتقى

یزوقه طهر الهوى المتضوع (14)

فالسیاب یجعل من رومانسیته الحزینة اسلوبا مغایرا واصرارا على تحریرها من وجع الظروف التی كان یعیشها الشاعر آنذاك على الرغم من انه لم یكن آنذاك یعی حقیقة التركیب الاجتماعی بدلیل انه یعلل فشل الحب بظل القدر او الزمن القاسی .

لا ینفی بالضرورة ان رومانسیته كانت آنذاك ( رومانسیة برجوازیة صغیرة مذلة مهانة محرومة ترزح تحت وطأة تقالید اجتماعیة وتجابه تخلف مجتمع شبه اقطاعی شبه مستعمر وهی هزیلة التكوین والفكر ) (15)

السیاب یصنع من فشل الحب ومن الظروف واقعا او هدفا یجعله انسانا متكاملا ، مبتعدا عن التأملات والاحلام التی كانت تمتلكه اكثر من الواقع الذی كان یعیش فیه والذی صنعه لنفسه من الشعر ، على الرغم من ان الشعر واقع لا اسم له (16) فهو یختار الشعر كملاذ یلوذ الیه بواقعیته وتاملاته وخیاله   اذا فشل فی الحب من امرأة ما او لم یفشل ، لكن كثیرا ما نجده متعطشا فی قضایا الفراغ العاطفی .

والفراغ العاطفی والبحث عن امرأة هما عنصران الاخفاق فی الحب ، والاخفاق یؤدی الى الالم ، فالالم رفیق الحب عند السیاب ، ویبلغ الالم مداه عندما یتحول الى سخریة تعبث به ، وهكذا تحول الهوى الى ذكرى ارسلت شعاعا من الماضی لتملأ به الحاضر الخاوی :-

أهاب الغرام بقلبی الكئیب

فخف إلى عالیات الذرى (17)

 

ویحاول السیاب ان یحول هذا الألم وهذه الآهات الى شعر ، وان یطمرها بین اوراقه فتصبح انفاسه آهات وكأنه یعترف بان كل ما یفعله بناء شعر حزین یزید من ألمه ، والسیاب یعیش ألمه ویعبر عنه بالعدید من الوجوه ، فهو مرة یبكی ومرة اخرى یشكو ، وثالثة بقلبه الجوى ویخط على فؤاده السطور .

وهكذا بدأ السیاب یجسد المرأة فی البكاء والشكوى والتوسل ، وهذا ما جعله یعیش فی بحثه عن المرأة . ففی دیوانه  نقرأ عن أمرأة یحلم بلقائها غداً، لكننا نفاجأ فی مكان آخر عن ندمه فی أنه لم یمزق قمیصها :

«وغداً سألقاها

سأشدها شداً فتهمس بی

رحماك، ثم تقول عیناك

مزق نهودی - ضم أواها

ردفی.. وأطوی برعشة اللهب

ظهری، كأن جزیرة العرب

تسری علیه بطیب ریّاها (18)

ففی بدایة حیاته كانت هناك  سبع نساء احبهن السیاب دون ان تقتنع بحبه واحدة منهن فكان یكتفی باستدعائهن فی خیاله لیتحدث الیهن ویشبهن اشواقه وشجونه دون ان یمنحنه آذانا مصغیة (19) وهذا ما ذكره فی احدى قصائده وهن ( وفیقة ، هالة ، لمیعة ، ناهدة ، لبیبة او ( لباب ) ، لمیاء ، ألیس ) اضافة الى اسماء نساء اخریات هن من صمیم الوهم مثل ( لیلى ، نادرة ، سلوى ) كان الشاعر یردد اسماءهن فی شعره لیتلمس من خلالهن عواطفه الجیاشة ... فظل یتوق الى حبهن له ، لكنهن كن یشفقن علیه :- (20)

وما من عادتی نكران ماضی الذی كانا

ولكن كل من احببت قبلك ما احبونی

ولا عطفوا علی ، عشقت سبعا كن احیانا

ترف شعورهن علی ، لتحملنی الى الصین

سفائن من عطور نهودهن ، اغوص فی بحر من الاوهام والوجع (21)

هذه القصیدة كتبها الى الانسة لوك نوران وفیها یعترف لها صراحة انه احب سبع فتیاة ولم تبادله واحدة

منهن الحب ویتوسل إلیها أن تحبه لان كل من أحب قبلها لم تحبه (22) ، فالاولى تركته وتزوجت من رجل غنی ثم طلقها هذا الأخیر بعد ان صحا من غفلته :-

آه فتلك باعتنی بمأفون

لاجل المال ، ثم صحا فطلقها وخلاها .(23)

والأخرى كانت تكبره ببضعة أعوام او لعل حسنها أوحى إلیها انه لیس كفوءا لها ، ولم تكن تعلم ان الحسن لا یمكن ان ینتصر على الزمن ، وأخرى كانت تؤثر فیه السحر بما تملكه من حسن صارخ الا انها هی الأخرى فضلت علیه رجلا یمتلك قصرا ویمتلك سیارة واخرى فضلت حیاة السهر والملاهی والقمار ، وحتى تلك التی ظن انها شاعرة فكان یبادلها الغزل فی زورق فی شط العرب یخیم علیها لیل رومانسی ، لم تكن تتمتع بما یتمتع به هو من وفاء عمیق :- (24)

وأقرأ وهی تصغی

والربى والنخل والأعناب تحلم فی دوالیها

تفرقت الدروب بنا نسیر لغیر ما رحمة

وغیبها ظلام السجن تؤنس لیلها شمعه

فتذكرنی وتبكی

غیر انی لست ابكیها (25)

فتلك النساء وغیرهن ذكرهن الشاعر فی اغلب قصائده ، انه یذكر ( لبیبة ) فی قصیدة ( خیالك ) المؤرخة فی ( 31/ 1/ 1944 ) ویدعوها بذات المندیل الاحمر ، كما یهدی الیها ( اغرودة ) المؤرخة فی ( 19/ 3 / 1944 ) ، وفی القصائد ( ثورة الاهلة ، اراها غدا ، صائدة ) یدعوها ( لباب ) ، وفی قصیدة ( الى حسناء ) یرخم الاسم فیدعوها ( لبیب ) ، وقد قال عنها فی مقدمة قصیدة ( ثورة الاهلة ) بانها تكبره بسبع سنین ، یقول فی قصیدة ( أراها غدا ) :

أراها غدا ، هل اراها غدا

وأنسى النوى ، أم یحول الردى (26 )

 

وفی قصیدة أخرى یقول :

 

تمنیت لو كنت ریحا تمر

على الظل ولهى فلا تعذل

ویستأسر الموج اغراؤها

وترد یدها النائح المرسل (27)

اما هالة فانها لا تختلف فی مؤشرات حبها وبواعثه وظروفه عن ( وفیقة ) التی شكلت ظاهرة خاصة فی شعره ، وقیل ان اسمها ( هویلة ) فآثر الشاعر منح اسمها ایقاعا جدیدا وصورة محببة لدیه والتی یقول عنها فی قصیدة ( یا نهر ) المؤرخة فی 2/2/1962 :- (28)

یا نهر ان وردتك ( هالة ) والربیع الطلق فی نیسانه

ولی صباها فهی ترتجف الكهولة ، وهی تحلم بالورود (29)

ان ما یبدو على تأریخ القصیدة ومكانها ، والجو المحیط بالشاعر ان ( هالة ) من جیكور ، من قریته ومن حنینه الى مراهقته وایام صباه حیث الجذور وینابیع القریة الام ومنبع الطفولة .

فهو یصفها بان صباها ولى واقتربت من الكهولة . (30) وبهذا اصبحت هذه المرأة لها تأثیرا واضحا فی انفعالات الشاعر  وصراعاته الداخلیة التی افرزتها حیاة السیاب وكذلك فی  طفولته وعفویته. (31)

والى جانب هالة ثمة فتیات احبهن السیاب ، وهن یدمن الصلة معه لكی یتغنى بهن فی شعره ، فهو یقول فی قصیدة (دیوان شعر ) التی اهداها الى مستعیرات شعره :- ُ

یا لیتنی اصبحت دیوانی

أختال من صدر الى ثان

قد بت من حسد أقول له

یا لیت من تهواك تهوانی

ألك الكؤوس ولی ثمالتها

ولك الخلود واننی فان( 32)

وهذا یكشف عن احساس الشاعر بالحرمان ، وبالخیبة فی حبه ، كما وذكر ذلك فی رسالة الى خالد الشواف مؤرخة فی 20/4/1964 :- (( هناك الآن زفرة من زفرات قلبی البائس ، وحسرة من حسرات حبی الخائب ، علها تعبر عما یعجز عنه الكلام ، وتعبر عما یثقل علی الاعراب عنه )) ، لكن المرأة التی استحوذت على جزء مهم من وجدان الشاعر وشعره هی ( وفیقة ) البتی صارت قضیة وذكرى ، فذكرها فی شعره بقصائد مستقلات ، وذكرها فی أخریات بشكل عابر ، فهی تشكل حالة من حالات العودة الى الجذور والى هموم الذات ، وقد ذكرها فی ( شباك وفیقة ، حدائق وفیقة ، مدینة السراب ) ویبدو انه تذكرها متأخرا ،كما یقول جبرا ابراهیم جبرا فی مقالته ( من شباك وفیقة الى المعبد الغریق ) :- ( اذكر بوضوح ان بدرا حدثنی فی  آواخر عام 1960 أو أوائل عام 1961 انه فجأة جعل یتذكر فتاة احبها فی صباه تدعى وفیقة وانها ماتت صبیة ، وكان شباكها أزرق یطل على الطریق المحاذی لبیته ) وهذا ما یؤیده تأریخ القصائد ، فقصیدة ( شباك وفیقة ) مؤرخة فی 29 / 4/ 1961 و ( مدینة السراب ) مؤرخة فی 2/11/1961 وهذا یدلل ان السیاب بعد احساسه بالمعاناة والمرض صار یستحضر بعض ذكریاته للتغلب على ضغط حیاته الآتی ، ای ان الماضی غدا وسیلة للخلاص أو للهروب من ازمته الذاتیة وأزمة واقعه السیاسی .

وهذه المرأة كانت بالنسبة له مجرد ذكرى ، لهذا انزلق الشاعر ینبش بأوصال الموت لینتزعها من براثنه فصارت ذكراها نوعا من التذلل الى الحیاة لمنع شبح الموت المتمثل بالداء الوبیل الذی اصابه من الاقتراب منه ، لذا صار الشباك معادلا موضوعیا للنافذة التی تطل على الحیاة بكل جمالها ، فهو نشوان یطل على الساحة :- (33)

شباك وفیقة فی القریة/نشوان یطل على الساحة

ثم یقول عنه :-

العالم یفتح شباكه /من ذاك الشباك الازرق ( 34 )

ان الشباك یطل على واقع ریفی جمیل هو عالم الذاكرة والبراءة ( الطفولة ، عالم الحب الریفی الخالص ، انه یشكل مع وفیقة رحلة نقیة عذبة صارت تقترب من شفاه السیاب كنوع من التعویض عن الاوجاع ، وتنوع من الهروب من واقع مریر . (35) وواقع لا یقبله الشاعر ابدا ، وهذا ما جعله ینتظر الحب ویتوقعه ویلح فی طلبه ، فان من البدیهی حین یجابه بالاخفاق ان یسخط ویخفق ویقول :-

أنت الفراشة ما تهوى سوى لهب

فلیعشق الدم واللحم الاخساء

ولتشهد الكاعب الحسناء مصرعها

لو انها فی الغد المنكود حسناء

ولیست ثمة تناقض بین هذا الموقف وبین اقتناعه بان تطل الحبیبة على طرفه الباكی ، ولكنهما موقفان یعبران عن وجهین متكاملین لحالة واحدة ، تكشف عن الصراع الباطنی بین تقالید الشعر الرومانسی وحاجة جیل السیاب الى الحب لا باعتباره حالة بیالوجیة فحسب بل وباعتباره ملاذا من عالم التحجر والتخلف والضیاع ، الامر الذی یؤكد بما لا یقبل الشك ، ان تقالید الشعر الرومانسی لم تكن تمثل الحاجات الاصلیة لجیل السیاب ویفسر تخطی هذا الجیل لحدودها حال اهتدائه الى الرؤیة الواقعیة للحیاة .(36)  وكمحاولة من الشاعر لخلق عالم طوباوی یبعده عن العالم الذی یضطهده ویتركه فریسة للمرض وطعما للموت فها هو یقول عن حبه الریفی وعن اكسیر الحیاة النابض بالاشواق فی رسالة منه الى خالد الشواف مؤرخة فی ( ابو الخصیب : 13/6/1946 ) :- (( انه الحب الریفی الخالص العریق فی ریفیته ، یسف دون ان یلامس التراب ، ویسمو فلا یجوز السحاب ، هذا الحب الرائع تؤطره اجواء مرویة من الطبیعة والازیاء ، والاسالیب من مواضع اللقاء وخلوات العزائم من ( مراحل ) اللذة ان نهایته المتوقعة ، زواج المعبودة ، او افتضاح الحب ولیس الطائر فی قفصه كل تلك تجعلنی ابذل كثیرا من الوقت فی سبیل هذا النوع الساحر من العشق )) (37) ولیس كما اعتقد بعض النقاد من ان ( الشباك ذاكرة الخطیئة والشهوة والموت یصیر لدى الشاعر طائرا اسطوریا یبشر بوحدة العالم وانسحابه ویضیع براءة الوجود تجاه الخطیئة واللعنة والخوف )) (38) ولأن وفیقة راحلة الى عالمه السفلی كما رحلت قبلها عشتار ، فانها تبدو كطائر محلق یشق عباب الموت ویطل على الشاعر من خلال صورة عشتار ، فوفیقة (( تحلم فی اللحد / بالبرق الاخضر والرعد ، ینادیها السیاب بان تطل علیه ، وهذا نابع من احساس الشاعر بالألم والفجیعة وبانه لاحق بوفیقة :-

أطلی فشباكك الازرق

سماء تجوع

تبنیته من خلال الدموع

كانی بی أرتجف الزوارق (39)

ولأنه یخشى ظلمة الموت ، فقد حاول التعویض عنه بالبحر لكنه ظل مشدودا الى صورة عشتار ، والسیاب لا یرید ان یموت ، انه یرید من یتذكره ، وهنا یكشف حب الشاعر العفوی الذی تحول الى شخصیة وصولیة للخلاص من شبح الانهیار والتلاشی اللذین یصارعهما ویذلانه ویردیانه طریح الفراش ، وبهذا تتحول وفیقة من حبیبة الى منقذة من وطأة المرض وهذا ما ینسجم مع طبیعتها الریفیة وعفویتها القرویة الطفولیة(40) :-

وشباكك الازرق /على ظلمة مطبق

تبدی كحبل یشد الحیاة/ الى الموت كیلا تموت ( 41)

هنا السیاب هو الذی یتذكر الحبیبة ، فهو لا یكف عن الطلب إلیها ، ونلاحظ ان فعل الأمر فی قصیدته ( اذكرینی ) یفترض وجود علاقة فی الماضی ، غائبة فی الحاضر والشاعر یطلب حضور هذه العلاقة أی عودتها ، ویستعمل الحجج فی ذلك :-

فاذكرینی واذكری قلبا بكى بین یدیك  .

فالسیاب یطل على الماضی من خلال التأثر به والرجوع الیه فی بعض الأحیان  ، ویعلق عز الدین إسماعیل فی مقاله " الشعر المعاصر والتراث العربی " :

(( یستغل السیاب قصة الحب البدوی التی تردد فی التاریخ العربی ، وهی قصة عنتر وعبلة )) :

ذاك عنترٌ یجوب

دجى الصحاری إن حی عبلة المزار (42)

كذلك هو یعتبر أن الماضی هو مفتاح للمستقبل ، فیطل علیه من نافذة الذكرى والحلم  ، ویعبر الى المستقبل عن طریق الذكرى والحلم ایضا، فانه لا یحلم بانه سیواصل الحبیبة وحسب ، وانما یحلم بها وهی تبادر الى وصاله ویروی على لسانها اشیاء لا نستطیع تفسیرها الا بانها نوع من الأحلام ، ویكتب الحب هنا صفات القداسة ، وهذا ما یشكل المعبر للدخول إلى عالم الحب الروحی عند الشاعر ،

فالحب قد یبدو مقدسا من خلال ارتباطه بالحلم ، مما یحوله الى قوة الآهیة ، انه لا یعود حالة یعیشها حبیبان ، وانما قوة ترعى الحبیبین ، هناك نرى المنى ، والحب والاحلام ترعانا .. ( 43)

غیر ان صورة المرأة التی اشتهاها صبیا ، مراهقا وظل یبحث عنها فی كل مكان لتنقذه من محنته وواقعه وآلآمه بعد ان تزوج إقبال فی عام 1955 ، وكان هذا الزواج عاملا مهما فی ترویض جموح عواطفه واندفاعها نحو الجنس والنساء ، یخلعه من الركض خلف المرأة التی یریدها ان تحبه لا ان تشفق علیه ، وبهذا ابتعد عن عقدة الشعور بالنقص نتیجة تواضع وسامته ، وقد احتلت اقبال مكانة متمیزة فی قلب الشاعر ورافقته فی حله وترحاله

مثل ممرضة تسهر علیه وتداری سأمه وارتعاش اصابعه على العكاز ، بالرغم من تقلب مزاجه وقلق عواطفه

 

فكان ان فسح لها مكانا فی شعره فمرة یدعوها باسمها الصریح ومرة یدعوها باسم الزوجة وقد ورد ذكرها فی

قصائد المتأخرات ذات النضج الفنی الواضح وبالذات فی مجموعاته الشعریة ( المعبد الغریق ، منزل الاقنان ، شناشیل ابنة الجلبی ) ففی ( نبوءة ورؤیا )(44) یقول :-

أرى افقا ولیلا یطبقان علی من شرفه

ولی ولزوجتی فی الصمت ، عند لدودها وقفه (45)

وفی قصیدة ( الوصیة ) یقول عن زوجته اقبال :-

اقبال یا زوجتی الحبیبة /لا تعذلینی ما المنایا بیدی

ولست ان نجوت بالمخلد /كونی لغیلان رضى وطیبة /كونی له أبا وأما وأرحمی نحیبه ( 46)

 

هنا یكشف الشاعر عن أوجاعه وآلامه وإحساسه  بنهایة المطاف ، ان التذرع للزوجة بان تظل على الذكرى ، وان تمنح اطفاله الحب والحنان مما یعبر عن صدق عواطف الشاعر وأحساسه بالعجز امام سطوة القدر وأمام ذراع الموت التی توشك ان تمتد الیه ، انه یتذرع الى الحیاة من خلال صورة الزوجة ، لكی یمنح نفسه نوعا من الاستقرار الذی یبعده عن الفزع المستوفز فی دواخله ، لكنه عندما یصل الى النتیجة المذهلة بان الانسان غیر مخلد كما كان طرفة بن العبد یرى مرغما ، وبانه لا محالة فان وان نجا من مرضه هذا ، فانه یلجأ الى الانتظار فی قصیدة ( سفر ایوب ) حینما دعا زوجته الى الانتظار وهو یتقد على نار هادئة :- (47)

اقبال ..... ان فی دمی لوجهك انتظار /وفی یدی دم ، الیك شده الحنین

ویقول ایضا :- ایه اقبال ، لا تیأسی من رجوعی /هاتفا ان اقرع الباب : عادا (48)

السیاب یكرر مع زوجته ما فعله مع حبیباته فی السابق ، فالشاعر یكرر فعل الامر أحبینی ، لكن هذه المرة مع زوجته اقبال ، قبل ان كان یدعو حبیباته فی السابق ویطلب منهن الحب ، فهو یدعو زوجته لان تحبه لان كل من احبهن قبلها لم یحببنه ، وانما كن یشفقن علیه فصار یشك بحب زوجته له ، وانها تداریه وتسهر على صحته لمجرد الاشفاق :-

آه ... زوجتی ، قدری ، أكان الداء

لیقعدنی كأنی میت سكران لولاها ؟

وها أنا ... كل من أحببت قبلك ما أحبونی

وأنت ؟ لعله الاشفاق !! (49)

السیاب یجد ان اقبال هی مفتاح للخلاص ، وهو یتمنى ان تكون هی المرأة المشفقة علیه مع اننا نجده فی بعض الأحیان یلومها لانها اصرت على العودة من لندن الى العراق ، وقد ساءت صحته بعد ذلك ، فتشاءم  واعتبر زوجته مسؤولة عن تدهور صحته ، وقد كتب قصیدة ( القن والمجرة ) فی لحظة غضب من هذا الموقف :-

ولولا زوجتی ومزاجها الفوار لم تنهد أعصابی

ولم ترتد مثل الخیط رجلی دونما قوه

ولم یرتج ظهری فهو یسحبنی إلى هوه

ولا فارقت احبابی (50)

اما قصیدة ( لیلة وداع ) التی اهداها الى زوجته وكتبها فی الكویت بتأریخ ( 21/ 8/ 1964 ) فانها تختلف بعض الشیء عن القصیدة السابقة فهو یعبر عن حسرته على حیاته وحنینه الى زوجته التی سهرت علیه اللیالی حتى انه دعاها بانها باعثته من العدم (51) :-

غدا تأتین یا اقبال ، یا بعثی من العدم

ویا موتی ولا موت (52)

وان مرض الشاعر قد اضعف كثیرا من شعره ، الا ما كان من اطیاف عابرة عاودته فی اقبال وهو یكتب رسالة :

رسالة منك كاد القلب یلثمها

لولا الضلوع التی تثنیه ان یثبا

رسالة لم یهب الورد مشتعلا (53)

الشاعر فی آخر حیاته كثیر التساؤل عن الوطن عن الابناء ، عن الزوجة ، كما نراه فی قصیدة ( اقبال واللیل ) یخرج التساؤل بین العراق والابناء والزوجة :-

یا لیل این هو العراق

این الاحبة ؟ این اطفالی ؟ وزوجتی والرفاق

یا ام غیلان الحبیبة صوبی فی اللیل نظره

نحو الخلیج تصورینی اقطع الظلماء وحدی(54)

ان صلة الشاعر مع زوجته إقبال كانت عبر مواطن الألم ولم تأت من الجسد ، وهكذا ابتدأ الشاعر  حیاته بمناجاته لامه وكثرة تساؤلاته وحنینه وبحثه عن امرأة تعطیه حنان الأم التی فقدها منذ طفولته كما ذكرنا سابقا ، فهو احب العدید من النساء ، لكن لم یصل الى الاندماج الكامل مع ایة واحدة منهن الا مع اقبال ، الزوجة التی كانت تمثل المرأة الأخیرة فی حیاته .

 

هوامش

 

*ولد الشاعر بدر شاكر السیاب فی جیكور بجنوب العراق ، عام 1926 ومات فی الخامس والعشرین من دیسمبر عام 1964 ، أی انه عاش نحوا من اربعین عاما . انظر رواد الشعر العربی الحدیث ، یوسف نور عوض ، ص 157

 

 

•(1)             جلال الخیاط ، الشعر والزمن ، ص59

•(2)             عبد الجبار عباس ، السیاب ، ص15

•(3)             قیس الجنابی ، مواقف فی شعر السیاب ، ص 104

•(4)             قیس الجنابی ، المصدر السابق ، ص 104

•(5)             د. عبد العظیم رهیف السلطانی ، فسحة النص ( النقد الممكن فی النص الشعری الحدیث ) ، ص72

•(6)             عبد الجبار عباس ، المصدر السابق ، ص 15

•(7)             د. عبد الكریم حسن ، الموضوعیة والبنیویة ( دراسة فی شعر السیاب ) ، ص 51

•(8)             عبد الجبار عباس ، المصدر السابق ، ص 17

•(9)             د. ابراهیم خلیل ، مدخل لدراسة الشعر العربی الحدیث ، ص300

•(10)        د. عبد الكریم حسن ، المصدر نفسه ، ص52

•(11)        محمد صالح عبد الرضا ، 27 قصیدة للسیاب بخط یده ، ص31

•(12)        د. عبد الكریم حسن ، المصدر السابق ، ص52

•(13)        د. ابراهیم خلیل ، المصدر السابق ، ص118

•(14)        د. عبد الكریم حسن ، المصدر السابق ، ص 53

•(15)        عبد الجبار عباس ، المصدر السابق ، ص 21

•(16)        حسن نجمی ، الشاعر والتجربة ، ص13

•(17)        د. عبد الكریم حسن ، المصدر نفسه ، ص58

•(18)        فوزی معاش ، مقال (حكایات عن السیاب ، المثقف العراقی ، 28/1/2008

•(19)        د.ابراهیم خلیل ، المصدر السابق ، ص30

•(20)        قیس الجنابی ، المصدر السابق ، ص 105

•(21)        محمد صالح عبد الرضا ، المصدر السابق ، ص52

•(22)        محمد صالح عبد الرضا ، المصدر نفسه ، ص 8

•(23)        دیوان الشاعر بدر شاكر السیاب ( شناشیل ابنة الجلبی ) ص 600

•(24)        د. ابراهیم خلیل ، المصدر نفسه ، ص 300

•(25)        بدر شاكر السیاب ، المصدر نفسه ،  ص 62

•(26)         (26)دیوان الشاعر ، ج2 ،ص30   

•(27)            (27)المصدر نفسه ؛ ج2 ، ص 150

(28)قیس كاظم الجنابی ، مواقف من شعر السیاب ، ص 106

(29)دیوان بدر شاكر السیاب ،  ج1 ، ص 172

(30)قیس كاظم الجنابی ، المصدر نفسه ،  ص 106

(31)قیس الجنابی ، مجلة افاق عربیة ( بغداد ) ،( بین شاذل طاقة والسیاب) ، العدد 2 ، السنة 11 شباط 1986 ، ص 69

(32)المصدر نفسه ،  ج1 ، ص 109

(33) قیس كاظم الجنابی ، المصدر السابق ، ص 107

(34)دیوان بدر شاكر السیاب ، ج 1 ، ص 117

(35)قیس كاظم الجنابی ، المصدر نفسه ، 108

(36)عبد الجبار عباس ، المصدر السابق ، ص 24

(37)قیس كاظم الجنابی ، المصدر نفسه ، ص108

(38)امطانیوس میخائیل ، دراسات فی الشعر العربی الحدیث ، ص 66

(39)دیوان بدر شاكر السیاب ، ج 1 ، ص 117

(40)قیس كاظم الجنابی ، المصدر السابق ، ص110

(41)المصدر نفسه ، ج1 ، 117

(42)د.فاروق مواسی ، مجلة دیوان العرب ، 10/آب 2006

(43)د. عبد الكریم حسن ، المصدر السابق   ، ص72

(44)قیس كاظم الجنابی ، المصدر السابق ، ص 112

(45)دیوان بدر شاكر السیاب ، ج1، ص165

(46)المصدر نفسه ، ج1 ، ص 221

(47)قیس كاظم الجنابی ، المصدر نفسه ، ص103

(48)المصدر نفسه ، ج1 ، ص 253

(49)المصدر نفسه ، ج1 ، ص 642

(50)دیوان الشاعر  ، ج1 ، ص 166

(51)قیس كاظم الجنابی ، المصدر السابق ، ص 115

(52)المصدر نفسه  ، ج1، ص 711

(53)د. حمادی حمود ، د. جواد علی الطاهر ، الشعر ومتیرات المرحلة ، ( الشعر والتراث ) ، ص 89

(54)المصدر نفسه ، ج1، ص 761
مقالات مرتبط:

المرأة والحب فی شعر السیاب

الصورة التقلیدیة للمرأة فی شعر السیاب

الزمن والرفض فی تجربة السیاب الشعریة

بدر شاكر السیاب

السیاب مزیج من الیأس والشعر

قراءة فی قصیدة أنشودة المطر لبدر شاكر السیاب

لوركا فی شعر السیاب والبیاتی ودرویش

للغة الشعریة عند السیاب

شرح قصیدة سفر ایوب بدر شاكر السیاب

البنائیة الأسطوریة عند السیاب

الروافد الأسطوریة فی شعر بدر شاكر السیاب

السیاب.. الرجل الذی تاه فی عرض المنفى!!

التناص وتحولات الشكل فى بنیة القصیدة عند السیاب

غرض الحنین فی شعر السیاب

لغة الشعر عند بدر شاكر السیاب

البنائیة الأسطوریة عند السیاب





طبقه بندی: الشعر الحر، العصر الحدیث،

تاریخ : دوشنبه 19 مهر 1389 | 12:21 | نویسنده : دکتر كشاورز


البصرة ـ رؤیا الغالب:
وجه اسمر وانف طویل حاد وعینان براقتان وجسم هزیل ولكن القلب ینبض بحب الحیاة ولد الحب فی قلب بدر بعد وفاة والدته وهو فی السادسة من عمره وقد كان شدید التعلق بها فلما خطفها الموت ولدت لوعة فی قلبه وعرف حینها ماذا یعنی الحب فقد الحبیب وتتفاوت صورة العاشق الطفل فی شعره من حیث درجة وعیه بها ولكنها تاتی منسجمة مع سیاقها نابعة من اعماق شعوره وتاتی الصورة عفویة لا تثیر تساؤلا:



سعف النخیل: سواك خان مودتی
وبقیت تحفظها لمن لا ینسلی
اشكو الیك اذى الفؤاد وان تكن
لا ترجع الشكوى لصب مبتلی
تمضی الحبیبة والزمان كلاهما
واظل اندبها وتصغی انت لی
راح بدر یبحث عن حضن دافئ ومن اعتاد على الحب لا یستطیع ان یعیش بدونه وقد وجده فی حضن جدته لابیه التی كانت الانسانة الوحیدة الحقیقیة فی حیاته لانها كانت حبیبته الاولى ولكنها ماتت فی صیف 1942 ونبض قلبه بحب المرأة الغریبة والبعیدة لاول مرة عندما رأى ابنة احد الملاكین الكبار وهی تطل من شرفة خشبیة مزركشة ذات نوافذ ملونة كانت احدى شرفات بیوت الشناشیل المطلة على المدرسة التی یتعلم بها وهناك شعر بان الوصول الى ابنة الشناشیل حلم وقد عانى كثیرا ولم یستطع حینها ان یعبر عن مشاعره الا بعد سنین طویلة فی قصیدته شناشیل ابنة الجلبی:
ثلاثون انقضت وكبرت كم حب وكم وجد
توهج فی فؤادی
غیر انی كلما صفقت یدا الرعد
مددت الطرف ارقب ربما ائتلق الشناشیل
فابصرت ابنة الجلبی مقبلة الى وعدی فهی اذن نابعة من تجربة حقیقیة افصحت عنها كلمات الشاعر حین غفل رقیب الوعی عند قول الشعر فهو یحب صاحبته كما یحب الطفل الرضیع امه یطلب عندها الحب والحنان ویتوسل الیها باظهار ضعفه ویتمنى ان یظل طفلا حتى لا تصدمه تجربة الواقع فهو یرتاب فی الرقة التی یبدیها له الحبیب وكانه یشعر ان حبیبه یعامله معاملة الاطفال ویتمنى فعلا ان یعود طفلا ولكن الكبریاء كانت كبریاء رجل:
تعالی نهجر الانام والناس ودنیانا
لارض سبقتنا نحوها بالسیر روحانا
هناك نرى المنى والحب والاحلام ترعانا
ضعی یدك الجمیلة فی یدی ولنذهب الآنا..
اتجه بدر للدراسة فی البصرة لمواصلة تعلیمه الثانوی ولكن قلبه كان هناك فی جیكور حیث حبه الدامی الى احدى بنات عمومته وكان حبه لها من الحوادث التی أثرت فیه تأثیرا عمیقا لانها تركته وتزوجت وظلت بالنسبة الیه الحلم الممتنع وقد انعكس ذلك فی شعره لیقع مرة اخرى فی حب راعیة الغنم وللتعویض عن حبه الضائع ویبدو ان علاقاته بنساء القریة كانت علاقات خیالیة تعكس حب الریف والرعی وذكریات الطفولة وخضرة النخیل وزرقة شط العرب وكان السیاب یردد دائما ان الصبایا العذارى الریفیات یتشبثن ببقائه ولم یكن هذا حقیقیا اذ ان الصبایا الریفیات كن اكثر بعدا عنه وفی رسالة بعثها الى صدیق له قال فیها:
انا محروم من العاطفة لا ارى قلبا یخفق بحبی مرت السنون وانا اهفو الى الحب ولكنی لم انل منه شیئا ولم اعرفه.
شكوت الى اللیل جور الغرام
فارسل آهاته الباكیة
فقال: وانی احب النهار
ویعشق اطرافی الساجیة
كلانا یفتش عن إلفه
 وكل تفرق فی ناحیة
فقلت وفی القلب من حبه
 نواظر تحلم بالراعیة!
كان عالم المراة معقدا فی مخیلة بدر ویعود ذلك الى طبیعة وضع المرأة فی ریف متخلف كالریف فی العراق واصبحت مشكلة المرأة تنمو مع نموه واذا كانت صلته بالمرأة الریفیة صلة الوعی فان مدخله الى المرأة المدنیة كان الشعر لانها تتكلم وتبتسم وتقرأ الشعر واصبحت دواوینه تتنقل بین مخادع العذارى ولكن المرأة فی المدینة تظل بعیدة عنه لان البنات البرجوازیات اللواتی یتشبث بهن وكان ذلك مجرد تسلیة واصبح وحیدا یحن الى اللقاء ولكنه لا یصل ویبحث عن حلم ضائع وكان یتصور السراب ماء فما یلبث ان یكتشف الحقیقة فتعلق قلبه بامرأة تكبره بسبع سنوات ولما راوده الیأس احب فتاة صابئیة ولكنه لا یستطیع الزواج بها وسماها الامبراطورة لانها استحوذت على قلبه وعقله وكل حیاته وبعد سنوات طویلة من المعاناة كان یصرخ:
لغیرك لم یخفق فؤادی ولا هفا
بجنبی قلب ضارب فی التفجع
ولا ذرفت عینای دمعا اذا جرت
بوادره طاف اشتیاقی بمدمعی
فرحماك لا تستنزفی دمع ناظری
 فدمعی اذا ما هاجنی الشوق مفزعی
كان الشاعر القروی الشاب یجری وراء السراب بحثا عن الماء الحقیقی الواقعی كان عطشا الى المرأة المحسوسة الملموسة كان یطلب الحب والعاطفة وكان مستعدا لان یغرف من هذا الحب ویجعل من حلمه فی امتلاك المرأة حقیقة حیة والنسیان لیس هو الخلاص فهو عدم والشاعر لا یطلب العدم بل یطلب الخلود فاین یجد هذا الخلود؟ انه یجده حیث یغوص فی اعماقه فیستخرج صورا شتى للمرأة.. المرأة التی ستبقى فی وعی الانسان ابدا سر الحیاة وصانعة السعادة والشقاء:
سالتنی ذات یوم عابره
عن غرامی وفتاتی الساحره
لم تكن تعلم انی شاعر
ملهم اهوى فتون الطاهره
وحبیب لست اهوى عابثا
انما اهوى العیون الآسره

مقالات مرتبط:

المرأة والحب فی شعر السیاب

الصورة التقلیدیة للمرأة فی شعر السیاب

الزمن والرفض فی تجربة السیاب الشعریة

بدر شاكر السیاب

السیاب مزیج من الیأس والشعر

قراءة فی قصیدة أنشودة المطر لبدر شاكر السیاب

لوركا فی شعر السیاب والبیاتی ودرویش

للغة الشعریة عند السیاب

شرح قصیدة سفر ایوب بدر شاكر السیاب

البنائیة الأسطوریة عند السیاب

الروافد الأسطوریة فی شعر بدر شاكر السیاب

السیاب.. الرجل الذی تاه فی عرض المنفى!!

