بانک مقالات عـربـی Bank of Arabic articles - مطالب العصر الجاهلی
بانک مقالات عـربـی Bank of Arabic articles
مقالات مربوط به رشته زبان وادبیات عربی

بازدید : مرتبه
تاریخ : شنبه 7 خرداد 1390
الأبیات التی یتحدث فیها الشاعران عن اللیل لیست بالأبیات الكثیرة مقارنة بالمواضیع الأخرى التی تناولها الشاعران فی قصائدهما نحو وصف الناقة ووصف الفرس والبكاء على الأطلال وغیرها من مواضیع الشعر الجاهلی, إلا أن الأثر الشعری والفنی لتلك الأبیات التی قیلت فی اللیل بقی مسیطرا على نوعیة التصویر الفنی والابداعی لحالة اللیل فی الشعر العربی كله إن كان فی او الجاهلی أو العصور التی تلیه. ولا نكاد نبحث فی صور اللیل عند الشعراء الجاهلیین أو المعاصرین إلا وتبرز لنا الأبیات التی قالها هذان الشاعران أو حتى عندما نبحث عن جمالیات التصویر العامة فإنه أول ما یواجهنا تصویر هذین الشاعرین لحالة اللیل وغیرها من صورها المختلفة والرائعة.ونستطیع أن نؤكد أن شعراء العربیة لم یستطیعوا أن یأتوا بأی قیم فنیة جدیدة لصورة اللیل بعد صور أمرىء القیس أو النابغة الذبیانی ان كان هؤلاء الشعراء من معاصریهما أو ممن أتوا بعدهما.


ادامه مطلب
موضوعات وبلاگ: العصر الجاهلی، 
ارسال توسط كشاورز
صفحه نخست //// لیست مقالات
بازدید : مرتبه
تاریخ : سه شنبه 27 اردیبهشت 1390
بلوافی محمد     

 

أبدع معظم العرب فی ضرب الأمثال فی مختلف المواقف والأحداث فلا یخلو موقف من حیاتنا العامة إلا ونجد مثلا ضرب علیه، ولا تخلو خطبة مشهورة ولا قصیدة سائرة من مثل رائع مؤثر فی حیاتنا. فالأمثال أصدق شیء یتحدث عن أخلاق الأمة وتفكیرها وعقلیتها , و تقالیدها وعاداتها , ویصور المجتمع وحیاته وشعوره أتم تصویر فهی مرآة للحیاة الاجتماعیة والعقلیة والسیاسیة والدینیة واللغویة , وهی أقوی دلالة من الشعر فی ذلك لأنه لغة طائفة ممتازة , أما هی فلغة جمیع الطبقات.

 

ولقیت هذه الأمثال شیوعا لخفتها وعمق ما فیها من حكمة وإصابتها للغرض المنشودة منها, وصدق تمثیلها للحیاة العامة ولأخلاق الشعوب , قال النظام : "یجتمع فی المثل أربعة لا یجتمع فی غیره من الكلام إیجاز اللفظ وإصابة المعنى وحسن التشبیة وجودة الكتابة فهو نهایة البلاغة" ، والأمثال فی الغالب أصلها قصة، أی أن الموقف الأصلی الذی ضرب فیه المثل یكون قصة أدت فی النهایة إلى ضرب المثل, والفروق الزمنیة التی تمتد لعدة قرون بین ظهور الأمثال ومحاولة شرحها أدت إلى احتفاظ الناس بالمثل لسهولتة وخفته وتركوا القصص التی أدت إلى ضربها.



ادامه مطلب
موضوعات وبلاگ: العصر الجاهلی، 
ارسال توسط كشاورز
صفحه نخست //// لیست مقالات
بازدید : مرتبه
تاریخ : جمعه 9 اردیبهشت 1390
مقدمة
لا ازعم فی دراستی هذه التی تحمل عنوان ( جدلیة التمرد فی شعر طرفة بن العبد) ، اننی استطعت ان اقبض على جمر المعنى وان امیط اللثام عن حقیقة النص ، اذ ان حقیقة الخطاب تختلف من ناقد لاخر ، لان الخطاب تتعدد فیه الدلالات فی ثلاثیة الناقد، المؤلف ، النص .
من هنا استطیع القول اننی بذلت جهدا مضنیا فی محاولة الوصول الى ما هیة الحقیقة .
وقد اخترت هذا الموضوع لما یحمله من معان تجسد فلسفة الشاعر فی ثنائیة الوجود والعدم من خلال التمرد على الواقع الذی تطاول ناشبا اظفاره فی جسد الشاعر .

ادامه مطلب
موضوعات وبلاگ: العصر الجاهلی، 
ارسال توسط كشاورز
صفحه نخست //// لیست مقالات
بازدید : مرتبه
تاریخ : جمعه 9 اردیبهشت 1390
محمد عبد الرضا شیاع
إنّ أوّل بوادر التّمرّد تبدأ فی مخاطبة الذّات (المونولوج) ودعوتها إلى عدم الانسجام مع ما یحیط بها، تائقة فی الآن ذاته إلى واقع آخر غیر الواقع المعیش، ولعلّه الواقع المتخیّل الّذی ترنو إلیه الأحاسیس والمشاعر الدّاخلیّة للإنسان، وبذلك تندفع الذّات إلى تشكیل نسق آخر متخیّل إن لم یكن للوجود فسیكون – حتماً – للموجودات، وفق استراتیجیّة لأفعال مفصولة عن توجیهات المجتمع، وهنا والآن یبدأ تشیید العالم الآخر لیكون موضوعاً تحقّق الذّات فیه تطلّعاتها أو بعضاً من هاته التطلّعات إشباعاً للذّة مفترضة أو غریزة متخیّلة عبر غمضة عین وشرود ذهن لائذ فی فراغ الأشیاء وصمتها.

هكذا تقودنا هذه الرّؤیا إلى معاینة المسار الذی استنّهُ تأبّط شرّاً(1) لذاته وفق نسق یفصله عن السّائد والمألوف فی نظام القبیلة ویلحقه _طواعیّة_ فی ركب الشّعراء الصّعالیك الّذین لفتوا انتباه النّاس إلیهم شكلاً وسلوكاً؛ فلا عجب أن یكون تأبّط شرّاً من أغربة العرب كما أُطلق علیه، لأنّه كان ذا لون أسود أكسبه مناعة التّأثّر بأشعّة الشّمس الحارقة، وكأنّه –والحالة هاته– عناق یجسّد عناقاً بین الثّنویّة المعروفة بالنّور والظّلمة، بل كان لونه وأشعّة الشّمس انصهاراً لمعادن ثمینة احتوتها بوتقة الزّمان والمكان اللّذین اختارهما تأبّط شرّاً من داخله دون أن یُفرضا علیه من الخارج فیقبلهما منحنیاً، وهذه خطوة أخرى وضع تأبّط شرّاً قدمهُ من خلالها على طریق التّمرّد النّاجز قولاً وفعلاً، هذا ما تفصح عنه حیاته وأشعارُهُ؛ الأمر الّذی نقرؤه متجلّیاً فی سلوكه النّافر وفی شعره القلیل واللاّفت فی الآن ذاته، ولعلّ قافیّته(2) الشّهیرة المؤلفة من ستة وعشرین بیتاً تبوح بالكثیر من هذا، والّتی یقول فی مطلعها:


ادامه مطلب
موضوعات وبلاگ: العصر الجاهلی، 
ارسال توسط كشاورز
صفحه نخست //// لیست مقالات
بازدید : مرتبه
تاریخ : سه شنبه 21 دی 1389
كمال المهتار
العدد 3 - أیّار 2008

إنه الأعشى قیس بن ثعلبة، صنّاجة العرب وشاعرها المفضّل، منزلته فی الجاهلیة لا ترقى إلیها الشكوك، وهو الذی لقی أبا سفیان بن حرب عندما جاء مكّة یسأل عن صاحب الدین الجدید لیدخل معه ویمدحه بقصیدة مشهورة مطلعها: "ألم تغتمض عیناك لیلة أرمدا/ وبتَّ كما بات السلیم مسهدا"، فجمع أبو سفیان قریشاً وخطب فیهم قائلاً: "یا معشر قریش، هذا الأعشى، والله لئن أتى محمداً واتّبعه لیضرمنَّ علیكم نیران العرب بشعره. فاجمعوا له مئة من الإبل لیأخذها وینصرف". من هذه المقولة ندخل إلى عالم هذا الشاعر مسلّطین الضوء على "أناه الآخر"، من خلال كتاب "جمالیة الأنا فی شعر الأعشى الكبیر" لحسین الواد (المركز الثقافی العربی)؛ الأعشى الذی شغل العرب بشعره أنى توجّه حتى قیل: "ما مدح الأعشى أحداً إلا رفعه وما هجا أحداً إلا وضعه".

 




ادامه مطلب
موضوعات وبلاگ: العصر الجاهلی، 
ارسال توسط كشاورز
صفحه نخست //// لیست مقالات
بازدید : مرتبه
تاریخ : جمعه 12 آذر 1389

الفقر والفقراء فی شعر / عروة بن الورد/


ظهر التفاوت المادی فی العصر الجاهلی واضحاً بین غنی وفقیر حتى بین افراد القبیلة الواحدة وكان لشیخ القبیلة الكلمة المسموعة وهو الرجل المعروف الذی یملك العدد الكبیر من الماشیة والاموال

وهو القاضی والآمر ..والناهی وكان مقربوه من مجلة اولئك الذین لا یقلون عنه غنى على أنهم المعروفون من وجهاء القبیلة وأعیانها .. من هنا بدأ الصراع بین افراد القبیلة الفقراء الذین كانوا یعانون من الفقر والحرمان والجوع والظلم والتبعیة للقبیلة دون ان تكون لهم كلمة تسمع او شأن وذنبهم انهم وجدوا فی هذه الحیاة فقراء . وقد وجدت فئة من المضطهدین الذین یحملون عقولا نیرة تؤمن بالعدالة وتنكر الظلم والاضطهاد .. هؤلاد جردوا سیوفهم دفاعا عن حقهم وحقوق اخوانهم فتعرضوا للنفی وتجریدهم من حقوق القبیلة.. وبالتالی هدر دمائهم . إنهم نموذج شریف للثورة على الظلم والعمل على تغییر الواقع الاجتماعی / انهم الصعالیك/ والصعلوك هو الفقیر الذی لا مال لدیه یعینه على أعباء الحیاة . وقد تمیزوا بالشجاعة والاقدام ... والحب والإیثار مما یجنونه ویكسبونه .. من هؤلاء الشعراء شاعرنا الجاهلی / عروة بن الورد / العبسی وهو فارس وصعلوك وجواد و / أبو الصعالیك / كان یجمعهم ویرأسهم ویتقبلون منه كل ما یؤمرون به فی غزواتهم . لقد عانى شاعرنا من تسلط الاغنیاء على الفقراء .. ورأى جبروت السادة على العبید فكان حریاً به أن یخاطر بنفسه من أجل كسب الغنى بشتى الوسائل وأن یتخذ موقفاً عدائیا من الفقر فسار فی طول البلاد وعرضها غازیاً للتخلص منه فیقول بذلك : دعینی للغنى أسعى فإنی رأیت الناس شرهم الفقیر ویقصیه الندی وتزدریه حلیلته وینهره الصغیر إن فی أبیاته هذه دعوه صریحة للاغتراب عن الأوطان ...والسعی لتحقیق الغنى لنیل المنزلة والمكانة الرفیعة والعیش الكریم ..وهو یستغرب ممن یسأل صعلوكاً مثلة / الى أین أنت راحل .../؟... فهل یذهب الصعلوك إلا للبحث عن رزقه وسائلة أین الرحیل وسائل ومن یسأل الصعلوك أین مذاهبه مذاهبه أن الفجاج عریضة اذا ظن عنه بالفعال أقاربه ویرى شاعرنا أن الموت أهون من الفقر ... وأشرف من أن یعیش الإنسان فقیراً مهاناً حیث یقول : اذا المرء لم یبعث سواماً ولم یرح علیه ، ولم تعطف علیه أقاربه فالموت خیر للفتى من حیاته فقیراً ، ومن مولى تدب عقاربه ومن أجل ذلك نجد عروة یدعو صعالیكه الى المخاطرة بأنفسهم من أجل حیاة الغنى فهی خیر لهم من بقائهم مع الاطفال .. فالمال فیه المهابة .. والفقر فیه الذلة والمهانة كقوله : خاطر بنفسك كی تصیب غنیمة إن القعود مع العیال قبیح المال فیه مهابة وتجلة والفقر فیه مذلة وفضوح ویقول عروة فی موضع آخر مؤكداً رأیه السابق ... ویدعمه بقوة . فسر فی بلاد الله والتمس الغنى تعش ذا یسار أو تموت فتعذرا لقد أحب عروة الفقراء .. وجاهد وغزا من أجلهم .. أحس بمشاعرهم ... وعطف علیهم كثیرا... كان صعلوكا شریفا یعمل من أجل المعوزین والفقراء من عشیرته حتى یدفع عنهم كل بؤس وشتاء وفقر فهو حقاً / أبو الصعالیك/ وهو خیر من یمثل ثورتهم على الفقر والظلم المحدق بهم .. وشجاعتهم فی طلب الرزق وحقهم فی الحیاة الحرة الكریمة ومساعدتهم لإخوانهم الفقراء المعوزین... ونرى ان المبدأ الذی نادى به صحیح وسلیم .. ویشكر علیه ولكن الأسلوب الذی استخدمه فی مبدئه من غزو ونهب للآخرین هو خروج على القانون .... فالعدالة لا تتحقق بهذا الأسلوب ... وثمة أسالیب وحلول أخرى لتحقیق العدالة الاجتماعیة بما لا یتعارض مع القانون والضرر بمصلحة الآخرین .. ومصلحة المجتمع وفی هذه المناسبة عن حدیث عروة وعمله من أجل الفقراء من ابناء عشیرته أتذكر قولاً للمربی والكاتب السوری المرحووم / صدقی اسماعیل / فی روایته المعروفة / العصاة/ على لسان شاب..فقیر .. محروم یبشر بالثورة الاجتماعیة حیث جاء فیها : / إن الذین لم یجوعوا یوماً..لا یستطیعون أن یدركوا غضب الانسان من أجل الخبز...إنهم یختبؤون فی مغاور سحیقة من الرغبات الشخصیة .. ویكرهون ضوء النهار..لأن الشمس تفضح المخازی جمیعها . من أجل هؤلاء الذین جارت علیهم الحیاة وهم الجمهور الأكبر ... نكافح الیوم وسوف ننتصر .../ هكذا كان شاعرنا عروة بن الورد أباً للفقراء والمحتاجین ...یقدم لهم ما یكسبه ویقاسمهم لقمة العیش .. ویفرح لفرحهم .. ویتألم لحالهم وفقرهم .. أولئك الذین وجدوا فی بیئة صحراویة قاسیة صعبة محفوفة بالفقر والمخاطر والاهوال. وما أروع أولئك الذین یحسون بآلام .. الاخرین ویعیشون من أجلهم .. وعروة كان واحداً منهم طیباً وشجاعاً ولن ینسى ما قدمه وما قام به نحوهم لیغیر من أحوالهم ... ویحقق لهم العدالة والكرامة والحیاة الحرة الهانئة ... السعیدة. برهان الشلیل‏




موضوعات وبلاگ: العصر الجاهلی، 
ارسال توسط كشاورز
صفحه نخست //// لیست مقالات
بازدید : مرتبه
تاریخ : دوشنبه 8 آذر 1389
بقلم جعفر آجورلو

إن المراد من العصر الجاهلی فی تاریخ الأدب العربی هو العصر الذی لایمتد أكثر من قرنین قبل الإسلام لأنه لم یصل إلینا من أدبه شیئا.وكانت الكتابة ُ موجودة ً فیها بصورة ساذجة دون تعقید وتأ نق تبعا لحیاة العرب البسیطة،ولایعرف الكتابة إلا

أفذاذ ُهم،واستعمل العرب آنذاك رسائل إشاریة،وشفویة،والتدوینیة(الكتابیة).

ومن الموضوعات التی كان عرب الجاهلیة حریصین علی كتابته ،كتابة العهود والمواثیق مع القبائل المهادنة،وحساب تجارتهم ،إذ إن مكة كانت مركزا تجاریة لهم.