التناص وتحولات الشكل فى بنیة القصیدة عند السیاب

غرض الحنین فی شعر السیاب

لغة الشعر عند بدر شاكر السیاب

البنائیة الأسطوریة عند السیاب




طبقه بندی: الشعر الحر، العصر الحدیث،

تاریخ : دوشنبه 19 مهر 1389 | 11:01 | نویسنده : دکتر كشاورز
فی دیوان الشعر العربی صفحات طویلة لم تقرأ بعد، ولم تجد لها فی كتب الدارسین وأبحاثهم مجالاً ومتسعاً، مع ما لها من أهمیة فی الكشف عن بعض الجوانب الخفیة فی شعرنا العربی، ومن ذلك ما قیل فی الطیر والحیوان من قصائد وأشعار ذات خصائص نادرة المثال، قلما نجد لها نظیراً فی أشعار الشعراء، لما تتسم به من طرافة فی المعانی والأغراض، ورقة فی المشاعر والأحاسیس، وروعة فی التعابیر والأسالیب.

فقد كان للطیر والحیوان نصیب وافر جداً من أشعار الشعراء العرب منذ أقدم عصور الشعر، كان الشاعر فیها یصدر عن بیئته، فیصور ما فیها من ظواهر ومظاهر، ویصفها وصفاً حیاً دقیقاً ومباشراً ومرتبطاً بعواطفه الذاتیة، وأحاسیسه الوجدانیة، دون أن یتعدى حدود هذه البیئة وما فیها من بید ومهامه وقفار، ودمن ورسوم وآثار، وطیر وحیوان ونبات أو غیر ذلك من مدركات هذه البیئة الصحراویة البسیطة التی انعكست صورتها على صفحات شعره، وكان لها أثر واضح فیه، وقد تنبه إلى قیمة هذا الأثر بعض النقاد القدماء فقال ابن طباطبا العلوی (-322ه): "واعلم أن العرب أودعت أشعارها من الأوصاف والتشبیهات ما أحاطت به معرفتها، وأدركته عیانها، ومرت به تجاربها، وهم أهل وبر صحونهم البوادی، وسقوفهم السماء، فلیست تعدو أوصافهم ما رأوه فیها"(1).

ومن المعروف أن وصف الرحلة والراحلة، ونعت الحصان والفرس، وذكر الظبی والظلیم والنعامة والذئب والثور والكلب والصید وغیرها من أبرز معالم القصیدة العربیة، ومن أغراضها الأساسیة، قبل أن یستقل هذا الغرض بنفسه، ویتطور بتطور الحیاة الحضاریة للعرب، فیصبح فناً شعریاً قائماً بذاته، له شعراؤه وأعلامه، وتتنوع أسالیبه ومذاهبه، وتتعدد أغراضه لتشمل الوصف والمدیح والهجاء والرثاء وغیرها من أغراض الشعر.

وإذا كنا قد أطلنا الوقوف عند هذه الأغراض فی بحث سابق مسهب ومفصل(2)، فإن مراثی الطیر والحیوان تظل من أهم هذه الأغراض وأجدرها ببحث مفرد ومستقل، لما فیها من جدة وطرافة وصدق قد تفتقر إلیه كثیر من مراثی الشعراء فی بنی الإنسان.

ولم یكن هذا الفن من الرثاء جدیداً أو مستحدثاً فی العصر العباسی، وإن كان قد ارتقى فیه وتطور، وإنما عرف منذ العصر الجاهلی والإسلامی، ولدى عدد غیر قلیل من الشعراء الذین وصلت إلینا أشعارهم، وكانت لهم فیه طرائف جمة، وبدائع مستحسنة، ومن ذلك ما رواه صاحب الأغانی من خبر أبی زبید الطائی "وكان له كلب یقال له أكدر، له سلاح یلبسه إیاه، فكان لا یقوم له الأسد، فخرج لیلة قبل أن یلبسه سلاحه، فلقیه الأسد فقتله" فقال فی وصف مقتله ورثائه قصائد عدیدة "فلامه قومه، وقالوا له: قد خفنا أن تسبنا العرب بوصفك له، فقال: لو رأیتم ما رأیت، أو لقیكم ما لقی أكدر لما لمتمونی"(3) وكان أكدر قد خرج من البیت مختالاً كعادته، ومضى نحو عرزال بعید، ظن فیه فرائس یصیدها، ویجلب معها الفرح لأهل بیته، فإذا هی أجمة لأسد ولبؤة وجراء ستة، فأیقن بالهلاك والموت، وجال یرید الهرب وأنى له ذلك، وقد أدركه الأسد، فأصبح طعمة بین براثنه، وما انفك أبو زید یرثیه ویذكر مصرعه، ویصور دخیلته وهو یواجه الموت بین أنیاب ذلك الوحش الكاسر، دون أن یخفی مشاعر الحزن والأسى التی تعتاده كلما تذكر ذلك المشهد المخوف فیقول: (4)

اخال أكدر مختالاً كعادته             حتى إذا كان بین البئر والعطن

لاقى لدى ثلل الأطواء داهیة                  أسرت، وأكدر تحت اللیل فی قرن

حطت به شیمة ورهاء تطرده                  حتى تناهى إلى الأهوال فی سنن

حتى إذا ورد العرزال وانتبهت                 لحسّه أم أجر ستة شزن

وظن أكدر أن تمُّوا ثمانیة              أن قد تجلل أهل البیت بالیمن

فخاف عزتهم لما دنا لهم               فحاف أكدر مشفیّاً من الوسن

ألفاه متخذ الأنیاب جنته              وكان باللیل ولاّجاً إلى الجنن

وللكلب لدى الأعرابی منزلة خاصة، فهو رفیقه وسمیره وحارسه الأمین، وجالب القوت والصید له إذا صاد أو قنص، شأن ذلك الصباحی الذی لم یكن له من أسباب العیش سوى أكلب سلوقیة تجلب له من الصید والطرائد ما یقیم أود عیاله، فأودت، وأودى شخصه معها، وأیقن بالجوع والفقر والمسألة، فقال المزرد بن ضرار یصف شقاءه الطویل بعدها، ویرثی لحاله، ویرثیها معه(5).

فعدّ قریض الشعر إن كنت مغزراً              فإن قریض الشعر ما شاء قائل

لنعت صباحی طویل شقاؤه           له رقمیّات وصفراء ذابل

بقین له مما یبرّی وأكلب              تقلقل فی أعناقهن السلاسل

بنات سلوقیین كانا حیاته              فماتا فأودى شخصه فهو خامل

وأیقن إذ ماتا بجوع وخیْبَةًَة           وقال له الشیطان: إنك عائل

فطوّف فی أصحابه یستثیبهم                     فآب وقد أكدت علیه المسائل

تغشَّى یرید النوم فضل ردائه                  فأعیا على العین الرقادَ البلابل

 وقد روى لنا الجاحظ فی الحیوان أبیاتاً مؤثرة من قصیدة الأعرابی فی رثاء شاة له كان یسمیها: وردة، ویجعل كنیتها: أم الورد، فأكلها الذئب مع الصبح، وترك صغارها أیتاماً بعدها، فراح یبكیها، ویألم لحال صغارها بعدها، ویجد فیها سلوة عنها فیقول (6) :

أودى بوردة أم الورد ذو عسل               من الذئاب إذا ما راح أو بكرا

لولا ابنها وسلیلات لها غرر          ما انفكت العین تذری دمعها دررا

كأنما الذئب إذ یعدو على غنمی               فی الصبح طالب وتر كان فاتأرا

ولطالما وجد الشاعر فی موت الحیوان وهلاكه أو مصرعه الأسوة والعزاء والسلوان لنفسه الحزینة، وهو یفقد صدیقاً أو قریباً أو حبیباً تخطفه الموت أو القتل، فیبكی علیه ویرثیه، ویقرن ذلك الرثاء بذكر الحیوان، ویستخلص الدروس والعبر، شأن أبی ذؤیب الهذلی فی عینیته الشهیرة التی رثى بها أبناءه الخمسة الذین أودى بهم الموت جمیعاً، فراح یبكیهم، ویجمع فی رثائهم ما بین مصرعهم ومصارع الحیوان أو الإنسان فیقول(7):

أمن المنون وریبها تتوجع              والدهر لیس بمعتب من یجزع

أودى بنیّ فأعقبونی غصة              بعد الرقاد وعبرة لا تقلع

والدهر لا یبقى على حدثانه          جون السراة له جدائد أربع

والدهر لا یبقى على حدثانه          شبب أفزّته الكلاب مروّع

شعف الكلاب الضاریات فؤاده               فإذا رأى الصبح المصدق یفزع

فصرعنه تحت الغبار وجنبه            متترّب، ولكل جنب مصرع

والدهر لا یبقى على حدثانه                    مستشعر حلق الحدید مقنع

فإذا المنیة أنشبت أظفارها             ألفیت كل تمیمة لا تنفع

وكان جهم بن خلف المازنی، من شعراء الدولتین، مختصاً بالحیوان والطیر فی شعره(8) یصفها ویتغزل بها، ویبكی لبكائها، ویرثی لحالها، ویجد فی ذلك العزاء والتسلیة عما یجد فی دنیاه من المآسی، ومن ذلك قصیدة رقیقة له فی حمامة أضلت فریخاً لها، فراحت تجدّ فی البحث عنه دونما جدوى، حتى بدا لها الیأس منه، وأیقنت أن جوارح الطیر قد تخطفته فأكلته، فراحت تنوح علیه وتبكیه، وتستدر دموع الشاعر فیها، فقال یشاركها أحزانها، ویصف هذا الموقف المؤثر وصفاً بارعاً یثیر المواجع فی النفوس الرهیفة(9):

وقد شاقنی نوح قمریة                طروب العشی هتوف الضحى

أضلت فریخاً فطافت له                وقد علقته حبال الردى

فلما بدا الیأس منه بكت              علیه وماذا یردّ البكا

تغنَّت علیه بلحن لها          یهیج للصب ما قد مضى

فلم أر باكیة مثلها           تبكِّی ودمعتها لا ترى

وكان الحكم بن عبدل الشاعر الأموی الهجَّاء الخبیث اللسان، صاحب طرف ونوادر(10)، وله أشعار كثیرة فی صنوف الحیوان والحشرات والطیر لیست تخلو من طرافة وفكاهة(11)، ومنها قصیدة له فی سنور له مات فقال یتفجع علیه، ویذكر أیامه ویصف جنازته ومأتمه(12).

سقیاً لسنورة فجعت بها                كانت لمیثاء حقبة سكنا

لو أصبحت عندنا جنازتها             لحنطت واشتری لها كفنا

ثم جمعنا صحابتی وغدوا               فیهم كریب یبكی وقام لنا

كل عجوز حلو شمائلها               كانت لجرذان بیتنا شجنا

من كل حدباء ذات خشخشة                 أو جرذ ذی شوارب أرنا

وقد تطور هذا الفن لدى المحدثین من شعراء العصر العباسی تطوراً واسعاً جداً، فاختص به عدد كبیر من الشعراء الذین جعلوا معظم أشعارهم فی الطیر والحیوان، فاتسعت أبوابه، وتنوعت أسالیبه، وتعددت أغراضه، وكان لذلك ما یبرره من وجهة نظر بیئیة وحضاریة، بعد تطور الحیاة الاجتماعیة والاقتصادیة فی هذا العصر، كما كان لاضطراب الحیاة السیاسیة فیه اكبر الأثر فی تعمیق هذا الاتجاه، وتلوینه بألوان الرمز والكنایة والتعریض، أو التعبیر من خلاله عن النزعة السلبیة إزاء أمور الحكم والسیاسة ورجالها، والانصراف نحو عالم الطیر والحیوان فی الوصف والمدیح والهجاء أو الرثاء الذی یمكن أن یعد من أهم هذه الأغراض، وأقواها تعبیراً عن هذه التحولات الجدیدة.

ومن أوائل ما نقف علیه من الأشعار فی رثاء الحیوان فی هذا العصر أرجوزة لأبی نواس فی رثاء كلبه خلاّب، وقد لسعته حیة رقطاء، فمات لدیغاً مسموماً، فقال یذكر مصرعه ویرثیه(13):

یا بؤس كلبی سید الكلاب           قد كان أغنائی عن العُقاب

یا عین جودی لی على خلاَّب                  من للظباء العفر والذئاب

خرجت والدنیا إلى تباب              به وكان عدّتی ونابی

فبینما نحن به فی الغاب                إذ برزت كالحة الأنیاب

رقشاء جرداء من الثیاب             لم ترع لی حقاً ولم تحابی

فخرّ وانصاعت بلا ارتیاب           كأنما تنفخ فی جراب

لا أبت أن أبت بلا عقاب            حتى تذوقی أوجع العذاب

وقد برع فی هذا الفن الفرید من الرثاء عدد من الشعراء المحدثین، فكانت لهم فیه بدائع ونوادر كثیرة، وعلى رأسهم القاسم بن یوسف، أخو الوزیر الشاعر الأدیب أحمد بن یوسف وزیر المأمون، كما كان القاسم والیه على الخراج، وكان شاعراً "قد جعل وكده فی مدح البهائم ومراثیها، فاستغرق أكثر شعره فی ذلك(14)" كما یقول صاحب الأغانی، وروى له الصولی عدة قصائد طویلة فی رثاء الطیر أو الحیوان، وقال فی تقدیرها: "وهو أشعر فی فنه الذی أعجبه من مراثی البهائم من جمیع المحدثین، حتى أنه لرأس فیه، متقدم على جمیع من نحاه، وما ینبغی أن یسقط شیء من شعره فیه، لأنه كله مختار، وللناس فیه فائدة(15)"، ومما رواه له من هذه القصائد البدیعة المختارة، قصیدة طویلة فی رثاء عنزة سوداء، كانت عنده خیراً من محظیات الملوك والأمراء والوزراء، فأودى بها الموت فقال یرثیها ویصف محاسنها الدقیقة، ویذكر مآثرها الحمیدة فیقول(16):

عین بكى لعنزنا السوداء              كالعروس الأدماء یوم الجلاء

أذن سبطة وخدّ أسیل                 وابتسام عن واضحات نقاء

أین لا أین مثلها مصطفاة             من صفایا الملوك والوزراء

كیف یرجو البقاء سكان دار                   خلق الله أهلها للفناء

وإذا كان الشعراء قد اعتادوا فی مراثیهم فی بنی الإنسان استخلاص المواعظ والعبر، والإفصاح عن أثر الفراق الأبدی فی نفوسهم، فإن هذه العواطف، وتلك المواعظ تبدو أعمق تأثیراً، وأقوى دلالة وتعبیراً لدى الشاعر فی رثائه هذه المخلوقات الودیعة بعد موتها، ومن ذلك قصیدته فی رثاء طیره القمری المطوّق، إذ تضمنت من رقیق المعانی، وعمیق الحكم، وبسیط التعبیر ما یفوق الكثیر من مراثی الشعراء فی الناس، وفیها یقول(16):

هل لامرئ من أمان          من ریب هذا الزمان

ما اثنان یجتمعان              إلا سیفترقان

كان المطوّق خدنا            من أكرم الأخدان

فغاله حادث من               حوادث الأزمان

فالقلب فیه كلوم            من لاعج الأحزان

هیهات مالك ثان            مقارب أو مدان

فاذهب فقیداً حمیداً          فما خلا الله فان

قد كان هذا الشاعر مُرزَّأً حقاً، إذ غاله الدهر بأحب الخلائق لدیه، فقضى أخوه الوزیر أحمد، ومات عدد من أبنائه فی حیاته، وفقد عدداً من البهائم التی كانت تؤنس وحدته، ویجد فی عشرتها وتربیتها العزاء والسلوى، ومنها دیك صغیر، كانت كنیته عنده أبا سعد، لم یكد یشب عن الطوق ویصیح حتى قضى صریعاً، فقال فی رثائه من قصیدة طویلة ومؤثرة(17):

أوحشت منك أبا سعدٍ عراصّ ودیار

فجعتنا بك أقدارٌ لها فینا الخیار

عثر الدهر بنا فیك وللدهر عثار

وتولت بك أیام من العمر قصار

یا أبا سعد فلا تبعد وإن شطّ المزار

إنما الدنیا مزار وإلى الله المجار

وله من هذه المراثی العجیبة قصیدة طریفة فی رثاء هرة أنیسة وادعة تخطفتها ید المنیة، مخلفة وراءها قططاً صغاراً ویتامى، فقال یرثیها، ویذكر مآثرها الحمیدة وأیادیها(18):

یقولون كانت لنا هرة                 مربیة عندنا تالده

وكنا بصحبتها حامدین                وكانت بصحبتنا حامده

فعنّ لها عارض للردى                 فأمست بتربتها هامدة

وأصبحت الفأر فی دارنا              أوامن صادرة واردة

ولعل مما لا یخفى على أحد ما فی هذه المراثی من رمز أو كنایة وتعریض، وما لها من علاقة بظروف الشاعر وعصره، وما یعبر عنه انصرافه التام نحو الطیر والحیوان فی شعره، وقد وجد فیها ما لم یجده فی بنی الإنسان من معاصریه من رقة ووفاء وطیب، فاستغنى بها عنهم، وجعل معظم شعره فیها: وصفاً أو مدیحاً أو هجاء أو رثاء، إذ لا نكاد نجد له فی رجال عصره من الخلفاء والرؤساء والكبراء مدیحاً أو رثاء، على الرغم من صلته القویة بهم، سوى ما قاله فی أخیه وأبنائه من مراث رقیقة(19).

وقد كان الرمز بالطیر أو الحیوان سبیل عدد من الشعراء فی التعبیر عن بعض أحداث العصر، وما ساد فیه من اضطرابات خطیرة، أودت بحیاة عدد كبیر من الخلفاء والوزراء والقادة، وذهب ضحیتها عدد غیر قلیل من الكتاب والشعراء، ومن ذلك قصیدة لأبی بكر الحسن بن علی العلاف، روى الدمیری أنه "كنى بالهر فیها عن ابن المعتز حین قتله المقتدر، فخشی منه، ونسبها إلى الهر، وعرّض به فی أبیات منها، وقیل إنما كنّى بالهر عن المحسن بن الوزیر أبی الحسن علی بن الفرات أیام محنته، لأنه لم یجسر أن یذكره ویرثیه، وقیل كان له هرّ یأنس به، فكان یدخل أبراج الحمام التی لجیرانه، ویأكل أفراخه، فأمسكه أربابها فذبحوه، فرثاه بقصیدة. وقال ابن خلكان: وهی من أحسن الشعر وأبدعه، وعدد أبیاتها خمسة وستون، وفیها أبیات مشتملة على حكم، وفیها یقول(20):

یا هرّ فارقتنا ولم تعد                   وكنت عندی بمنزل الولد

صادوك غیظاً علیك وانتقموا                  منك وزادوا: من یَصِد یُصَد

ثم شفوا بالحدید أنفسهم              منك ولم یرعووا على أحد

فلم تزل للحمام مرتصداً             حتى سقیت الحمامُ بالرصد

أذاقك الموت ربّهن كما              أذقت أفراخه یداً بید

وللهر أو القط فی الشعر العربی مدائح ومراث طویلة ترتبط بما بین هذا الحیوان الألیف المؤنس وبنی البشر من أواصر الصحبة والمودة وحسن العشرة، فكان فقده بعد ذلك یخلف الحزن العمیق، والأسى البالغ فی النفوس، یعبر عنه الشعراء منهم تعبیراً صادقاً فی قصائد مؤثرة، ومن ذلك قصیدة لأبی الحسن التهامی (-416ه) فی رثاء قطّ له سقط فی بئر فمات، فقال یبكیه(21):

ولما طواك البین واجتاحك الردى              بكیناك ما لم نبك یوماً على قط

ولو كنت أدری أن بئراً یغولنی                بمثواك فیها لاحتبستك بالربط

ولكن أیدی الحادثات بمرصد                  إذا أرسلت سهم المنیة لم تخط

فهل نافعی أنی رثیتك بعدما           رأیتك توفی لی وتحكم بالقسط

ومن الغریب حقاً ألا نجد فی دیوان شاعر متأخر من شعراء العصر العثمانی، كان من أعیان هذا العصر، وعلى صلة وثیقة بالكبراء من رجاله، وهو محمد بن الحسین الكیوانی (-1173ه) أی مرثیة فی أحد من معاصریه سوى مرثیة واحدة فحسب جعلها فی هرّة، واتخذ من رثائها مجالاً للعبرة التی ینبغی لأهل البغی من حكام هذا العصر أن یعتبروا بها، وفیها یقول(22):

واسمع رثاء هریرة            كانت ترى عندی أسیره

خلس الحمام حیاتها          وابتز من قلبی سروره

نال الردى منها وكا                   نت منه قد أخذت طفوره

قد غالها ما غال ذا الأوتاد            واستقصى نفیره

فلیعتبر من كان ذا           بغی ولا یركب غروره

على أن من أجود ما قیل فی رثاء الطیر أو الحیوان من الشعر، قصیدة لصاحب الأغانی أبی الفرج الأصبهانی (-بعد 362ه) وكان شاعراً محسناً ومجیداً(23) فی رثاء دیك له یدعوه: أبا النذیر، نقلها إلینا ابن شاكر الكتبی كاملة فی عیونه، وقال فی تصدیره لها وتقدیرها: "وهی من أجود ما قیل من مراثی الحیوان، ومن مختار الشعر، ونادر القصید، عذبة الألفاظ، بدیعة المعانی، مطردة الأجزاء، متسقة القوافی" وفیها یقول: (24)

خطب طرقت به أمر طروق          فظّ الحلول علیّ غیر شفیق

فكأنما نوب الزمان محیطة              بی راصدات لی بكل طریق

ذهبت بكل مصاحب ومؤانس                 وموافق ومشاكل وصدیق

حتى بدیك كنت آلف قربه           حسن إلی من الدیوك رشیق

لهفی علیك أبا النذیر لو أنه           دفع المنایا عنك لهف شفیق

أبكی إذا أبصرت ربعك موحشاً               بتحنن وتأسف وشهیق

صبراً لفقدك لا قلى لك بما كما               صبر الأسیر لشدة ولضیق

لا تبعدن وإن نأت بك نأیة           فی منزل نائی المحل سحیق

وإذا ما طوینا هذه الصفحة المشرقة من دیوان العرب، ولم نأت إلا على بعض سطورها، وحاولنا البحث عن الدوافع الكامنة وراء هذا الاتجاه الشعری الفرید، واختصاص بعض الشعراء به، وإجادتهم القول فیه، دون غیره من أغراض الشعر المعروفة الأخرى، فإن بإمكاننا أن نعزو ذلك فی جملة من الدوافع والأسباب التی یمكن أن تكشف عن بعض المؤثرات المحیطة بحركة الشعر وتطورها:

وأول هذه الأسباب إنما یرتبط بما فطر الله الإنسان علیه من عواطف ومشاعر وأحاسیس، ولم یجعلها مقصورة لدیه على بنی جنسه فحسب، وإنما تتعداهم إلى غیرهم من المخلوقات الحیة من طیر وحیوان وغیرها، إذ جعل بینه وبینها ألفة ومودة ومحبة ورحمة، یزیدها قوة وتأصلاً ما فی طباع هذه البهائم من أنس ببنی الإنسان، وتنمیة أواصر الألفة بینهما.

أما السبب الثانی فمتصل بالبیئة كما ذكرنا آنفاً، إذ كانت البیئة البدویة مصدراً أساساً من مصادر الشعر لدى أهل هذه البیئة من الشعراء، وكان الطیر والحیوان من أهم مظاهرها، وأقواها صلة بأهلها، ثم كانت البیئة الحضریة بعد ذلك مصدراً جدیداً لهم، وأصبح لها أثر أوضح فی أشعارهم، لما تفرضه طبیعة العمران من تحضر واستقرار وتدجین لعدد من أنواع الحیوانات والطیور، وما یتبع ذلك من منافع وألفة وروابط، وفی ذلك ما یفسر سبب تطور هذا الفن، وتنوع أغراضه، وتلون أسالیبه بألوان الحضارة الجدیدة فی العصر العباسی خاصة.

وقد عرف هذا العصر تطورات خطیرة، وتناقضات كبیرة، كان لها أثر واضح فی تطور حركة الشعر، إذ انعكست فیه صورة الحیاة الفكریة والسیاسیة والاقتصادیة والاجتماعیة المحیطة بالشعراء، ولم یتمكن عدد منهم من مواكبة هذه التطورات، أو التلاؤم معها، فانكفؤوا على أنفسهم، أو ثاروا على مجتمعاتهم، فكانوا فلاسفة أو زهاداً أو متصوفین أو ثائرین، وانصرف كثیر منهم عن الحیاة السیاسیة،  وما یحیط بها من تقلبات ومؤامرات ودسائس، ووجدوا فی عالم الطیر والحیوان ما یغنی عن الخوض فی غمرات هذه الحیاة المضطربة، والاتصال برجالها، فجعلوا فیها مدائحهم وأهاجیهم ومراثیهم، واختصوا بها، وكثیراً ما كانوا یعبرون أثناء ذلك عن آرائهم فی السیاسة وأحداثها ورجالها تعبیراً غیر مباشر، یتخذ من الرمز والكتابة أو التعریض سبیلاً ووسیلة، فیتقون بذلك الأذى، ویتجنبون مظاهر القمع، وفی ذلك كله مجال واسع للتعلیل والتحلیل والدراسة وتقلیب النظر.

ومهما یكن من أمر، فإن هذا الفن الشعری الفرید، یعد بحق من أروع فنون الشعر العربی على اختلاف مذاهبه وأغراضه وأسالیبه، لما فیه من جدة ورقة وبراعة وصدق، وما یمكن أن یكشف عنه من ملامح فنیة، وطوابع فكریة، ومظاهر سیاسیة، وظواهر اجتماعیة تجعله جدیراً بالدراسة والتقدیر.

الهوامش:

(1) عیار الشعراء: ص10 وانظر بحثنا حول الملامح البیئیة فی النقد العربی فی الموقف الأدبی ع 141-143 والفصل السادس من كتابنا فصول فی النقد العربی وقضایاه.

(2)انظر بحثنا "الطیر والحیوان فی الشعر العربی" فصلة المناهل- وزارة الثقافة- الرباط- العدد 30- سنة 1984- ص 173-220 وفیه تفاصیل وافیة حول هذه الأغراض كلها.

(3)الأغانی 12/132.

(4)الحیوان 2/274 والأغانی 12/133. والعطن: مبرك الإبل- ثلل الأطواء: أطراف البئر- القرن: الحبل- ورهاء: حمقاء- شزُن: غلاظ.

(5)المفضلیات: القصیدة 17- ومنها أبیات فی الحیوان 2/18-19. والرقمیات: السهام- الصفراء: القوس- عائل: فقیر- یستثیبهم: یطلب ثوابهم- أكدى: طلب فلم یجد- البلابل: الهموم.

(6)الحیوان: 2/203 و 2/276-277. والوتر: الثأر- اثأر: أخذ بثأره.

(7)المفضلیات: القصیدة 126. ودیوان الهذلیین: ص 1-20. وجون السراة: حمار الوحش- الشبب: الثور المسن – مسشعر حلق الحدید: البطل المدرع.

(8)الفهرست ط طهران ص 52 والتجاریة/ مصر ص 70.

(9)الحیوان: 3/199.

(10)الأغانی 2/404-428.

(11)الأمالی 2/260.

(12)الحیوان 5/300 وانظر فی أشعاره فی الطیر والحیوان والحشرات 5/297 وما بعدها.

(13)دیوانه ص 620.

(14)الأغانی 23/118.

(15)أخبار الشعراء المحدثین 164-166 وفی الأغانی 23/118 مطلع القصیدة.

(16)أخبار الشعراء المحدثین 193-195 وفی الأغانی 23/119 مطلع القصیدة.

(17)أخبار الشعراء المحدثین 176-178 وفی الأغانی 23/118 مطلع القصیدة.

(18)أخبار الشعراء المحدثین 172-173.

(19)أخبار الشعراء المحدثین 203-205.

(20)حیاة الحیوان الكبرى 2/362-363 وانظر دراسات فنیة فی الأدب العربی ص 296-297.

(21)رحلات حمد الجاسر ص 235 عن مخطوطة دیوانه.

(22)دیوانه 179.

(23)وشعره كثیر، ومحاسنه مشهورة، وفیه قصائد كثیرة فی الطیر والحیوان والحشرات، ولم یجمع فی دیوان، وقد جمعنا شعره من مظانه، وأعددناه للطبع، ونأمل أن یرى النور قریباً. وانظر فی هذا الشعر ومظانه بحثنا: أبو الفرج الأصفهانی أدیب مشهور ومغمور فی عالم الفكر –الكویت مج 15- ع1- س 1984 ص 259-294.

(24)انظر مقدمة الأغانی ط الدار 1/26-28.

المصادر والمراجع:

-أبو الفرج الأصفهانی أدیب مشهور ومغمور: عالم الفكر- الكویت- مج 15- ع1- س 1984-ص259-294.

-أخبار الشعراء المحدثین: للصولی- تحقیق هیورث- ط2 بیروت 1979.

-الأغانی: لأبی الفرج الأصفهانی- ط الدار الكاملة 1937-1974 القاهرة (مصورة).

-الأمالی: لأبی علی القالی- ط 1 دار الكتب (مصورة دار الكتاب العربی- بیروت).

-حیاة الحیوان الكبرى للدمیری –دار الألباب- دمشق- مصورة- بلا.

-الحیوان: للجاحظ- تحقیق عبد السلام هارون- ط1 مصر 1948.

-دراسات فنیة فی الأدب العربی: د. عبد الكریم الیافی- ط2 دمشق 1972.

-دیوان أبی نواس: مصورة- بیروت.

-دیوان الكیوانی: القاهرة 1301ه.

-دیوان الهذلیین: ط دار الكتب- مصورة- مصر 1965.

-رحلات حمد الجاسر: ط 1 دار الیمامة- الریاض 1980.

-الطیر والحیوان فی الشعر العربی: محمد خیر الشیخ موسى –المناهل- الرباط- ع 30- س 1984-ص173 –220.

-عیار الشعر: لابن طباطبا- تحقیق الحاجری وسلام- ط 1 القاهرة 1956.

-فصول فی النقد العربی وقضایاه: محمد خیر شیخ موسى- ط 1 دار الثقافة – الدار البیضاء 1983.

-الفهرست: للندیم- ط 2 تحقیق تجدد- طهران 1973 والتجاریة مصر- بلا.

-المفضلیات: للمفضل الضبی – تحقیق شاكر وهارون- ط 3 مصر 1964.

-الملامح البیئیة فی النقد العربی: محمد خیر شیخ موسى- عدد خاص بالنقد ع 141-143-ص1983 ص 159-186.


تاریخ : دوشنبه 19 مهر 1389 | 10:56 | نویسنده : دکتر كشاورز
لوحدة
أدب
الثلاثاء 27 / 3 / 2007
شعبان سلیم لم یكن تبنی شعراء الخمسینیات استخدام الاسطورة تقلید أعمى للغرب بل جاء ثمرة إحساسهم بالغربة والانسحاق تحت قیم الحضارة الغربیة, خاصة وإن الإنسان فی الشرق روحانی یؤمن بمنظومة من الأفكار والمعتقدات الخاصة, وكانت الاسطورة لدیهم طموحاً

لتغییر العالم العربی, كما فعل اسلافهم فی الجاهلیة والإسلام, فوجدوا فی الاسطورة تعبیراً عن صفاء الإنسان وبذلك عاد الشعراء إلى المنابع الأولى للإنسان المتمثلة فی الأساطیر.‏

والبیاتی كان رائداً فی عصره بما اختزنه من ثقافة عربیة وغربیة فعدَّ واحد من رواد الحداثة والتجدید, ثم طور اسلوبه بعد اغترابه الطویل فاتخذ من الأساطیر والمقبوسات من التراث العربی والإسلامی والتاریخ القدیم جسراً لتجسید رؤیاه الشعریة.. وكان أمله فی تغییر الواقع ذلك القناع الذی اختاره وأهم شكل له (عشتار) الأم التی تفیض بحنانها على الكون وتساعد المحتاجین.‏

ومن حضارة بلاد الرافدین الآلهة (نانا) مصدر الخصب والخیر.‏

وأحیاناً تستنبط رموزاً تتصل بالتراث ولا وجود لها فی الواقع (كعائشة) وهی رمز لحلم الشاعر حیث یرتبط اسمها بالتراث العربی الإسلامی, أو یستعیر نصوصاً من كتابات دینیة أو تعابیر شعبیة (ماحك جلدك مثل ظفرك) (یا سامعین الصوت) لكن دور المرأة الطاغی فی شعره كان بارزاً فهی الشجرة التی یفیء إلیها وإلیها تتجه شكواه وعلیها یقع القهر ثم على أطفالها..‏

وكثیراً ما یتجاوز البیاتی استغلال الرموز والأقنعة لیوسع مدلولاتها الاسطوریة ویمنحها دلالات ووظائف فوق ما قدمتها الأساطیر أو التاریخ..‏

وقد اسهمت الاسطورة فی منح شعر البیاتی إیقاعاً تاریخیاً ومیثولوجیا غنیاً ومعظم ما قدمه فی شعره من أساطیر لیس بعیداً عن ثقافة الإنسان العربی وذلك لبساطتها ووضوح دلالاتها وهو یبعث المعری من جدید:‏

یا رهین المحبسین‏

قم تر الأرض تغنی‏

وردة حمراء والریح غناء‏

قم تر الأفق مشاعل‏

وفی هذا التوظیف یربط الشاعر الفكر التراثی (الماضی) وتطلعاته مع الجماهیر لیوجه المسیرة لبعث الأمل الإنسانی فهو لیس یائساً كالمعری ولا ینزوی كما فعل المعری یحبس نفسه هرباً من جور الحیاة وقسوتها بل واجهها بجناحیه المشرّعین للشمس, یتطلع أبداً لتجدید الحیاة وبعثها فی مواجهة الموت والظلم.‏

وأحیاناً یختار رموزاً سلبیة من الحیاة كنیرون وقیصر وفرعون.‏

أو كالشعراء المتكسبین الذین امتطوا الشعر لنیل الحظوة فیقول فیه:‏

رأیته مهرجاً فی السوق‏

محمولاً على الأكتاف‏

فی غاشیة النهار‏

تبیعه... ببیعها من یشتری الأحجار.‏

أما عن أقنعة المدن ومرایاها فإن البیاتی ینفر من المدینة ویراها تجسیداً للاستغلال الطبقی وسحق الفقراء ومنها المدن المشهورة (بابل- نینوى- إرم ذات العماد).‏

وأنجح الأقنعة لدیه (السندباد البحری) فهو جوّاب الآفاق یقطع البحار ویغامر لا ییأس لأنه مفعم بالأمل حتى لو طال الزمن.‏

ویستخدم أحیانآً لغة صوفیة ورمزیة وغموضها یأتی من القناع نفسه بأن یكون شخصیة ذات فكر فلسفی كالهروری أو محیی الدین بن عربی.‏

ویزاوج الحلم بالواقع لیطل المستقبل كما یتخیله, مستقبل ینتصر فیه الفقراء بوحدة كفاحهم وتضامنهم.‏

غیر أن الشاعر یدرك أن حلمه بعید المنال, فینقلب به الحزن والیأس والمعاناة ویسلم روحه وهو أشد إیماناً بانتصار القیم الإنسانیة, وعظمة الشاعر تكمن فی بساطته وعمقه فی أن معاً:‏

قصائدی بساطة العصفور وانتفاضة العبید‏

وقصفة الرعود‏

وحسرة الربیع فی جنائز الورود‏

وصرخة الإنسان فی دوامة الوجود‏

بحق یستحق البیاتی لقب رائد الشعر الحدیث, فقد أجاد مزج كیمیاء العصر فی مخبره باعتدال, لم یبتعد عن روح الشعر العربی وإیقاعه ولغته.‏

اهتم بالأصالة والموروث الشعبی, مضمناً الاسطورة والتراث إبداعه الخالد.‏

بطاقة تعریف‏

ولد عبد الوهاب البیاتی فی بغداد عام 1926 م .‏

خریج قسم اللغة العربیة عام .195 .‏

عمل مدرساً فی العراق والجامعات الأوروبیة.‏

عمل فی السلك الدبلوماسی.‏

ترجمت أشعاره إلى معظم اللغات العالمیة.‏

أعماله أربع وعشرون مجموعة شعریة.‏

ومسرحیتان... وعدة أعمال مترجمة.‏

كتب عنه دراسات عالمیة متعددة.‏

مات فی دمشق ودفن فیها عام 1999 م.‏




طبقه بندی: العصر الحدیث، الشعر الحر، مقالات حول عبدالوهاب البیاتی،

تاریخ : دوشنبه 19 مهر 1389 | 10:53 | نویسنده : دکتر كشاورز
بدیع الآلوسیهل كان البیاتی صوفی النزعة والهوى ..؟ هل أفشى سر السر ؟ لیس مهما ً المهم إننا نعلم جیدا ً انه اختبأ فی

جلباب الحلاج دهورا ً،، وبقى یقاوم ،،متطلعا إلى قمر الفقراء الساحر الذی یرشح ألوانا ًوابتهالا ً، وبقیت

ذاكرته كالجمر ترمد المأساة وتبحث فی ألأفق عن مجد ضائع .