ولما ظهر الإسلام فتح آفاقا جدیدة لهم وأخرجهم من الظلمات إلی النور،فحثّ القرآن علی تعلیم الكتابة وعظـّم شأنها حیث نری بأنه أقسم بالقلم(ن والقلم وما یسطرون)،وقد ساعد النبی (ص)علی نشرها كما جعل فدیةأسری بدر تعلیم الكتابة لعشرة

من المسلمین ،ففشت الكتابة بینهم وتأثروا بالقرآن والأحادیث واقتبسوا من ألفاظه ومعانیه.

وكانت كتابة الوحی من أهم الموضوعات التی یعنون بها ،وإلی جانب ذلك توجد كتابات أخری كرسائل النبی(ص) إلی رؤساء القبائل للدعوة إلی الإسلام أو رسائله التشریعیةالتی یبین فیها الأصول والسنن.فأدّت هذه الكتابات إلی وضع دیوان

الإنشاء،وقیل إنه أول دیوان وضع فی الإسلام و ذلك أن النبی (ص) كان یكاتب أمراءه وأصحاب سرایاه من الصحابة ویكاتبونه وكتب إلی من قرُب من ملوك الأرض یدعوهم إلی الإسلام،وبعث إلیهم رسله بكتبه.

وفی عهدالخلفاءالراشدین قد ظل أدب الرسائل غالباً امتدادا للمكاتبات النبویة،إذ بقیت الرسائل فی هذا العصرمتأثرة بتلك التیارات المختلفة منذ فترة مبكرة،إضافة إلی ما استجد من أحداث خطیرة بعد وفاة الرسول (ص) وقد ظل صدی تلك المؤثرات

واضحا فی مكاتبات هذا العصر،وممیزا له عن سواه من ضروب الأدب الأخری.
ملخص المقال

تدور هذه المقالة حول الترسل فی العصر الجاهلی والعصر الإسلامی،وللبحث عن هذا العنوان لابد من التكلم عن الكتابة وأدواتها وأشكال الرسائل،فبدأتُ الكلام عن العصر الجاهلی ممهّدا للبحث عن وجود الكتابة وأشكال الرسائل وموضوعاتها فی هذا

العصرومعنی الترسل،ثم تحدثت عن الكتابة وصفاتها ومیزاتها فی صدر الإسلام مع بیان موضوعات رسائل النبی(ص)وخصائصها تمهیدا للكلام عن الترسل فی العصر الإسلامی ثم تعرّضت دیوان الإنشاء بصورة موجزة.

الكلمات الدلیلیة: العصر الجاهلی،الترسل،الرسائل النبویة،دیوان الإنشاء، فن الترسل فی العصرالجاهلی
أ-العصر الجاهلی

قبل الكلام عن الترسل ، ینبغی لنا أن نعرف بأنّ الكلمة الجاهلیة التی أُطلقت علی زمن قبل الإسلام لیست مشتقة من الجهل الذی هوضد العلم ونقیضه، وإنما هی مشتقة من الجهل بمعنی السفه ،والغضب ،والضلالة، وتفشـّی الوثنیة أوانتشارالعداوات،

وسفك الدماء، فهی تقابل كلمة الإسلام التی تدلّ علی الخضوع والطاعة لله عزّوجلّ. [1]

ودارت الكلمة فی الذكر الحكیم ، والشعر الجاهلی بهذا المعنی من الحمیة والغضب نحو قوله تعا لی: (قَالَ أَعُوذ ُ بِالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلینَ ) ، ومن قول الشاعر، كلام عمرو ابن كلثوم فی معلقته:

ألا لایجهلـَنْ أحدٌ علینا

فنجهلْ فوق جهل الجاهلینا

فنری أنّ كلمة الجاهلیة تدل علی الخفة،والأنفة، والحمیة، وهی أمورأوضح ماكانت فی حیاة العرب قبل الإسلام، فسُمّی العصر«جاهلیة» مقابلا لكلمة الإسلام لا العلم ،كما قال أحمد أمین:«وقد كان الجهل فاشیا فیهم، والأمیة شائعة بینهم، ولكن الكتابة

والعلم كانت موجودة بینهم». [2] فقد كان العرب یعرفون الكتابة وأحدثوا بها آثارا مكتوبة،كما قال«شوقی ضیف»فی كتابه:« هم عرفوها، ولكنها معرفةمحدودة،فلم یكتبوا بها كتبا،ولا قصصا،ولارسائل أدبیة،وإنما كتبوا بها بعض أغراض تجاریة وأخری

سیاسیة. [3] واعتقد «محمد واضح رشیدالحسنی» بأن الشعر العربیّ كان زاخرا بذكر الكتابة ، وإن تشبیه رسوم الدیار بالكتابة دلیل علی شیوعها ، لأن حكم المشبه به أن یكون أعم من المشبه. [4]
الجاهلیة الأولی والجاهلیة الثانیة

رأی الباحثون إن الجاهلیة تنقسم إلی فترتین: الفترة الجاهلیة الأولی التی تمتدّ من آدم (ع) إلی نوح والجاهلیةالثانیة من المسیح (ع) إلی محمد (ص) [5] كما جاء فی الذكر الحكیم: (…وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهلیةِ الْأُولَى…) وأشارجرجی زیدان إلی

هذه الفترة قائلا :«إن الجاهلیة الثانیة هی الجاهلیة التی جاءنا عنها الشـعـر وهی لاتمتدّ إلی أكثرمن قرنین قبل الإسلام،وأما ما قبل ذلك فهی الجاهلیة الأولی» [6]
الترسل فی الجاهلیة

إن وجود الرسائل فی أرقی أشكالها وأكملها–أی الشكل التدوینی–یرتبط ارتباطا وثیقا بوجود الخط وانتشارالكتابة بین الناس،وتوفـُّرالمواد التی تـُستعمَل فیها عادة،ولو لم یكن الخط لبقی الشكل الشفوی،والآثارالشفویةبطبیعتها سریعة الزوال، إذ

لیس فی مقدرة الذاكرة أن تحفظها و ترویها للأجیال. فبدت الحاجة إلی الكتابة و تخلید الآثار بها. الكتابة الكتابة فی اللغة مصدر «كتب»، یقال: كتب، یكتب،كـَتبا و كتابا ،ومعناها «الجمع»، و سُمّی الخط كتابة، لجمع الحروف بعضها إلی بعض.وقد تـُطلـَق

الكتابة علی العلم، ومنه قوله تعإلی:( أَمْ عِندَهم الْغَیْبُ فَهم یَكْتُبُونَ )أی یعلمون. وجاء فی «مصادر الشعر الجاهلی»:«إن عرب الجاهلیة قدعرفوا الكتابة بالحروف العربیة منذمطلع القرن الرابع للمیلادی، و كتبوا بهذا الخط العربی ثلاثة قرون قبل الإسلام علی

أقل تقدیر.» [7]

ومن البراهین التی تدلّ علی وجود الكتابة بین الجاهلیین ومعرفتهم بها، ورود بعض المفردات فی أشعارهم أوكلامهم واستعمال الألفاظ التی تدلّ علی الكتابة مثل «القلم» ،و«الدواة »،و«المداد»،و«اللوح»، و«الصحف»، و«الكتب»، و«العسیب»، و«الرق» و «

الكتاب»، و «الزبور» وغیرها. أما أدوات الكتابة فی العصر الجاهلی فكانت علی ضربین؛ الأول:المواد التی كانوا یكـتبون عـلـیها، والثانی: المواد التی كانوا یكتبون بها.

والمواد التی كانوا یكتبون علیها ضروب شتی، منها: الجلد و كانوا یسمّونه «الرق» و «الأدیم»، و«القضیم». و قد ورد ذكرها فی الشعر الجاهلی، كقول طرفة بن العبد:

كسطور الرق رقـَّشـه

بالضحی مُرقـِّـشٌ یـَشِمُه

والقماش- وهو إما حریر وإما قطن،ویطلقون علی الصحف إذا كانت من القماش«المهارق»؛ومفردها«المُهرَق»، وهذا الضرب من مواد الكتابة یحتاج إلی إعداد خاص، فكان نادرا غالی الثمن ولذلك كانوا لایكتبون فیها إلا الجلیل من الأمر- مثل كتابة

الدین ،أوالعهود ونحوها-. كما قال الحارث بن حلزّة الیشكری:

    واذكروا حِلف ذی المَجازِوما
    قـُـدِّم فـیه العـهودُ و الكـُفـَلاءُ
    حَذ َرَالجورِ والتـَّعَدّی وهل ینـ
    ـقـُصُ ما فی المَهارق الأهواءُ؟
    و قول الأعشی:
    ربّی كریم لایكدّرُ نعمة
    و إذا یُناشـَد بالمهارق أُنشدا

و النبات- و أشهرأنواعه؛ «العسیب» و جمعه«عسب» ،وهو جریدة النخل المستقیمة یكشـَطُ خوصُها . فمن الشعرالجاهلی الذی ورد فیه ذكرالعسیب قول لبید یصف كاتباً:

    مُتعوِّدٌ لَحِنٌ یعیدُ بكفـه
    قلما علی عُسُبٍ ذبلن و بان ِ
    وقول امری ء القیس:
    لمن طـَلـَلٌ أبصرتـة فـَشجانی
    كخطّ زبورٍ فی عسیبِ یمان

والعظام- و أشهر أنواع العظام التی كانوا یكتبون علیها«الكتف» و الأضلاع و كان یكتـَب علیها الوحی. واستعمل الجاهلیون كتف الحیوان – و هو عظم عریض فی أصل كتف الحیوان- للكتابة علیه، و« قد كتب علیه كتبة الوحی،… و لما كانت

العظام مادة مبذولة میسورة فی استطاعة الكاتب، الحصول علیها بغیر ثمن،وهی صالحة للكتابة بكلّ سهولة علی شكلها الطبیعی،أوبعد صقل وتشذیب قلیلـَین ِ،لذلك استعملها الكتـّاب بكثرة، فكانت مادة مهمة استعملها كتبة الوحی فی تدوین القرآن.»

[8]و لقد بقی العظم مادة من مواد الكتابة حتی العصر العباسی الأول.

والحجارة – والكتابة والنقش علی الحجر كانا یُسمَّیان «الوحی»، كماقال لبید فی معلقته:

    فمدافعُ الرّیان ِ عـُرِّی رسمُها
    خـَلـَقا ً كما ضَمِنَ الوُحِیَّ سِلامُها
    وقال زهیربن ابن سلمی:
    لِمَن الدّیار غشیتَها بالفـُدفـد
    كالوَحی فی حَجر المَسیل ِ المُخلد

والورق- كلمة الورق تتردد فی الشعرالجاهلی و أخبار صدر الإسلام كما قال حسان بن ثابت:

عرفتَ دیارَ زینب بالکثیب ِ کخطّ الوحی فی الرّقِّ القشیب

والقرطاس- وهو برد مصری استعلمت للكتابة علیها،فأصحبت معناها الصحیفة التی یكتب فیها،والجمع قراطیس. وقد وردت لفظة قرطاس و قراطیس فی القرآن الكریم( وَلَوْ نَزَّلْنَا علیكَ كِتَابًا فِی قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوة بِأَیْدِیهم لَقَالَ الَّذِینَ كَفَرُواْ إِنْ هذا

إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِینٌ). و اعتقد الدكتور «جواد علی» بأنها من الألفاظ التی دخلت العربیة من مصر أوبلاد الشام.

تحدثنا عن المواد التی یكتب علیها العرب كتاباتهم. وأما ما یكتب به، فهو القلم والحبر.

1- القلم

هو من أدوات الكتابة المذكورةعند الجاهلیین، و قد ذكر فی القرآن الكریم، و أُ قسم به فی سورة القلم و عـُظـِّم شأنه فی سورة العلق.وذلك إظهارا لخطرالقلم، وثمرات الأقلام فی الحضارة الإسلامیة منذ الوهلة الأولی ،ولبیان قیمته فی التعلیم عند

البشر،وهو مرتبط أصلا بالخط الذی كان بحد ذاته نقلة نوعیة فی الفكر الإنسانی.ولولا الخط والقلم لما حـُفظت آثار الماضیین.

ولفظة القلم من الألفاظ المعربة عن أصل یونانی، فهو«قلاموس»فی الیونانیة، ومعناها«القصب»،لأن الیوناینین اتخذوا قلمهم منه. [9]

و قد ذكره الشعراء فی قولهم، كقول عدی بن زید:

    ما تـَبینُ العینُ من آیاتِها
    غیرَ نؤی مثلَ خطٍّ بالقلم
    وقال المُرقـِّش الأكبر:
    الدار قفرٌو الرسوم ُكما
    رقـَّشَ فی ظهر الأدیم ِ قلم

2- الحبر

یعرَف أیضا بالدواة و المداد، و یصنع من مواد متعددة تترك أثراً فی المادة التی یكتب علیها و قد ذكر فی شعرالجاهلیین كما قال عبدالله بن عَنـَمة:

    فلم یبقَ إلاّ دمنه ٌ و منازلُ
    كما رُدَّ فی خطّ الدواة مدادُها
    وقال أبوذؤیب الهذ َلی:
    عرفتُ الدّیارَ كرقم الدوا
    ة یزبُرُها الكاتبُ الحِمیری
    وقال سلامة بن الجُندَل
    لِمَن طـَللٌ مثل الكتابِ المُنمِق ِ
    خلا عهدة بینَ الصّلیب فمُطرق
    أكـَبَّ علیه كاتبٌ بـِدَواتِه
    وحادثُهُ فی العین ِجدَّة مُهرَق

موضوعات الكتابة فی العصر الجاهلی

موضوعات الكتابة فی العصر الجاهلی كانت كثیرة متنوعة، وقد كان القوم آنذاك یكتبون كثیراً من شؤون حیاتهم و ألواناً متعددة من الموضوعات التی یفرضها علیهم نشاطهم العملی أو العلمی و الوجدانی. والعرب استخدموا الكتابة فی العصر الجاهلی

لأغراض سیاسیة و تجاریة و لكنـهم لم یخرجوا بها إلی أغراض أدبیة خالصة، ولاتوجد فی كتاباتهم صورة فنیة. [10]

وأول هذه الموضوعات التی كان عرب الجاهلیة یدونونها، الكتب الدینیة؛ولعل الموضوع الثانی الذی كان عرب الجاهلیة حریصین علی كتابته، هو كتابة العهود و المواثیق ،والأحلاف التی یرتبطون بها فیما بینهم افرادا وجماعات.

والموضوع الثالث الذی لعله یكون أكثرالموضوعات اتساعا،هوالصكوك التی كان عرب الجاهلیة یكتبون فیها حساب تجارتهم وحقوقهم علی غیرهم.

ولما كانت الحیاة الإقتصادیة تأخذ المكانة الأولی بین هموم العرب آنذاك، وكان بعضهم قداتخذوا التجارة مصدراً للرزق، وهی بحاجة إلی الكتابة لتقیید حساباتهم،أوصكوك البیع والشراء، أوالدین والوفاء به. فقد انتشرهذا النوع من التقیید بین

التجارمنهم خاصة لحفظ حقوقهم علی الناس،إذلامجال فی مثل هذا النوع من المعاملات للمشافهة،مهما بلغ أحد الطرفین من الثقة بالطرف الآخر،والأمانة،أوقوة الذاكرة. ومما وصل إلینا من أمثال هذه العقود، نص واحد ذكره ابن الندیم، إنه كان فی خزانة

المأمون بخط عبدالمطلب بن هاشم فی جلدأدم ونصُّه:«ذكر حق عبدالمطلب بن هاشم من أهل مكةعلی فلان بن فلان الحمیری من أهل وزل صنعا، علیه ألف درهم فضة كیلاً بالحدیدة، ومتی دعاه بها أجابه، شهدالله والملكان». [11] و بما أن مكة كانت

مركزاً تجاریاً و كان كثیر من القوم فی ذلك الوقت تجاراً فكان من الطبیعی أن یكثرعندهم هذا الضرب من الكتابة كی یحفظوا به حقوقهم.