قبل الحدیث عن علاقة البیاتی بالحلاج ، أود أن احدد وأتتبع الخیط السحری لصوت الشاعر الذی یكثف التجربة

الآنیة لیوصلنا إلى ما هو أزلی.

قال الحلاج :(وداعا ً) فاختفت ألأحواض وداعا ً !

غابات طفولة حبی ، سیصیر الماء دموعا ً

وأموت رحیلا ًفی هذا المنفى .


ارتبط البیاتی بتجربة التصوف عبر أبطالها ورموزها ،، فكتب عن الحلاج ،العطار ،السهروردی ،وجلال الدین

الرومی ...امتزجت دماؤه بدمائهم وكان یصبو إلى الوصول إلى عوالم أكثر صفاءا ًوانسجاما ً.

 

ما یهمنا فی هذا المقال المتواضع هو تسلیط قلیل من الضوء على البیاتی وتجربته مع الحلاج ،، ما نحب تأكیده

إن اختیار و تمجید الشاعر لأبرز الشخصیات الصوفیة (الحلاج ) له مدلولاته الأنسانیة والفكریة.

فی دیوان (سفر الفقر الثورة)الصادر عام 1965 ودیوان (قمر شیراز )الصادر 1978 حاول البیاتی بوعی ودون

وعی أن یعید أسطرة مأساة الحلاج ، ومحنته الوجودیة،،وكان بتجربته تلك یتوق أن یخرج الحلاج من عزلته

لیعلن انتصاره على ظلام الموت .

هنالك وشائج عدیدة جمعت بین الشخصیتین من أهمها :1ـ إن الحلاج كان مبشرا ًعبر الشعر وكذلك البیاتی ،2

ـ أن ألاثنین كانا حاملین رایة الرفض،،3ـ إن الشخصین یعبران عن أزمة عصرهما،،،4 ـ كان الاثنان

یحملان رؤى جدیدة،،،5 ـ إن الحلاج له حلم كونی وكذلك الشاعر ،،6 ـ أخیرا ًولیس أخرا ً: إن الحلاج عاش

غربة الاغتراب وكذلك البیاتی مع الفارق الزمنی والتاریخی .

الحدیث عن الحلاج یقودنا إلى التعلیق على أزمة الإنسان بما فیها الشاعر ،المؤمن بقضایاه وحریته أمام جور

وظلم قوى غاشمة .

لكن ألأمر كان عصیا ً ومتشابكا ًعند الحلاج فما إن نضجت تجربته حتى لاح فی أفق حیاته التساؤل المصیری

التالی : هل ستجهر برأیك یوما ًإن أحسست فی ذلك نهایتك وقتلك .....بعد مجاهدات وقلق وشك قرر إن یرفع

صوته فی وجه الطغیان ،، وان یجهر للعامة بفحوى ألأسرار .

اختار الحلاج طریق الحق والرؤیة لیلتحم بالروح الربانیة والكلیة، كان موته وصمة عار بوجه الخلیفة العباسی

وأزلام السلطة المأجورین ....

ومن هذا المنطق والرؤیة أصبح الحلاج رمزا للحریة والثورة..ومن شعره :

یا نسیم الروح قل للرشا

لم یزدنی الورد إلا عطشا

لی حبیب حبه وسط الحشا

إن یشا یمشی على خدی مشا

ما یهمنا هو الشاعر المعاصر وكیف وظف فنیا ًروح الحلاج وانبعاثه ،،،یعد الشاعر البیاتی احد أبرز الأقطاب

التی أسست رؤیة جدیدة دعیت بمدرسة الشعر الحر ،،وله تأثیرات واضحة على معاصریه وعلى كل ألأجیال

التی تعاقبت بعده فی العراق والوطن العربی .

عاش الشاعر البیاتی المولود عام 1926 كثیر من سنین حیاته فی الترحال والنفی إذ یشترك مع الحلاج بهذه

الصفة (حلم الحركة )

حین نقرأ شعر البیاتی عن قرب نجده قد وظف ونهل من الظاهرة الحلاجیة وعانقها لتلعب دور المرآة المحاكیة

للواقع بصورة مباشرة أو غیر مباشرة،، ولكنه أبقى اسطورة الحلاج مفتوحة ًعلى فضاء مفتوح یسكنه التأمل

والحلم والحزن والمراثی .

ویبقى الحلاج كالنهر یتدفق بالانفعالات التی تؤجج فی نفس البیاتی الصور :

 

من أین لی ؟ ونارهم فی أبد الصحراء

تراقصت وانطفأت

وها أنا أراك فی ضراعة البكاء

فی هیكل النور غریقا ً،صامتا ً، تكلم المساء

 

عالج البیاتی رمز الحلاج فی قصائد متنوعة لیعطیها بعدا ًجدیدا ًیتمثل بروح الثورة التی طعمها بالأمل والخلق

والانبعاث،وكأنه كان یرید أن ینهض بالحلاج لینهضنا جمیعا ً،،هكذا تحولت مأساة الحلاج إلى نبع للمقاومة :


 

عشر لیالی وأنا أكابد الأهوال

واعتلی صهوة هذا ألألم

أوصال جسمی قطعوها

احرقوها

نثروا رمادها فی الریح

 

لتواصل القصیدة رصدها للمشهد المأساوی ،،لیبث البیاتی الحیاة والأمل فی تأكیده على انتصار رایة الخیر فی

نهایة المطاف وذلك بقوله :

حر كهذی النار والریح ، أنا حر إلى الأبد

نرى هنا إن الشاعر اعتمد على الرمز الداخلی لتفجیر مشاعره ورؤیته وبث صدى روحه الذاتیة على العمل

الفنی لیلد تجربة تعبیریه بلون جدید،، نستنتج من كل ذلك إن البیاتی حاول أن یستنطق الجوهری فی سِفر

الحلاج.

عانى الشاعر أثناء خلقة لعملة الفنی صراعا ً ،، لیدخل حلبة التناقض بین ما هو نفسی وعقلی ،صراع بین

قوتین البیاتی ن جهة والحلاج من جهة أخرى،،هذا الإحتدام الدرامی یتمثل فی أن البطل(الرمز ) الذی ینهض

من رماد المأساة یعلن عن مكنونات روحة بزوایا وتجلیات متعددة ، لكن فنانا ًمثل البیاتی یحاول أن یقرأ الحلاج

من زاویة جدیدة فیها الأصالة والمعاصرة والمستقبلیة ،، ومن تجلیات الشاعر أنه یصرخ فی وجوهنا ووجه أبیه


متسائلا ً: فلماذا یا أبتی صُلب الحلاج ؟


خلف هذا التأویل الذاتی هنالك تساؤلا ً إنسانیا ً مؤلما ًینحصر فی : (لماذا یموت ویصلب الثوار فی كل مكان)

،، هنا یرصد البیاتی عمق مشكلة الموت من خلال روح الرمز المتجلیة بالمأساة والأمل .

شخصیة الحلاج كرمز حظیت ووظفت فی مجالات إبداعیة متنوعة ،،وكان صدى روحه ،القلقة ، الصارمة

،العمیقة ،الثائرة ، الجریئة ،،كل تلك الصفات لها مناغاتها فی نفس الشاعر المحب للفقراء والمعدمین والثائرین.

 

تحولت نهایة الحلاج المأساویة فی نهایة ألأمر إلى رمز للصمود ،،كانت عبارته ( أنا الحق ) لحظة قدح وشطح

وتجلی وكأنه بعبارته التی اخترقت الزمن كان یرید أن یعلن قیام العدل على ألأرض ..

لتضعنا أمام ألتساؤل :هل كان الحلاج فی قوله هذا مع الرب أم ضده ؟.

 

فإذا أبصرتنی أبصرته

وأذا أبصرته أبصرتنا

اتكأ والتجأ البیاتی إلى الحلاج بوصفه رمزا ً وذلك لعدة اعتبارات منها :

1 ـ لأنه شَعر بضرورة التواصل مع جذوره وتراثه وعمقه الحضاری

2 ـ لأن الشاعر عاش فی أنظمة سیاسیة واجتماعیة قمعیة

3 ـ لان الشاعر یتقاسم والحلاج الرؤى ، والتجربة الإنسانیة

تبقى من مشاغل البیاتی ألأكثر إلحاحا ًهو عنصر التغیر ..فهو یلجأ إلى الخزین المعرفی ( الرمز ) یحاول

التفاعل معه لیعطیه اشراقة جدیدة نحو المستقبل. فأعاد الشاعر أسطورة الحلاج لیستلهم منها روح ،التمرد

،الرفض ،التحدی ...لیوصلنا إلى عالم الثورة ، كما یراها ویتلمسها عبر قصائده التی تحكی دورة التكامل فی

ثنائیة الموت والحیاة .


ما أوحش أللیل إذا ما أنطفأ المصباح

وأكلت خبز الجیاع الكادحین زمر الذئاب

 

الغریب والجمیل أن الحلاج یمكن أن یظهر كالمارد فی كل ألأزمان ،والأمكنة، فأن دوره وشخصیته فی

صیرورة مستمرة ،، انه أصبح رمز ا ً لذلك نراه یتجدد ،، وتبقى تحوم حوله الحكایات والرؤى ،، یخرج من

رماد الموت ، أغنیة ،وعرس ،وتوتر جدید . نراه یردد


روحه روحی وروحی روحه

أن یشأ شئت وان شئت یشأ

نجد فی رمز الحلاج ما هو فردی ـ وإلهی ،،بین ما هو حسی وعقلی بین ما هو ظاهری وجوهری .. هذا

 

التنوع الاعتراضی والجدلی نرى البیاتی یتعامل معه بحذر ومحبة لیؤسطر رمزه بأبعاد ذات رؤیة جمالیة

معاصرة ،ولیحرر طاقة جدیدة حالمة یمكن أن تكون دقیقا ًطیبا ًلخبز جدید .

 

هكذا من وجهة نظری ینفلت النص عن الزمكان إلى حدود أرحب وأكثر أبهارا ً....وهذا ما نراه فی قصیدته

(رحلة حول الكلمات )

یسألنی

عن الذی یموت فی الطفولة

عن الذی یولد فی الكهولة

رویت ما رویت

كان ویا ماكان

إذن نستطیع إن نستخلص أن شعر البیاتی محاوله لاستلهام الذاكرة الفردیة وتحویلها إلى ذاكرة جماعیة ...

 

اللافت للنظر فی ألإبداع إن كل منا یرى اللوحة (الحلاجیة ) على مزاجه ومخیلته ووعیه ...نستنتج من ذلك إن

البیاتی أبحر إلى عوالم الحلاج بقاربه الشخصی.. لیعود لنا محملا ًبالحكایات والأشعار واللوحات ، كأنه عاد من

حلم عمیق لیرویه لنا مستعینا بالمخیلة والذاكرة وبعض ما أهاج غرائزه المتوهجة ووعیه المتقد ...نجده یكتب

فی قصیدة (رماد فی الریح )

ستكبر الغابة ، یا معانقی

وعاشقی

ستكبر الأشجار

سنلتقی بعد غد ٍ فی هیكل الأنوار

فالزیت فی المصباح لن یجف ،والوعد لن یفوت

والجرح لن یبرأ ، والبذور لن تموت


حینما یشق البیاتی الطریق نحو (اسطورة الحلاج )فأنه یتلون بطقوس النار والرماد ... ولم یصغ ِ فی بحثه إلا

إلى هاجسه الداخلی وعذاباته الفریدة ، أملا ًفی الوصول بالعمل الفنی إلى ذروة الإیقاع والهارمونی .

هكذا یمكننا القول إن صراع البیاتی والحلاج صراعا ًتراجیدیا ً، یبلوره قانون (النفی ونفی النفی ) ومن خلال ا

لعمل الفنی یتحد الشاعر مع طقوس التجلیات التی تحكی صیرورة الموت والحیاة... یقول فی قصیدة (المحاكمة)


بحت بكلمتین للسلطان

قلت له: جبان

قلت لكلب الصید كلمتین

ونمت لیلتین

حلمت فیهما بأنی لم أعد لفظین

توحدت

تعانقت

وباركت أنت أنت

تعاستی

ووحشتی


نجد فی هذا النص مناغاة واضحة لرؤى وأسلوب الحلاج بشكل جدید.

أثناء العملیة الإبداعیة هنالك عنصران یشتغلان ویتفاعلان :هما الهدم والبناء ، والمبدع هو ذلك الساحر الذی

ینتصر فی بناء عالم جدید أكثر إشراقة وتسامی...أن صراع البیاتی مع الحلاج أثناء العمل الفنی یعد صراعا

ًبین القدیم والجدید بین الرماد والنار، هكذا یتطهر الشاعر بعد الأنتهاء من قصیدته ،، باثا ًروح التغیر فی نفسه

وفی بطله وفی المتلقی فی نهایة الأمر....فی دیوان (قمر شیراز )نسمعه یقول


فی أحواض الزهر وفی غابات طفولة حبی

كان الحلاج رفیقی فی كل ألأسفار ، كنا

نتقاسم الخبز ونكتب أشعارا ًعن رؤیا الفقراء المنبوذین


یموت الحلاج الهرم القدیم لینهض حلاجا ًمغایرا ً ، فی شكل وقوالب شعریة جدیدة ..كل ذلك یعود بالخیر

والنصر للحلاج حیث انه یلد أكثر قوة وأكثر تمردا ً،بدماء نوعیة تجمع فی رحمها دورات فصول حلم مقدس....

عبر البیاتی عبر مأساة الحلاج عن فكرة الموت الجسدی والشهادة والأنبعاث ، كانت تساؤلات الشاعر تبدو

بسیطة (من السهل الممتنع ) بلیغة ً عمیقة ، تبث فی الحاضر والمستقبل بذور الحیاة ..

یعود البیاتی بغنائیته فی تذكیر كل المضطهَدین بغد وبحلم متعدد ألأبعاد والأحتمالات ،،یضخ فی الحیاة ضیاء

الخلاص الذی یحقق كرامة الإنسان وحریته،، نراه یردد متسائلا ًمحذرا ً فی دیوان

( قمر شیراز)


.........................

.......................

فلماذا یا أبتی لم ترفع یدك السمحاء ؟

*        *       *     *

ثورات الفقراء

یسرقها فی كل ألأزمان لصوص الثورات

*        *          *       *

( زاباتا) كان مثالا ًومئات ألأسماء ألأخرى

فی قاموس القدیسین الشهداء

*             *             *

لماذا یا أبتی لم ترفع یدك السمحاء بوجه الشر القادم من كل ألأبواب؟

 

بدیع الآلوسی

التعلیقات

الاسم:     وفاء عبد الرزاق
التاریخ:     11/01/2009 06:56:42
اخی الفاضل الاستاذ بدیع

دراسة وافیة ورائعة بحق مبدع العراق الكبیر البیاتی

اعجبتنی فعلا بتناولك الجانب التصوفی من القصائد لانه من وجهة نظری جانب مهم یبعد المبع والقارىء عن الكلام المباشر او الشعر المباشر ویدخلنا عالما روحیا من خلاله نفیض نقاءا شعریا، او شعرا یدعو الى الصفاء الكونی



طبقه بندی: الشعر الحر، مقالات حول عبدالوهاب البیاتی،

تاریخ : دوشنبه 19 مهر 1389 | 10:52 | نویسنده : دکتر كشاورز
علاء هاشم مناف
الحوار المتمدن - العدد: 2487 - 2008 / 12 / 6
المحور: الادب والفن
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع      Bookmark and Share

البنائیة الأسطوریة عند السیاب
فی قصیدة
(سربروس فی بابل)
تقدم لنا التصورات البنائیة بطابعها الأسطوری ابنیه تركیبیة تشیر الى عملیة البناء الذی یتعلق بالكیفیة التركیبیة للنصوص الشعریة ، هذه الابنیة التی تقوم بتصور الوقع الاسطوری بوظیفة ذهنیة بفرز نموذج یقیمه الفعل العقلی بعد الفراغ من عملیات التشكیل المدروسة بتراتبیة بنائیة وهی توجد بالقوة التصوریة ، وبفعل التمثیل بمعالمها حتى یصل بالمبحث الاسطوری الى الدراسة المستفیظة والحالة المتتابعة للاحتمالات التی یتسع لها مصطلح البنائیة الاسطوریة عند السیاب ، وان التصمیم الذی یتعلق بهیكلیة هذه المنظومة الاسطوریة باعتبارها منظومة تتعلق بالكشف الحسی والادراك الظاهر للخصائص المتمثلة فی العنصر التركیبی للصورة التجریبیة للاسطورة وهی تعتمد على رموز عملیات التوصیل المتشكلة بالوقائع وان تعریف البنائیة الاسطوریة للشعر بانها اٍحكام دقیق لعملیات التولید الذهنیة بوقائع تتمثل فی الوصف لبنیة القصیدة عبر الاجابة على اسئلة تقتضی التمییز بین هذه التصورات المختلفة للبنیة الاسطوریة وهو الاصطلاح الذی تحدده نتائج ذات طابع موضوعی یحتكم فیه التولید والخلق الشعری الى اسس معرفیة . والسیاب اتخذ من هذه الوحدات البنائیة للاسطورة المكون المتشكل وفق قوانین الصیاغة وعنصر التمییز بین المنظومة الاسطوریة وطبیعة الوقائع التی تتصل بالظاهرة الصوتیة للقصیدة الى جانب رمزها المتمثل بالقدرة على اثارة هذه التصورات الذهنیة من الناحیة الدلالیة ، وعلیه فان العناصر التی تتعلق بالجانب الاتصالی الصوتی للمفردة الشعریة الذی نسمیه العنصر الموضوعی لحركة الاسطرة ، وقصیدة السیاب (سربروس فی بابل ) هی نسج اتصالی لحلقة مفقودة داخل هذه الوقائع فی العراق وان اساسیاتها مرتبطة بحالة التشابه البنائیة من الناحیة الاسطوریة بین المدلول الخارج للحدث ، والمدلول الداخلی لتركیبة البنیة السیاسیة فی العراق وهی البنیة الموضوعیة التی تكشفت للوهلة الاولى بالسیطرة الاستعماریة على العراق واقامة منظومات سیاسیة خاویة وخائبة قامت بتجریدها للاشیاء وفق حجة (البنائیة السیاسیة الجدیدة) وقد تشكلت هذه البنائیة السیاسیة على مجموعة من المنظومات السیاسیة ذات الدلالة الخارجیة وقد مثلت هذه المنظومات احكاما اسطوریة شكلت فی حینها اتجاها ت تاریخیة وشخصیة اعطته رؤیة جدیدة لعالم اسطوری تكمن فیه هذه الصورة البشعة المحكومة بالعلاقات المطلقة احیانا والمباشرة من الناحیة الفوضویة فی بناء هذه المنظومات. والبنیة الاسطوریة عند السیاب خاضت غمار هذه الصراعات متصلة بتركیب النص الشعری ونسجه اللغوی – والصوتی الخفی الذی یظهر فی اسطورة ( سربروس فی بابل) وهو الكلب الذی یحرس ( مملكة الموت) فی الاساطیر الیونانیة القدیمة حیث یقوم عرش (برسفون) الهة الربیع بعد ان اختطفها اله الموت وقد صور دانتی (فی الكومیدیا الالهیة ) حارسا ومعذبا للارواح الخاطئة( ).
والسیاب یمیز بین البنیة من ناحیة الاسلوب الاسطوری وهی تتصل بتركیبة النص والبنیة المتعلقة بالنسج اللغوی الاسطوری ، وفی الحالة الثانیة یتشكل النص الشعری عند السیاب حیث نرى البنیة تتصل بالحكایة ووظیفة الزمن والشخصیات وهیكل الاحداث الذی یشكل الخلیة اللغویة بمستویاتها الصوتیة وامكانیاتها البنائیة فی تاكید مهمة النص الشعری واهتمامه بفروع المعرفة الصوتیة المتخفیة والمضمرة داخل النص الشعری وهی تبحث عن الاسس النظریة لكی تجعل البحث النظری داخل هذه النصوص هی من الاهتمامات المتعمقة فی اشعار القاریء الجاد بان هناك معطیات عدیدة تقوم بعملیة التحلیل لهذا الاشعار الصوتی الخفی وهو یبلور نقطة عمیقة الجذور فی خلق هذا الكشف الدقیق للخصائص الاصیلة فی نظم الایقاع الصوتی الخفی، وقد یظهر هذا النظم عند السیاب وفق تراكیب عدیدة من الاختلافات ذات الدلالات العمیقة وهی القادرة بالمقابل على اضاءة حقائق قیمة ترتبط بالبنیة الاسطوریة وعقول تلك المجامیع البشریة التی تعین هذا الفهم من التطورات التی تحدث فی هذه التشكیلات ذات النظام الایقاعی الظاهر وفق اسس جذریة تتعلق بالدور التكوینی لاساسیات التوازن الاسطوری من الناحیة اللغویة الذی یقوم به التركیب الشعری وفق الصیغة الكیفیة من منظومة اللغة وتفاصیلها الصوتیة الخفیة التی تبلغ عنصر المبحث الشعری الذی یركز على المنظومة الایقاعیة التی تتناسب والمجال الطبیعی لحركة الاسطورة فی (سربروس فی بابل) وهنا یتشكل الفضاء الاسطوری عند السیاب بواسطة مركبات متعددة المستویات یطغی علیها الفعل الدلالی داخل اختلافیة للبنیة وفق قیمة دلالیة للمعنى بانكماش مجال التعدد للمعانی وازدیاد الاكتمال فی الفائدة التی تجعل ثراء المضمون من الناحیة الفنیة هو الجانب الامكانی فی الاستبعاد للمعانی المترهلة ،ونحن مع رای الجرجانی فی المعنى الذی (ینقسم الى قسمین)(قسم انت ترى احد الشاعرین فیه قد اتى بالمعنى غفلا ساذجا ، وترى الاخر قد اخرجه فی صورة تروق وتعجب)( ) المعنى الذی یاتی غفلا وفی الصورة الاخرى الذی یاتی مصنوعا ویكون ذلك اما لانه متاخرا قصر عن متقدم واما لانه هدى متاخرا لشیء لم یهتد الیه المتقدم. مثال ذلك:
قال البحتری:
لیل یصادفنی ومرهفة الحشا
ضدین اسهره لها وتنامه


وقول المتنبی :
وقیدت نفسی فی ذراك محبة
ومن وجد الاحسان قیدا تقیدا
وقول المتنبی:
وماثناك كلام الناس عن كرم
ومن یسد طریق العارض الهطل
وقول الكندی:
عزُّوا وعزَّ بعزهم من جاوروا
فهم الذرى وجماجم الهامات
فی هذه الابیات تتشكل الصور بعملیة اختلافیة ، وان البنائیة الشعریة التی تقول (ان المعنى فی هذا البیت هو المعنى فی ذلك ولاخلاف فی معنى عائد الیك فی البیت الثانی فی هیأته وصفته، وان الحكم فی البیتین كحكم الاسمین فی منظومة اللغة مثل (سربروس فی بابل) حسب ماتقوله الاسطورة الیونانیة ، ولكن السیاب جمع (سربروس) وهی كلمة یونانیة مع كلمة تخص حضارة بابل وسربروس كلب یحرس مملكة الموت فی الاساطیر الیونانیة – ولاعلاقة بین سربروس وبابل لان الكلمة الیونانیة لایجمعها جنس واحد مع بابل لان بینهما اختلاف كبیر فی تفاصیل المعنى ولكن هناك تطابق بین سربروس ووجوده الان فی العراق ، والسیاب كان یمیز بین هذه الاساطیر ومسمیاتها لانها تؤدی وظیفة تكاد تكون مطلقة من الناحیة الفنیة وهی تتمازج وتتداخل وتنسجم مع خواصها الاسطوریة برغم التصویر المتناقض فی نظر السیاب الذی انتج هذا التناقض فهو السبیل الى حالة الصیرورة الوجودیة واستمرار الحیاة برغم الاحتلال ورغم مایحدث من انتهاكات مریبة وهذا یذكرنا بقصیدة السیاب (وصیه من محتضر) حین یقول:
این العراق؟ واین شمس ضحاه تحملها سفینة
خیر البلاد سكنتموها بین خضراء وماء
هی جنة فحذار من افعى تدب على ثراها .
هذا یعنی ان الرمز الاسطوری عند السیاب كان رمزا ستراتیجیا فی بابل ولو كان الناقد المبدع عبالجبار عباس حیا لغیر رایه فی مفهوم الاسطورة عند السیاب لجعلها مفهوما ستراتیجیا ولیس كنایة بلاغیة ولیس فرصة للتلذذ باكتشاف الحقائق او الاختفاء وراء هذه الرموز ، وان الوظیفة الاسطوریة لاتنتهی بمجرد الانكشاف للقاریء لتشكیلة هذه الرموز وان سربروس هو لیس رمزا للطاغیة قاسم فقط انما هو رمز لاكبر احتلال عسكری (امیركی بریطانی للعراق) فی العصر الحدیث وفی هذا السیاق اتذكر قال لی الناقد الانطباعی المبدع عبدالجبار عباس ( انی كتبت كتاب السیاب بشكل سریع) ثم یستدرك الناقد الراحل فی الصفحة (196) من كتابه السیاب قائلا ( ان السیاب عمد الى الاكثار من الاساطیر لحاجة تنكریة) ویقول ( ان الاساطیر فی شعره لیست حلیة جمالیة تضاف الى قصائده ویمكن الاستغناء عنها ، بل امست ضرورة فنیة واسلوبا راسخا یبنی به قصیدته حتى لو لم یكن ثمة حرج من مضمون القصیدة بدلیل انه عمد الى هذه الاساطیر فی هجائه للشیوعیین فی قصیدة ( رؤیا 1956) وهذا اعتراف من الناقد المبدع عبالجبار عباس بان الاساطیر تؤدی وظیفة تنكریة قد یصح فی قصیدة ( سربروس فی بابل )( ) وهو رمز اسطوری عبر عن خیبة امل سیاسیة لم تحقق الحلم المنشود فی العراق .
یقول السیاب :
لیعوِ سربروس فی ا لدروب
فی بابل الحزینة المهدمة
ویملأ الفضاء زمزمة ،
یمزق الصغار بالنیوب ، یقضم العظام
ویشرب القلوب
عیناه نیزكان فی الظلام
وشدقه الرهیب موجتان من مُدى
تخبیء الردى .
و العلاقة التی تربط الاسطورة باللغة تكون من خلال ابراز الصورة ومظاهر التكوین فی التشكیلة المرئیة للصورة الشعریة وهی تقتضی رسالة لغویة تحدث داخل مجموعة من الاشیاء وهی تنتقل الى السیاق الاسطوری فی اللغة ، لانها تتخلل اللحظة الحرجة فی التصور داخل مكون لغوی اسطوری یتمتع بالمعنى الدلالی للاسطورة وهو مقتضى جدید لانطولوجیا الاسطورة عند السیاب حیث تعود هذه الجذور الى مفهوم الحاضر الوجودی فی فلسفة الاسطورة وفی اللحظة الراهنة عند السیاب وهو یكتب النص الشعری لانه أقتضاء یتعلق ببیان هذا العنصر الوجودی للاسطورة وملامحه الحاضرة فی مسار التذكیر الواقعی فی (سربروس فی بابل) وهو ایضا الزامی فی تبیان الموجود فی الحاضر ، والامر یتعلق فی مسار الكلب الذی یحرس مملكة الموت فی الاساطیر الیونانیة باعتباره لحظة خطابیة راهنة تتعلق بالحدث التاریخی للاسطورة لانه الكشف عن القیمة الاسطوریة فی ثنایا وجودها الذی تمیز بالتحدیث فی اطارها الفلسفی وهو تساؤل عن اللحظة ودلالتها اللغویة ومدى الامكانیة التی توفرها الاسطورة فی تدشین التحدیث كمسار یتمحور داخل منظومة التاریخ التی ارست الاشكالیة التقنیة كما تفسرها النصوص الاسطوریه ، وهی قیمة تقع فی مركزیة حركة التاریخ لانها اثبتت خصوصیة هذا التحدیث الاسطوری داخل نصوص السیاب الشعریة ، والسیاب اسس هذا التوازن الاسطوری فی فلسفة التحدیث وعمد على نقله خطابیا داخل شروط امكانیه ومعرفیة وهی تتحرك بملاحظة جد تحدیثیة وفق مقتضیات الحالة الراهنة ، فالكلب (سربروس ) هو نفس الكلب الذی یجوب العراق من شماله الى جنوبه حالیا وهو نفس العراق المهدم وسربروس الذی یمزق اطفاله( بالنیوب ویقضم العظام) وینشر الخراب والمكان هو العراق ولبنان وفلسطین الحقول التجریبیة فیما یتعلق بتحلیل النص الشعری بانطولوجیا الحاضر، ویرى السیاب ان التشخیص الدقیق لفلسفة الاختیار الاسطوری فی اللحظة الراهنة هو الشكل الممتد داخل اسس منهجیة تندرج داخل النص الشعری ،هذا المنهج اللاسطوری هو الذی شكل حفریات المعرفة منذ البدایة لدى السیاب وهو التجسید الحقیقی لما یحدث باختیار یمتد عبر التاریخ . والسیاب حول هذا الرصد للوحدات الاسطوریة بتجذیر یتعلق بالمقولات الواعیة التی تولدت بلغة اتصالیة عالیة الوقع بعد ان قوض مفهوم الوظیفة التنكریة للاسطورة التی اشتملت الحس التاریخی الذی یلوذ به السیاب كما یتهمه البعض من النقاد هنا وهناك فی كتب النقد ، فالسیاب لابس التاریخ بالاسطورة وبشكل تحدیثی باعتبارها تحول فی الانساق وتباین فی الانشطار الذی اصبح یطبع مسار النص الشعری للسیاب .
اشداقه الرهیبة الثلاثة احتراق
یؤج فی العراق-
لیعِو سربروس فی الدروب
وینبش التراب عن الهنا الدفین
تموزنا الطعین،
یاكله : یمص عینیه الى القرار ،
فی هذه الابیات یشكل المنظور اللغوی بانساق فلسفة الاسطورة واقعا جدلیا یستطلع اشكالیة التاریخ ، اننا نستطیع ان نفكك هذا التشكیل فی اللغة الاسطوریة وفق انموذج بنائی یعكس دعامة الوجود الصوتی الخفی للنص وفق مركزیة الماضی والحاضر ووفق رؤیة ارسطیة تفترض التاسیس اللغوی باقتراب یصور تدرج هذه العملیات وفق زمنیة لغویة تتقدمها المصدریة السیكولوجیة وفق منظومة تعتمد الثنائیة ( السیكولوجیة) الذهنیة فی استعمال یجذر التعیین بنظریة اللغة وذهنیة القدرة التطبیقیة للاسطورة واعادة تشكیل الوعی باستدعاء حركیة التاویل لنمطیة التفكیك الارسطی لهذه الوحدات التی تشكلت بنواة النظریة البنائیة فی اللغة ، فالسیاب افصح عن الابنیة النصیة باحتیاطی وفره ببناء سابق فی حلقة القص الاسطوری ورهافة فی النسج الشعری حیث طور هذه التكوینیة الاسطوریة بمشاهدة وسماع (العواء لسربروس) فی الدروب وفق منطق اجرائی انتجه السیاق الفلسفی للنص وفق انتقائیة تاملیة ماخوذة من تجربة الیباب لالیوت وعملیة النبش فی التراب والبحث الدقیق فی ثنایا التركیب للاسطورة فی (تموزنا الطعین) والسیاب واصل تتبع الواقعة المحسوسة سسیولوجیا انه الفعل العملی لتجمیع الحدود الفلسفیة للاسطورة داخل بوتقة التفكیك التعاقبی الذی شكله الصوت فی (یاكله یمص عینیه الى القرار) وهذا تحول فی المنظور الرؤیوی عند السیاب فی فلسفة اللغة الاسطوریة من وجهة النظر المركزیة للابنیة النصیة وهی تقوم بتاهیل الوعی الاسطوری من وجهة نظر دالة وشروح تمرر هذا الارث الفلسفی للاسطورة عند السیاب .
یقصم صلبه القوی، یحطم الجراء
بین یدیه ، ینثر الورود والشقیق .
اواه لو یُفیق
الهنا الفتیُ، لویبرعم الحقول ،
لو ینثر البیادر النضارفی السهول،
لو ینتضی الحسام ، لویفجر الرعود والبروق والمطر
ویطلق السیول من یدیه. اه لو یؤوب !
ان المباشرة بتمثیل العودة لحقیقة بعث الحیاة من جدید لانها العنصر الوسیط الذی یربط بین لغة التمثیل هذه من الناحیة (السیمیولوجیة) لانها تفعل فعل التجاوز لحدود اللغة العادیة ای لغة الاداة الى لغة الاسطورة الفلسفیة وهذا موضوع یعكس المبحث (السیمیولوجی) فی وحداته الدالة الكبرى لان المنحى اللغوی الذی ینتهجه السیاب فی هذه الاشكالیة هو منحى الرسائل المشفرة التی تتواصل مع العام الاسطوری لفلسفة اللغة وفق دراسة بنائیة تتموضع داخل الوظیفة الشعریة لانها الاهمیة الدقیقة فی اقتضاء الضرورة لان السیاب یقوم بایقاف الانماط التقلیدیة للغة ذلك بانتقاله الى العمق لینشر البیادر النضار فی السهول ، فهو یربط التفاوت الاختلافی فی اللغة وفق سیمیولوجیا تاسیسیة لرموز اسطوریة یستخدمها السیاب كرسائل مشفرة یحاول ان یتواصل مع الرمزیة التقلیدیة للغة وبالمحاور اللغویة الاوسع فی ظل سیمیولوجیة التواصل (الانثروبولوجی للغة) (لو ینتضی الحسام ، لویفجر الرعود والبروق والمطر ) ویطلق السیول من یدیه . اه لو یؤوب !) وهذه حالة التصنیف للابنیة اللغویة وفق تلك المعاییر المشفرة عند السیاب من الناحیة الاسطوریة . والسیاب اعتمد علاقة التجاور الحسی فی اللغة، فالاشارة عنده ترتبط (بالدال والمدلول) وهی تتجاوز المنحى الواقعی الى مشهد الواقع الاسطوری ، وهناك علاقة ایقونیة تتمركز فی الدال والمدلول فهی ترتبط بالمشاركات الشكلیة وتظهر اثناء القراءة او فی التصویر اللغوی للمشهد فی حقیقته الاسطوریة ( الهنا الفتی لو یبرعم الحقول). لقد اتخذ السیاب فی بنائه الاسطوری دلالة تحدیثیة قائمة بین ماحدث فی العراق فی المرحلة الماضیة ای فی العام 1959 وبین ما یحدث الان من اشكالیات وتجاوز فی ظل الاحتلال العسكری الامیركی البریطانی للعراق ، ففعل التشابه قائم بین المرحلتین التاریخیتین قبل العام 1958 وامتداداتهما فیما بعد وما حصل من نزاعات سیاسیة ، هذه التركیبة او المعادلة الرمزیة فهی تؤكد الدال والمدلول فی الرابطة الفعلیة بین الداخل والخارج والحالة الرمزیة التی لم تنفصل لانها تمثل مرجعیات رمزیة واسطوریة مختلفة ، واننا نلاحظ هذا التنوع التدریجی القائم على الانتقال داخل الحدث التاریخی من مرتبة تحدیثیة فی النص الى مرتبة تحدیثیة اخرى وهی تتشكل من الناحیة اللغویة على اساس تقلیدی فی عملیة تفصیل الحدث كما قلنا فی بدایة هذا البحث ، الا ان الوظیفة الاسطوریة هی التی تخضع هذه المستویات من البنیة اللغویة الى الحالة الضروریه فی تكوین الصیرورة ، وهو مظهر اشاری مشفر عند السیاب لانه یكتسب اهمیة (سیمیولوجیة) من ناحیة انتاج الرمز الاشاری لیتفاعل مع العناصر الایقونیة التی تتمثل فی الدوائر اللغویة المشفرة مع الاخذ بعین الاعتبار الرموز اللغویة الاداتیة التی تنبنی بالتقابل مع هذه المفاصل الرمزیة المحددة بالسیمیولوجیا الثقافیة وهی تضفی على النص عدة من الدلالات والاعتبارات السسیولوجیة العامة .
یقول السیاب:
لحافنا التراب ، فوقه من القمر
دم ، ومن نهود نسوة العراق طین .
ونحن اذ نبض من مغاور السنین
نرى العراق ، یسال الصغار فی قراره :
(ما القمح ؟ ماالثمر ؟ )
ماالماء ؟ ماالمهود ؟ ماالاله ؟ ماالبشر ؟
فالتقسیم الذی تمحور فی العلاقة السیمیولوجیة الخاصة بین (سربروس الامیركی فی العراق) وهی الاشارة التی تتضمن العلاقة بین الدال والمدلول وفق منظومة (داخلیة وخارجیة) وهی ترتبط باشارات تتكون من سیاقات متجاورة ومعروفة ، اما التشابه الحسی (لسیمیولوجیا اللغة) التی تركزت على التجاور الواقعی وفق انموذج لغوی اسطوری واضح وهو یشیر الى العلاقة الایقونیة بین الدال والمدلول بالمشاركة النوعیة التی تظهر للمتلقی لهذه الابیات الشعریة التحدیثیة عند السیاب لتضع التشابه وفق النسبة والتناسب فی اطار مراحل تاریخیة تتجلى فیها المشاهد (السسیولوجیة الحسیة) وتلتقی فیها الصیغ المتناظرة بقساوة تلك الابعاد التاریخیة ، والتشابه الحاصل فی المحصلات فی العراق ماقبل العام 1958 وما بعدها وبین احتلال العراق فی العام 2003 من قبل الامبراطوریة العسكریة الامیركیة ، فالذی حصل هو صدق حدس السیاب فی التحدیث للنص الشعری وماشكله من رموز اسطوریة فی الكلب (سربروس) هذا الكلب الاسطوری الذی ظهر فی مرحلتین تاریخیتین من اخطر المراحل التأرخیة التی حدثت فی العراق الذی شكل التنوع فی الدلالة التحدیثیة فاصبح معناه الرمزی یقع طردیا فی سلم التاریخ وفی المقدمة فی تصویر فعل هذا التجاور وقوته اللغویة الاسطوریة وتراثه وعمقه الرمزی ، والسیاب یهدف من هذا التحدیث السسیولوجی للنص الشعری عبر البحث السیمیولوجی ووفق وظیفة بنائیة فی تمثیل قائمة من الاسئلة ، ولذلك ینبغی ان نحدد طریقة الانبثاق فی تفصیل معیار الحدث الشعری وهو یتركب من الاشیاء لیتصل بتلك المحاور السیمیولوجیة التی تشیر الى الضرورات الدالة فی ( ما القمح؟ ما الثمر ؟ ما الماء ؟ مالمهود ؟ ما الاله ؟ ما البشر ؟ ) هذه الضرورات من الاسئلة تتعرض لجوانب سیكولوجیة وسسیولوجیة واقتصادیة ودینیة اضافة الى الدلالة الرمزیة التكوینیة وهذا یرتبط بتشكیلة الانبثاق التی تتعلق بمنهجیة التحدیث للنص الشعری عند السیاب ، فكـان جواب السیاب:
رفیقة الزهور والمیاه والطیوب ،
عشتار ربة الشمال والجنوب ،
تسیر فی السهول والوهاد
تسیر فی الدروب
تلقط منها لحن تموزاذا انتثر ،
تلمه فی سلة كأنه الثمر
لكن سربروس بابل – الجحیم
یحبُ . فی الدروب خلفها ویركض
ان الوصول الى البنیة السیمیولوجیة یؤكدها الاختیار التوثیقی للدلالة فی انتظام یستخلصه كشف القواعد العملیة للغة الاسطوریة وفق المستوى التوقیتی الذی الزمه التناول لزمنیة عشتار الدالة من الناحیة الاسطوریة , وهی زمنیة متغیرة وفق حتمیات واختیارات تتوضح انظمتها بالبحث على مستوى التاریخ للوصول الى حالة ایقاعیة تؤكد سر المتغیرات فی الوعی السیمیولوجی للاسطورة ،وهنا یتم اخضاع العنصر السیاقی الى مفهوم الدوائر الدلالیة وفق استیعاب ینبثق بدلالة اختلافیة للاسطوره(عشتار ربة الشمال والجنوب ) و(تلقط منها لحم تموز اذا انتثر ،) وهنا تاتی وظیفة النظم الدلالی المتعلقة بالمنهجیة السیمیولوجیة طبقا للحالة البنائیة ، والسیاب یتمثل تصوره للاشیاء من خلال تواصل حلقة الانبثاق للاتصال بالموضوع السیمیولوجی للاسطورة وتشیر دلالة الاشیاء الى الحالة الضروریة التی یتركب فیها مستوى الوعی للاسطورة والتضامن الذی تقتضیه الوحدات المتبادلة سواء على المستوى اللغوی للاسطورة او مستوى الانساق التوفیقیة داخل البنیة اللغویة ، فالاختیار یأتی مرة اخرى فی نظر السیاب بحركة الفعل الانبثاقی حیث تنبعث عشتار بحكم التوفیقیة الاسطوریة وبرغم الخضوع السیاقی وتدرجه واحتمالاته ، فالمنظومة الاسطوریة تتناسب بشكل عكسی مع حجم الواقعة والوقیعة التی احدثها (سربروس فی عشتار ) لكن الادلة اللغویة تشیر الى عملیة التوازن عند السیاب وهی عودة البنیة الاسطوریة فی التدرج والتقنیة فی الانبعاث . هذا التدرّج هو الذی یحدد مفهوم التغایر الذی یحدث فی سیمیولوجیة اللغة بصفته تطابقا یفضی الى حاجة واستجابات لوسائط تتموضع فی الاتساق والمكوث والاجابة على كل الاحتمالات التی یحدثها ( سربروس فی بابل وفی عشتار حصرا)
یمزق النعال فی اقدامها یعضعض ،
سیقانها اللدان ، ینهش الیدین او یمزق الرداء.
یلوث الوشاح بالدم القدیم
یمزج الدم الجدید بالعواء .
لیعوِ سربروس فی الدروب
لینهش الالهة الحزینة ، الالهة المروعه ،
فان من دمائها ستخضب الحبوب
سینبت الاله ، فالشرائح الموزعة
تجمعت ؟ تململت . سیولد الضیاء
من رحم یترُُّ بالدماء .
لقد افرغ السیاب اللغة من التلیّف والخضوع الى طائلة الذات الاسطوریة وعممها بالواقعة وبحركة تصویریة مثلت أداة التبادل فی هذه الوقائع من صیغ اللفظ السیمیولوجی الذی افصح عن معناه بطریقة منفتحة على الحس والربط الجدلی بین هذا التموضع داخل الحس والنسج داخل الجملة الشعریة بافتراض مبحث سیمیولوجی یخضع العلامة الى الدلالة كما فی (لینهش الالهة الحزینة ، الالهة المروعة ، فان من دمها ستخضب الحبوب) فالمبحث الدلالی اكتسب الجدیة فی الاتصال بالاخر حیث استند الى المطابقة فی اللغة والتوثیق الاسطوریین وفق مقاومة تتشكل بالواقعة لعشتار والعودة الى الجذور الفكریة للاسطورة الرافدینیة باعتماد المغزى السسیولوجی، لان هذا الافتراض یذكرنا بالمغزى الفكری وفق دلالة لغویة تشكل المحتوى لهذا الفكر الرافدینی ، والسیاب موضع المستوى الدلالی حین موضع اللغة وطوع الاسطورة تحت هامش التاویل باستهداف یمتلك انعكاسیة مرتبطة بالخطاب الشعری المتین الذی وضع ارضیة للدلالة تحت رایة اللغة الاسطوریة بانجاز تخاطبی ذی اهمیة ( انثروبولوجیة) مكن السیاب من خلال التعبیر الاسطوری واللغة المؤسطرة العالیة الخصوبة ان یؤكد هذا الانفتاح داخل رؤیة جدلیة وجودیة تعنی بحركة الاتصال والتواصل مع جدلیة التاریخ من خلال الكشف اللغوی للاسطورة وعلاقتها التحدیثیة بالنص الشعری صاحب الجاذبیة العلائقیة فی التحدیث .
مقالات مرتبط:

المرأة والحب فی شعر السیاب

الصورة التقلیدیة للمرأة فی شعر السیاب

الزمن والرفض فی تجربة السیاب الشعریة

بدر شاكر السیاب

السیاب مزیج من الیأس والشعر

قراءة فی قصیدة أنشودة المطر لبدر شاكر السیاب

لوركا فی شعر السیاب والبیاتی ودرویش

للغة الشعریة عند السیاب

شرح قصیدة سفر ایوب بدر شاكر السیاب

البنائیة الأسطوریة عند السیاب

الروافد الأسطوریة فی شعر بدر شاكر السیاب

السیاب.. الرجل الذی تاه فی عرض المنفى!!

التناص وتحولات الشكل فى بنیة القصیدة عند السیاب

غرض الحنین فی شعر السیاب

لغة الشعر عند بدر شاكر السیاب

البنائیة الأسطوریة عند السیاب




علاء هاشم مناف
الحوار المتمدن - العدد: 2493 - 2008 / 12 / 12
المحور: الادب والفن
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع      Bookmark and Share

عندما تكون الخواص فی خلق الدلالة الأسطوریة ، للمنهج ، الشعری ، فی أحداثة (( للبطل الأسطوری )) فی النصوص الشعریة المرهفة .. وهی تحدث ضرورة ، منطقیة –وحیویة فی الأثر الحیاتی الكامل .. وعبر أنبثاق متطور فی ( الصورة – واللغة ) فهی فی مقدمة الحالات المتداخلة ، فی أنعاش التجربة المتمثلة بطقوسیة ((شعریة)) كبیرة … تبدو منبثقة عبر دوافع متمیزة بحیویة تخلق ، طروحات (( لغویة –وصوریة )) لتجد فی هذا المضمار ، وثائق أنسانیة لاتحصى ، وهی تأكید للحیاة المشحونة ، بخواص الفكر العمیق (( للبطل الأسطوری )) الذی الیة یرجع الشعور فی عملیة الكشف عن الأوهام التی تتباین بالإفراد فی الوقوف عند حافة المواجهة القیمة .. وهی تطرق معنى الرصانة فی ((منهج البطل الأسطوری)) وفی ((النواظم الفكریة)) المشحونة بالصیاغات الشعریة – والشعوریة والحدث فی هذة المسألة ، من المسائل الجمالیة ، التی یعالجها المعیار الموضوعی فی الصورة الشعریة .. ونتاج محكم الاساس للعامل المتخیل … وهی المادة الرئیسیة فی الجمل الشعریة المنظومة … والأستعانة الدقیقة بالمحاكاة ، والأفعال المنطقیة ، بقواعدها الجمالیة وبخواص الجمل الشعریة ، وسیاقاتها النسقیة –والفنیة ، بأطار من الوحدات الأدبیة .. وهذا تأكید لخواص العمل الأدبی من ((مسرحیة وملحمه)) فی جهد من الوعی – بألاحكام المتطورة ، وفی صیاغة للخطة المناسبة فی أستحضار الصیغ التجریبیة ، التی تشخص المنظومات الدقیقة ، فی التجربة المشحونة بالمطابقة الواعیة فی عمق التأمل ، الذی یفضی الى رغبات ذات علامات تشخص التنوع – والاتصال فی ((المغامرة الأسطوریة)) وما بین هذه الحالات .. یكون الأیقاع ذو محصلات فاعلة فی المعانی ، حتى تكون مادة مهمة فی أحكام الأدوات ، وهی تنتج العمل المتمیز فی الأداء .. وبشكل یكتمل فی وحدة الناتج الكامل المتمثل ((بالنقلة الشعوریة -والشعریة)) وهی تفصح عن الجدید فغی تفسیر المعنى الدقیق ((للبطل الأسطوری)) المحاصر فی الوعی الشعری ، المتوهج فی (( الصورة الشعریة )) الصادقة وهی تفصح كذلك عن التوحد .. والتحلیق المستمر فی فضاء القصیدة .. وهی تتمركز لتولد (( التناقض فی المساحة التعبیریة )) وهی من اساسیات البلوغ فی الاشیاء – والاسطورة اللغویة .. كذلك مشكلات التأمل التی تتركز فی المنطق الوجودی – للاسطورة الشاخصة فی (( الصورة الشعریة )) .
لقد كانت خواص البطل الاسطوری ، وعبر تدقیق جمالی فی المسلمات ، الرئیسیة ، وتحقیقاً للبنیة فی الكشف عن المداخلات والسیاقات المعرفیة فی تشاكیل عدیدة ، لصفة غلبت على شاعرین خرجا من شرنقة النصوص الشعریة الجاهزة ، وبنیتها المختلفة وهما (( سعدی یوسف – ومحمد درویش )) یبعثان و ینبعثان فی نواظم – وانساق ، تضمنت (( الثبات )) الدقیق فی التجربة الخاصة (( للبطل الاسطوری للاثنین )) وفی بناء القصیدة الحدیثة .. واطلاق الفاعلیة الفكریة فی تجربة تغتنی برؤیة شعریة ، تتحرر من عبء الرغبة ، وضغطها باتجاه النواظم التی تعطی التسامی فی العملیة الشعریة ، وباطلاقیة دقیقة فی صورة تحدد دلالتها المنهجیة فی الحوار الى حد الروابط القدسیة بین (( التحدیث – والتراث )) والتلازم الدقیق فی العملیات الفكریة ، وفی السیاقات ودلالتها العامة ، وتصور یحیل مرام اللفظ الى اطرافه الحقیقیة ، لكی یحصل التواصل ، فی المعنى – والبحث عن المراكز الدالة من حیث متطلبات الوقوف على المعانی – والصیاغات التی تتطلب التشخیص الدقیق لمیلاد التوثیق (( للبطل الاسطوری )) (( باللغة – واللفظ )) (( والمعنى – واسالیب الضرب )) من صیغ ، المجاز – والاتساع الدقیق ، فی صیاغة النص الشعری – (( وتناص - اللفظ )) فی (( الدال – والمدلول )) وهی تأتلف لتكوّن المنعطف ، المطلوب تحقیقه فی العملیات الذهنیة – والتلازم المتعاقب فی (( الاصوات – والمعانی )) و (( الصیاغة والدلالات )) وحتى تظفر بالمعانی .. وقد یحدث التصور للبطل فی (( مرام اللفظ )) لابراز حبكة المعنى .. فالحصیلة للمعانی العامة تتطلب :- (( اللفظ داخل النص الشعری )) وبتناص یؤدی الغرض والفروض والمعانی .. وهنا تأتی مزیة (( الصورة البلاغیة )) للبطل الاسطوری عن طریق الوصف فی المعانی – وطریقة النظم فی صیاغة الجملة – الشعریة فی لفظ الدلالة – واختلافها فی المواقع المحددة فی (( تركیبة النص الشعری )) وتناصه فی معانی (( الفصل والوصل )) (( كما یقول عبد القاهر الجرجانی )) .
ویشكل المنعطف (( السیكلوجی )) فی صورة (( البطل الاسطوری )) لیشكل عملیة التسامی خالصة فی شیء محدث من المسؤولیة – لتؤكد جملة من الانفعالات فی دلالة الصورة – بدلالة المنطق الشعری وانبثاقه فی آصرة فی الحدود الخیالیة ، وهی عدة من السیاقات الراسخة ، (( سیكولوجیا )) لكی تتحدد الصورة بمظهر (( اللغة – المتركبة )) من عدة صیاغات (( سیكولوجیة )) فی (( النص – والتناص الشعری )) عند الشاعرین (( سعدی یوسف - ومحمود درویش )) .
وعندما تبدأ المخاظات فی قلب المنعطف الشعری فی دراسة((البطل الاسطوری)) وهو یقطع فی اللحظات المركبة فی (( اللغة والصورة – والمعنى )) وفی الارتباط بین الماضی والحاضر ، (( والحداثة والتحدیث )) .. الى حد ما قدمته الفجوات فی (( دلالة الحس )) وصیغة الانفعال فی اطار بلورة جملة من الاشارات التی تتداخل (( فی تناص الكائن الاسطوری )) لیعود الحس الشعری وهو یعبر عن اشارة – ورمز یتفجر فی حاضر (( النص الشعری )) لیكون متسامیاً فی تناصه (( عمودیاً – وافقیاً )) الى ان یتحقق الاسلوب الشعری باطاره (( السیكولوجی )) وهو یرتقی (( سلم الصورة )) باستكشاف عدد المعانی الخفیة (( لینسج البطل الاسطوری )) .
وحین ینطلق لیستوعب المظهر المعرفی (( لسیكولوجیة المعنى )) باعتباره وصفاً ابداعیاً كامنأ فی (( تناصه – ومكوناته )) الثقافیة التی تتمحور بایقاع یعالج منطقاً تشاركه حیاته الابداعیة وفی تجاوز حققته الكثیر من المصادر وهی تنفرد بخواص منطقیة ، من المصادر تقوم بتفصیل الامتلاك لانماط ولخواص تندفع فی انسجتها التحلیلیة وهی تفصل الشكل الاسطوری للمعانی (فی النص والتناص الشعری ) یقول سعدی یوسف : -
منذ ان كان طفلاً تعلّم سّر المطر
وعلاماته :-
الغیم یهبط فی راحة الكف
والارض تقنط
والنمل كیف یخطط ارض الحدیقة …
والجذر یهتز فی سره …
والشجر .
منذ ان كان طفلاً ، تعلم ان المطر
حین یأتی رذاذا …
فلا برق فی آخر الافق
لا رعد فی القلب … لا موجة فی النهر
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
غیر انك تعلم ان الحیاة التی اتسعت
كالعباءة فی الریح
سوف تسوق المطر
لیلة ، هائجاً كالجاموس …
سوف یجیء المطر
ولا برق فی آخر الافق
لا رعد فی القلب …
لا موجة فی النهر
هكذا نتعلّم
او نتكلّم
او ننتمی للشجر .
فی العملیات التحلیلیة یكون الحدس لتراكیب الصورة وللغات المتوقعة والغیر معتادة على وضوح التوقعات ، بشیء من شرنقة الصیرورة ، یترتب العالم الاسطوری :- فوق جدائل البنفسج .. وهی تعرف التجاوز وتشعر المسار فی انطلاقة تفتش عن صیغة الاختلاف فی الاستثناءات والقواعد ودون خلاف یقیمان فی الندرة القائمة فی عملیات التسامی ، لتطلق الخواص للاستقطاب والانفعال یاتی لیؤكد السیطرة الكاملة لصیغة الاسطورة للبطل الذی سبق الصورة الشعریة فی تفاصیلها یقول محمود درویش :-
لو كان لی عودُ
ملأتُ الصمتَ اسئلةُ ملحِّنةً
وسلّیت الصحاب ..
لو كان لی قدمٌ ،
مشیتُ .. مشیتُ حتى الموت
من غابٍ لغاب ..
ماذا تبقَّى ایها المحكوم ؟
لو كان لی ..
حتى صلیبی لیس لی
انیًّ له ، !
انَّ اللیل خیمَّ مَّرة اخرى
وتهتفُ لا اهاب ؟!
یا سیداتی .. سادتی
یا شامخین على الحراب !
الساق تقطع والرقاب
والقلب یُطفأ – لو اردتم –
والسحابْ ..
یمشی على اقدامكم ..
والعین تُسمل ، والهضابْ
تنهار لو صحتم بها
ودمی المملَّح بالترابْ !
ان جفَّ كرمكمُ ،
یصیر الى شرابْ !
الخطاب الشعری یفهم بحدوده وخارج حدوده ، ویتم التواصل باستحقاق منفتح على العالم السفلی لیبین تجاور الادوار (العلویة والسفلیة) لیتألف النظم الذی جاءت منه حدود المعنى لسبیل لا ینبغی التفریق بینهما .. فالخواص من حسنت الفاظه وهظم معناه عبر السبل التی احترفها التفریق ، فجاءت باطار معین وهی مجموعة معان (تعصمك من الحیرة) كما یقول الجاحظ فهی الصدق فی نسبتها فی كل احاسیس المفردات حتى ترشحت (قطرة فقطرة) باحساس متمیز ینكشف بوضوح لیعلو فی فضاء النص .. بعدها یخرج بشكل متكامل فی حدوده المتواضعة داخل عدة من التفاصیل وهی مقاییس تضطرب بین آونة واخرى .. وبطبیعة الحال یحتاج البطل الاسطوری الى عملیة توثیق وتحدید المستویات ذات الانبعاثات المطلقة وبضرورات منهجیة توصف عدة من الاغراض المتناظرة وفی تعریف الكیفیات لاثبات الادلة فی متون من الكلام یقع فیه النظم موقع الكشف عن الصورة (فی مزیة جدلیة) تنتصر للمعنى فی سلسلة من التنافر لیشكل المعرقل الاول فی عملیة الافصاح عن شخصیة البطل وهو یوضح الاستعارات والمجاز ، والمحسنات البدیعیة من حیث جریانها فی اللفظ ، وهذا الموضوع یفاضله الغرض فی البحث لیكون الصواب وهو النسبة فی اظهار المذهب الرئیس فی خواص الافكار والطبائع التی تؤلف التصور فی استرجاع دقیق للاستعارة واللفظ ، وهی الدلالة فی الایجاز على المجاز .
فی هذه الحالة یأتی موقع الصیاغة وجمال النظم القویم والمعنى لتتوهج الشروط المركبة ، والخلاف المستفحل فی (العملیة الجدلیة) فالتشخیص یبدی الملاحظة ومن المؤكد فی الوجوب ان یتم تحدید المنطق (السایكولوجی) باعتباره یبدأ بالمقدمة وهی الخاصیة فی انجازات المعنى الكبیر للاعمال والخواص المتحولة فی سیاقات تجعل عملیة الوصف بالفرشاة وافیة ودقیقة عند (البطل الاسطوری)
كان سعدی یوسف قد استشعر هذا الموضوع .. وتم تشخیص المناقلة ، فی الاغتراب .. وتعمیقه بشكل مباشر لجذور – البطل المغترب اجتماعیاً دائماً فی ((الذات – والموضوع)) وهی حالات متنوعة تستفیق .. على رؤیة اسلوبیة جدیدة بابداع یتساوى بالحیاة وبالصورة المستقبلیة للبطل الذی یعیش داخل ((النص – والتناص)) الشعری .
یقول سعدی یوسف
بین منزله فی (( المعرةّ )) والسوق ، درب یظلله شجر مترب وشناشیل بیضاء – بنیةّ كل باب رتاج ،
وكل الكوى تستدق منها نهایاتها مغلقات عن النور . كلب وحید ، تكاد الرطوبة ان ترتمی حجراً فی الرئات ،
الظهیرة واقفة . یعوی الكلب ، یهدأ . من غصت سقطت ورقة كالحجر .
فخواص النسج الشعری تبدأ باحتفاظ الصورة بمكنوناتها ، فهی عملیة افصاح عن مكنون الخیال عبر الصورة المتحققة ذهنیاً وهی مفاهیم لقیم الحریة .. فهی تبدأ بالمكونات المتعددة – للاصالة ، فی استنطاق دقیق لخواص التناص ، باستحكام جمالی .. غایة فی التمثیل ، والتناول المعرفی لخصائص المعنى الدلالی للنصوص الشعریة : وشعر(( سعدی یوسف )) قابل للاشكالات والتحولات .. بحدودها المتقاربة حیث استحالت الى العملیة – الاسطوریة والى تأصیل دقیق لمعنى البطل ..
ولكن بقی (( درویش )) یبحث عن المنطق الاستدلالی فی مشروعه الشعری – الكبیر باستحداث روابط دقیقة فی عملیات التشریح والتحقیق لارجاع موقف العقل .. الى عملیة التغییر فی خواص النص الشعری .. واعادة بناءه على ضوء الحوار الدقیق مع البطل الاسطوری .. لقد ابتعد ((درویش)) كثیراً عن حالات التطابق ، الذاتی فی وحدة النص – والتناص ..
فكانت .. فرادته فی عملیة التكوین والبناء بنموذج یصلح لازمنه متغیرة .. فكانت اسهاماته فی بناء ((نص شعری)) مركب من مسلمات رئیسیة واضحة فی ایدیولوجیات اجتماعیة تتمركز بالموضوع خارج العلّة بانفتاح ذاتی على ((التناص)) وبشكل خفیف ، یقول (( درویش ))
ملَّوحة ، یا منادیل حتى
علیك السلام !
تقولین اكثر مما یقول
هدیل الحمام
واكثر من دمعةٍ
خلف جفنٍ ینام
على حلم هارب !
منفتحة ، یا شبابیك حبّی
تمُّر المدینة
امامك ، عرس طغاة
ومرثاه ام حزینة
وخلف الستائر ، اقمارنا
بقایا عفونة
وزنزانتی .. موصدة !
ملَّوثه ، یا كؤوس الطفولة
بطعم الكهولة
ان ادراك العلاقة الحسیة .. والتی تدرك معنى العلاقات بین منطق الاشیاء فی تمثیلها للجمال الاسطوری ، وهو الذی – یقرر الاحتواء لنفسه ، فی اطار الوعی بالذات – والموضوع وهی الحلقة المفقودة فی فكرة الجمال ، وما یوصله الادراك من قیم ، واعتبارات وما یتأسس علیه ، من احتفاء بالشروط الواجبة تحقیقها .. وهی تستمد اعتباراتها ، من حریة العقل ، التی تضع اللغة الاجتماعیة فی المصاف الاول .. لا مجرد سیاقات خیالیة – خالیة من الالتزام والتی یؤشرها ((مارسیل بروست .. وبرجسون)) وهی الدالة العقلیة التی تتسامى مع الطبیعة ، ویكون العقل فی هذه الحالة .. غیر خاضع الى نسبیة الحقیقة .
فالعلة : تكون متوازنة .. ویضیف ((سعدی یوسف))
فكرت یوماً بالملابس …
قلت انی مثل كل الناس ، ذو عینین
ابصر فیها شیئاً
ولكن مثل كل الناس ، لست ارید اربع اعین
عینان كافیتان لی
بل … ربما ابصرت عن شخص ینام الان
او یخش انفتاحة مقلتیة
والحقیقة فی ادراكها ، هی فی ادراك كنة الجمال الاسطوری للبطل .. وهو یقف فی الكلمة – وفی الجملة – ودون ان یقف عند موقعها ولكن فی ذاتها – وفی وموقعها العام .. وهو حكم بین النسبة – والتناسب .. بمعنى الادراك للجمال فی جرس الكلمة .. واطلاقها بصیغة جمالیة لا تحتاج الى فضاء التأمل .
فالصیغة الجمالیة : هی عملیة توجد فی الكینونة – وطریق التأمل یفضی ، الى برهنة للانساق – والخبرة – والمدنیة فالعلاقة فی ادراك المعانی .. سیعطینا الموقف الجمالی للادراك الصحیح ولموضوع التشبیهات ، فی صورة الوعی ، الجمعی ، حسب درجة الكمال الجمالی فی صورة الاسطورة للبطل وموقعه من ((الحقیقة – والطبیعة)) .
(( ومحمود درویش )) یستمد جمالیة بطله الاسطوری من واقع یزداد وحشیة : بسبب الموقف الحاسم من الحیاة – وتشخیصه الدقیق فی الصرامة والتعقل – وشد الاوتار برقة متناهیة ، لیبدأ العزق – ویبدأ النزال بمهارة الاثنین معاً .. عازف یحاكی الموقف والحیاة ومنازلة مستمرة على ایقاع الوتر .. ((ومحمود درویش)) یبنی موقفه ، الفكری على خواص موقف البطل الحقیقی فی اطار الحقیقة والطبیعة الاجتماعیة .
كانت اشجار التینْ
وابوكَ …
وكوخ الطین
وعیون الفلاحین
تبكی فی تشرین !
المولود صبی
ثالثهم ..
والثدی شحیح
ذرَّت اوراق التین
انها الولادة ، البطل ، ومشكلة الاستحالة فی نطاق البنیة الشعریة ، وهی ترشح الواقع لتمنحه (( دینامیكیة )) وتوقف فی معنى التسامی بالنص – والتناص الشعری ، لیولد الحقیقة – والخیال ، بولادة متسامیة عند حدود المعرفة وایقاعها ، المتناوب فی عملیات التأمل ، والتعدد فی المفاراقات ، وحدودها داخل هذا الشكل الموضوعی ، المتجانس … وبمستویات منفعلة تكتفی ، بالنفور والتعادلیة فی علاقة … وتتبنى المنحنیات الدقیقة للبطل فی استكشافیة عبر بیان (( النص الشعری )) .


المراجع
1. دیوان محمود درویش : دار العودة .
2. الاعمال الشعریة لسعدی یوسف من العام 1952-1977 مطبعة الادیب البغدادیة .




طبقه بندی: العصر الحدیث، مقالات حول سعدی یوسف،

تاریخ : دوشنبه 19 مهر 1389 | 10:48 | نویسنده : دکتر كشاورز
سعیدی المولودی

یستقطب عنصر" النار-النور" مدارات قصیدة سعدی یوسف على نحو مغایر، ینأى أو یقترب من إعطائها وجها لاستدرار طاقاته وامتلاك تمثلاته، بما یجسده أو یستشیره من أواصر خفیة أو بارزة تؤشر إلى مظاهر ومراسیم الكینونة الأولى وخلفیاتها المتعددة. ولذلك ینفذ شكل هذا العنصر إلى الصورة من خلال ما یحمله من قیم دلالیة أسطوریة رمزیة، أو سحریة متراكمة، لیمنحها " صیغة وجود"، أو بناء خاص یقوم على ضرورات وجدانیة تفرض ظلالها على حركة الأشیاء وعلاقاتها، وتستنفر أغوار الذاكرة من أعماق التاریخ والكون لتشهر تفاصیلها المنسیة، الذابلة، ومن ثمة یلعب دوره الفاعل فی استكمال دورة العناصر الأخرى وسریانها فی عروق الدلالة ومجاریها المتشعبة.

ونحن عملیا فی غنى عن الإشارة هنا إلى مظهر ''المركزیة''، أو الدور المتفرد لهذا العنصر ورموزه فی تاریخ الحضارات الإنسانیة بوجه عام، وهو ما حمل الفكر الفلسفی القدیم على اعتباره المادة التكوینیة الأولى التی تجسد "الحركة والتغیر"، واعتبار العالم كله ناشئا عن كتلة النار، ومن ثمة لم یأل الإنسان جهدا منذ القدیم فی الصراع من أجل الاقتراب من ملكوته، والاتحاد بمداه أو الوقوف على خصائصه وسماته، وشكل هذا الهاجس أرضیة ثابتة لملاحقة ومواجهة ظواهره، إما عن طریق التقدیس، حیث لجأ الإنسان قدیما إلى عبادة النار أو النور لأنها تجسد فی منظوره جوهر الوجود، مما كان یتمثل أبعاده أو یراه أو یواجهه، وكان لرموزها كذلك خاصة الشمس أو القمر أو النجوم تلك القداسة، وذلك الجلال والإكبار الذی نسجهما عقل الإنسان حول الكون وثوابته من جراء الانبهار بتقلباته، وكانت العبادة مظهرا لمحاولات الاقتراب وإدراك العالم الموضوعی، واستدراجه نحو رغبة الامتلاك واستیعاب حركة موجوداته وإدراك صیرورتها واكتشاف علائقها، بما كان یسمح للإنسان القدیم ذاته أن یلبس الكون ویخوض أو یسهم فی تحولاته، لیملأ عمقه فی ترابطات لا نهائیة، تجعل واقعه أكثر قابلیة للفهم. ولربما تعكس تلك المظاهر بمعنى ما رواسب الوحدة الأسطوریة التی تجمع طاقات الإنسان بطاقات الكون، وتوازن بین تجسدا تهما. ولا ریب أن الفكر الدینی عبر مراحل تطوره وجه العلاقات بین الإنسان ومحیطه توجیها مؤسسا على مظاهره وظواهره، والقصص الأسطوری فی أغلب الحضارات القدیمة إذ یعتمد مثلا رمزیة الماء ومركزیته التی تكرس بداءة الحیاة وإرادة الخلق، فی الوقت الذی یجسد فیه عامل الفناء أو الدمار، یعتمد بالقوة ذاتها النار، فقد كان ینظر إلیها باعتبارها أصلا للكون، أو صورة ساطعة لبعض تجلیاته، لتصبح فیما بعد جزءا من القیم الدینیة، وتتحول إلى عامل "تطهیر"و"جزاء" أو" عقابا" فی العالم الآخر لمقترفی الخطایا، وهذا البعد عملیا هو حصیلة طبیعیة لتفاعلات بعض عناصر الرؤیة المزدوجة التی تنهض على تمثل مبدأ الصراع الأبدی بین النور والظلمة، الخیر والشر وهكذا. وهو ما یؤشر للبعد الراسخ لتمثلات النار فی ذاكرة الشعوب والحضارات السحیقة، وعلى جذورها الضاربة فی سر الكون وحیاة كائناته، هكذا تتعاظم صورتها كمادة أولیة لتحافظ مع مرور الوقت على قدسیتها وطقوس الاعتبار التی توحی بالرهبة والخوف، وهذا المنحى باستمرار كان یؤازر الدور الفعال الذی رسخته عملیة اكتشاف النار وأثرها فی تطویر أركان الحضارة الإنسانیة. ومن ثمة فإن ظلال مداها الأسطوری لا تتلاشى وإنما تتجدد، وتتكرر، وتتلون عبر صیرورة الوجود وعناصره، فبقدر ما تثیر خوف الإنسان وذهوله تثیر شهوته أو رغبته، وستظل موئلا یمثل نقطة انعطاف فی تاریخ الإنسان، من حیث أنها تهبه الحیاة والدفء، وتغمره بنعیمها وآلامها، وتملأه بطاقة من الحیویة الاستثنائیة یهفو عبرها إلى مصارعة الوجود وظواهره، مهما خسر كثیرا من استشرافا ته، أو خاب فی كثیر من خطواته، لذلك لا غرو أن تفرض النار حضورها الدائم، وحیاتها بإلحاح فی كل تجسدات العالم، وتكتسب طبیعة ثابتة لیست منه بقدر ماهی متأصلة فیه، فهی ما یحول الكثیر من عناصره، ویكسب وجودها قیمة مادیة أو معنویة، یؤسس الإنسان على ضوئها قارة إدراكه الكلی لطبیعة العلاقات المثیرة، الزاخرة التی تشده إلى كیان العالم.."وهكذا هی النار ذات امتیاز یمكن أن تفسر كل شیء. وإذا كان كل ما یتغیر بطیئا تفسره الحیاة، فإن كل ما یتغیر سریعا تفسره النار". (1) ولأن كل شیء فی الوجود فی فیض مستمر، فإن النار ضالعة فی كل هذا الفیض، تستقصی حركة وطبائع الأشیاء، وتغرقها فی دوامة التقلب والتغیر وتأخذ منها بقدر ما تعطیها.