والموضوع الأخیر الذی كان شائعاً بینهم آنذاك، هو كتابة الرسائل بین الافراد، یحملونها أخبارهم و یفهمونها ما تتطلبه شؤون حیاتهم.
الترسل فی العصر الجاهلی

أ- المعنی اللغوی العام للكلمة

ورد فی المعاجم العربیة قولهم: ترسَّل فی قراءتة؛ إذا اتأد و تمهل و توقـّرفیها أو رتلها، و الترسل فی الكلام؛ التوقر، والتفهم، و الترفق من غیر أن یرفع المرء صوته شدیداً. والترسل فی القراءة و الترسیل واحد: وهوالتحقیق بلاعجلة. و الترسل؛ 1- مص

ترسل: أ-أنشأ رسالة ب- أتی بكلامه مرسلاً غیر مقید بقافیة أوبسجع، 2- فن انشاء الرسائل.

ب- المفهوم الاصطلاحی الخاص

ورد استعمال كلمة "الترسل" فی كتابات الأدباء، والنقاد، والبلاغیین، فی القرنین الرابع ،والخامس الهجریین علی وجه الخصوص بمعنی كتابة الرسائل،وكانت أقدم اشارة صریحة إلی هذا الاستعمال بهذا المفهوم الإصطلاحی الذی یدلّ علی هذا النوع،

تلك التی وردت عند "ابن وهب الكاتب"من القرن الرابع،حیث یقول:«الترسل من:ترسلت،ترسلا و أنا مترسل، كما یقال: توقفت بهم، أتوقف، وأنامتوقف. ولایقال ذلك إلا فیمن تكرّر فعله فی الرسائل. ویقال لمن فعل ذلك مرة واحدة:

أرسل،یرسل،إرسالا، و هو مرسل، و الإسم الرسالة. أوراسل، یراسل، مراسلة، وهو مراسل، و ذلك إذا كان هوومن یراسله قداشتركا فی المراسلة». [12] ونفهم من هذا القول،بأن معنی الترسل یكون كتابة الرسائل بكثرة ویكون هذا النوع الادبی عادة فی

دواوین الدولة خدمة الخلفاء والوزراء و الولاة و المتصرفین فی إدارة شؤون الخلافة والمجتمع فی شتی المناصب الرفیعة.

وقد استعمل لفظ" الترسل" فی القرن الخامس الهجری، مصطلحاً دالا علی مفهوم "كتابة الرسائل "، كما قال المرزوقی:« إن المقصود من الترسل هو "كتابة الرسائل"، إذ كان مورده علی أسماع مفترقة من خاصی و عامی، و أفهام مختلفة من ذكی و غبی، و

للمترسل أمور لابدّ من مراعاتها: منها تبیین مقادیر من یكتب عنه وإلیه حتی لایرفع وضیعا و لایضع رفیعا، و أن یعلم أوقات الإسهاب و التطویل، والایجاز والتخفیف، فقد یتفق مایحتاج فیه إلی الإكثار حتی یستغرق فی الرسالة الواحدة

أقدار القصائد الطویلة و یتفق أیضا ماتغنی فیه الإشارة و یجری مجری الوحی فی الدلالة». [13] وفی القرن الثامن الهجری ألّف «شهاب الدین محمود بن سلیمان الحلبی» (م 725 هـ)، صاحب دیوان الإنشاء بدمشق، كتاباً تحت عنوان «حسن التوسل

إلی صناعة الترسل» و مضمونه یدور حول كتابة الرسائل الدیوانیة.

وفی أوائل القرن التاسع للهجرة ألـّف «القلقشندی» (م 821هـ)كتابه الضخم «صبح الأعشی فی صناعةالإنشاء» فی هذاالموضوع،وكانت التسمیة الغالبةعلی كتابةالدواوین فی عصره هی صناعة الإنشاء،والترسل والمكاتبات أعظم كتابة الإنشاء و أعمها من حیث

إنه لایستغنی عنها ملك ولاسوقة وهو یری أن المقصود الأعظم من النثر هو«الخطب والترسل».

و نری أن مصطلح الترسل عند المتأخرین قد أخذ معنی أوسع من كتابة الرسائل، و ذلك بتعمیم معناه علی كل ما یُكتب وینشأ فی دیوان الدولة الذی كان یُعرف آنذاك بـ‌«دیوان الإنشاء» ،و هــذا المفهوم كان یعرف حتی أواخر القرن الخامس

الهجری باسم الكتابة مجرّدة من أیّ قید،وكان الدیوان یُعرف فی القرنین الأول والثانی الهجریین باسم«دیوان الرسائل»،إذ إنّ الرسائل غالبةعلی ما یُصدر عن هذا الدیوان، إلاّ أن دوره اتـّسع مع اتساع شؤون الدولة وحاجات المجتمع الإداریة، فتعدّدت

موضوعات الكتابة و إن ظلـّت الرسائل من أبرزها.

ونجد بعض الباحثین فی العصر الحدیث یستعملون الترسل بمعناه الإصطلاحی،-أی كتابة الرسائل- فیقول«أنیس المقدسی» مثلاً عن عبد الحمید الكاتب: «و أمّا الذی نقله عن الفارسیة مما لم یكن شائعاً فی الترسل العربی سابقا، فهو التحمیدات

الطویلة، والتبسط فی عرض الفكرة،» [14] وعمرفرّوخ یتحدّث فی كتیبه«الرسائل و المقامات» بایجاز تحت عنوان «التدوین الإداری و الترسل الاول» عن نشأة دواوین الرسائل و تطورها من أیام النبی (ص) إلی أواخر العصر الأموی، فیقول فی جملة

كلامه:«إنّ الترسل إذا كان معروفاً عند العرب، فإنّ عبدالحمید قدجعله فنـّا له قواعده وأصوله،ولاشك فی أنه أوّل من أطال الرسائل ،…وقد صرف عـبـدالحـمـیـد الترسل أیضا ًمن الـناحیة الإداریة إلی الناحیة الإخوانیة». [15] و یقول فی كتاب «

تاریخ الادب العربی»:«كان الترسل الفنّ الذی استجّد فی العصرالأموی، أوالفنّ الذی أصبحت له، فی ذلك العصر، حدوده و شروطه الثابتة و خصائصه الممیزة علی الأقل.» [16]

فـیبدو لنا أنّ أبرز المعانی اللغویة لكلمة الترسل، وهو التمهل، و الترفق،یكون ذاصلة عمیقة وقویة بجوهرالمعنی الإصطلاحی للترسل، أی كتابة الرسائل و فن إنشائها ،إذ إن هذا المعنی یحتوی ذلك المعنی اللغوی، لأن كتابةالرسالة یغلب علیها أن تتسم

بتمهل وترفق من الكاتب، إذ یتروی، ویتأنی،ویحكـّك فیها وینقـّح ذلك،لتوفرالوقت والفراغ له،و العزلة التی یكون فــیها غالباعـند كتابتها، فـیكون بـذلك قـادرا علی المحو،والإثبات،والتغییر، بعیداً عن التعجیل الذی یوقع فی الزلل مما

یحیط بالخطباء الذین یرتجلون خطبهم بدیهة.
الرسائل الجاهلیة

أ- وجودها

عرف الإنسان منذ اكتشافه الرسائل وسیلة للإتصال والتفهام والإبلاغ عن بعد، ثلاثة أشكال للتعبیر عن مضمونها و إبلاغه إلی الآخر. و تمثل هذه الأشكال، ثلاث مراحل تاریخیة أساسیة مرت بها الرسائل فی طریق تطورها.

واستعمال الرسائل بأشكالها المختلفة،لازمة من لوازم الحیاة التی لایمكن الفكاك منها، وقلنا: إن الكتابة كانت شائعة بین العرب فی العصر الجاهلی و أشرنا إلی موضوعاتهم الكتابیة و نحن نقول الآن كانت بینهم رسائل، لكنها ضاعت لأسباب

عدیدة؛منها:ضعف انتشار الكتابة ،وندرة أدواتها ،و قلة استعمالها، مما یضعف الإعتماد علی الكتابة لتكون أداة عملیةسهلة لكتابة الرسائل وتبادلها فی المجتمع الجاهلی،ومنهاخلوالكتابة العربیة فی الجاهلیة من النقط والإعجام، مما كان یدعو الكاتبین إلی

إعتماد الإیجاز فی الكلام. فهذه العوامل أدت إلی قلة استعمال الرسائل المدونة.