وینشأ الخیط الفاصل بین النار والنور من نقطة تماس رفیعة، لا تعكس أی مظهر انفصام بینهما بالقدر الذی تكثف عناصر تماثلهما أو انطباقهما الكلی، فالنار على الأقل"وجودان"، نلمس أبعاد الوجود الأول كلما اقتربنا منها أو لمسناها وهو ما تتجمع خیوطه ومعالمه فی بؤرة "ألم الاحتراق"، وهذا هو المظهر الرهیب فیها، الذی یخلخل مستوی تكیفها الطبیعی أو الداخلی مع الإنسان، ولهذا الاحتراق بعده الحقیقی (المادی) والمجازی الذی ینتقل به من سیاق خاص إلى سیاق عام، حیث یومئ مثلا إلى حالات عاطفیة ووجدانیة خاصة، تحقق تشاكلها الطبیعی المحاكی والموازی للاحتراق الفعلی، وما ینجم عنه من مضاعفات أو آثار مفاجئة طارئة تأخذ مظهرها من خلال استشعار الألم وانكسار نظام التحمل الداخلی لدى الأشیاء أو الإنسان، وهذا المظهر هو ما استثمره الفكر الدینی بطبیعة الحال فی تشیید ذاكرة الاقتصاص. ونسج عوالم الترهیب حیث النار هی العنصر الأساسی للعذاب. وأداة تأدیب وتهذیب وإصلاح أهل الخطایا والعصیان. أما الوجود الثانی فیأخذ مظهر "النور" وهو المظهر الایجابی فیها، "النار الأنقى" على حد تعبیر" باشلار". (2)ویجسد الجانب أو العامل التطهیری فیها، حیث یدحر أو یقهر الظل أو الظلمة، وتتكثف فی عوده دلالات شتى لها وشائج بكل ما یمت إلى الوضوح أو السطوع أو الاستنارة أو الإشراق، وسوى ذلك مما یضفی على دور النار لونا جدیدا یواجه الكون، من زوایة إضاءة خوافیه واختراق حجبه، "فالنور هو الذی یبین الأشیاء ویری الإبصار حقیقتها" (3) والوجدان معا لا ینفصلان، وكلاهما یلقی بأثقاله على الآخر لینطلق فی أی اتجاه.

وفی هذا السیاق یمیز" غاستون باشلار"، بین نارین: داخلیة وخارجیة، (4) تتمثل نار الداخل فی مزیج من الأحاسیس الفیاضة التی تتصاعد من دواخل الشاعر: اللوعة، حرقة الحزن... وكل المشاعر أو الانفعالات المتوترة التی تعكس أبعاد القلق الوجودی، أو المعاناة لإثبات الكینونة التاریخیة الخاصة أو العامة، وترمز بوجه عام إلى فضاءات الأهواء، بناء على أواصر المطابقة الواردة بین "النار" و"القلب"(5)، أما الخارجیة فلها ظهورات وتجلیات شتى، وتحققات متباینة، تتفاوت بین السلب والإیجاب. ومن جانب آخر یؤكد باشلاران النار وحدها تحتوی أو تمتلك من بین جمیع الظاهرات قابلیة القیمتین المتضادتین: الخیر والشر "تتألق فی الفردوس وتستعر فی الجحیم: عذوبة وعذاب" (6). هكذا تتجمع كل هذه الأبعاد لتحقق ماهیة النار، وسلطتها وموقعها أو هویتها الحضاریة فی بحر الرموز المتواریة فی ذاكرة الإنسان، وتنفذ اللغة إلى التماس تضاریسها الحقیقیة التی تهیئ صفاءها الأولی وتفتح مجراها للحضور على نحو أصیل.

وفی تجربة سعدی یوسف تتجسد النار -النور عبر مستویات متعددة تتوزعها سیاقات وت أویلات متباینة تتصل اتصالا وثیقا بمجرى الرؤیة العامة وتحولاتها، أو المواقف المتولدة عنها وتوجه عملیات استثمار فاعلیة الرموز وتصریف أبعادها، ومن الجائز القول إن بروزات" النار –النور" فی قصیدة سعدی یوسف تتقاطع باستمرار مع حركة وقائعها وكائناتها ولغاتها باعتبارها العنصر الدائم الأولی، وتتنامى تشكلاتها ونطاق توظیفاتها مع تطور حركتها فی ما یشبه احتكاما إلى دلالات متقاربة أو متباعدة تمنح القصیدة بهاءها السحری الأسطوری الخاص الذی یحتویها، ویستدعی حضورها أو سلطانها كفعل أو رمز حی یحیا فی الداخل محتمیا بدفئه. یتراءى من خلاله، ویلح على أنه جزء من حركة ت تحولاته الدلالیة، وقد كانت الظلال الرومانسیة فی خضم البدایات تحفر فی اتجاه إدماج دلالات النار فی علاقات ومعابر رمزیة أقرب إلى امتلاك أبعادها الخاصة، أی احتمال واعتماد مفهوم النار كقوة أو فعل داخلی تتكتل فیها مشاعر المعاناة والألم والعذاب والحنین والاحتراق والولاء والحب العاصف، واستكشاف مظاهرها وعناصرها ضمن فضاءات توتر واقعی وتاریخی وثقافی یوجه الدلالة نحو المزج بین النار والحب واللوعة، الفورة والثورة والفوضى ومظاهر التقلب والتغیر، وهی مرحلة تتصل بالضرورة بسیاق إدراك الذات كفاعلیة، وبوصفها امتدادا للرموز الطبیعیة وتجلیاتها، وباعتبارها "كونا" یؤسس تاریخه ضمن استعارة عناصر الخلق الأولى، ومواجهة ثبات العالم والتاریخ، لذلك فإن الاحتماء بها یغرق أحیانا فی متاهات اللوعة المفرطة التی توقظ هدیر الحب والعشق.

والنار تجتاح صدری دون مطفئة وبنت جارتنا تجتاحها النار(7)

وهذه اللوعة -النار، تتحول باستمرار إلى دفق جارف مأهول بالحنین والشوق والتعلق بالأرض الأولى، إذ تتحول ذكراها إلى نار تحفر لهیبها فی كل القلب، وتصبح خطوات العمر كلها نارا تتأجج وتتسع من أجل كل العراق، الذی تتجمع تضاریسه فی جذوة النار:

بالأمس لم أحفر علی قلبی سوى نار العراق

والیوم جئت إلیك یا صوفیا العریقة

نجمان فی قلبی : هواك، وكل نیران العراق (8)

وستظل هذه النار المستعرة المشبعة بالظلال والإیحاءات اختیارا صادقا وواقعا حیا یوخز الذاكرة على حافة السنین، ویغمر متاهات الرحیل الدائم، الذی لا یتمثل إلا رحلة اختراق وفناء وافتداء لأرض العراق ورموزها الخالدة:

رحلتی فی الفرات

رحلتی فی احتراقی

رحلتی فی العراق.. (9)

وبقدر ما تتسع هوادة الرحیل، والبعاد تترامى قارات النسیان، ویتولد الاحتراق طقسا متجددا یؤوی مهاوی الذاكرة. ویرسم صورة باهتة للوطن -العراق الذی یخطو على البعد وتتراءى خطواته كأنما هی نار، وتبدو المنائر النابتة فی البعد تطوی المسافات، لتعانق الخطو وتقترب من القبض، تجری لمستقر لا یقر على هوى، ینساب الخطو فی مدى الارتحالات الرهیبة وتقترب رائحة الوطن من اللمس لا هبة أو لاهثة كالنار:

تنادینی المنائر وهی تنبت من بعید مثل غابات

النخل المثقل الأعذاق بالذهب

ویتبعنی العراق خطاه من ماء ومن لهب... (10)

هكذا یتحول الوطن إلى خط نار تكسو فضاء الذكرى وتملأ سعة العمر، وتصیر صورته الماثلة محمولة على تفاعلات توتر تنهل من ذخائر الذات والذكرى الهاربة وتقتات من إرهاصات وجودها المتقلب وتلتهب هذه الإحساسات المشوبة بالاغتراب والحنین والوله والتعلق بالجذور، لتغذی نزوعا نحو "الخلاص"، أو الفكاك من أسرها، ولا یتم هذا الخلاص بدوره إلا عن طریق الفناء بالنار ذاتها، التی كانت العلة، وتكون الدواء بما هی الداء، لذلك ینساق الشاعر وراء صیغة أو رغبة "تطهیر" تفیض حقیقتها على الكون، ولحظات الوجود، ویصبح معها الموت میلادا جدیدا وأغنیة خالدة، وبریقا مضاعفا فی سمائها، یملأها نارا ویحصن خیط الحیاة الذی لا ینقطع فی مداها:

نحن كنا أربعة

ورجعنا أربعة

غیر أنی عدت كالنائم فی الماء طویلا

شاحبا یأكلنی شوق إلى نار الحریق (11)

هذا الإحساس قد یتضاعف بالقدر الذی بتلون، ویحمل بذور أو عناصر توتر خانق یولد فی أیة لحظة، ویزرع الدهشة أو یغری بالانقلاب أو التغییر أو المفارقة لیصبح الاحتراق سیرة تضمن سیرة ایقاعات التجاوز أو الهویة المنشودة، وفی الوقت ذاته طقس فداء، یفتح هدیره على رجفة المیلاد الدائم المتجدد:

یا قلق الإنسان

یا صوته الراجف فی القضبان

هبنی احتراقا منك. هبنی رجفة الإنسان (12)

وفاعلیة التطهیر أو الاحتراق لا تبید الرغبة المحترقة أو تفنیها فناء. وإنما تمضی بها إلى ذاتها، وتشرعها لمواجهة عنفها، فالنار لا تلد غیر النار، وتهیئ لمرحلة صفاء أعرق ینزع القناع ویحیل الشوائب إلى رماد أو سماد یحفر لمیلاد كینونة جدیدة، ما تفتأ تبنی ثأرها أو نارها، كل الأضداد تلد بعضها البعض، ولا یقوم الانطفاء إلا لیدبر موجة الاشتعال:

أومن أن النار قد تحرق العار الذی فی وقد تخبو

أو من أن البغض

أعظم ما یمنحه الحب (13)

فالنار إذ تغسل التاریخ أو الذات من أدرانهما، ومن ظلال العار أو الانكسار، تقتات من ذاتها وتصقل مرآتها صورة وواجهة لمیلاد جدید، فأجمل ما یمكن أن یمنحه الحب هو البغض، وأعظم ما یمكن أن تلده النار التهاب دافق بالحیویة والعطاء حیث تزهر شجرة حلم واعد ولافح، هكذا یزرع سعدی أسئلته فی احتراق ملكوت الكون، ویسوق ایقاعات الحنین الدائم نحو الاشتغال والتكاثر والانتشار والتناسل، فالنار التی تأكل الجذور، هی ما تختزن طاقة الاندفاع والدیمومة، وهی التی ترعى البذرة لتكون الشجرة، ثم غابة، ثم عالما:

قالت فی الحریق الشجرة

هذه النار التی امتدت إلى البذرة

هل تنبت فیها الشجرة؟ (14)

ومن صلب هذه الجدلیات السحریة، الكثیفة، ینخرط سعدی فی مزاوجات فریدة بین عنصری الماء والنار، ویبنی تعالقهما- وحدتهما فی نسق تجاور یحقق تلاحمهما الأصیل الثاوی فی طقوس وشارات الخلق الأولى، إذ یتعانقان ویمتزجان ویسند أحدهما الآخر ضمن ما یؤشران إلیه من تداعیات، أو إیحاءات، أو أفعال أو انفعالات، لذلك یتبادلان وظائفهما ویتنازعان الوجود فی مجرى تناسق وتناغم، یرتكز على مبدأ تحقیق نقطة وصل أو مساحة التقاء بینهما، مما یمكن أن یحیل إلیه ذلك من صورة أولى لالتقائهما فالنار هی "المبدأ المذكر الذی یكسب المادة المؤنثة شكلها وهذه المادة المؤنثة هی الماء ". (15) ومن هذه المجاورات:

... یهبط الصوت على أسماعنا، یحرقنا كالماء (16)

* * *

... ثم یقطر بی

مثل نار الینابیع (17)

* * *

ولیحترق ماء السبیل (18)

* * *

... مثل شلال من النیران (19)

وهذه المجاورات تغترف من محیط التضاد أو الاختلاف لتعید نسج تاریخ علاقات ذات امتدادات عمیقة، تتعقب معالم التوحد أو تداخلات التكوین الأولى حیث كل الأشیاء، قادرة على التلاحم والتصادم والانصهار والتوالد والانتشار، وهو ما یبین حجم التقابلات التی یستعین بها سعدی على مواجهة تناقضات الواقع أو الاحتماء بها كذلك.

ضمن هذا التجلی یحضر النور "النار الأنقى) لیغطی مساحات مفتوحة توجه نظام وسیاق استثمار مقومات وتوالدات عنصر النار ورمزیته بما یمكن أن یجسده من تمثلات أو امتدادات عبر تضاریس التجربة، ویحتل النور موقعه كبعد داخلی مفتوح على أقانیم الذات، حیث یقودنا إلى دلالات مفتوحة ترسم فضاءات الأمل، والتجدد والصفاء والرغبة فی الحیاة، ومظاهر الأمان والشعور بالثقة والاطمئنان، وهكذا یصبح فعل الأعماق وزاد القلب، ویملأ دروب الحیاة وهجا، ویسری فی تفاصیلها واحتمالاتها ورمزا لاندفاعاتها.

أسرع...

ففی الآفاق تلتمع المدینة

والنور فی قلبی وعینای انتظار

الریح تصرخ والبحار.

...

أسرع...

فعندی موعد أنا والحیاة (20)

هذا الحفر فی جهة المسافات والابتهالات المشدودة لحبل الرغبة فی عناق الحیاة، ینهض علی شارات النور الغامر لدارات القلب. ویوشی المدینة، ویهادن الریح وصخب البحار، ویلون الأغانی المدویة فی الآفاق البعیدة. وهو ما یجسد عمق الإثارة، والاقتراب من الحیاة التی تسكن قارة الانتظار. وتجذر النور فی أرضیة الأعماق بهذه الصورة، یخرج به أحیانا إلى التلبس بظلال رومانسیة عابرة تسمو به لأن یكون فعل وجود وخلق مهیأ للعطاء، فحین یخاطب الشاعر حبیبته الموعودة ینفث فیها من نوره الذی یستله من الأعماق، ومن عراقتها:

إنی وهبتك دفء آفاقی والنور من أعماق أعماقی (21)

وهالة النور إذ ترتد إلى الأعماق تستحیل فی أرجائها إلى سلالة من احتمالات دلالیة طارئة تتعانق فیها إرادة الخلق أو الفعل الذی یهب الحیاة مغزاها، ویروی بذورها، وتتلون فی إشارات بألوان زاهیة تمنحه قدره الإشعاعی وبهاءه الذی یوشی مظاهر الحیاة وأبعادها:

والنور یخضب فی أحناء ضیعتها كرم السفوح إذ ما هل إصباح (22)

وعلى هذا المستوى یمنحه الشاعر كینونته، ویغنی دلالته من خلال مظاهر التشخیص أو الأنسنة حیث النور یقطر أو یزهر أو یطعم -وهكذا إضافة إلى فاعلیة التطهیر التی ترسم هویته وحقیقته الأصیلة كرمز للطهارة:

یا غابة أعشابها حمراء یادنیا دفیئة

الشمس تشرق مرة أخرى علیك

والنور یغسل كل شیء (23)

ومن خلال بنیة التضاد یكثف سعدی من دور فاعلیة النور باتجاه تأسیس جدلیة تتحرك فیها دلالته بتزاوج مع العتمة أو الظلمة، وتفصح عن انشغالاته الحركیة فی علاقاته أو توتراته التی تشده إلی ضده. إن البدایة -الخلق دائما تنشأ من صراع الأضداد وتفاعلها أو تكاملها اللامرئی، والبدرة الخطوة الأولى تولد وتنشأ على أرضیة هذا الصراع اللامتناهی.

هو النور فی الظلمة (24)

هكذا یقرأ سعدی سیرة الوجود ویمضی إلى معناه العمیق بحثا عن انسجام خفی وأسطوری یؤازر على استیعاب واستقبال وتمثل تناقضاته وخط متغیراته، ویرسخ عادات الإیمان بضرورة تخطیها ومواجهة انعكاساتها عبر نقاط تأصیل تلك المتغیرات واستكشاف تحولاتها. ومن هنا أحیانا تتسلح القصیدة بمنطق الدوران حول البؤرة والمزاوجات التی تمضی فی اتجاه تفجیر أوعیة التناقض والتنافر بین الأضداد مما یضفی علیها بعدا تشكیلیا، تتراوح فیه بین الخفاء والتجلی والنور والعتمة وطاقة امتلاك حركة الأشیاء والكائنات فی صیرورتها وخیط إنجازاتها والعلائق التی توجهها:

غسق على الأسوار

والبرج الوحید أسیر لیل الجند

والطرقات خافیة

یكاد الحبس وهو یموه الجدران یمسى النور

فی عتمات هذا التیه

یمسی وحده النور المخالف

أین مصباح النحاس الذی یدور فیه النور. (25)

فالصورة هنا تترصد حیاة اللیل منذ خطواته الأولى تمعن فی ملاحقة وجوده، كیف یغمر بظلاله قارة المدینة: الأسوار والبرج الوحید والطرقات الخافیة. لكن هذا الواقع لا یحیا أو یتنامى إلا من خلال ظلال بریق الجبس وهو یوشی الجدران لیكون النور أو اللون المضاد المقاوم لعتمات مسالك المدینة التی تتحول إلى تیه بلا نهایات تمتد امتداد أجنحة الغسق التی تلتف بحافات المدینة. وحتما فإن هذا الواقع من الظلمة وهذا الحضور الفاعل لنور خاطف متدل یجاهد أن یبعث الحیاة فی غمارها ویرعى هاجس الأمل فی بریة المدینة. یثیر التساؤل عن أبعاد هذا الذعر الذی یضفیه اللیل على كیان المدینة وعن المصابیح النحاسیة التی تتلألأ وتشع أنوارها الخضراء والزرقاء التی تركض وراء المدینة السحریة الساطعة كشمس النحاس التی تحتوی الأرض كلها.

فی قصیدة "اللیل" (26) تتواتر هذه الصیغة من الجدل -الصراع بین النور والظلمة وبین الصبح واللیل فی تماس باهر یتبادلان معا دورهما فی الخلق والوجود، ویبنی كل منهما حضوره فی عمق امتداد حركة الآخر:

مسرعا یهبط

حتى ناسیا ما یفرق اللیل عن الصبح

ولكن البیوت

وحدها تمنحه من نورها الضد

الذی یجعله لیلا...

لتلتم البیوت

فی لآلیها

وتحیا إذ تموت (27)

فاللیل یهبط مسرعا لیرخی ظلاله على العالم متجاهلا قسماته ومعالمه التی تفصله عن الصبح وما یحمله من تاریخ ودلالات، ولن یوقظ فیه بذرة الحیاة غیر النور نقیضه الذی یغمر البیوتات ویسكن أعماقها ویرسم طریقها فی لجته، وهو ما یجعل اللیل یستعید ذاته، ویعانق كینونته انطلاقا منه، انه مخلوق النور ومنه یقبس صیغة الوجود، وتمتد دوامة الصراع أو الجدل والتجاذب لمداها حیث تحیا البیوت فی لألأتها بینما خیوط الظلام تموت، ویذهب هبوط اللیل سدى، ویبدو أن صدى القصیدة یستعید لوحة الصراع الذی تنبنی علیها الرؤیة الخالدة التی تفسر العالم من مبدأ الصراع الأزلی بین الظلمة والنور، والخیر الشر وانتصار النور-الخیر باستمرار.

ضمن تحولات هذه البنیة الجدلیة یعانق النور العتمة فی صیغ إیحائیة تجریدیة أحیانا، تتذبذب حركتها بین الثبات والتحول، والانكفاء والانتشار، وتتجاوز فاعلیة الذات الداخلیة والعالم الموضوعی الذی یستقی منه الشاعر مواده. وفی قصیدة "النور" (28) یبرز هذا المنحى بصورة أكثر جذریة وأكثر تجسیدا لتلك الجدلیة التی تؤسس العلاقات التوتر-التوحد بین النور وضده. والقصیدة تتشابك فیها صور ومشاهد متناقضة وحافلة بالتوتر والاضطراب والتنوع كذلك تسمح للصور أن تتكثف وتنتشر متكئة على مجرى شساعتها، ومن ثم تتخذ طبیعة تراكمیة تحاول فی مستویاتها ملامسة وجود النور، وتعقب خطواته من خلال "الفنار الأعمى" وهو الرمز الذی یجسد حقیقة المزاوجة بین الضدین وغمس حقیقة النور فی عمق نقیضه الظلمة أو العتمة. تتبدى الصورة الأولى فی محاولة فائقة ترصد واقع قمة جبال عدن حیث تنام الأحجار البركانیة وتئن من حر السواد، والبحر یتطایر رذاذا تذروه الریاح مكشوفا، مغمورا بتاریخ وذكریات وخرائط عریقة غارقة فی متاهات النسیان منذ قرون بعیدة، وهی خیوط مشاهد تحاصر وجود الفنار وترسم تكوینا ته، وواضح أن هذه المزاوجة بین النور والعمى (العتمة) یهیئ نقطة وصل خفیة یلتقی فیها الضدان ویصبحان شیئا واحدا مشحونا بالغموض واللاتحدید. وعبر مستویات القصیدة وحركاتها الموالیة یظل هذا المنحی ثابتا، حیث تتأسس فی مجموعها على التزاوج بینها من خلال مظهرین آخرین أو عنصرین هما : الصبح واللیل، وهو ما یرسخ واقع الجدل الذی یغلف جوهر حركیة القصیدة، ویحكم حقیقتها، ویمكن أن تكون اللوحة الأخیرة من القصیدة أكثر صدقا فی نقل هذا البعد :

فی اللیل كذلك

یتململ بحار فی قاع البحر

ویحمل فانوسا أو قده منذ قرون

ویدور مع المرقى المتعرج

حجرا

حجرا

حتى یبلغ قمته

حتى یوقد من سر اللیل فنارا أعمى (29)

فالصعود أو الخروج من عمق أو ظلمة البحر، وهو ما یحیل إلى رحم العتمة، والتعلق بالفانوس رمز النور والدوران مع المرقى المتعرج، هو صعود آخر مواز نحو الأعالی حتى إیقاد الفنار الأعمى من عمق سر اللیل، وهو صعود یقود خط الجدلیة للأمام ویملأ عناصرها ومداها بالحركة، ویبنی دلالتها الكثیفة القریبة من حافات الغموض أو الشساعة والتأویل المتنوع.

من المعادلات التی تتمم دور رمزیة النور فی امتداداتها المتباینة، لاحتواء حركة الدلالة ومنحنیاتها، الضوء. ویظهر هذا العنصر فی البدایات وجها لمنزع رومانسی یحقق جمالیته كرمز یوجه الصیاغة الجمالیة للطبیعة أو الحبیبة أو الأرض أو الأفق الرحب الذی یحاصر الشاعر ویثیر فیه أحاسیس موصولة إلى صورة مركزیة تقتات من شذارات الكون بقدر ما تتنوع وتتفاوت معالمها، ویوظف فی مساحات متقاربة تجعل منه جزءًا من مشاهد تنفذ إلى حركة الكائنات والأشیاء. وتموه عناصرها وللضوء دائما موقعه الخاص وهو ما یمنح الدلالة طلاوتها والوقائع نضارتها وإشعاعها. وكل صورة-لوحة لامناص من أن یربض فی أطرافها خیط أو سیل من الضوء یسند وجودها ویوجه تفاعلاتها...

على كل فإن الرموز النورانیة بكل ظهوراتها فی شعر سعدی یوسف، تتأرجح أو تنتقل بین دلالات متشابكة، متقاربة، تلتقی فی الغالب عند مستویین: أولهما یتصل ببعض أبعادها "الباطنیة"، التی تحیل إلى الأحاسیس الوجدانیة التی تنطق بحمولاتها على وجه من الوجوه، بما یمكن أن تحویه هذه الحمولات من إرهاصات لمعان قریبة أو معادلة، وموازیة تتولد عبر تمثلات متباینة لها أصولها الحضاریة والثقافیة والتاریخیة التی توجهها، أو تنسج بعضا من مدلولاتها المترامیة، وهكذا یصبح النور، أو الفجر، أو الصباح، أو الشمس، أو ضوء القمر، رموزا ناطقة تحیل فی ما تحیل إلیه، إلى الفرح والبهجة والفتوة، والشباب الدائم، والحب والشوق والحنین... أما الثانی فیتعلق بفضاءات التحققات" الخارجیة" التی تتحول عبرها إلى رمز أو"فعل" یتكیء على إیحاءات مختلفة تتكتل معالمها فی الغالب كمظهر أو مؤشر للحیاة المتجددة، والبعث، والاكتمال، والأمل القابع فی كل كائن، وما قد یتولد من دلالات موازیة لها، فتكون النار اعتبارا لهذا البعد رمزا للغضب، والثورة، والثأر والانتقام، والشمس والقمر والنور والصباح والفجر رموزا للانتصار والغد الولید والتبشیر بمقدم أزمنة الكمال والصفاء والأمان والدعة...

هوامش

- غاستون باشلار، النار فی التحلیل النفسی ترجمة نهاد خیاطة دار الأندلس بیروت الطبعة الأولى 1984 ص 11

2- غاستون باشلار، المرجع نفسه ص 53

3- لسان العرب، (مادة : نور)

4- غاستون باشلار، المرجع السابق ص 11

5- انظر بهذا الخصوص Jeanchvalier-Alain Gheerbrant : Dictionnairedes SYMBOLES.éd R Lafont , Paris 1997

وكذلك معجم الرموز إعداد خلیل أحمد خلیل دار الفكر اللبنانی بیروت الطبعة الأولى 1995

6- غاستون باشلار: النار فی التحلیل النفسی مرجع سابق ص 11

7- فصیدة "أغنیة لیست هادئة" أغنیات لیست للآخرین الدیوان، المجلد الأول ص 552

قصیدة أربع أغنیات إلى صوفیا"51 قصیدة الدیوان المجلد الأول ص 488 8-

9- قصیدة "الوجوه والأقنعة" بعیدا عن السماء الأولی ، الدیوان ، المجلد الأول ص 363

10- المصدر نفسه القصیدة نفسها، ص 363

قصیدة ''الخیط'' (51 قصیدة) الدیوان المجلد الأول ص 505 11-

12- قصیدة "لمسات" (النجم والرماد) الدیوان ، المجلد الأول ص 438

13- قصیدة "تأملات عند أسوار عكا" (بعیدا عن السماء الأولى) المصدر نفسه ص 334

14- قصیدة "مدیح إلى مؤرخ مغربی (اللیالی كلها) المصدر نفسه، ص 94

15- غاستون باشلار : النار فی التحلیل النفسی. مرجع سابق ص 49

16- قصیدة "الرماة" قصائد أقل صمتا : الدیوان المجلد الثانی ص 36

17- قصیدة "الموجة" قصائد باریس ص 93

18- قصیدة اعلان سیاسی عن حاج عمران" (خذ وردة الثلج) الدیوان المجلد الثانی ص 334

19- قصیدة إلى "رائد فضاء.." نهایات الشمال الافریقی الدیوان المجلد الأول ص 302

20-قصیدة "یومیات السفیة جروزیا" (51 قصیدة) المصدر نفسه ص 490

21-قصیدة "دعوة" أغنیات لیست للآخرین المصدر نفسه ص 570

22- قصیدة "أغنیة جلیلة" المصدر نفسه ص 568

23- قصیدة "إلى فریتز شولتر" (51قصیدة) المصدر نفسه ص 486

24- قصیدة "إلى زمیل موقوف" النجم والأمان المصدر نفسه ص 440

25- مجاز وسبعة أبواب" محاولات ص 83

26- اللیل جنة المنسیات ص 50

27- المصدر نفسه ص 50

28- المصدر نفسه ص 15

29- المصدر نفسه


تاریخ : یکشنبه 18 مهر 1389 | 23:22 | نویسنده : دکتر كشاورز
عندما یصر الصهیونی على هدم بیت الفلسطینی لاقتلاع جذور الفلسطینی ، ویهدد عوامل صموده بما یحدثه من خواء نفسی یشعر به الفلسطینی جراء هدم بیته، فهدم البیت إذن یشكل جزءاً من الحرب النفسیة التی یشنها الاحتلال على كل الوجود الفلسطینی، وجزءاً من الحرب الجماعیة والعقاب العام الذی یعم الناس صغیرهم وكبیرهم. وتشیر فدوى طوقان إلى هذا الأسلوب الاحتلالی فی قصیدتها (حمزة)، ذاك الفلسطینی الذی هدم بیته، وقد نشرت القصیدة فی دیوان اللیل والفرسان، وهی تتفق مع بقیة قصائد الدیوان فی أنها صورة من صور المقاومة الشعریة، وتشیر الشاعرة إلى هذه الواقعة فی سیرتها الذاتیة "الرحلة الأصعب" فی الفصل السابع عشر من صفحة (113-114) وحمزة هذا هو ابن عمها، فقد هدم بیته واعتقل ابنه، ولكنها تجعل منه حالة عامة لكل الفلسطینیین. وتقول الشاعرة فی ذلك "لم یكن بیت حمزة أول بیت فجره دینامیت جیش الاحتلال، ولن یكون بالتأكید آخر بیت، ما أكثر أصحاب البیوت الذین مروا بتجربة حمزة ، تقول فدوى فی القصیدة:
كان حمزة
واحداً من بلدتی كالآخرین
طیباً یأكل خبزه
بید الكدح كقومی البسطاء الطیبین
هذه الأرض امرأة
فی الأخادید وفی الأرحام
سر الخصب واحد
قوة السر التی تنبت نخلاً
وسنابل
تنبت الشعب المقاتل
ویظهر هذا التعمیم منذ بدایة القصیدة، فحمزة واحد من البلد كالآخرین یعتاش ویكدح بیدیه كبقیة الناس البسطاء، ویبدو حمزة صامداً متحدیاً یشجع ابنة عمه على الصمود واصفاً الأرض بالمرأة، ففیهما سر واحد هو الخصب والعطاء.
كان حمزة ابن خمس وستین سنة عندما نسفوا بیته، ولكنه یقف متحدیاً الاحتلال صارخاً فی وجههم قائلاً : "الله أكبر الله أكبر" ، لم ینل هذا العمل من عزیمته، فما زال شامخاً مرفوع الجبین:
قال لی حین التقینا ذات یوم
وأنا أخبط فی تیه الهزیمة:
اصمدی، لا تضعفی یا ابنة عمی
هذه الأرض التی تحصدها
نار الجریمة
هذه الأرض ستبقى
قلبها المغدور حیاً لا یموت
جاءت القصیدة على تفعیلة البحر المتدارك، فیها النفس القصصی متخذاً شكل الشعر الحر، مقسمة إلى قسمین، الأول: حدیث الشاعرة عن حمزة وآراء حمزة فی التصدی للاحتلال والصمود فی وجهه. والثانی: مشهد هدم البیت وأوامر الاحتلال فی الإخلاء. وقد تعددت فی القصیدة الأصوات؛ فهناك صوت الشاعرة فی بدایة القصیدة:
كان حمزة
واحداً من بلدتی كالآخرین
طیباً یأكل الخبز
بید الكدح كقومی البسطاء الطیبین
ثم یأتی بعد ذلك صوت حمزة داعیاً ابنة عمه للصمود من مثل قول الشاعرة على لسانه:
اصمدی لا تضعفی یا ابنة عمی
هذه الأرض التی تحصدها نار الجریمة
هذه الأرض ستبقى
ویظهر كذلك فی المقطع الثانی صوت الجندی الآمر:
وتعالت طرقات أمره
اتركوا الدار!
ساعةً أو بعد ساعة
وتعتمد الشاعرة فی بناء مقاطعها أحیاناً على القافیة، ولكن مع التنوع فیها ، فقد بنت المقطع الأول على قافیتین. وكذلك المجموعة الثانیة المقطع الأول، كذلك بنته على تعدد القافیة، وهكذا فإنّ نظام القافیة فی القصیدة لیس واحداً، وإنما تنوع حسب الدفقات الشعوریة التی تحس بها الشاعرة.
یغلب على القصیدة الأسلوب الخبری الذی یناسب السرد القصصی التی اتخذته الشاعرة أسلوباً فی سرد قصة حمزة وهدم بیته، بالإضافة إلى عودتها إلى (عنصر الحوار) أو تعدد الأصوات فی القصیدة ، كما سبق وأشرنا إلیه. أمّا ألفاظ القصیدة ، فقد جاءت واقعیة تنضح من بحر واقع الفلسطینی وتناسب موضوع القصیدة، وقد استغلت الشاعرة استغلالاً موفقاً الألفاظ التی تدور حول المقاومة مثل (البیت، الاحتلال) لتشكل بذلك معجماً لغویاً فی دوائر ثلاث:
أ + ب: دائرة الاحتلال والمقاومة، فظهرت فی الألفاظ التالیة: "الهزیمة، لا تضعفی، الأرض، الجریمة، المغدور، الخصب، المقاتل، الشعب، تمید، مخاض، میلاد جدید، نسفوا الدار، غرفة التعذیب، الجند....".
ج- دائرة البیت: الشرفات، الدار، ركام الحجرات، البلدة....
كما واستخدمت الرمز من مثل (غرف الدار الشهیدة) فقد صورت البیت عند هدمه وسقوطه على الأرض كما الشهید عند استشهاده، ، ثم یحملها أولئك الأطفال ویرجمون بها الاحتلال. وكذلك استخدمت رمز (الأفعى تلوت) وتقصد بها جرافات الاحتلال.
تقدم الشاعرة فی القصیدة مشهدین: مشهد الفلسطینی المقاوم المناضل المجابه للاحتلال الذی تعرض لهدم بیته واعتقال ابنه، وإصراره مقابل ذلك على الحیاة والمقاومة، وهو عالی الجبین، وتبع ذلك مشهد جزئی ، هو هدم البیت وكیف خر المنزل شهیداً كبقیة أبناء الشعب الشهداء. أما المشهد الثانی: فمشهد الاحتلال بقوته وجبروته وتسلطه وأحكامه التعسفیة والتناقض فی ادعائه السلام والأمن ، وبذلك تعرض القصیدة مشهدین متضادین.
منقول

اتمنى تفیدك :)
كل التوفیق 



طبقه بندی: العصر الحدیث، ترجمه فارسی و شرح قصائد عربی،

تاریخ : یکشنبه 18 مهر 1389 | 21:12 | نویسنده : دکتر كشاورز
  أبو نواس

 

عرف الحسن أبو بشعر الخمریات ، فالبرغم من حدیث الأقدمین عن الخمر إلا أن ذلك كان للفخر والتمدح بالكرم والجود ، فجاء وصفهم لطعمها ولونها والنشوة التی تحدثها فی انفس شاریبها ، إلا ، وصف الخمر لم یكن فناً مستقلاً من فنون الشعر .

لما انتشرت الحریة والترف فی العصر العباسی بشكل كبیر مع انتشار الحانات ودور اللهو ، أغرق الناس فی حب الخمر والمجاهرة بتعاطیها بشكل أكبر عما كان عند قبلهم .

نشأ أبو نواس فی البصرة مركز الثقافة والعلم فأكب أبو نواس على العلم واللغة حتى حصل ثقافة واسعة ، وبما أن البصرة كانت مركزاً للهو أیضاً فتعرف أبو نواس وهو ما یزال شاباً على والبة بن الحباب الذی نقل إلیه الكثیر من أخلاقه الردیئة ووضعه فی مجالس الخمر لیصبح فیما بعد أمیرها .

وهكذا جمع أبو نواس اللهو والعلم ، فقد استطاع أن یقوم لسانه على لغة عربیة خالصة بعد أن أقام سنة فی البادیة ثم اتجه إلى بغداد حیث المال والجاه .

اتصل أبو نواس كما حال شعراء عصره بالخلفاء والعظماء ، إلا أن حیاته الشاذة وتطرفه جعلت مقامه بینهم قصیراً ، فقد اتصل بالرشید ، إلا أن الخلیفة اضطر لسجنه مدة وصلت إلى 14 شهر . بعد أن تطاول على بنی عدنان فهو كعادته أبداً مستهتر عدیم المسؤولیة لا یأبه ولا یكترث لشیء .

تجول أبو نواس فی البلاد المختلفة ، إلا أن حیاته ظلت واحدة من سكر واستهتار ومجون .

عاش أجمل أیامه فی كنف الأمین الذی تعرف علیه أیام طلبه العلم ، فعندما أصبح الأمین خلیفة قربه إلیه واتخذه ندیماً له ، عندئذ أخذ حریته الكاملة فی اللهو والعبث حتى ذاع أمره وانتشر خاصة بعد مقولته :

 

ألا فاسقنی خمراً وقل لی هی الخمر              ولاتسقنی سراً إذا أمكن الجهر

 

لكن مع بدء الخلاف بین الأمین والمأمون نها الخلیفة الأمین أبو النواس عن المغالاة حتى  لا تنفر الرعیة من خلیفتهم وتساند المأمون .

أخل نجم الأمین ومعه انطفئ أبو نواس وأخذ یشعر بالندامة والتحسر على حیاة عابثة أخذت كل قویة وحدت جسمه وقد روى الشافعی أنه لما زار أبا نواس سأله عما أكد لملاقاة ربه فأنشد أبو نواس :

تعاظمنی ذنبی قلما قرنته             بعفوك ربی ، كان عفوك أعظما

 

أبو نواس كبشار بن برد ، جمع بین التقلید والتجدید فالتقلید كان إرضاء لذوی السلطان لنیل ودهم وبالتالی هباتهم ، فجاء شعره التقلیدی متكلفاً أورثه السأم والضجر :

 

دعانی إلى وصف الطول مسلط              یضیق ذراعی أن أرد له أمراً

فسمعاً أمیر المؤمنین وطاعةً                وإن كنت قد جشمتنی مركباً وبحرا

 

إلا أن إطلاعه الواسع على اللغة وشعر الأقدمین ساعده كثیراً فی شعره ، فكان مدیحه مشابهاً لمدح الشعراء السابقین ولا سیما الأمویین منهم من وقوف على الأطلال والبكاء علیها ثم وصف الناقة حتى یصل إلى الممدوح فیبالغ فی مدحه وأسلوبه الذی استعمله له ألفاظاً ضخمة مع أوزان طویلة لتلاءم تصنعه فی العاطفة ومغالاته فیها ، إلا أن الممدوح إذا قربه وألفه عندئذ یكون شعره أكثر حریة خاصة فی مدحه للأمین :

هناك الوصف والهجاء وقلیل من الرثاء ، الذی لا یناسب طبیعة أبی نواس اللاهیة المستهترة اتبع فیه أیضاً طرق الأقدمین فی الأسلوب والمعنى .

أما التجدید فهو ما یناسب أبو نواس تماماً ، ففیه حطم القیود وأطلق نفسه على سجیتها لتنشد ما تحب وتشتهی ، فأبو نواس یحب الفلسفة وحدیث الآراء والمذاهب وهذا لم یكن محبباً عند الأقدمین ، مذهبه مصلحته ، ولما كان الخلاف شدیداً بین العرب والشعوبیین المحتقرین للعرب أعطى الشعوبیون الكثیر من الحریات ومرافق الترف واللهو مما لا یحبذه العرب المتمسكون بعاداتهم ودینهم فمال أبو نواس إلى الشعوبیین فهو مغمور النسب أصلاً لا یقیده إیثار عرقی وإنما المغریات المقدمة .

تجلى شعره المجدد فی عدة مظاهر وهی :

1-   الهجاء :

لم یكون أبو نواس ذلك الناقم على الجنس البشری ، همه الأوحد فضح العیوب وهتك المستور كبشار مثلاً ومع ذلك فقد عمد إلى الهجاء أحیاناً فكان إما حربیاً لیدافع عن نزعة سیاسیة أو عقیدة أدبیة ، توجه نقده للعرب عموماً وللأعراب القدماء خصوصاً ، لیظهر بذلك میله الفارسی ولیهجو العقلیة التی تعیش حیاة الخشونة والجفاء هجاؤه قد یكون انتقاصیاً لنفسه من خصومه ومنتقدیه بطریقة حادة مؤلمة وإن لم ینطو على نقمة عمیقة .

فی كل الأحوال ما جمع شعره فی هذا المجال هو الواقعیة اللاهیة ورشاقة الأسلوب ومدح الأعاجم لاسیما الفرس منهم ، هجاؤه كان مقلداً بحریر من ناحیة قذف المهجر بعبارات رزینة محكمة تتضمن معانی القذع والتعریض بالمهجر جاعلاً منه أضحوكة على ألسن الناس .

2-   الطردیات أو وصف الصید :

أصبح هذا الفن قائماً بذاته فی عهد أبی نواس فقد نال هذا الفتى اهتمام أبی نواس لأنه ولع الأمراء فكان شاعرنا یرافقهم مما ساعده على الإتیان بصور واقعیة متقنة كصور آلات الصید والطرائد والتی استعان فیها بالصور البدیعة من استعارات وتشابیه خیالیة .

3-   الزهدیات :

وهی قصائد أبی نواس فی آخر أیامه بعد أن تحطمت قواه ، فانكفأ على نفسه متبصراً المعاصی الكثیرة التی ملأت حیاته ، جاءت هذه القصائد أبعد ما تكون عن العظات فهی أقرب إلى الشعر الغنائی المعبر عن نغمات شجیة من قلب متألم فی عبارات صادقة ، عمیقة العاطفة فكانت من أجمل شعر أبی نواس .

4-   الغزل :

جاء غزله متصنعاً فعشقه الوحید كانت المتعة والعبث فلا مكان للعواطف الصادقة لتغزو قلبه أما التغزل بالكلمات والكلامیات فهو ما برع به أبو نواس والذی اعتبره كثیر من دارسی الأدب وصمة فی تاریخ العرب .

5-   الخمریات :

فیها تجلت عبقریة أبو نواس وأكثر ما اشتهر به ، فكانت الخمرة عشقه ومعبوده فهی أشبه بإنسان نبه الشاعر كل هواه .

الشعر عند أبی نواس هو لوصف الواقع كما هو ، دون الحاجة لأسلوب الأقدمین ، فكان وصفه للخمرة حسیاً فیما یتعلق برائحتها ومذاقها وألوانها وتأثیرها فی الحس والنفس .

 

من لاف كأنا كل شیء               یتمنى مخیر أن یكونا

أكل الدهر ما تجسم فیها                 وتبقى لبائها مكنونا

فإذا ما اجتلیتها فهباء                  تمنع الكف ما تبیح العیونا

ما یمیز كلامه على الخمرة هو التشخیص والظرف التی فیها خفة روح الشاعر وصدقه فی حبه للخمرة فجاء أسلوبه موسیقیاً سلسلاً فی رشیق وقافیة خفیفة .

ما یمیز شعر أبی نواس هو بعده عن التكرار والجحود فكان شعره متنوع المعانی والصور فی أسلوبه الشعر الوصفی الخطابی والغنائی والقصصی .

أما لغته فهی سلسلة ،غنیة واضحة عبرت عن عاطفة رقیقة فیها سذاجة من أعجب بنفسه بكل ما فیها من نزعات وشذوذ :

 

مازلت أستل رووح الدن فی لطف          وأستقی دمه فی جوف مجروح

حتى انثنیت ولی روحان فی جسد            والدن منطرح ، جسماً بلا روح

 

تتمثل شاعریة أبی نواس بقدرته التی تصل إلى حد العبقریة وجمال تشخیصه ولوحاته الزاهیة التی عبرت عن شخصیة تلقائی
ة .



طبقه بندی: العصر العباسی،

تاریخ : یکشنبه 18 مهر 1389 | 10:46 | نویسنده : دکتر كشاورز
 د. ثائر عبد المجید العذاری

یمثل سعدی یوسف نموذجا مثالیا للشاعر الباحث فی ما وراء اللغة ، إذ تخرج اللغة فی شعره عن مجرد كونها تراكیب وجمل تنتظمها الانزیاحات إلى مادة طیعة تتشكل بإشكال غیر مألوفة للذائقة التقلیدیة , وتصبح مساحات الورقة البیضاء جزءا لا یتجزأ من التركیب البنائی للقصیدة . وعند ذلك تتخذ الكلمات أدوارا أخرى غیر وظیفتها الدلالیة لیكون لها إبعادا مكانیة أو زمانیة .

لیست الرسالة التی تحملها لغة الشعر رسالة معرفیة ، ولیس على القصیدة التی تقرأها أن تزید تجربتنا المعرفیة , بل هی نوع من التجارب الروحیة أو الصوفیة (( فالشعر یتمكن من أن یصل إلى المتلقی من قبل إن یفهمه , فهو یسلط قوى تعویذاته على آذاننا , فیهزنا بحركته قبل إن یتاح لعقولنا أن تسال عن كنه ما نشعر به .)) ([1]) ولا یتأتى هذا التأثیر من دلالات لغة الشعر ، بل ینتج من بنیتها الشكلیة تماما مثل الأثر الذی تولده المساحات اللونیة فی الفن التشكیلی . ومن هنا یكون على الشاعر تطویر تقنیاته الخاصة للتعامل مع اللغة على أنها مادة للتشكیل لا أداة للتوصیل المعرفی أو كما كان دونالد ستاتر  یؤكد بأن لغة الشعر ، فضلا عن كونها أداة للتوصیل ، تصبح غایة فی ذاتها . ([2])

اسلوب الملصقات ( الكولاج ) واحدة من تلك التقنیات التی استخدمها سعدی یوسف بشكل لافت فی شعره . والكولاج فی الأصل مصطلح یستخدم فی الفنون التشكیلیة للدلالة على تلك اللوحات التی تبنى فی بعض أجزائها من ملصقات الورق الملون([3]) . إلا أننا سنستخدمه هنا مجازا لوصف تقنیة مشابهة فی بعض أوجهها فی شعر سعدی. إذ إن القارئ كثیرا ما یلاحظ عبارات أو كلمات أو ربما علامات ترقیم تبدو كأنها قد لصقت فی جسد القصیدة , إنها تشبه لوحة معلقة على جدار ، فهی لیست جزءا  من ذلك الجدار لكنها مع ذلك غیرت ملامحه وأضافت إلیه معانی جدیدة .

وفی أعمال سعدی الأخیرة ازداد تركیزه على هذا الأسلوب, وفی النموذج موضوع هذه الدراسة (دیوان صلاة الوثنی )([4]) تحدیدا , لا نكاد نجد قصیدة واحدة تخلو من أن یكون هذا الأسلوب عماد بنائها . ولكی نوضح فكرة الملصق نستعرض بعض النماذج من (صلاة الوثنی ):

 

ربّـما ساءلتُ نفسی الآنَ ، عمّـا أكتبُ الآنَ …

لماذا أكتبُ الآنَ ؟

وفی أیّ مكانٍ أكتبُ الآنَ ؟

..............
..............
..............

ألـمْ یُتعبْـكَ نصفُ القرنِ من ألعابِـكَ :

الصخرةُ والنبعُ

وهذی اللغةُ … الألوانُ والغیمُ …إلخ ؟([5])

الاسطر الثلاثة المكونة من النقاط نمط من الكولاج , فهی لیست جزءا من المعنى الكلی للقصیدة لكنها بكل تأكید عامل من العوامل التی تبنی الانطباع النفسی للمتلقی .

اللیلةَ ، یأتی طائفٌ من آخرِ الـقَـصْـباء .

یأتینا الشِـقِـرّاقُ بما فاهت به جنّـیةُ الهورِ

وتأتی عبرَ مجرى المــاءِ أفراسُ النبـــیّ .

الطینُ من زقّــورةِ الـمَـنأى سیــأتی

والخُلاسیّـونَ والجرحى ، وما تحمله الفاختةُ

الأولى ، وما ینفثه الثورُ الســـماویُّ ،

ویأتینا علیُّ بنُ محمد …

هذه الأرضُ لنا

نحن ، بَـرأْناها من الماءِ([6])

   هذا البناء یخضع تماما للتعریف الذی اشرنا الیه لفن (الكولاج) , فالصورة الكلیة هنا لیست الا مجموعة قصاصات صوریة لصقت مع بعضها لتكون صورة واحدة من غیر أن تكون البنیة الدلالیة السببیة التقلیدیة هی الرابط الذی یقود من عبارة إلى أخرى .

لا ســرّ لدیكَ

   ولا ســرَّ لدیّ

الدنیا ، الآنَ ، غدتْ أضیقَ من جُـحْـرِ الضّبِّ ...

ـ الخیلُ تخِـبُّ بعیداً ـ

والمرأةُ ( أعنی آخرَ زوجاتكَ ) تعرف هذا

والمارّةُ

والمرآةُ

وآلافُ الناسِ على شاشات التلفزیون ...

أنا أیضاً أعرفُ هذا

( حتى وأنا فی الریفِ بأقصى لندنَ )([7])

العبارات التی وصفها الشاعر بین الأقواس لیست عبارات تفسیریة , والأقواس ذاتها جزء من الكولاج .
انماط الملصقات :

إن تركیز سعدی على هذا التكنیك فی مجموعة (صلاة الوثنی ) یجعلها نموذجا جیدا لاستقراء أنماط الملصقات التی یضعها الشاعر فی نصوصه ویمكن أن نلحظ عددا منها :
ملصق الفراغ :

هذا اشبع وأقدم أنماط الملصقات فی شعر سعدی , یتكون من ثلاثة اسطر من النقاط هكذا :

....................

....................

....................

وهذا العدد (3) مضطرد , فالشاعر لا یغیره أبدا أینما استخدمه . كما فی الجبل الأزرق :

-          ستعرفُ الأسماءَ ، یا عَـمُّ …

……………

……………

……………

الثیابُ مهفهفاتٌ

والبناتُ یدُرْنَ ، یرقصنَ …

السماءُ خفیضةٌ :

یا عَـمُّ ، نحن بناتكَ  !

انقَضّتْ علینا الطائراتُ …

عد بعض الدارسین هذا  النوع من الملصقات دلیل استتار ضعف الشاعر وراء مهاراته الفنیة، فهو نمط من التكرار الضعیف([8])،و لكن یلاحظ هنا أن هذا الملصق لا یؤدی وظیفة دلالیة مباشرة , إذ یمكن رفعه من غیر أن تختل دلالات النص . مما یدل على أن ثمة وظائف أخرى ما وراء - دلالیة لهذا التكنیك. هذا النوع من الملصقات – فی الواقع – هو ابسط تكنیكات الشاعر , وهو یستخدمه كلما احتاج إلى تغییر المزاج الانفعالی للقصیدة .. فقصیدة سعدی – فی العادة – متقلبة المزاج , وقد لا یلحظ القارئ هذا التقلب ببساطة , ولذا یلجأ الشاعر إلى امهاله , باعطائه فسحة من الوقت .. هی ثلاثة اسطر فارغة، ولعل هذا أحد الأسباب التی دفعت بعض الدارسین إلى أن یعد قصائد الشاعر الحدیثة قصائد ذكیة أكثر من كونها شعریة([9]) :

أنا لن أنتظرَ اللیلةَ شیئاً :

هو ذا القطنُ الشتائیُّ یغطی ساحةَ القریةِ

والطیرُ الذی ظلَّ یزورُ الكستناءَ  ارتحلَ…

الأشجارُ لا تهتــزُّ ،

والنافذةُ الوسطى التی تمنحُـنی إطلالةَ الـبُــرجِ ، تغــیمُ

 ……….....

…………..

…………..

الآنَ تأتی عدنٌ بالبحرِ

تأتی عدنٌ بالـسَّـیـسَـبانِ الـحُـرِّ والأسماكِ

تأتی بالأفاویــهِ …

وتأتینی بما یجعلُ هذا الكونَ ملتـفّـاً  على جمــرتــهِ ؛([10])

إن نظرة سریعة إلى الأفعال التی استخدمها الشاعر ما قبل الملصق وما بعده كفیله بان توضح مقدار التغییر فی المزاج الانفعالی:

لن انتظر, یغطی , یزور ، ارتحل ، لا تهتز ، تغیم

هذه المجموعة من الأفعال تضع جوا من الیأس و الإحساس بالظلمة, أما ما بعد الملصق فالشاعر یكرر الفعل ( یأتی ) أربع مرات ویستخدم معه ( یجعل ) فیبنی إحساسا بالتغیر والتكوین الجدید . ویزید من هذا الإحساس استخدام كلمة ( عدن ) بدلالاتها فی الموروث الدینی وارتباطها بالراحة الأبدیة.

إن من الصعب على القارئ أن یلحظ هذا التغیر السریع فی المزاج الانفعالی لولا الملصق الذی  وضعه الشاعر بین الانفعالین .

والعـشْـبُ  بین شــقوقِ الـمَـمَــرِّ

وأعشاشُ نیســانَ

حتى الـمحـطّــةُ فی الـمُـنتأى _

كلُّـها ، الآنَ ، لا تتحرّكُ …

………………

………………

………………

لكنْ ( أتلمحُ  أُذْنَــی حصانٍ على الـمَـرْجِ ؟ )

أَنـصِــتْ !

أ ترتشفُ الوشوشاتِ الشفیفةَ ؟

هل تسمعُ الــماءَ فی القصبِ ؟([11])

التكنیك ذاته نجده فی هذا النص لكن الانتقال هنا - على الضد من النص السابق –  من السكون إلى الحركة أو من الیأس إلى الأمل .

وقد تنبه بعض الدارسین إلى اهتمام سعدی یوسف بالشكل الطباعی للقصیدة ولم یتردد فی نعته بالهندسة:(( فإن لكل قصیدة حرة عالماً خاصاً من السواد وعالماً خاصاً من البیاض. ولو أخذنا على سبیل المثال قصیدة "الشخص السادس" للشاعر سعدی یوسف، لاكتشفنا أن قضیة الحضور الذی ینتزعه السواد من مساحة البیاض وتوزیع الخارطة المكانیة للقصیدة على أساس نتائج لیست محض مصادفة عابرة، إنما هناك هندسة معینة تقررها التجربة.))([12])
ملصق الهلالین :

یأتی هذا النوع بالمرتبة الثانیة من حیث استخدامه فی ( صلاة الوثنی ) , ویتلخص باجتلاب الشاعر جملة أو كلمة وحشرها وسط السیاق بین هلالین :

أحسستُ بأنّ اللونَ الـبُـنِّـیَّ تحرّكَ

أنّ نقیعاً من أزرقَ ، شِـبْهَ رمادیٍّ ، یدخلُ فی الـبُـنِّـیِّ ،

وأحسستُ بأنی سأموتُ ( إذا ما مُـتُّ ) على شاطیء  بحرٍ ؛

أحسستُ بأنی سأموتُ سعیداً 000([13])

یلاحظ هنا أن (إذا ما مت) یمكن رفعها من النص دون اختلال بالدلالة أو الوزن .

والمرآةُ

وآلافُ الناسِ على شاشات التلفزیون ...

أنا أیضاً أعرفُ هذا

( حتى وأنا فی الریفِ بأقصى لندنَ )

أعرفُ أنكَ ملقىً :

وجهُكَ للأرضِ

وجزمةُ جندیٍّ أمریكیٍّ تسحقُ فِـقْـراتِكَ حتى الأرضِ ؛([14])

 

والشیء نفسه یمكن أن یقال عن الملصقات فی النص السابق ، إذ یمكن قراءته من غیرها. لكننا إذا فعلنا ذلك فإننا سنفقد أثرا مهما فی المزاج الانفعالی للنص , ثمة مزیج غریب بین السخریة والجد , فسعدی یلجأ إلى هذا النوع من الملصقات كلما احتاج إلى تعمیق الفعل الدرامی , أو إظهار التناقض بین موقفین درامیین فی قصیدته لصنع المفارقة أو السخریة :

شَـعری ابْـیَـضَّ

ثمّ اصفَـرَّ ، كالهالةِ ،

أحسستُ بأنی ذو جناحَــینِ …

وأحسستُ بأنی فی دمٍ من فضّـةٍ سائلةٍ

( أعنی دمی )

ســوف أطیــــــر …([15])

لم یكن الشاعر مضطرا لوضع عبارة (أعنی دمی) ، فالدلالة واضحة جلیة , ولكن لیس بإمكاننا  نكرانمقدار العمل الذی أدته هذه العبارة فی تعمیق موقف (الراوی) الانفعالی .

 
الملصق المقطعی :

یلجأ سعدی أحیانا إلى إلصاق مقاطع شعریة أو نثریة كبیرة , وهذا الأسلوب یشبه تكنیكا معروفا فی المسرح وهو (("التلصیق" الكولاج). یظهر أثناء الحوار استشهاد تاریخی أو أدبی لا تدركه الشخصیات. إنها غمزة عین یوجهها المؤلف للجمهور:"لا تلمسها، إنها محطّمة"، كما قالت السیدة سمیث، أمّا جاك فیقول: كونی أختاً جدیرة بأخ مثلی"، أمّا الدكاترة فی مسرحیة الما فإنهم یتبادلون الشتائم بسبب مفردات إحدى حكایات لافونتین:"عجل... بقرة... خنزیر...."، ویذكر السید الضخم فی مسرحیة اللوحة الشاعر بودلیر دون أن یعرفه..‏"([16]) وتصلح قصیدة (القطار الایرلندی) مثالا جیدا لهذا النمط من الملصقات :

 فی دَبْــلِـن
كان قطارُ اللیلِ ، الحانةَ
حانةَ فیتزجیرالد
وأنت تغمغمُ فی إحدى عربات المطعمِ :

یا لیلُ ، یا صاحبی ، راحَ الفتى وارتـــاحْ
وامتدَّ ثوبُ الدُّجى ، واسـوَدّت الأقــداحْ
حتى المجاذیفُ ملّــتْ حیـرةَ المَـــلاّحْ
یا لیلُ ، یا صاحبی … سُـمُّ الأفاعی فـاحْ


حانةُ فیتزجیرالد
مَـمَــرٌّ ضاقَ بأنفاسِ زبائنهِ
ونـوافذُ مُـصْـمَـتَـةٌ
مثل قطارِ الهندِ ،
ولكنكَ
حتى لو كنتَ مسافرَ لیلٍ بقطارِ الهندِ
ستبحثُ عن مأوى
تبحثُ عـمّـا سیكونُ سـؤالاً أو سـلوى
تبحثُ عن " سعدی " الـمُـتَـلَـبِّـثِ فی الظلمات
تبحثُ عـمّـا ماتَ
وعـمّـن مات ؛
أأخطأتَ طریقَكَ حینَ بلغتَ أخیراً
إحدى عرباتِ المطعمِ ؟
هل كانت دَبْـلِـنُ فی اللوحِ ؟
إذاً ، أین فُـجاءتُـها ؟
أینَ الدهشةُ فی أنْ تلقى ما قُــدِّرَ أن تلقى ؟
فی أن تقرأَ ما فی اللوحِ ، وأنت اللوح . ؟ .


یا لیلُ ، أین الصّـفا ؟ أین انطفا الــمأمولْ
أرضُ الســوادِ انتهتْ للشـوكِ والعاقـولْ
كلُّ الجیوشِ اقتضتْ منها ، وحالَ الـحَـولْ
یا حسـرتی للضمیرِ المشترى المقتــــولْ


UK troops in Iraq       
indefinitely, says Straw .The Irish Times – 06.01.04

واقعُ الأمرِ أننی لستُ قاریءَ صحفٍ مـدمناً ؛
لكنی كنتُ فی طائرة الخطوط الجویة الإیرلندیة
عائداً إلى لندن مع صدیقتی . هذه الصدیـقةُ
أطبقتْ جفنیها فجأةً لتعودَ إلى الحـانةِ الـتی
شربتْ فیها الموسیقى ، البارحةَ ، حتى الفجر.
صحیفـة The Irish Times كانت بین یدَی
الشخصِ الثالث الذی لا أعـرفُـه . لا أدری
كیف لـمحتُ الخبرَ … وكیف سجّـلـتُه
على التذكرةِ المستنفَـــدة . عُـــذراً !

اسـمَـعْـنی الآن !
ألسـتَ تغمغمُ فی آخرِ أیامِ السنةِ ؟                             
_ الحانةُ تنطلق اللیلةَ مثلَ قطارٍ فی الهندِ _
ابحَـثْ فی إحدى عرباتِ المطعمِ
عن كرســیٍّ
أو صورةِ كرسـیٍّ …
فاللیلُ طویلٌ
بل سیكونُ الأطولَ من أنفاسِ مَـمَـرِّ الحانةِ
إذْ تبحثُ عـمّـا ماتَ
وعـمّـن مات …
اسـمَـعْـنی الآن …


یا لیلُ ، یا صاحبی ، ما أوحشَ الـــوحدةْ !
أطـبَـقْـتَ یا لیلُ ، حتى ماتت الــوردةْ
وارتَـدَّ مَـن كـان مجبولاً على الـــرِّدّةْ
لكنّ صـوتی سـیبقى للصــدى ، وحـدهْ

ســتدقُّ الساعةُ معلنةً عن ضــوءٍ
فی آخِـرِ هذا النفقِ المظلمِ …
…………..
………….
………….
ایّــانَ تدقُّ الساعةُ ؟
أیّــانَ سـتأتیكَ ملائكةٌ ؟
أیّــانَ ستهدأُ أنفاسُــكَ
بین ملائكةٍ وشــموع …([17])

فی هذه القصیدة هناك أولا ملصقات ( الرباعیات ) التی وضع الشاعر تحتها خطوطا ممیزة . وهناك النص النثری بعد العبارة الانجلیزیة .

فی ( القطار الایرلندی ) لا یخدم ( الكولاج ) بناء المزاج الانفعالی حسب , بل یتعدى ذلك إلى أن یكون مكونا فاعلا فی بنیة النص . فالرباعیات أسهمت فی التعبیر عن جو الضجر من السفر الطویل , فهی شبیهة بتلك الأغنیات التی یرددها المسافرون فی السفرات الطویلة , أو ربما تشبه أناشید البحارة .

أما العبارة الانجلیزیة والنص النثری بعدها فكان دورهما إعطاء تیار السرد صفة الواقعیة وإمكانیة التصدیق , تماما كما یفعل كتاب القصة إذ یضفون التفاصیل الصغیرة لإسباغ صفة الواقعیة على قصصهم .
خاتمة :

تتمیز تجربة سعدی یوسف الشعریة ببحثه الدائم وراء اللغة , إذ یبدو انه یدرك أن اللغة قد تكون أحیانا عاجزة عن نقل الصورة الشعریة نقلا أمینا , ولذا فهو یجرب أدوات أخرى بغیة رسم صورة بأعلى ما یمكن من الدقة , و( الكولاج ) واحد من أهم تلك الأدوات التی استخدمها الشاعر إذ صارت الملصقات علامة فارقة فی شعره , یكثر من توظیفها فی قصائده , أما الخدمة التی تؤدیها تلك الملصقات , فهی غالبا المساعدة فی بناء المزاج الانفعالی وتغیراته.
 

المصادر والمراجع

·        أوراق مشاكسة – مقالات فی الفكر والأدب، أحمد یوسف داود : منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2001

·        سعدی یوسف .. صورة الشاعر فی منفاه ، د. علی جعفر العلاق : صحیفة الأدیب , العدد 141

·        صلاة الوثنی ، سعدی یوسف:موقع سعدی یوسف على الشبكة العالمیة

·        القصیدة العربیة الحدیثة بین البنیة الدلالیة والبنیة الایقاعیة ، د. محمد صابر عبید: منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2001

·        یوجین یونسكو،: كلود ابستادو: ترجمة قیس خضور، اتحاد الكتاب العرب ، دمشق، 1999

The Achievements of T.S.Eliot P.O.Matthiessen:NewYork,1959-

The Nature of Poetry , Donald A.Staufter:New York,1964-

-The Penguin Dictionary of Arts and Artist,Peter and Linda Murray:New York,1982

 

([1])   The Achievements of T.S.Eliot P.O.Matthiessen:NewYork,1959,p51

([2])   The Nature of Poetry , Donald A.Staufter:New York,1964,p53

([3])   الكولاج Collage "كلمة فرنسیة الآصل من Coller وتعنی یلصق ویدل المصطلح على لوحة فنیة مكونة كلیا أو جزئیا من قصاصات الصحف أو قطع القماش أو أیة مادة أخرى تلصق على قماش اللوحة، وقد استخدمت هذه الطریقة من قبل التكعیبیین الأوائل، الذین كانوا یلصقون قصاصات الجرائد على لوحاتهم، واستخدمها الدادائیون من أمثال شفیترز، واستخدم ماتیس قصاصات من الورق الملون بدیلا كاملا عن الأصباغ/ هذا التعریف من The Penguin Dictionary of Arts and Artist,Peter and Linda Murray:New York,1982,p100

 

([4])   الدیوان منشور على موقع الشاعر على الشبكة العالمیة ولذلك لانشیر إلى ارقام صفحات بل نكتفی بذكر عناوین القصائد حیث یمكن مراجعتها على الموقع

([5])   صلاة الوثنی : أغنیة الهزار

([6])   نفسه : إذهب وقلها للجبل

([7])   نفسه : الى شیخ عشائر ال

([8])   أوراق مشاكسة – مقالات فی الفكر والأدب، أحمد یوسف داود : منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2001، ص 185

([9])   سعدی یوسف .. صورة الشاعر فی منفاه ، د. علی جعفر العلاق : صحیفة الأدیب , العدد 141

([10]) صلاة الوثنی : اللیلةَ … لن أنتظرَ شـیـئاً

([11]) نقسه : الأشیاء تتحرك

([12]) القصیدة العربیة الحدیثة بین البنیة الدلالیة والبنیة الایقاعیة ، د. محمد صابر عبید: منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2001، ص 52

([13]) نفسه : منتظرا الزوبعة المطر

([14]) نفسه : الى شیخ عشائر ال

([15]) نفسه : صلاة الوثنی

([16]) یوجین یونسكو،: كلود ابستادو: ترجمة قیس خضور، اتحاد الكتاب العرب ، دمشق، 1999 ، ص188

([17]) نفسه : القطار الایرلندی



طبقه بندی: مقالات حول سعدی یوسف،

تاریخ : یکشنبه 18 مهر 1389 | 10:44 | نویسنده : دکتر كشاورز
سعدی یوسف یغنی للعراق من برلین
عصام الیاسری
بدعوة من منتدى بغداد للثقافة والفنون وبالتعاون مع جمعیة الصداقة الألمانیة العربیة فی برلین أحیا الشاعر العراقی الكبیر سعدی یوسف أمسیة شعریة حضرتها نخبة من المثقفین والمهتمین بالأدب والشعر من العرب والألمان.
ومنتدى بغداد تجمع ینحصر عمله قطعاً بالشأن الثقافی والفنی وما یجدی العراق وشعبه وحضارته نفعاً. مؤسسوه، أعضاء وأصدقاء، هم فی الغالب من الأكادیمیین والأدباء والفنانین والصحفیین العراقیین الذین كانوا یعارضون النظام السابق ویقیمون فی المهجر بسبب ملاحقته لهم، لكنهم كانوا أیضاً ضد الحرب وغزو بلادهم فی العام 2003 على ید القوات متعدد الجنسیات التی دمرت العراق وشعبه.. أما جمعیة الصداقة الألمانیة العربیة التی یترأسها د. أوتو فیسهوی Dr. Otto Wiesheu هی مؤسسة هامة على الساحة الألمانیة، مجلسها وأعضاؤها الذین یزید عددهم على الأربعمائة، جلهم سیاسیون وأكادیمیون ومثقفون ورجال أعمال معروفین، بینهم وزراء ونواب ودبلوماسیون من الألمان والعرب فی الخدمة وخارجها وفی مجلس إدارتها أربعة أعضاء یمثلون الكتل النیابیة الأربع فی المجلس النیابی الاتحادی الألمانی " بوندستاغ Bundestag " ولها نشاطات واسعة فی نشر الثقافة وإقامة المعارض الفنیة والندوات الأدبیة والفكریة والإقتصادیة والعلمیة فضلاً عن دورها فی توثیق العلاقات العربیة الألمانیة وتفعیل الحوار بین مجتمعاتها فی كافة المجالات وأهمها الثقافیة والعلمیة.
أفتتح الأمسیة نائب الرئیس للشؤون الثقافیة والعلمیة البروفسور دیتریش فیلدونغ Prof. Wildung مرحباً بالشاعر سعدی یوسف ومكانته العالمیة كما وأشاد بأهمیة الأدب العربی وتأثیره على ثقافات العالم وحضاراته ومنها الألمانیة.. الروائی والشاعر العراقی صبری هاشم قدم الشاعر یوسف بكلمة مقتضبة جاء فیها: باسم الشاعر الضیف سعدی یوسف وباسمی شخصیاً أُرحبُ بالحضور الكریم وأشكر جمعیة الصداقة الألمانیة ـ العربیة مثلما أشكر منتدى بغداد للثقافة والفنون على جهودهما المشتركة التی انصبّت على دعوة الشاعر والتهیئة لهذه الأمسیّة ، كما یسعدنی أن أقدِّمَ قامةً شعریةً سامقةً وشخصیةً وطنیةً بارزةً كسعدی یوسف الذی عارض الدكتاتوریة فی بلاده ودافع عن حقوق المحرومین والمضطهدین ووقف بوجه الغزاة والمحتلین فتحمّل مِن أجل قضیته الوطنیة عبئاً ثقیلاً وتعرّض لغدر الغادرین وصار هدفاً لسهام الناقمین من یمینیین ویساریین. شیخ المنفیین هذا علّمنا ـ منذ البحث الأول عن أسرار القصیدة ـ سحر القصیدة . فباسمكم واسمی أرحب أنا صبری هاشم بالشاعر الكبیر سعدی یوسف، ثم ألقى قصیدة جمیلة خصّ بها الشاعر بعنوان " حدائق سعدی" أقتطف منها:
نحن فی الجوارِ
وإلى جوارِ حدیقةٍ فی الجوارِ
یأتی الأعرابُ
بخسائرِهم الكثیرةِ وأحلامِهم المُنْسَلّةِ مِن سلالٍ منسوجةٍ مِن وهمِ الذاكرةِ
وتأتی القبائلُ :
إیلخانیون كانوا قد زرعوا الفجیعةَ فی أزقةِ بغداد
مثلما یفعلُ الآن السادةُ الأمریكان
* ثم یستمر صبری هاشم بإلقاء جمیل مطلقاً أسئلة تصل إلى جمهور واسع اضطر بعضه إلى أن یبقى واقفاً فی مؤخرةِ القاعة إلى أن یقول :
أنحن على ساحلِ بحرٍ نتقاسمُ لذّةَ المنفى ؟
هل تأتی أمُّ البروم
بلا عمّالِ المسطرِ وبلا جوادٍ تأتی التحریر ؟
هل تصمتُ حقولُ الجوریِّ بوجهِ الزائرِ والولهان
وتنطلقُ حزناً آهةُ زیزفونةٍ ؟
هل تُنتهك علانیةً نخلةٌ على شاطئ الفرات ؟
هل ؟
ما أصعبَ السؤال !
إلى حدائقَ فی الجوارِ
نأتی بورقةٍ وقلمٍ
زجاجةِ نبیذٍ وقنینةِ ماء
إلى ساحةٍ فی الجوارِ أشعلتْ صمتی
یأتی مِن آخرِ القرى المنطویةِ على نفسِها فی أطرافِ لندن سعدی یوسف
یسحرُهُ المكانُ
إلى ساحةٍ أمَّها الطیرُ والشعراءُ
ثم تناول سیرة الشاعر ومشواره الأدبی والسیاسی وما قدمه خلال العقود الخمسة من شعر ونثر ترجم العدید منه إلى لغات عالمیة كالإنكلیزیة والإیطالیة والفرنسیة والألمانیة، وكشف عن جانب هام فی حیاته ألا وهو المهجر الذی إنتقل إلیه فی سن مبكرة ومازال یتنقل بین عواصمه ومدنه ، مدینة تلو مدینة ، ومطار بعد مطار دون أن یكل، لكن هواجسه نحو الوطن كانت هی شغله الشاغل الذی یدفعه نحو مزید من العطاء.
فی أمسیة برلینیة كان الطقس فیها جمیلاً ألقى الشاعر سعدی یوسف قصائد متنوعة، موسومة بعناوین وتواریخ ومدن كثیرة حطت خطى الشاعر فیها. فی الحب والجمال والترحال والسیاسة، وكانت بغداد حاضرة المكان والزمان لا تغیب عن ذاكرة ولا تخفی مصابها عنه رغم إغترابه بعیداً عن الوطن منذ عقود، یناجی مسار حالها ویواسی أنیناً لها لم ینقطع. بین طرفی لحظیه الجائلتین فی فضاء المكان راح یكشف عن أسرار شوق لشواطیء دجلة والفرات، ولضفاف شط العرب ونخیله حیث كان یقف على جرفه یرصد هدیر المیاه وقوارب صیادی السمك وأهازیجهم، هو هیه یوب. ویتفرس الوجوه السمراء التی لوحتها الشمس حتى احمرت وصفعتها الریاح فتشققت.
لم یستمتع الضیوف بنصوص الشاعر القدیمة وأسلوب إلقائه التعبیری حیث تقاطیع وجهه وعناصره یغازل بعضها البعض بصورة إیحائیة صادقة فیما تعرج یداه ملیئة بحركات دراماتیكیة نحو السماء وكأنه ینشر وشاحاً خمریاً فی الهواء، أنما نهلوا من سفح قصائده الجدیدة التی لم تنشر بعد والتی ننتقی منها قصیدتین ستنشر فی كتابٍ یصدر قریباً تحت عنوان: أنا برلینیّ ؟ بانوراما "سعدی یوسف:
حِــنّــاءُ الـفــاوِ
حنّاءُ نساءِ البصرةِ تأتی مع مِلْحِ البحرِ
وأسماكِ البحرِ
ورُوبیانِ البحرِ
من الفاوِ ...
الأوراقُ الـخُضْـرُ ، مخشخشةً تأتی ، فی أكیاسٍ من خیشٍ.
ستكون الأوراقُ طحیناً أخضرَ مُـغْـبَــرّاً
ستكونُ عجیناً أخضرَ
أخضرَ ، مُـحْـمَــرّاً بعد دقائقَ .
حنّاءُ الفاوِ
خِضابُ لِحىً وجدائلَ
راحاتُ عرائسَ
أخفافُ حُفاةٍ شــقّقَ أقدامَهمو السّـعیُ على طرُقاتِ اللهِ ...
وحِــنّاءُ الفاوِ
كأسماكِ الفاوِ
ومِلْحِ البحرِ
وروبیانِ البحرِ
تَناءتْ ، حتى غابتْ فی ما كانَ یُـسَــمَّــى الفاو ...
.....................
.....................
.....................
خالاتی المسكیناتُ سَــكَـنَّ الفاو
السّــاعــة
حمامتانِ حـطّـتــا ، فی صیفِ برلین
على مبنىً بلا نوافذَ.
الحمامتانِ َ
كانتا بین الهوائیّاتِ والأطباقِ والسطحِ الـمُـصَـفّى
تبحثانِ
عن بذورٍ
عن بقایا خُبزةٍ
عن قطرةٍ ...
أسمعُ ، فی الهدأةِ ، منقارَینِ :
تِك ْ
تِكْ
أهِـــیَ الساعـةُ ؟
هل دقّتْ على المبنى الذی بلا نوافذَ ، الســاعةْ ؟