وقد شكّ بعض الباحثین الذین تطرقوا إلی دراسة النثرالجاهلی كـ «طه حسین» الذی ینفی كلیة وصول أی نموذج من النثر الجاهلی. [17] و«زكی مبارك» حیث یقول: «إن أكثرما نـُسِب إلی الجاهلیین غیر صحیح.» ویواصل كلامه و یقول فی

موضع آخر: «والخطب والوصایا و الرسائل التی نـُقلت إلینا علی أنها جاهلیة هی موضع شك». [18]

ب- أشكالها

عرف الجاهلیون جمیع أنواع الرسائل، و هی: الإشاریة، والشفویة، و التدوینیة.أشیرهنا إلیها بصورة موجزة.

أ- الرسائل الإشاریة

قدعرفت الأمم القدیمة والحدیثة أنواعا شتی من الإشارات،واستعملها الأفراد وسیلةمن وسائل الإتصال والإبلاغ و التفاهم ویُعدّ الرسائل الإشاریةمن أقدم أشكال الرسائل من الناحیةالتاریخیةوكانت هذه الرسائل عندالعرب علی شكلین؛ الأول: الشكل

المادی- وكان من أبرز أنواعه إشعال النیران فی أعالی الجبال وعلی المرتفعات المشرفة،اعلاماً بشیء مایتفق علیه عادة بین طرفین؛ یكون أحدهما مرسِلاً و الآخرملتقیاً، فاذا أشعل المرسِل هذه النیران، فهم منه الملتقی المعنی المصطلح علیه بینهما.

وروی أن یوما معدودا من أیام العرب یُعرَف بـ «یوم خزازی»، واجتمعت قبائل ربیعة ومضر، وعلیها كلیب بن ربیعة التغلبی،فتوافوا بخزازی-وهو اسم جبل-لقتال جیش من حمیر یقوده صهبان.فوجه كلیب السفاح بن عمروأمامه، وأمره إذا التقی

بالقوم أن یوقدوا نارا علامة جعلها بینه وبین صهبان،فسارالسفاح لیلاحتی وافی معسكرالملك بخزازی فأوقدوا نارا، فأقبل كلیب فی المجموع نحو النار،فوافاهم صباحا،فاقتتلوا فقـُتل الملك صهبان،وانفضت جموعه. [19] وتعـدّ النار فی اللیل من أهم

الرسائل البصریة،و لذا كان أجواد العرب فی الجاهلیة یوقدون النارعلی شرف من الأرض لیهتدی بها الساری إلی بیوتهم لیَفـْروه و یقوموا بحقه من الضیافة ،و كانت لذلك تـُدعی "نارالقِری" ،نظرا للوظیفة التی تؤدیها، وإنماهی فی حقیقة الأمر

رسالة بصریة بسیطة بمنزلة إرسال دعوة إلی السارین والمنقطعین من أبناء السبیل حتی یقدموا علی بیت صاحب هذه النار. [20]

والثانی- الشكل اللغوی الذی یعتمد الرمز وسیلة لنقل معانیة،وهومن أنواع الإشارة،إذ یكون ظاهرالكلام فیه عادیا ساذجا،بل یدل أحیانا علی هذیان المرسل إلا أن یكون مضمونه عمیقا ویحتاج إلی رجل فطن لیستخرج منه المغزی المراد به.

2- الرسائل الشفویة

أتی هذا الشكل مرحلة تالیة بعد الشكل الإشاری ، واتسع فی غیاب الخط والتدوین وموادهما ،لأنه یعتمد بطبیعـته علی الألفاظ اللغویة التی تؤلف فیما بینها كلاما مفهوما یحمله رجل بعد أن یحفظه من المرسل لیبلغه إلی المرسَل إلیه بنصّه

الحرفی الذی قاله المرسِل أو معانیه الجوهریة التی أرادها المرسِل إن أمكن،وهذا أمر نادرالوقوع عادة. و عرف العرب نوعا من التاریخ الشفهی، فقد كانت القبائل تروی أیامها، و حروبها و انتصارتها لتفخربها علی القبائل الأخری. و كانت الرسائل النثریة

الشفویة أكثر حظا فی الدوران بین الناس بسبب قلة انتشار الرسائل المدونة و شكوك الباحثین فی صحة تلك الرسائل المدونة. والقاعدة فی نقل رسائل ذلك العصركانت المشافهة، و فی ذلك یقول أحمد زكی صفوت:«إن جمهرة العرب فی ذلك العصر

كانت متبدیة،فلم تكن الكتابة فیهم فاشیة ، ولذا كانوا یعتمدون فی مراسلهم علی المشافهة، فیبعثون برسالاتهم- ویمكن المراد بأن الرسالات السماویة المنزلة علی الرسل-شفهیة مع أبناء ینتخبونهم لإبلاغها،وكانوایحتفظون بآثارهم الأدبیة

،فیستظهرونها فی الصدور،ویتناقلونها علی الألسن». [21] ولاشك فی أن المشافهة لاتكفی لحفظ النصوص النثریة و نقلها من جیل إلی جیل، لصعوبة ذلك علی الذاكرة، و لاختلاطها با لكلام الیومی للمرء،و لتأثرها بأسالیب الناقلین المختلفین.

فأقبل العرب إلی كتابة الرسائل علی شكلها التدوینی.

3- الرسائل التدوینیة

یعد هذا الشكل ،المرحلة الثالثة فی تاریخ تطور وسیلة الإبلاغ من طریق الرسائل، ولابد من أن یكون ظهوره مرافقا للبدایات الأولی لنشأة الخط ، و ازدهار استعماله و موافقا لاختراع الإنسان مواد الكتابة التی تـَیسّر وضع هذه الوسیلة المهمة فی خدمة

التواصل و التفاهم المشترك بین البشرأفراداً و جماعات. ومن المسلم به أن الرسائل التی وصلت إلینا من هذا العصر تكون خلاصة لمضمون الرسائل الشفویة و هذا الأمر یخرجها من نوع الوثائق المؤكدة التی قد تنفع فی التاریخ للعصر الذی نسبت إلیه.

یضاف إلی ذلك عدم الكتابة آنذاك و لذلك قد سقط عدد كبیرمن الرسائل فی ذلك العصر إلا ما جمعه أحمد زكی صفوت فی كتابه وسماه «جمهرة رسائل العرب».

وظلت الرسائل المدونة أطول بقاء من الرسائل الشفویة و یمكن روایتها و نقلها من جیل إلی جیل، لأن الكتابة كفیلة بحفظها، و هی لذلك أدق روایة و أوثق مضموناً من الشكل الشفوی.

إذن كان الترسل العربی موجوداً فی العصرالجاهلی وبأسمی أشكال التعبیرالأدبی آنذاك وهوالشعر.وكانت الرسائل الشعـریة تمثـل الوجه الحقیقی الأصیل للترسل الجاهلی ، إذ غلبت الأمیة فی الجاهلیة علی العرب، فاعتمدوا لذلك فی تواصلهم و

تفاهمهم عن بعد علی ما سهل قوله و حفظه وتداوله فی البوادی والحواضرعلی حد سواء،فكانت الوسیلة المثلی لتحقیق هذه الغایة آنذاك هو الشعر الذی ذكر القدماء منزلته الرفیعة فی الحیاة الثقافیة للعرب.

وكان للعرب فی الجاهلیة بعض التقییدات الشعریة القلیلة، إلا أنها لم تتحول إلی حركة تدوین حقیقی منظم للتراث الشعری آنذاك، و أبرزهذه التقییدات- تقریباً- كانت المعلقات. تحدثنا فی هذا المبحث عن وجود الكتابة بین الجاهلیین، لكن

نحن لانقصد بأن كل عربی آنذاك كان یعرف الكتابة و إنما نقصد أن الكتابة كانت أمرا معروفا عندهم إلا أن الأمیة كانت اكثر شیوعا و انتشارا. فقدعُرف بینهم من یكتب لهم و لو بكتابة ساذجة وكان العرب قبل الإسلام یهتمون بالكتابة و استعملوها

فی شؤون الحیاة ، كتدوین العقود و المواثیق، و الوثائق السیاسیة و التجاریة و شؤون الأدب والشعر وكل جوانب الحیاة،فلم تكن الأمة أمیة بمعنی أنها تجهل القراءة و الكتابة، فإن نزول القرآن بالعمق الفكری والأسلوب البلیغ یبیّن أن هناك أمة

لدیها القدرة علی فهمه و حمل رسالته.

وأشرنا إلی الآیات القرآنیة التی تدل علی معرفتهم الكتابة مثل الآیة التی تشیر إلیها )… فویل للذین یكتبون الكتاب بأیدیهم… ) وفهمنا بأن الأمیة، لیست الأمیة الكتابیة و لا العلمیة، و المراد «الأمیة الدینیة»، أی لم یكن لهم قبل

القرآن كتاب دینی، فلذا كانوا أمیین دینیاً ولم یكن لهم مثل ما كان لأهل الكتاب من الیهود و النصاری.

وعلمنا بأن العرب فی جاهلیتهم كانوا أمیین و قلّ بینهم الكاتب القارئ ، و كانوا قبل الإسلام و فی صدره یكتبون علی الرق و عسب النخل و فی عظم أكتاف الإبل و الغنم .و ورود أداة الكتابة فی القرآن وأشعار الجاهلیین دلیل علی استعمال الأداة

الكتابیة وشیوعها بینهم.

وعلی كل حال فهذه العسب ،والرق،والقرطاس،لاتساعدعلی انتشار العلم لقلتها، و عدم صلاحیتها. فهی لا تصلح لشعب یرید أن یتعلم ویدون العلم فانتشرت الكتابة،ودوّنت العلوم النقلیة-علوم القرآن والحدیث والفقه والأصول وعلوم اللغة و الأدب- ،

والعلوم العقلیة -من علوم الریاضیة و المنطق و الفلسفة و الكلام– فی أقل من خمسین عاما من آخر الدولة الأمویة إلی صدرالدولة العباسیة. [22] و ساعد علی هذه الحركة العلمیة الواسعة والمیل إلی تدوین العلم و نقله من المشافهة إلی الكتابة،

اتساع صناعة الورق.
الترسل فی العصر الإسلامی

عصر صدر الإسلام

هو العصر الثانی من عصور اللغة العربیة. و تتحدد بدایة هذا العصر الأدبی بظهور الدعوة الإسلامیة و انتشارها وتوحید القبائل العربیة المتنافرة ویفتتح هذا العصرببعثة النبی محمد (ص) فی أوائل القرن السابع المیلادی و بالتحدید عند استقرار دولة

الإسلام فی المدینة سنة 622م، بدایة التاریخ الهجری إلی انتهاء الخلافة الراشدة سنة (661م= 41هـ).

إذن فهو عصر قصیرالمدة، إلا أنه فائق الأهمیة؛ لما تم فیه من أحداث أثرت فی مجری الحیاة العربیة و تطورها، فكان ذلك خاتمة للعصر الجاهلی وفاتحة للعصر الجدید فی تاریخ الادب العربی.
نظرة الإسلام إلی الأدب

ظهر الرسول (ص) و كان قد نشأ علی بلاغة القول و فصاحة البیان، لأنه من قریش و من أكرم فرع منها. و نـزل عـلیه القرآن الذی اشتمل علی الكلام البلیغ المؤثر و البیان الرائع، تحـولت به النفوس مـن الضلال و مساوئ الآداب إلی الصلاح و مكارم

الاخلاق.
أثرالإسلام فی الحیاة الادبیة

أحدث ظهورالإسلام تحولاً جذریاً فی حیاة الأمة العربیة و نقلها من طور التجزئة القبلیة إلی طور التوحد فی إطار دولة عربیة تدین بالإسلام و تتخذ القرآن الكریم مثلاً أعلی و كان لابد لهذا الحدث العظیم من أن یعكس صداه القوی فی الحیاة

الأدبیة لهذه الأمة.

وكان للإسلام اثر كبیر فی ازدهار النثر العربی و لاسیما الخطابة و الترسل، و قددعا قیام الدولة الإسلامیة و اتساع سلطانها إلی الإستعانة بالكتابة و الكتـّاب، و كانت الكتابة محدودة الإنتشار فی العصر الجاهلی، فاتسع لها المجال فی صدر الإسلام. فإن قیام

الدولة الإسلامیة استدعی وجود كتـّاب یوجهون الرسائل إلی العمال و القبائل فی مختلف أقطارالدولة، فكان للرسول (ص) كتـّاب كما كان لخلفائه و ولاتهم من بعده كتـّابهم.
مصادر الأدب الإسلامی

أ- القرآن الكریم

القرآن أول كتاب دُوّن فی اللغة العربیة.فدراسته ضروریة لتاریخ الأدب، لأنه مظهر الحیاة العقلیة والحیاة الأدبیة عند العرب أواخر القرن السادس وأوائل القرن السابع للمسیح،وهو واضع النثر الفنی ومنبع المعانی، و الأسالیب و المعارف التی شاعت فی

أدب ذلك العصر.

أثر القرآن فی الأدب العربی

للقرآن أثر كبیر فی الأدب العربی، فقد تأثر به المسلمون فی بلاغته و فصاحته، فلانت أسالیبهم وعذبت ألفاظهم، و اقتبسوا منه فی شعرهم و نثرهم. و أحیا القرآن فـنوناً أدبیة جـدیدة كالقصص، و أدب الزهد،وأدب التاریخ كما رفع من شأن النثربعدأن

كان المقام الأول للشعر وحده من بین سائر فنون الأدب.

بـ - الحدیث

الحدیث هوقول الرسول (ص) أو حكایة فعله أوحدیث الصحابة عنه،فهو فی المنزلة الثانیة من كتاب الله فیما یتعلق بالدین و الثقافة، وأغزر ینابیع التشریع فی العبادات والحقوق، وأقوم طریق یؤدی إلی فهم القرآن. و كان للحدیث تأثیر بارز

فی‌الأدب فالأدباء و الشعراء أضافوا إلی معجمهم اللغوی و اقتدوا بأسالیبه، واستعانوا بتراكیبه، و اقتبسوا الكثیر مما تضمنه من المعانی و الأفكار. الكتابة فی صدرالإسلام قد انتشرت الكتابة العربیة مع انتشار الإسلام وخرجت من الجزیرة العربیة فی كل

الأنحاء.و لقد ساعـد النبی(ص) علی نشرالكتابة و تعلیمها، فـبعد غزوة بدر وافق علی اطلاق سراح كل أسیر تلقاء أن یعلم الكتابة والقراءة لعشرة من صبیان المسلمین. و جعل فدیة أسری بدر أن یعلموا المسلمین الكتابة. و أظن أن هذا الأمر دلیل علی

وجود مجموعة كبیرة من الأسری یعرفون القراءة و الكتابة، و أنها- الكتابة- كانت شائعة بین العرب قبلها.

و كانت الكتابة فی عهد الرسول (ص) تشمل شیئین: أولهما: و هوالأهم، كتابة الوحی، و یخبرنا الجهشیاری بأن: «علی بن ابی طالب و عثمان بن عفان كانا یكتبان الوحی، فإن غابا كتبه أبی بن كعب، وزید بن ثابت». [23] و الثانی: تدوین الرسائل التی

كان الرسول (ص) یكتبها للملوك و الرؤساء یدعوهم إلی الإسلام، و كذلك كـتـابة العهود و المعاهدات. وكان الرسول (ص) و الخلفاء الـراشدون من بـعـده یستخـدمون الكـتابة فی شؤونهم بعـد أن ازدادت الدواعی إلیها فی شتی الأغراض الدینیة و

السیاسیة والإخوانیة وغیرها، و استجدت أحداث تطلبت قدراً كبیرا من الرسائل، و بخاصة تلك الأحداث التی صاحبت الدعوة إلی الدخول فی الإسلام. واقتضی تبلیغ الدعوة ونشرها من الرسول (ص) مكاتبة القبائل والملوك العرب والأعاجم،وعقد

العهود والمواثیق مع عدد منهم. فارتقت الكتابة واتسع نطاقها و شاعت كثیراً حتی غدت الفن الأدبی الأكثرأهمیة و انتشاراً. و نهض فن الرسائل بدور كبیر مع تطور حیاة المسلمین الدینیة و العقلیة و الإجتماعیة و السیاسیة. فنری ‌أن الكتابة تطورت

تطوراًواسعاً فی هذا العصر،فقد تعددت الموضوعات إذ إن أدب الرسائل كان ولیدالحاجة، و لذا تنوعت موضوعاتها تبعاً لتلك الحاجة. وازدادت الحاجة إلی الكتابة للتطور الذی رافق الحیاة الإسلامیة الجدیدة فی آفاقها السیاسیة و الإجتماعیة و

الفكریة. فأصبحت الكتابة من الوسائل المهمة لنشر الدعوة الإسلامیة و من الدعائم الأساسیة لتنظیم المجتمع الإسلامی و بنائه.