أمسیة الشاعر العراقی الكبیر سعدی یوسف الذی قدمه فیها الروائی والشاعر صبری هاشم فی برلین، المدینة الملیئة بالنشاط الثقافی ودور الثقافة والفنون هی واحدة من أنشطة متمیزة یطمح منتدى بغداد للثقافة والفنون فی برلین تحقیقها بالتعاون مع مؤسسات ألمانیة مختلفة.
عصام الیاسری
برلین فی 3 آب / أغسطس 2010



قاص سوری أبحر فی محیط القصة بعد وفاة أخیه بحادث مؤسف، فحول آلامه إلى قارب، وأحزانه ووحدته إلى مجدافین یصارع بهما الأمواج غیر خائف من الغرق، ولا من الضیاع معتمدا على بوصلة قلمه، وقارب نجاة أفكاره، فأبدع لنا حتى الآن أربعة مجموعات قصصیة هی: ورود سوداء، غرفة معبأة بالنار، غزالة الغابة، ونهر الدم. كتب روایة واحدة لكنها لم تر النور لأن المسؤولین عن الثقافة فی بلادنا مشغولین بدعوة المطربات (الجمیلات) لإحیاء الحفلات فی المناسبات والأعیاد بما فیها المناسبات الثقافیة. قال عنه النقاد بأنه قاص مبدع یتقدم إلى الأمام بخطى واثقة، قصصه تحظى بنسبة قراءة عالیة، فاستحق أن تختاره دیوان العرب عام 2007 لیكون أحد المكرمین من الكتاب المبدعین لتمیزه فی مجال القصة. دیوان العرب بمناسبة منحه درع الدیوان عن فئة القصة القصیرة یسعدها أن تجری معه الحوار التالی:



“«-»” أعلن قبل شهر أن دیوان العرب قد كرمتك عن العام 2007 واختارتك لتفوز عن القصة القصیرة كأحد المبدعین الذین یستحقون التكریم، ماذا یعنی هذا التكریم إلیك؟
- لا اخفی علیك أن هذا التكریم قد زاد من حبی للكتابة وشجعنی على بذل المزید من الإبداع، وهذا یعنی لی الكثیر بالطبع وإن كان تكریما بسیطا بنظر البعض من أصدقائی الذین سمعوا عن هذا التكریم، وأنا بنظری أن التكریم لیس بالضرورة أن یكون جائزة مالیة أو درعا أو میدالیة أو ما شابه، وإنما كلمة (شكرا) كافیة وهی اجمل تكریم خاصة إذا كانت من جهة مرموقة وتعرف معنى الإبداع كدیوان العرب.
-  أنت قاص متمیز فی قصصك تسیر بخطى ثابتة إلى الأمام، هل فكرت بخوض غمار الروایة، أم أنها إبداع فنی مستقل بذاته؟
- أشكرك لأنك قلت إننی قاص متمیز.. كتبت الروایة فعلا ، روایة واحدة حتى الآن، لكنها لا تزال مخطوطة وهی حبیسة الأدراج منذ عدة سنوات، قد أعود إلیها وقد لا أعود، وقد قلت ذلك فی حوار سابق أجراه معی صحفی من الجزائر. لدیّ أفكار روائیة كثیرة ولكنی لا أملك الوقت الكافی للتفرغ لكتابة الروایة، فأنا اعتبر نفسی قاصا بالدرجة الأولى، بدأت قاصا وسأبقى قاصا لأننی مغرم بهذا الفن الصعب الجمیل، أجد أن فن القصة القصیرة یتمیز عن غیره من الأجناس الأدبیة الأخرى بخصائص عدة، ولا أجد سببا مقنعا أن تحث القصة صاحبها لیخوض غمار الروایة، فالروایة إبداع والقصة إبداع آخر وهی تستقل عن الروایة وإن كانت روحها وقلبها وأنا برأیی أن القصة هی الأساس.
-  أین تقف القصة القصیرة فی العالم العربی؟ هل هی فی طریقها إلى القمة؟ أم تشهد حالة نراجع؟
- أرى أن القصة القصیرة فی العالم العربی الیوم بخیر، وهی على القمة بكل تأكید، وشعبیتها تزداد یوما بعد یوم، وتسیر فی أكثر من اتجاه، وقد تخلصت من فنیة وتفكیر القصة العربیة القدیمة ومن الفكر المؤطر، وهی تمیل إلى الواقعیة الحیاتیة، وتحاول رصد الواقع بكل ما فیه وتهاجم كل ما یلحق المواطن العربی من ظلم وغش، وتفضح الخداع الذی یمارس على هذا المواطن المسكین. القصة القصیرة العربیة احمل ما فیها أنها استطاعت أن تتخلص من أسلوبیة وفكریة جیل الرواد، هذا الأسلوب الذی لا یعجبنی على الإطلاق، لهذا هی تسیر نحو الأفضل والى الأمام.
- یقال إن الشبكة فتحت المجال أمام نشر الإبداعات الأدبیة بشكل أوسع، فیما یقول آخرون إنها أصبحت مركز نفایات لكل النصوص الردیئة، ما تعلیقك على هذا القول؟
- القول الأول صحیح، والثانی أیضا صحیح.. الشبكة العنكبوتیة أمرها محیر فعلا، فهی تفتح المجال واسعا أمام نشر الكتابات الأدبیة، تنشر الصالح والطالح، تنشر النصوص الجیدة إلى جانب الردیئة، بعض المواقع تنشر كل ما بصل إلیها من نتاجات دون أن تقرأ وتدقق من طرف القائمین على هذه المواقع، سأضرب لكِ مثالا، كتبت مرة قصة قصیرة ثم تركتها إلى حین دون أن أكملها، كتبت صفحة ونصف تقریبا، ثم حفظت النص الناقص وتركته على أن أعود إلى تكملته فی وقت آخر، ولكنی نسیت ما كتبت، وحدث أن أرسلت هذه القصة غیر المكتمل بطریق الخطأ إلى أحد المواقع، وفی الیوم التالی فوجئت بها منشورة وهی بحال یرثى لها، ولم انشر فی هذا الموقع بعدها. عن من یقول إنها مركز نفایات قوله صحیح ولكن هذا لا ینطبق على كل المواقع، فالكثیر من هذه المواقع لا تنشر إلا الإبداع، ودیوان العرب خیر دلیل على ذلك.
- عندما تكتب قصة تتقمص فیها دور البطل، هل یراجعك صدیق لك بعد قراءتها معتقدا أنها حصلت معك؟
- البیئة التی أعیش فیها، أقصد منطقة الجزیرة السوریة هی منطقة غنیة ومتنوعة بالعادات والتقالید الموروثة، ففیها یعیش جنبا إلى جنب ومنذ مئات السنین العرب والأكراد والآشوریین، وأنا فی اغلب كتاباتی اختار أبطال قصصی من هذه البیئة، حدث أن كتبت قصة تقوم الحبكة فیها على أن أحد الرجال یأخذ ولده إلى سوق المواشی فی البلدة لیبیعه على أنه تیس لأنه كسول وینام فی اغلب الأوقات، هذه القصة أضحكت الكثیرین أعجبتهم، وقال البعض من أصدقائی أن المقصود بالتیس هو( فلان) وهو صدیق لی، وذات یوم فوجئت بهذا الصدیق یأتی الیّ ویعاتبنی لأننی قصدته. بعض صفات البطل كانت تنطبق علیه فعلا، ورغم أننی قلت له وللآخرین أننی لا اقصده إلا أن أحدا لم یصدقنی وظلوا لأشهر عدة یضحكون ویسخرون من هذا الصدیق، أما القصص التی یعتقدون أننی شخصیا البطل فهی كثیرة ودائما ما یسألنی صدیق ما عنها.
- كیف تقیم الحركة الثقافیة السوریة فی المرحلة الحالیة؟ ما الثغرات التی یجب على المسؤولین القیام بها لإنقاذ الموقف؟
- أرى أن الحركة الثقافیة السوریة فی الوقت الراهن بخیر، فالمراكز الثقافیة تنتشر فی كل مدینة وبلدة سوریة، والأنشطة الثقافیة تقام على مدار العام، ولكن هذا لا یعنی أن لیس فیها بعض الثغرات. من هذه الثغرات عدم مساعدة المبدع بأی شیء،فالمبدع یتعب ویتعذب حتى یطبع كتابا، وفی النهایة یكون هو الخاسر، ألیس من الظلم ألا یجد المبدع قوت یومه؟ ورغم ذلك یبدع باستمرار ویتحدى المعاناة بكل أشكالها. تصوری أن وزارة الإعلام أو وزارة الثقافة عندنا، تدعو مطربة ما لمهرجان غنائی، مطربة لیس فیها إلا الجسد، تأتی هذه المطربة تقول كلاما على أساس انه أغنیة وبعد الحفل تأخذ الآلاف المؤلفة وتمضی معززة مكرمة، أما المبدع فیذهب إلى هذه الوزارة أو تلك كشحاذ، كی توافق على طباعة كتاب له، وبسرعة یخرج منها لاعنا الثقافة والمثقفین. كیف لأغنیة مثل (شخبط شخابیط) أو (یا مجنون مش أنا لیلى) أن تحصد عشرات الآلاف وربما أكثر بكثیر، بینما المبدع یقطع مسافة طویلة لكی یشارك فی أمسیة ثقافیة ولا یحصل على أكثر من أجرة الطریق. أقول للمسؤولین عن حال الثقافة فی سوریا: لیت ما تصرفونه على الحفلات الغنائیة یصرف على الثقافة الحقیقیة لا على الراقصات والمطربات الجمیلات جسدا فقط.
- هل تشعر أن قراء القصة القصیرة فی ازدیاد أم فی تراجع ولماذا؟
- القصة القصیرة نكتبها الیوم وننشرها غدا، یعنی أن حظها وافر فی النشر والانتشار على صفحات الصحف والمجلات وعلى الشبكة العنكبوتیة، ونشرالقصة القصیرة بات تقلیدا صحفیا لا تهمله صحیفة أو مجلة سواء كانت سیاسیة أو اجتماعیة أو ثقافیة أو متخصصة، لأنها لا تأخذ غیر حیز صغیر ولأنها أیضا تلطف الصحیفة والمجلة بعطرها الممیز. لكل هذه الأسباب القصة القصیرة لها جمهورها وهو فی ازدیاد.
- هل تأثرت بأدیب أو قاص خلال مسیرتك الأدبیة؟
- قرأت لكتاب كثیرین، ولكن أبدا لم یكن لأی أدیب أو قاص أی اثر علیّ خلال مسیرتی الأدبیة، وأعجبت بكتابات الكثیر من الأدباء السوریین والعرب لكنی لم أتأثر بأحد، فأنا سرت فی دروب الإبداع لوحدی ولم یكن هناك من یدلنی إلى الطریق الصحیحة سوى القراءة بكثرة والاطلاع على النتاجات الأدبیة المتنوعة من شعر وقصة وروایة ومسرحیة.
- لماذا أبحرت فی محیط القصة القصیرة؟ ما الذی یمیز القصة القصیرة عن أشكال الإبداع الأدبی الأخرى؟
- للإجابة على هذا السؤال لا بد من العودة إلى الوراء قلیلا ، إلى منتصف التسعینات من القرن الماضی، بالتحدید بعد شهر آذار من عام 1995، قبل هذا التاریخ بشهر واحد، فجعت بموت شقیقی الكاتب والناقد (صبحی الطعان) بحادث سیر مروع، وقصة موته تكسر الظهر وقد كسرته فعلا، بعد موته عانیت من وحدة قاتلة، ومن حزن لا یزول، وذات لیلة كلها دمع وحسرة ومرارة قلت فی نفسی: لماذا لا افعلها واكتب ـ قبل الحادث كنت قارئا نهما فقط ـ لماذا أضیف عذابا على العذاب؟ ثم قلت: بالكتابة ربما استطعت نسیان حزنی وأملی الضائع، وكتبت قصة قصیرة أسمیتها (ورود سوداء) وبقیت اكتب دون أن یخطر النشر على بالی، وخلال السنة الأولى كتبت قصصا كثیرة وكلها یؤطرها السواد ویتغلغل الحزن والخسارة فی كل سطر من سطورها، ثم أرسلت بعضا من قصصی إلى الصحف والمجلات وفوجئت بسرعة النشر وهذا ما شجعنی على الاستمرار على الكتابة، وشیئا فشیئا كتبت قصصا متنوعة المواضیع. حقیقة لا أدری لماذا اخترت القصة القصیرة بالذات، كان یمكن أن اكتب الشعر أو الروایة أو حتى المسرحیة، وكل ما أعرفه أننی أبحرت فی محیط القصة القصیرة بقارب من حب لهذا الجنس الأدبی وبمجدافین من رغبة، ولكن لا أعرف هل وصلت إلى شاطئ الأمان، هذا متروك للقارئ وللزمن.

إن ما یمیز القصة القصیرة عن أشكال الإبداع الأدبی الأخرى هو ان لها قدرة لا محدودة على امتلاك التصرف بالزمن، وهی أی القصة مضیافة وكریمة جدا وتفتح صدرها لكل الأسالیب المختلفة وتتكیف مع كل مستجد وتسیر على إیقاع العصر، وتقبل كل اللغات، لغة السرد البسیطة، واللغة الشعریة المكثفة، وأستطیع القول إنها مائدة عامرة بكل ما لذ وطاب، ولكن إذا لم یعرف الضیوف آداب الطعام فستكون مشكلة.

- لو قررنا اختیار رائد للقصة القصیرة فی العالم العربی فمن تختار من الأدباء الأحیاء؟
- القاص السوری زكریا تامر فهو یستحق وبجدارة أن یكون رائد القصة القصیرة فی العالم العربی.

- نقرأ لاسماء سوریة كثیرة تبدع فی مجال القصة، هل یوجد بینكم أی تنسیق، تشاور، إبداع مشترك؟
- هنا سأتحدث عن نفسی، اقصد بینی وبینهم، بكل أسف لا یوجد لا تنسیق ولا تشاور ولا إبداع مشترك ولا تعارف بینی وبینهم، وربما السبب هو بُعدی عن المدن الكبرى والعاصمة دمشق، فأنا أعیش فی بلدة القحطانیة بالقرب من القامشلی وهی تبعد عن دمشق حوالی 1000 كم ولو كنت أعیش فی دمشق لاختلف الأمر.
- رأیك فی دور اتحاد الكتاب العرب فی دمشق؟ هل یقوم بواجبه كما تریده وتطمح إلیه، أم أنه یعانی كغیره من الاتحادات الأدبیة العربیة من خلل فی طریق عمله؟
- اتحاد الكتاب العرب فی دمشق لا یقوم بواجبه على أكمل وجه تجاه المشتغلین بالثقافة، فهو لا یستطیع أن یتخلص من الروتین حاله حال الكثیر من الدوائر الحكومیة، وهو یرفض طباعة نتاجات غیر الأعضاء دون سبب أو حتى ملاحظة ولا أدری لماذا هذه التفرقة التی یمكن أن نسمیها عنصریة. لو كنت مسؤولا عن النشر فی اتحاد الكتاب العرب فی دمشق لرفضت بشكل قاطع الكثیر من نتاجات أعضائه لأن هذه النتاجات لا قیمة لها فنیا وأدبیا.
-  هل تواجهك عوائق فی نشر إبداعاتك القصصیة سواء فی كتاب أو على الشبكة العنكبوتیة؟
- بخصوص نشر إبداعاتی القصصیة لا تواجهنی أیة عوائق، فأنا انشر كل یوم تقریبا، وقد نشرت قصصی حتى الآن فی /37/ جریدة ومجلة ورقیة وفی أغلب الدول العربیة وبریطانیا، وفی /41/ جریدة ومجلة رقمیة، ومنها بالطبع دیوان العرب، وأطمح لأن أنشر فی /100/ جریدة ومجلة ورقیة و/200/ رقمیة، ویوما بعد یوم تزداد هذه الأرقام لأننی أرسل نتاجی إلى الكثیر من المطبوعات والمواقع، أما بخصوص طباعة المجموعات القصصیة فلدی مشكلة واحدة هی التمویل المادی ولدیّ الآن خمس مجموعات قصصیة جاهزة للطباعة.

- حركة النقد الأدبی فی العالم العربی الآن، هل هی حركة نقدیة حقیقیة، أم مجرد ترحیبات ومدیح لا علاقة لها بالأدب والنقد؟
- بكل أسف لا یوجد نقد وإنما مدیح وخزعبلات لا علاقة لها بالأدب والنقد، فالكثیر من النقاد هدفهم الوحید هو كسب ود ورضى الكاتب أو الأدیب وهم یتجمهرون عند نافذة كاتب یعرفونه، ینتظرون كتابه حتى لو كان صفحة واحدة یكفی أن تحمل اسمه وتوقیعه وبعدها ینزل المدیح كما ینزل المطر.
- هل شخصیات قصصك كلها من الخیال، أم انك تكتبها من الواقع الذی تعیش فیه؟
- فی قصصی ألجأ دوما إلى هذا وذاك، فی بعض القصص تكون الشخصیات واقعیة وأعرفها معرفة شخصیة، وفی قصص أخرى تكون من نسج الخیال، أرسمها أمامی ثم أكتبها على الورق.

- أبطال قصصك كلهم سوریون، أم أنك تبحر فی العالم العربی فتختار منه أبطالا یكتبون بعض القصص؟
- دائما أختار أبطال قصصی من البیئة التی أعیش فیها، وفی كل القصص التی أكتبها حتى الآن كلهم سوریون وبالتحدید من محافظة الحسكة التی انتمی إلیها، ما عدا قصة واحدة بطلتها جزائریة، وهی صدیقة لی من الجزائر التقیت بها ثم كتبت هذه القصة، ولو سافرت إلى الدول العربیة ربما اخترت أبطال قصصی من هذه الدول، فأنا لا اكتب عن بیئة وواقع لا اعرفه.
- العلاقة بین المبدعین السوریین العرب، والأكراد، هل تسیر فی الاتجاه الصحیح، أم أن فجوة واسعة قائمة بینهما؟
- هی علاقة تعایش سلمی وحمیمیة واحترام متبادل، إن الأخوة الأدباء الأكراد كلهم طیبون أوفیاء، وهم یفهمون معنى الصداقة ویقدرون الآخر وهم یستحقون كل تقدیر واحترام. أكثر الأدباء الأكراد فی الجزیرة التقیت بهم وأسست معهم صداقات شخصیة وأدبیة، أنا عربی وأكثر أصدقائی هم من الأكراد سواء كانوا أدباء أم غیر ذلك، ولا أجد فجوة قائمة بین الأدباء الأكراد وبین الأدباء العرب، ثم لماذا هذه الفجوة أصلا، ولأی سبب، فی النهایة كلنا ننتمی إلى بلد واحد یسوده المحبة واحترام الآخر، وتاریخ واحد ومصیر واحد.

- الكثیر من الكتاب وقعوا ضحایا العولمة الأمریكیة، أو انغمسوا فیها لكی ینعموا بخیراتها، ماذا تقول فی ذلك؟
- إن كل عربی ومسلم، یقف مع أمریكا بحجة العولمة أو الدیمقراطیة أو الحریة أو أی شیء أخرهو خائن لوطنه ولأمته ولنفسه أیضا، لأن الولایات المتحدة الأمریكیة هی العدو اللدود لأمتنا العربیة والإسلامیة، لینظرهؤلاء الكتاب الذی یتفاخرون بأمریكا وعولمتها، لینظروا إلى ما فعلته أمریكا ومعها الغرب بنا نحن العرب، اغتصبوا فلسطین باسم الیهود، ولولا أمریكا ودعم الغرب لها هل كانت " إسرائیل" فی الوجود الآن؟ لینظروا إلى العراق ، دمروه، نهبوا خیراته، قتلوا علماءه، وحولوه إلى بلد الأرامل والأیتام، الأجدر بهؤلاء الكتاب أن یطالبوا بإعدام جورج بوش وفریقه المتصهین، وتونی بلیر، وماریا أزنار، وجون هاورد فی ساحة الفردوس فی بغداد، لأنهم قتلة، قطاع طرق، مجرمون بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، وأقولها جهارا نهارا إن هتلر أشرف منهم بكثیر، وان هؤلاء الكتاب هم طفیلیون، باعوا أنفسهم للشیطان ورموا أوطانهم فی المزاد الغربی ، ولكم لا یهم، فكم من غزاة عبروا فوق رمالنا العربیة ثم ابتلعتهم الرمال وتركوا غبارهم فوق غبار سبق، وفلسطین ستعود حرة عربیة أبیة وسیعود العراق وسیكون شوكة فی عیونهم بإذن الله.

- رأیك بالذین یسمون أنفسهم باللیبرالیین الجدد فی العالم العربی؟
- الأجدر بهم أن یسموا أنفسهم بالعرب الجدد ، مرحبا بهم إذا كانوا قادرین على تغییر الواقع العربی المضحك المبكی، تحویل الانهزام العربی إلى نصر، وقف الظلم الغربی للعرب، وقف الهرولة العربیة نحو التطبیع مع العدو الصهیونی، الطلب من بعض العرب عدم الانحناء أمام المجرم الدولی والإرهابی الأول "بوش" والوقوف بثبات فی وجهه ورفض مخططاته الخبیثة. لا أعرف یا أخت زهیرة كیف لبعض العرب یذهب ویلتقی من یصف "شارون" برجل السلام، ألیس هذا مضحكا؟ ولو قلت لی ما هی أمنیتك لقلت بصوت عال أن یعدم "جورج بوش" فی ساحة الفردوس فی بغداد فی صباح عید الأضحى المبارك.
- حسب الإحصائیات التی تنتشر فی الشبكة كان مشاركة السوریین فیها ضعیفة مقارنة بدولة صغیرة مثل الإمارات مثلا، ما السبب فی ذلك؟
- هل فی كل بیت سوری یوجد جهاز الحاسوب؟ بالتأكید لا، والسبب فی ذلك هو الحالة المادیة للمواطن السوری، السوریون لیسوا مرفهین مثل الإماراتیین، ولو كانوا مثلهم مرفهین لاختلف الوضع كثیرا، فالشعب السوری مثقف وذواق وذكی جدا، ولكن ماذا یفعل المرء إذا كانت اللقمة هی المراد الأول.
- بأسطر قلیلة كیف یمكن أن تعرف نفسك أمام القراء؟
- أنا كاتب سوری، أعتز بسوریتی ، وأنا مواطن عربی من هذه الأمة المغلوبة على أمرها، المبتلیة بآفات كثیرة وبجرثومة اسمها "إسرائیل" مواطن یحلم بعمر جدید وبأبو بكر جدید وبعثمان جدید وبعلی جدید وبأبی عبیدة جدید وبحمزة جدید وبخالد جدید، مواطن یحلم أن یخترع عربی شجاع دواءً للقضاء على هذه الآفات وهذه الجرثومة، مواطن یكره الظلم، یرید الخیر والسلام، لا یتخلى عن مبادئه ولا یركع إلا لله الواحد الأحد.
- هل أنت نادم على اختیار الأدب والولوج فی طرقه المتشعبة؟
- الأدب بالنسبة لی هو متعة بالدرجة الأولى، ولا أظن أننی قادر على العیش دون هذه المتعة، فأنا دائما إما الكتاب بیدی وإما القلم على الرغم من أننی أخسر الكثیر من المال والوقت والجهد ولا أجنی شیئا سوى هذه المتعة.

- كلمة أخیرة توجهها إلى قراء دیوان العرب، والى المشرفین على الدیوان.
- لقراء دیوان العرب أقول: أتمنى أن تقرأوا دائما ما ینشر فی دیوان العرب، ففیه المتعة والفائدة، وهو لیس كبعض المواقع التی تنشر النفایات الأدبیة كالمنتدیات التی لیس لها لا طعم ولا لون ولا رائحة، وللمشرفین على الدیوان أقول: جهودكم مشكورة، وأنتم تستحقون التكریم ولكن لیس بالید حیلة، أشكركم لأنكم منحتمونی درع دیوان العرب للقصة القصیرة، وهذا یعنی أنكم تقدرون تعب الآخرین، وفی الختام أشكرك على أسئلتك الذكیة والقیمة.




طبقه بندی: مقالات حول زكریا تامر،

تاریخ : شنبه 17 مهر 1389 | 11:00 | نویسنده : دکتر كشاورز
صنفت الحیوانات الى حیوانات ذات دم أحمر، وأخرى لا دم فیها، والى حیوانات تلد واخرى تبیض.. وتضم مملكة - عالم - الحیوان تسع شعب هی الاسفنجیات، المسامیات، وأمم، صفوف أو طوائف الجوفمعیات، والدیدان المفلطحة، والدیدان الاسطوانیة، والدیدان الحلقیة ومفصلیات الأرجل، والرخویات، وشوكیات الجلد، والحبلیات، وقد اعتمدت نظم التصنیف الحدیث للكائنات الحیة على أسس اهمها: تمییز الكائن الحی والتعرف علیه مظهریا، وتحدید تركیب الخلیة وكیمیائها الحیویة، وتسمیة الكائن الحی وتحدید موضعه فی السلم التصنیفی المقترح ویتكون السلم التصنیفی من وحدات تصنیفیة متسلسلة تبعا لدرجات التشابه فیما بینها وتشمل النوع : وهو الوحدة الاساسیة لتصنیف مجموعة من الأفراد لها صفات مظهریة متشابهة وتتلاقى فی صفات آبائها والجنس: ویضم مجموعة الانواع المتشابهة والفصیلة )العائلة( وتضم الاجناس المتشابهة والرتبة: وتضم الفصائل المتشابهة والأمة - الصف او الطائفة - وتضم الرتب المتشابهة والقسم او القبیلة وتضم الأمم المتشابهة والعالم - المملكة : ویضم الاقسام المتشابهة، وعندما توجد اختلافات داخل ای من الطوائف او الصفوف او الرتب او الفصائل او الاجناس، او الانواع فان كلا منها یقسم الى تحت وحدات تصنیفیة، مثل تحت الانواع وتحت الأجناس.. الخ.. ویسمى الكائن الحی حتى یمكن التعرف علیه ودراسته ووضعه داخل الوحدة التصنیفیة المناسبة. وقد اتفق المصنفون على استخدام اللغة اللاتینیة فی التسمیة على ان یتكون الاسم العلمی من كلمتین : الأولى هی اسم الجنس، والثانیة هی اسم لنوع، ولقد استخدمت اللغة اللاتینیة فی التسمیة المزدوجة لزیادة الدقة وسهولة تمییز كل نوع عن الآخر باعتبارها لغة قدیمة لا یتحدث بها عامة الناس مما یضمن عدم تغییر او تحریف الاسم.
یقول الدمیری فی كتابه - حیاة الحیوان الكبرى: الحیوان: جنس الحی والحیوان: الحیاة. وقال الزمخشری فی تفسیر قوله تعالى: «وإن الدار الآخرة لهی الحیوان» أی لیس فیها الا حیاة دائمة مستمرة خالدة لا موت فیها فكأنها فی ذاتها حیاة، والحیوان مصدر حی وقال الجاحظ: الحیوان على أربعة أقسام، شیء یمشی، وشیء یطیر، وشیء یعوم، وشیء ینساح فی الارض، الا ان كل شیء یطیر یمشی، ولیس كل شیء یمشی یطیر، فأما النوع الذی یمشی فهو على ثلاثة أقسام: ناس، وبهائم، وسباع الطیر، كله سبع وبهیمة وهمج والخشاش مالطف جرمه وصغر جسمه، وكان عدیم السلاح، والهمج لیس من الطیور ولكنه یطیر هو فیما یطیر كالحشرات فیما یمشی والسبع من الطیر ما اكل اللحم خالصا، والبهیمة ما أكل الحب خالصا، والمشترك كالعصفور فإنه لیس بذی مخلب ولا منسر وهو یلتقط الحب، ومع ذلك یصید النمل ویصید الجراد، ویأكل اللحم ولا یزق فراخه، كما یزق الحمام فهو مشترك الطبیعة وأشباه العصافیر من المشترك كثیرة، ولیس كل ما طار بجناحین من الطیر فقد یطیر الجعلان والذباب والزنابیر والجراد والنمل والفراش والبعوض والارضة، والنحل وغیر ذلك ولا تسمى طیورا.
قال أبو الطیب المتنبی فی قصیدة یمدح بها بدر بن عمار:


سفك الدماء بجوده لا بأسه
كرما لأن الطیر بعض عیاله

یقول العكبری فی شرح هذا البیت: المعنى : یقول: انما قتل الأعداء كرما لا بأسا لتأكل الطیر لحومهم لانه ضمن ارزاق الطیر، فقتلهم للطیر لا للحاجة الیهم. وزاد بالجود والعیال على ما قاله الشعراء من اطعام لحوم الاعداء الطیر.
لقد اشار ابو الطیب فی بیته هذا الى الطیور بصفة عامة، والى الطیور آكلة اللحوم بصفة خاصة، وتعتبر طائفة او وصف الطیور المجموعة الحیوانیة التی تمتاز بكونها الوحیدة ذات الریش وبأن أطرافها الامامیة متحورة الى اجنحة للطیران، ویوجد فی اناثها مبیض واحد، وقناة مبیض واحدة على الجانب الایسر من الجسم وتعیش الطیور فی كل مكان تقریبا من قمم الجبال المنعزلة الى وسط المدن المزدحمة او فی وسط المحیطات العریضة وترتبط كلمة طیور فی أغلب عقول الناس بالطیران ، ولكن هناك بعض الحیوانات الأخرى إلتی حققت القدرة على الطیران كالحشرات والخفافیش وبعض الحیوانات الثدییة المنزلقة، ولهذا فظاهرة الطیران لیست حكرا على الطیور ولكن الریش الذی یمكنها من الطیران لا یوجد الا بها اضافة لذلك فقد تحورت وتطورت اقدام الطیور الى اشكال مختلفة للقیام بوظائف تختلف من طائر لآخر، فالصقر مثلا مزود ببراثن مزودة بمخالب حادة لیس الغرض منها فقط التقاط الفریسة ولكنها تستخدم فی عملیة القتل والتقطیع للفریسة، وقدم البط الغشائی یزوده بمجداف مناسب للغوص فی الماء، وكموازن للثقل عندما یقف البط على ارض لینة وغیر ذلك من التحورات المختلفة، اضافة لذلك فقد تكیف المنقار فی الطیور المختلفة یناسب طبیعة الطعام الذی تأكله، والطیر فی اللغة - لسان العرب - الطیران حركة ذی الجناح فی الهواء بجناحه، والطیر: معروف اسم لجماعة ما یطیر مؤنث والواحد طائر والانثى طائرة، وهی قلیلة، وفی التهذیب : وقلما یقولون طائرة للأنثى وارض مطارة: كثیرة الطیر.
وقال المتنبی فی قصیدة یمدح بها سیف الدولة ویعتذر الیه:


فالعرب منه مع الكُدْری طائرة
والروم طائرة منه مع الحَجَل
وما الفرار الى الأجبال من اسد
تمشی النعام به فی معقل الوعل

یقول العكبری عن البیت الاول: الكدری : جنس من القطا وهو على ثلاثة أضرب: كدری، وجونی، وعطاط، فالكدری : الغبر الالوان الرقش الظهور والبطون الصفر الحلوق القصار الاذناب، وهو ألطف من الجونی والجونی: سود البطون سود الأجنحة والقوادم قصار الأذناب والغطاط: غبر الظهور والبطون والأبدان، سود بطون الأجنحة طوال الارجل والاعناق، لطافا لا تجتمع أسرابا اكثر ما تكون ثلاثا واثنین، والحجل: القبج واحدها: حجلة تكون فی الجبال والمعنى: ان القطا من طیر السهل والقبج من طیر الجبل. فالمعنى: ان العرب بلادها المفاوز والروم بلادها الجبال. یقول: إن أعداءه یعتصمون منه بما غمض من الرمال، وبعد من المهامه والقفار، وهناك یستقر القطا، ویأمن ویسكن وكذلك الروم تعتصم منه بالأوعار وقمم الجبال، وتلك مواضع الحجل ومساكنها، وأشار بذلك الى مستقر الطائفتین ویقول العكبری عن البیت الآخر: الأجبال: جمع جبل والمعقل: المكان المنیع الذی لا یقدر علیه.
والوعول: شیاه الجبل، الواحد وعل. والمعنى: یقول : وكیف ینجی الفرار الى الاجبال من اسد ویروى من ملك، أی من أسد شدید بأسه، او ملك نافذ امره تسهَّل للنعام التوغل فی معاقل الاوعال، حتى كأنها رمال مبسوطة وسهول موصولة، فدل على ان سیف الدولة فی قوة سعده، وتمكن امره لا یفوته من طلبه، ولا یمنع علیه من قصده ،وقال ابن القطاع : شبه سیف الدولة بالأسد وخیله بالنعام. والجبال: موقع الأوعال یرید ان خیله تصعد الى أعالی الجبال، شبهها بها فی سرعة العدو، وطول السباق، وفی هذا إغراب لا یوجد مثله وقال ابو الفتح: تمسى النعام بالسین المهملة، وقال: قد اخرج النعام من البر الى الاعتصام برؤوس الجبال، والنعام تكون فی السهول والاوعال فی الجبال، فلا یجتمعان لتضاد موضعهما، وقال ابن فورجة: یعنی بالنعام خیله العراب لأنها من نتاج البدو وقد صارت تمشی بسیف الدولة فی الجبال لطلب الروم وقتالهم واستنزال من اعتصم بالجبال منهم.
لقد تطرق شاعرنا المتنبی فی بیتیه السابقین الى عدة حیوانات: فذكر طائر الكدری وطائر الحجل وطائر النعام، والأسد والوعل.
ورد فی لسان العرب لابن منظور: القطا: ضربان : فضرب جونیة وضرب منها الفطاط والكدری والجونی ماكان أكدر الظهر الكدرة من الألوان ما نحا نحو السواد والغبرة أسود باطن الجناح مصفر الحلق قصیر الرجلین فی ذنبه ریشتان اطول من سائر الذنب. ابن سیدة: الكدری والكداری : ضرب من القطا قصار الأذناب فصیحة تنادی باسمها وهی ألطف من الجونی وقال بعضهم: الكدری منسوب الى طیر كدر والحجل: القبج وقال ابن سیدة: الحجل الذكور من القبج الواحدة حجلة وحجلان والحجلى اسم للجمع وقال الأزهری: سمعت بعض العرب یقول: قالت القطا للحجل: حجل حجل تفر فی الجبل من خشیة الوجل، فقالت الحجل للقطا: قطا قطا، بیضك ثنتا وبیضی مائتا الأزهری: الحجل اناث الیعقیب والیعاقیب ذكورها والأسد: من السباع معروف والجمع آساد وأُسد. والأنثى : أسدة وأرض مأسدة: كثیرة الأسود، والمأسدة له موضعان: یقال لموضع الأسد مأسدة ویقال لجمع الأسد مأسدة ایضا.
واستأسد الأسد: دعاه وأسد الرجل: استأسد وصار كالأسد فی جراءته وأخلاقه، وقیل لامرأة من العرب: أی الرجال زوجك؟ قالت: الذی ان خرج أسد وان دخل فهد ولا یسأل عما عَهِدَ والنعام : معروفة هذا الطائر تكون للذكر والأنثى والجمع نعامات ونعائم ونعام، وقد یقع النعام على الواحد والنعام ایضا بغیر هاء والذكر منها الظلیم والنعامة الأنثى، وقال الأزهری: وجائز ان یقال للذكر نعامة بالهاء. وقیل: النعام اسم جنس مثل حمام وحمامة، وجراد وجرادة.
والوَعْلِ والوَعلْ: الأروی. قال ابن سیدة: الوَعِلُ والوُعل جمیعا تیس الجبل والجمع أوعال ووعول ووعل ووعلة والأخیرة اسم للجمع والأنثى وعلة بلفظ الجمع والوعول: الأشراف والرؤوس یشبهون بالأوعال التی لا ترى الا فی رؤوس الجبال وفی الحدیث: لا تقوم الساعة حتى تهلك الأوعال یعنی الاشراف.
ویقول المعلوف )1932م(: أسد: سبع من فصیلة - عائلة - السنانیر، وهو أشدها قوة لا یضارعه فی ذلك الا الببر ویقال للأنثى : أسدة ولبؤة ولبوة. ویقال للذكر لبو، وكذلك یقال للأسد : سبع وسبْع وهو الشائع عند العامة والسبع فی الأصل ما افترس من الحیوانات مطلقا، والاسم العلمی للأسد: Felis leoوهو تابع لجنس القط Felis التابع لعائلة القطط Felidae التابعة لرتبة اللاحمات Carnivora التابعة لصف الثدییات Mammaliaالتابعة لقبیلة الحبلیات Chordata التابعة لعالم الحیوان Animalia والحجل: الواحدة حجلة: قبج )فارسیة معربة(: الواحدة قبجة Partridgeوالحجل أجناس وأنواع كثیرة والنعام من فصیلة )عائلة( النعام Ostreidae واسمه العلمی Struthio Ca melus وبالانجلیزیة Ostrich ویقال للذكر والأنثى نعامة والذكر ظلیم، والأنثى ربداء والوعل. وَعْل ووعِل ووعُل: تیس الجبل Ibex وهو جنس من المعز الجبلیة له قرنان قویان منحنیان كسیفین أحدبین یلتقیان حول ذنبه من أعلاه والنوع الذی فی جزیرة العرب وسیناء وصحراء مصر الشرقیة والسودان الشرقی یعرف بالبدن ووعل عیسو وله بالعربیة اسماء كثیرة.
ویقول شكر )1405ه - 1985م(: الحجلة )بالتحریك( : واحدة الحجل: طائر بری على قدر الحمام والحجل صنفان: نجدی وتهامی، فالنجدی أخضر أحمر الرجلین والتهامی فیه بیاض وخضرة.
والنعام: طائر معروف مركب من صورتی جمل وطیر وكنیة النعامة: أم البیض، وأم ثلاثین ویقال لجماعتها: بنات الهیق: والوعل : التیس الجبلی وهو متمیز بقرنین طویلین معقوفین الى ذنبه، والأنثى تسمى أرویة وهی أدماء اللون وصدرها وعنقها مكسوان بصوف طویل، ولها قرنان أعقفان أصفر من قرنی الذكر جمعها أراوى الى العشرة والأروی لما بعد ذلك، ویسمى بعض الناس بناتهم أروى باسم الجماعة ولا یسمون البنت باسم الواحدة: أرویة وللوعول اسماء كثیرة ویقول كمال )1410ه - 1990م( : الوعل ینتمی الى جنس الوعول Capra واسمه العلمی Capra ibex وینتمی الوعل الى عائلة البقریات Bovidae والتی تنتمی الى رتبة مزدوجة الحافر او الظلفیات Artiodactyla وذكر الوعل له ذقن او لحیة سوداء وقرونه طویلة وملتویة للخلف فی التواء شدید بشكل شبه دائرة وبه حلقات واضحة.
نعود على ضوء ما تقدم الى بیتی شاعرنا السابقین نجده - الشاعر - استخدم سلوك ومواطن حیوانات معینة لیصف بها صاحبه سیف الدولة وقوة بأسه وبطشه بأعدائه ویصف فرار أعداء سیف من عرب وروم من أمامه فالعرب هربت الى الجبال وكأنها طائر الكدری مع ان منازل العرب ومواطنهم هی الصحاری والسهول والأراضی المنبسطة اما الروم التی منازلها الجبال والمرتفعات فقد فرت واعتصمت بما غمض من الرمال وبعد من القفار وكأنهم طیر الحجل وهذا الفعل یماثل لو ان النعام الذی موطنه الصحاری القاحلة قد صعد الى رؤوس الجبال العالیة، واستوطنها بدل الوعول التی نزلت الى الصحارى والقفار ومع هذا فان ما فعله العرب والروم لم یمنع سیف الدولة من الوصول الیهم والفتك بهم لأنه كالأسد بقوته وبأسه وشراسته وشجاعته وهنا نتبین بأن شاعرنا المتنبی له درایة ومعرفة ببیئات الحیوان من طیر وغیره واستطاع ان یستخدم هذه المعرفة فی مدح او وصف أو ذم.
وقال الشاعر فی قصیدة قالها وقد أطلق ابن طفج الباشق على سماناة:


كأن السمانی اذا ما رأتك
تصیدها تشتهی أن تصادا

یقول العكبری عن هذا البیت: السمانی: جنس من الطیر أكبر من العصفور، ویكون السمانی واحدا وجمعها كالحبارى.
ورد فی لسان العرب لابن منظور : السمانی: جنس من الطیر أكبر من العصفور ویكون السمانی واحدا وقال الجوهری: ولا تقل سمانی بالتشدید.
ویقول المعلوف )1932م( : سلوى للواحد وللجمع والواحدة: سلواه والاسم بالانجلیزیة Quail والاسم العلمی Coturnix Coturnix وسمانی للواحد وللجمع والواحدة سماناة، وجمعها سمانیات قتیل الرعد: طائر من رتبة الدجاج وفصیلة التدرج التی منها التدرج والحجل والدرَّاج وهو من الطیور القواطع - المهاجرة - یأتی الینا فی طریق البحر الملح من شمال اوربة، قال ابن البیطار : السلوى وهی السمانی وقتیل الرعد وقال القزوینی فی عجائب المخلوقات : السمانی طائر صغیر وهو السلوى الذی كان ینزل على بنی اسرائیل، وقال الدمیری: السمانی: اسم لطائر یلبد بالارض ولا یكاد یطیر الا ان یطار، والسمانی طائر معروف، ویسمى قتیل الرعد من اجل انه اذا سمع صوت الرعد مات.
ویقول الولیعی ونادر )1410ه( : الاسم العربی لهذا الطائر هو السلوى او السمن وهو طائر یبلغ طوله 18 سنتمیترا والجزء الظهری منه ذو لون بنی مختلط ببقع داكنة وخطوط طویلة صفراء ولون البطن ابیض والمنقار بنی رمادی والاقدام رملیة اللون وهو طائر مهاجر وزائر - للمملكة العربیة السعودیة - فی فصل الصیف.
لقد بین أبو الطیب فی بیته هذا بأن طائر السمانی من طیور المصید وهی لا تزال تصاد حتى یومنا هذا.
د. عبد الرحمن الهواوی




طبقه بندی: العصر العباسی، مقالات حول المتنبی،

تاریخ : پنجشنبه 15 مهر 1389 | 15:50 | نویسنده : دکتر كشاورز
 نشأة البدیعیات:
یبدو أن الحدیث عن البدیعیات، فی البدایة أمرٌ شاقٌ وصعب وهذا ربما عائد إلى؛ أنها فن تمخض عن صراع وآلام كبیرة وآمال دفنت، وإرادة تسلب وتتضح لنا هذه الصعوبة من خلال تحدیدنا للزمن الذی ظهرت فیه فیقول فی هذا الصدد محمد علی سلطانی: "قصائد فی المدیح بدأ ظهورها حوالی منتصف القرن السابع هجری"[1].
وهنالك من یقول أن میلادها كان فی القرن الثامن الهجری، وتناسلت لها قصائد نبویة بدیعیة خلال العصور الإسلامیة حتى هذا الیوم[2].
فالذی یقول أن میلادها فی القرن السابع الهجری فهو ینسبها إلى البصیری صاحب البردة (608هـ/696هـ) وهو شاعر مصری من قریة بوصیرة أصله من المغرب من قبیلة صنهاجة، وكان البصیری شاعرا رقیقا ورجلا متدینا صالحا یغلب علیه الفقر أصیب بفالج نصفی شله واقعده طریح الفراش رهین الدار[3].
وهذه الأسباب هی التی دعته إلى نظم هذه القصیدة ضف إلیها أنه عندما نام رأى فی منامه رسول الله صلى الله علیه وسلم فمسح على وجهه بیده المباركة، وألقى علیه البردة[4].
فاستهل هذه القصیدة بمقدمة غزلیة حن فیها إلى دیار الحبیب، و الحبیب هو رسول الله صلى الله علیه وسلم، والدیار هی أطر للمدینة المنورة[5].
انتشرت هذه القصیدة انتشارا منقطع النظیر، وحاول الكثیر من شعراء العربیة مجاراتها والنسج على منواها ومعارضتها ،حتى كانت المیم مطیة كل الذی ساروا على نهج البصیری –مع أن البصیری مسبوق بقصیدة ابن الفارض المیمیة- ومطلع بردة البصیری هو:
أمن تذكر جیران بذی سلم
مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
بعد هذا العرض یظهر أن الاختلاف فی الرأی هذا یعود إلى عدم الدقة تعریف البدیعیات وإذا عرفنا الفرق بین البدیعیات والمدائح النبویة فإننا نستطیع تحدید نشأتها.
والفرق بین البدیعیات والمدائح النبویة یكمن فی أن البدیعیات قصائد منظومة فی مدح الرسول صلى الله علیه وسلم على البحر البسیط، وعلى روى المیم المكسورة أضاف أصحابها إلى شعرهم ألوان بدیعیة صراحة أو ضمنا لكن المدائح النبویة هی قصائد فی مدح رسول الله صلى الله علیه وسلم، دون أن تضاف لها ألوان البدیع[6].
ومن هنا یعد البصیری أب المدائح النبویة، ویعد الحلی أب البدیعیات والتی ظهرت فی القرن 8هـ وبهذا جاءت بدیعیة الحلی كتابا علمیا فی فن البدیع بحثا وأمثلة حیة على كل الأنواع وكان مطلع هذه البدیعیة:
إن جئت سلعا فسل عن جیرة العلم
وقر السلام على عرب بذی سلم
وهذه البدیعیة تحتوی على مئة وخمسة وأربعین بیت فیها مئة وأربعین لوناً بدیعیا وقد ساعد الحلی على أن ینتهج هذا النهج الجدید فی بناء القصیدة المدحیة، انه اطلع على أثار العلماء البدیعیین من أمثال ابن أبی الأصبع .....
وربما هذا هو الذی جعل الشعراء یتأثرون بنظم القصائد البدیعیة على منوالها، فاتخذوها منطلقاً للمعارضة والنسج على أصولها البدیعیة[7] .
من الذین نسجوا على منوال بدیعیة صفی الدین الحلی هم:
1.بدیعیة أبی بكر علی بن حجة الحموی (837هـ)، سماها "تقدیم أبی بكر" اشتملت هذه البدیعیة على مئة وستة وثلاثین نوعا بدیعیا فی مئة وثلاثة وأربعین بیتا.
2.بدعیة الحمید عبد الرحمن بن أحمد بن علی: المسماة: فتح البدیع بشرح تلمیح البدیع بمدح الشفیع، فرغ من تألیفها سنة (992هـ)، وهی فی مئة وأربعین بیتا تحوی مئة وثمانیة وستون صنفا بدیعیا. وهذا دلیل على إضافته أجناس أخرى على بدیعیة الحلی
3.بدیعیة شهاب الدین احمد العطار (794هـ) سماها: الفتح الإلیّ فی مطارحة الحلیّ.
4.بدیعیة الموصلی علی بن الحسین عز الدین الموصلی، المتوفى سنة (789هـ) سماها: التوصیل بالبدیع إلى التوسل بالشفیع.
5.بدعیة شعبان الآثاری، ابن محمد بن داود المتوفى سنة (828هـ) سماها بدیع البدیع فی مدح الشفیع.
6.بدیعیة عیسى بن الحجاج بن عیسى بن شداد العسدی، المتوفى سنة (807هـ )عارض بهذه البدیعیة الحلی، لكنه جعل القافیة "راء".
7.شرح على قصیدة الحلی لعبد الغنی الرافعی، المتوفى سنة( 1307 هـ) سماها الجوهر السنی فی شرح بدیعیة الصفی[8].







[1] - د/ محمد علی سلطانی، البلاغة العربیة فی فنونها، مطبعة زید بن ثابت، دمشق، سوریا، (د.ط)، 1979/1980، ص 13.

[2] - صفى الدین الحلی، نتائج الألمعیة فی شرح الكفایة البدیعیة، ص 37.

[3] - د/ بكری شیخ أمین، البلاغة العربیة فی ثوبها الجدید، على البدیع، ج3، دار العلم للملایین، ط5، 1999م، ص 13.

[4] - علی أبو زید، البدیعیات فی الأدب العربی نشأتها، تطورها، أثرها، ص 20.

[5] - د/ بكری شیخ أمین، البلاغة العربیة فی ثوبها الجدید، ص 13.

[6] - د/ بكری شیخ أمین، البلاغة العربیة فی ثوبها الجدید، ص 18.

[7] - صفى الدین الحلی، نتائج الألمعیة فی شرح الكافیة البدیعیة، ص 41.

[8] - صفى الدین الحلی، نتائج الألمعیة فی شرح الكفایة البدیعیة، ص 42-46.
رد باقتباس


تاریخ : چهارشنبه 14 مهر 1389 | 20:24 | نویسنده : دکتر كشاورز
یعد الشاعر الإنجلیزی الأمریكی الأصل ، تی. إس. إلیوت T.S. Eliot .. (1888 – 1965)، أبرز رموز الحداثة الشعریة فی القرن العشرین واعظمهم تأثیرا فی شعراء العالم و شعراء القصیدة العربیة الحدیثة بخاصة . ولعل قصیدته (الارض الخراب) نالت من الشهرة ما لم تنله قصیدة اخرى ، ونسج على منوالها شعر كثیر ولا یزال ینسج .
وربما أهم ما یمیز هذه القصیدة بنیتها الدیالكتیكیة التی تزاوج بین التجدید فی اشكال التعبیر الشعری وبین النزعة الكلاسیكیة فی التفكیر . ومن ذلك ان القصیدة ضمت بین ثنایاها اشارات واقتباسات من نصوص وآثار قدیمة وحدیثة تراوحت بین الاساطیر والدیانات القدیمة الى نصوص لشعراء وادباء وباحثین قدماء ومعاصرین. الأمر الذی حدا بالشاعر ان یضع للقصیدة هوامش لتسجیل بعض المصادر التی استقى منها تلك الاشارت والاقتباسات .

 

وقد یلاحظ القارئ المطلع على القصیدة، كما لاحظ الباحث الدكتور عبد الله الطیب المجذوب، ان هذه الهوامش قد خلت من ای اشارة الى مصدر عربی او اسلامی. وهذه الملاحظة صحیحة لكنها لا تصلح كفرضیة لاتهام الیوت بانه اغفل ذلك عن عمد لكی یخفى امر سرقته وحذوه حذو الشعر العربی الجاهلی على النحو الذی ساقه الدكتور الفاضل فی دراسته (الفتنة بالیوت خطر على الادب العربی) والتی نشرت بمجلة الدوحة سنة 1982 (1). وكنا قد نشرنا بعض الردود على الدكتور ارجعنا فیه ما ظنه الدكتور عبد الله الطیب سرقة من الشعر الجاهلی، الى المصادر التی ذكرها الیوت فی الهوامش والى التجربة الشعریة والحیاتیة للشاعر. (2)
بید ان ما لم یلحظه الدكتور عبد الله الطیب فی تلك الدراسة، هو اثر رباعیات عمر الخیام فی التجربة الشعریة للشاعر الانجلیزی الامریكی الاصل تی اس الیوت. صحیح ان الدكتور قد اشار عرضا فی تلك الدراسة الى ان الیوت ذكر انه قرأ عمر الخیام فی شبابه الا ان عبدالله الطیب لم یتوقف للتسآؤل عن الاثر الذی یمكن ان یتركه الخیام فی شعر الیوت. الحقیقة ان الیوت أقر غیر مرة، فی مقالاته واحادیثه ومحاضراته، بتأثره برباعیات عمر الخیام. وقد اشار بعض النقاد الغربیین الى ذلك، الا ان النقاد والدارسین العرب لم یتصدوا لبحث هذه الظاهرة وتقصی آثارها ومدى تغلغلها فی شعر الیوت.
وعلى كثرة اهتمامی واطلاعی على ما كتب عن الیوت لم تصادفنی سوى اشارة واحدة، وردت عرضا فی كتاب «أوتار شرقیة على القیثار الغربی» للدكتور احمد البدوی، ألمح فیها الى وجود شبه بین افتتاحیة قصیدة «الارض الخراب» ورباعیة للخیام، حسب، ترجمة فیتزجیرالد. ولكنه لم یتوقف اكثر من ذلك لاستكناه علاقة الیوت برباعیات الخیام،اذ كان منشغلا باثبات فرضیته الاساس او ما اسماه (3) «ماء السماء الاسلامیة فی الارض الخراب» وهی، الفرضیة التی یقول فیها ان الیوت أخذ، فكرة الارض الخراب، من تعبیر «الارض الموات» فی القرآن الكریم. وواضح ان أحمد البدوی كان یقتفی فی ذلك أثر دراسة الدكتور عبدالله الطیب المشار الیها .
مكانة رباعیات الخیام فی الادب الانجلیزی :
كان الشاعر الانجلیزی، ادوارد فیتزجیرالد Edward FitzGerald (1809 – 1883) قد ترجم رباعیات الخیام من الفارسیة الى اللغة الانجلیزیة ونشرها لاول مرة سنة 1859.والجدیر بالذكر حتى ذلك الوقت لم یكن شعر الخیام قد نقل الى اللغة العربیة.
وقد حظیت ترجمة ادوارد فیتزجیرالد، لرباعیات الخیام، من الفارسیة الى الانجلیزیة بین القراء الانجلیز بشعبیة منقطعة النظیر، لم تبلغها حتى اعمال شكسبیر، وتغلغلت عمیقا فی وجدان حملة الثقافة الانجلوسكسونیة وجرى بعض منها على الالسن، مجرى الامثال والحكم. وعن ذلك جاء فی مقدمة طبعة دار بنجوین، لرباعیات الخیام :(4)
«.. وتعد ترجمة فیتزجیرالد لعمر الخیام اشهر الترجمات الادبیة الى الانجلیزیة طرا. ولم تضاهیها فی ذلك حتی اشهر الترجمات شعبیة مثل ترجمة هومیر لشابمان او ترجمة «اوفید» لقولدنج. فقد تغلغلت فی النسیج العام للغة الانجلیزیة وصارت تشكل جزء لا یتجزأ من رصید العبارات والاقوال الانجلیزیة الماثورة التی تجری مجرى الامثال، حتى ان طبعة معجم اكسفورد لسنة 1953 قد ضمت تسعاً وخمسین رباعیة كاملة من جملة 188 اقتباسا مأثورا، ای ان الرباعیات بلغت نسبة الثلثین من جملة الامثال التی ضمها هذا السفر، وهی نسبة تفوق ما ورد عن الكتاب المقدس وشكسبیر»..
وتذهب المقدمة الى ان الشاعر الانجلیزی الكبیر، جون كیتس، قال انه یفضل ان یحمل معه فی سفینة، ترجمة الرباعیات، من ان یحمل هومر بترجمة شابمان. وربما یرجع نجاح هذه الترجمة الى فیتزجیرالد نفسه، فیبدو ان تعلقه برباعیات الخیام وتغلغلها فی وجدانه جعله یسكب ماء روحه فی الترجمة حتی اخرجها بهذه الصورة التی جعلت القارئ الانجلیزی یحس وكانها مكتوبة فی الاصل باللغة الانجلیزیة.
أضف الى ذلك ان فیتزجیرالد ربما وجد فی الخیام توأم روحه، حتى انه كتب ذات مرة الى صدیقه واستاذه ادوارد كاول، الذی علمه الفارسیة باكسفورد وعرفه بالرباعیات (5) «فی الحقیقة لدی اعتقاد ان الخیام یخصنی اكثر منك، فانا وهو صنوان، انت یمكنك ان تتذوق كل ما له من جمال، ولكن فی بعض النواحی، لن تبلغ ما احسه انا منه، الیس كذلك ؟! «.
ولهذا السبب یرى بعض النقاد ومختصی الأدب الفارسی انه اتبع اسلوبا حرا فی الترجمة ابعدته احیانا كثیرة عن الاصل. ویقر فیتزجیرالد بذلك فی رسالة الی استاذه كویل ویقول :(6) «.. فقد غیرت فی الرباعیات ومزجت بعضها ببعض، وأخشى انه ربما ضاع شیء من بساطة المعنى وسهولة الالفاظ التی تعد من أهم مزایا عمر الخیام» .
لقد انصب اهتمام فیتزجیرالد على الصیاغة وقوة الاداء الشعری وأشكال التعابیر الانجلیزیة الاكثر جزالة، حتى انه اعاد تنقیح الترجمة خمس مرات فی طبعات مختلفة. ولكن لم یتعد عدد الرباعیات التی نقلها الى الانجلیزیة، المائة رباعیة ورباعیة.

وقد اختلف الباحثون فی عدد الرباعیات المنسوبة للخیام. ولكن الرأی الراجح انها تتراوح بین مائتین الی ستمائة. وهنالك اكثر من مخطوطة للرباعیات لذلك تختلف الترجمات باختلاف المخطوطات. وتتكون الرباعیة، فی الاصل، من بیتین وأربعة أشطار. وهذه الطریقة فی النظم تعرف فی الفارسیة بالدوبیت. دو، تعنی : اثنیین. والبیت هو بیت، كما فی العربیة، ویقصد به البیت من الشعر. وكل رباعیة مستقلة بذاتها، معنى ومبنى.
وقد قمت بمقارنة بین ترجمة فیتزجیرالد وبین النص العربی للرباعیات الذی نقله عن الفارسیة احمد الصافی النجفی، فوجدت انه لیس من الصعب التعرف على النص العربی فی النص الانجلیزی. وهذا دلیل على ان فیتزجیرالد لم یبعد كثیرا عن الاصل وان لم یتقید بحرفیته. والاجمل انه، حافظ على نظام الاربعة أشطار فی الرباعیة الواحدة. ولكنی لحظت فی ترجمته، ورود بعض الرباعیات التی لا وجود لها فی الترجمات العربیة التی أطلعت علیها، سیما ترجمة أحمد الصافی النجفی، والتی تعد من اكثر الترجمات العربیة دقة وعددا، اذ بلغت ثلاثمائة وخمسین رباعیة بینما لم یتجاوز ما نقله فیتزجیرالد الى الانجلیزیة المائة رباعیة ورباعیة.
قصة الیوت مع رباعیات الخیام :
فی حوار أجری مع الیوت، بمجلة ذی باریس ریفیو سنة 1959 ونشر نصه العربی بالعدد الاول من مجلة «حوار»، سئل الیوت، عن الظروف التی دفعته لنظم الشعر أول مرة، فأجاب :(7)
«بدأت نظم الشعر، وانا كما أظن، فی الرابعة عشر من عمری، بتأثیر فتزجیرالد فی رباعیات الخیام. فكتبت بذات الاسلوب عددا من الرباعیات المفعمة بروح التشاؤم والالحاد والیاس ولكن لحسن الحظ أتلفتها جمیعا، ولم یبق منها واحدة، ولم أرها لمخلوق».
ربما أثارت اشارة الیوت هنا الى اثر اسلامی وشرقی قدیم فی حجم عمر الخیام، استغراب القارئ العربی وربما انطوت هذه الاشارة، على مفارقة كبرى ذات مغزى عمیق. فكیف لالیوت الذی ألهم شعراء قصیدة الحداثة العربیة الثورة على القصیدة العربیة التقلیدیة، تلك الثورة التی احدثت هذا التحول الشامل وهذا الانقلاب الكامل فی نظام القصیدة العربیة شكلا ومضمونا وتذوقا، كیف له ان یبدا تجربته الشعریة متاثرا بالخیام الذی یرجع تاریخ حیاته الى الف سنة او یزید ؟.
ولكن لیست هذه المرة الاولى التی یصرح فیها الیوت بتأثیر رباعیات الخیام على نشأته الشعریة فقد بلغت عدد المرات التی ألمح فیها الى رباعیات الخیام نحو ست مرات فی مناسبات مختلفة. وكان اهم تصریح فی شأن الدور الحاسم الذی لعبته رباعیات الخیام فی توجیه تاریخه الشعری، قد أدلى به فی سیاق حدیث له عن تطور الذوق الشعری نشر بكتابه: «فائدة الشعر، فائدة النقد» وهو قوله:(8)
«.. اذكر ان رغبتی فی الشعر الذی یحبه الصغار عادة، قد تلاشت ببلوغی سن الثانیة عشر، فظللت لبضع سنوات بلا رغبة فی قراءة الشعر، الى ان التقطت بالصدفة ذات یوم وانا فی الرابعة عشر، نسخة من رباعیات فیتزجیرالد المترجمة عن عمر الخیام، كانت ملقاة جانبا. فكانت المفأجاة ان غمرتنی هذه القصیدة بدفق مباغت من الاحاسیس، بدا فیه العالم امامی، زاهیا، متألقا، تظلله ألوان براقة ممزوجة باللذة والألم. تحت تاثیر هذه المشاعر الجدیدة أقبلت على التهام شعر بایرون وشیلی وكیتس وروسیتی وسونبیرن».
وهكذا كانت رباعیات الخیام الشرارة التی أضرمت نار الشعر فی وجدان أعظم شعراء العالم تاثیرا فی القرن العشرین، وفتحت امامه آفاقا جدیدة قادته للتعرف فی وقت مبكر على رموز الشعر الانجلیزی فی ذلك الوقت.
اما قوله فی حواره مع مجلة ذی باریس ریفیو الذی نشرته مجلة حوار، انه أتلف القصائد التی كتبها بتأثیر الخیام، فلا ینفی، بل یؤكد، تغلغل الرباعیات فی وجدانه وانسرابها فی مخیلته. وحاله هنا یحكی حال الشاعر العربی القدیم الذی سئل كیف له ان یصیر شاعرا، فقیل له احفظ الف بیت من الشعر ثم انساها. بالطبع سوف ینساها انما ستظل عالقة فی اللاوعی كمخزون ترفد وتغذی ذاكرته الجمالیة.
لذلك لیس غریبا، كما یقول الناقد ساوثام Southam(9) «ان نعثر على صور وانغام وتفاصیل الرباعیات الخیامیة فی قصائد : بروفروك، وصورة سیدة، والرباعیات الاربع وقصیدة جیرونشن..». ومع ان، ساوثام لا یورد، فی مرشد الدارسین الذی وضعه لفهم قصائد الیوت، ای مثال للتدلیل على ذلك الا ان القارئ المتمرس لشعر الیوت سیلمس على التو اصداء الرباعیات بترجمة اداورد فیتزجیرالد، تردد فی سائر قصائد الیوت ابتداء من اغنیة العاشق بروفروك،وصورة سیدة، وانتهاء، بأربع رباعیات ، وهی آخر ما نشره الیوت من شعر.
ویذهب الیوت بعیدا، فی الاعجاب بالخیام، الى حد تفضیله له على الشاعر الانجلیزی الكبیر شلی، اذ یقول فی سیاق حدیث عن شعر شیلی وكیتس ، بكتابه (فائدة الشعر، فائدة النقد)(10) «..لست بوذیا ولكن بعض نصوص البوذیة القدیمة تأسرنی مثلما تفعل بعض نصوص العهد القدیم من الكتاب المقدس. بل ما زلت اجد متعة فی قراءة عمر الخیام فیتزجیرالد، برغم اننی لا اشاركه نظرته التبسیطیة للحیاة، ولكننی لا أطیق بعض افكار شیلی التی تنغص علی الاستمتاع بقراءة أشعاره، بل ان بعض هذه الافكار تفقدنی ای متعة فی القراءة..»

الى هذا الحد بلغ اعجاب الیوت بعمر الخیام. فهو یفضل نظرة الخیام البسیطة، الى الحیاة على التفلسف المتكلف والملل فی شعر شیلی!!
فلا عجب اذن ان تسربت الكثیر من معانی وافكار واخیلة الخیام الى قصائد الیوت. ولا یقتصر ذلك على قصائد أول الشباب، بل یشمل حتى قصائده التی كتبها فی فترة متاخرة نسبیا مثل (الرباعیات الاربع) الاكثر والاعمق تفلسفا. والعنوان وحده یكفی فی الدلالة على ذلك. الحقیقة هنالك شبه كبیر بین الخیام والیوت، فكلاهما شاعر متفلسف، فالیوت دارس للفلسفة ومتخصص فیها وكلاهما، ذو نزعة تشاؤمیة من الحیاة، وذو وعی حاد بالزمن والاحساس بوطأة سلطانه وصیرورته.
وردة فی الید :
الخوف المیتافیزیقی من الفناء هو القاسم المشترك فی التجربة الشعریة لكل من الخیام والیوت. فالانسان من تراب والى التراب یعود. والربیع والوردة وغناء البلبل، ایقونات رمزیة مشتركة بین الخیام والیوت فی الدلالة على قصر الحیاة والتحسر على ذهاب الشباب وانقضائه سریعا. فی قصیدة Portrait of a Lady (صورة سیدة) یقول الیوت :
«الان حیث تزدهر زهور اللیلاك، لدیها باقة من اللیلاك فی غرفتها،تلف زهرة حول اصبعه اثناء الحدیث. هیه یا اصدقائی انتم لا تعرفون، لا تعرفون ما الحیاة، یا من تمسكون بها بین ایدیكم سوف تتركونها تتسرب، تسرب منكم، فالشباب قاس لا یرحم».
انه یشبه هنا الحیاة بالزهرة التی تمسك بها بین یدیها فهی لا تدوم الا بمقدار ما تدوم هذه الزهرة التى ما تلبث ان تذبل وتذوی وتسقط من بین الاصابع. هكذا یولی الشباب سریعا مخلفا الذكریات والرغبات المكبوتة، یؤجهها مقدم الربیع ومن هنا تنبع قساوته. هذا المعنى ما هو الا تردید لقول الخیام الوارد فی اكثر من رباعیة من ترجمة فیتزجیرالد :
«ثم جاء الربیع، جاء الربیع وردة فی الید»
ویقول الخیام فی رباعیة أخرى من ترجمة فیتزجیرالد :
هیا هلموا اسمعوا حكمة الخیام
شیء واحد مؤكد وهو ان الحیاة تمضی هباء
وما سوى ذلك اكاذیب
فالزهرة حین تذوی ، تذوی للابد
قول الیوت : «حیث تزدهر اللیلاك، تلف زهرة حول اصبعه اثناء الحدیث»
Now that lilacs are in bloom
..And twists one in his finger while she talks
یقابل قول الخیام: «جاء الربیع وردة فی الید..، والزهرة تذوی للابد».
And then and then came Spring, and Rose-in-hand
وقوله: «هیه یا اصدقائی انتم لا تعرفون ما الحیاة ! سوف تتسرب منكم «یقابل قول الخیام: «هیا هلموا اسمعوا الحیاة تمضی هباء».
وتتكرر ذات الفكرة فی رباعیة اخرى للخیام :
«ستذبل الوردة مع انقضاء الربیع، وسجل الشباب الغض سیطوى، والبلبل الذی یغنی على الأغصان متی حط حتى یطیر ! »
وقد نقل احمد الصافی النجفی هذه الرباعیة عن الفارسیة نظما بقوله (11):
قد انطوى سفر الشباب واغتدى
ربیع افراحی شتاء مجدبا
لهفی لطیر كان یدعى الصبا
متى اتى وای وقت ذهبا
ان البكاء على الشباب والاحساس بالشیخوخة قبل الآوان من ابرز سمات التجربة الشعریة لالیوت. فقصیدة (صورة سیدة) التی یتاسى فیها على الشباب وذبول الحیاة، كتبها وهو لا یزال فی سن الثانیة والعشرین. وهی ذات السنة التی كتب فیها ایضا قصیدة (اغنیة حب الفرید ج بروفروك) وفیها یحس الشاعر بذبول الربیع فی قلبه قبل الاوان فیصیح باكیا : «انی اشیخ، انی اشیخ»
ویتجسد هاجس الیوت بالشیخوخة فی واحدة من اهم قصائده وهی قصیدة Gerontion (جیرونشن) ومن غرائب الصدف ان الیوت استوحى هذه القصیدة باستلهام شیخوخة فیتزجیرالد مترجم عمر الخیام، حیث یقول فی اول سطر بالقصیدة :
ها هو یجلس، شیخ هرم، یحلم بالمطر فی فصل الجفاف
یقرأ له صبی.



طبقه بندی: ادبیات تطبیقی عربی - فارسی،

تعداد کل صفحات : 4 :: 1 2 3 4

  • paper | مرکز ترجمه عربی | مرکز ترجمه عربی