میزات الكتابة فی صدر الإسلام

من الظواهر الإسلامیة- فی كتابتهم- وجود كلمة «بسم‌الله» علی المسكوكات الإسلامیة و وجود«البسملة» كاملة علی البردیة الطویلة سنة 22هـ،وظهورالتاریخ الهجری علی البردتین. أما «البسملة» فقد كان أول من افتتح الكتابة بها هو رسول الله (ص)، إذ

كان یفتتح الكتاب بقوله: «باسمك اللهم» ثم تحول فافتتح الكتاب ببسم الله.

و من الطریف أن نشیر هنا إلی كتابة بسم‌الله الرحمن الرحیم.

روی عن الشعبی«أن رسول الله (ص) كتب أربعة كتب، فی الأول:باسمك اللهم، فنزلت «هود» و فیها «بسم‌الله مجراها و مرساها» و كتب فی الثانی «بسم‌الله» فنزلت بنواسرائیل و فیها «قل ادعوالله أو ادعوا الرحمن»فكتب فی الثالث «بسم‌الله الرحمن» ثم نزلت

سورة النمل و فیها:«إنه من سلیمان و إنه بسم‌الله الرحمن الرحیم»». [24] الرسائل فی العصر النبوی لقد أصبحت الرسائل وسیلة مهمة لأداء حاجات الرسول السیاسیة و الدینیة، فاتخذها منهجاً قویماً واعتمدها أسلوباً صحیحاً لنشر مبادئ دعوته. فشرع

یكتب الرسائل إلی العرب فی الجزیرة وما جاورها یدعوهم إلی الإسلام كما راسل الملوك الأعاجم. وكانت الرسائل النبویة تعالج موضوعات تشریعیة و توجیهیة، لهاصلة بالدین الجدید، فشرع النبی (ص)یبعث الرسائل المختلفة یشرح فیها

الأصول و الأحكام و السنن، ویبین فیها حقوق المسلمین و واجباتهم، و یوضح فیها- تلك الرسائل- أصول الفرائض و أحكامها.

موضوعات الرسائل النبویة

یمكن تصنیف الرسائل النبویة حسب الموضوع الذی أنشئت الرسالة من أجله إلی الأصناف التالیة. أ- رسائل الدعوة إلی الإسلام بـ- رسائل تشریعیة توجیهیة توضح الفرائض و الأحكام. جـ- رسائل النبی إلی بعض أصحابه فی أمور شخصیة و إلی

غیرهم فی أمور مختلفة.

أ- رسائل الدعوة إلی الإسلام

ظهر هذا الضرب من المراسلات النبویة بعد أن قویت أركان الإسلام و خاصة بعد هدنة الحدیبیة، فاتجه الرسول إلی تثبیت الدولة الإسلامیة و بنائها، فیدعو العرب وغیرهم للدخول فی الإسلام.ویمكن تقسیم هذا الضرب من الرسائل النبویة إلی

صنفین: 1- رسائل موجهة إلی رؤساء القبائل العربیة 2- رسائل موجهة إلی الملوك الاعاجم.

بـ- رسائل تشریعیة دینیة

هذه الرسائل لون آخر مما أملاه الرسول علی كتابه و أرسله إلی معتنقی الإسلام لیوضح لهم سنن الدین الجدید و أحكامه و یشرع عبرها أصول الصلاة وأحكام الزكاة ویحدد مقادیر الجزیة لأهل الكتاب ویبین فیها كثیراً من الأحكام و الأصول،

و الفروع.

جـ- الرسائل النبویة الخاصة

و هذا لون آخر من الرسائل النبویة اتسمت بطابع خاص میزها عن مكاتباته الأخری. و قد تناولت هذه الرسائل موضوعات شتی و عرضت لأمور كثیرة متباینة، مثل ما كتب إلی عماله و امراء سرایاه. و قد تفاوتت تلك الرسائل فی مواضیعها و أغراضها.

و كان غرض تلك الرسائل تفقیه العمال بأمورالدین وسیاسة الرعیة وجبایة ما علیهم من صدقة أو جزیة و غیر ذلك.

خصائص رسائل النبی (ص)

تتمیز الرسائل النبویة بلغتها المترسلة ومیلها إلی الإیجاز والسهولة مع البعدعن الإطناب و المبالغة، إذ یعتمد علی اللمحة و الإشارة دون التفصیل والإسهاب،وكانت بعیدة عن التكلف، خالیة من عبارات التفخیم، و لها اوضاع خاصة قلما تعثر علیها فی

غیرها من الكتب، و تتابع فی كثیر من عباراتها بعطف اوغیر عطف دون تكلف للتعادل بینها.

و یشیر «محمدكردعلی» إلی سبب ذلك حیث یقول فی كتابه: «كان الرسول یتوخی إذا كتب لغیر العرب أن یوجز القول و یقل من اللفظ الذی لا یتفهمه كل انسان حتی یسهل نقل كلامه إلی ألسن من كتب إلیهم من غیر العرب،‌كما كان إذا

خاطب قبائل من قریش، أو كاتبهم یستعمل ألفاظا مألوفة لهم لا یعرفها القرشیون، ذلك لأن مقصده الإفهام.و البلیغ من الكلام ما فهم و أبقی فی النفس أثرا». [25]

الرسائل فی العصر الراشدی

فی عهدالخلفاءالراشدین قد ظل أدب الرسائل غالباً امتدادا للمكاتبات النبویة،إذ بقیت الرسائل فی هذا العصرمتأثرة بتلك التیارات المختلفة منذ فترة مبكرة،إضافة إلی ما استجد من أحداث خطیرة بعد وفاة الرسول (ص) وقد ظل صدی تلك المؤثرات

واضحا فی مكاتبات هذا العصر،وممیزا له عن سواه من ضروب الأدب الأخری.

ومن ألوان الرسائل التی شاعت فی هذا العصر بسبب كثرة الفتوحات الإسلامیة، الرسائل الشخصیة (الإخوانیة). و قد شاع هذا اللون من المراسلات لتدفق كبار الصحابه وغیرهم من الأجناد الذین ابتعدوا عن مركز الخلافة إلی تلك الأمصار المختلفة ارتباطا

بالخلیفة أوالحاكم.

والمعروف أن عمر كان أول من دوّن الدیوان من العرب فی الإسلام .فعلی أثر الفتوحات، و بعد ان كثرت الاموال التی ترد إلی الخلافة، ‌أنشأ عمر بن الخطاب أربعة دواوین و هی: 1- دیوان الخراج و الجزیة، أو دیوان الجبایة الذی یهتم بستجیل

الأموال الواردة إلی الخلافة و كیفیة التصرف بها 2- دیوان الجند و هو الذی یهتم بتسجیل المحاربین و صرف نفقاتهم 3- دیوان العطاء أو دیوان المال و عمله الأساسی توزیع الاموال علی الرعیة. 4- دیوان الإنشاء ‌أو دیوان الرسائل و الذی

یهتم بالمكاتبات وحفظ الوثائق الرسمیة. [26]

لفظ دیوان وتطور مدلوله

الدیوان لغة: الدفتریُكتب فیه اسماء الجیش و أهل العطاء،وجمعه دواوین.

الدیوان اصطلاحا:

اختلف الباحثون فی أصل هذه اللفظة، فقد ذهب أكثرهم إلی أن لفظ «دیوان» غیرعربی، و قد أكد ذلك الأصمعی فذكر أن الدیوان لفظ عجمی كما أشار إلی ذلك الصولی، إذ یری أن الدیوان «اسم فارسی تكلمت به العرب فقالوا دِیوان (بكسر الدال)

ولم یقولوا دَیوان كما قالوا دِیباج ولم یقولوا دَیباج. [27]

و لقد ذهب البعض إلی أن لفظ «دیوان» عربی، إذ یقال «دونته أی أتبتته» و إلیه یمیل كلام سیبویه و قد ذكر القلقشندی نقلا عن «النحاس» فی صناعة الكتاب قوله،والمعروف فی لغة العرب أن الدیوان: الأصل الذی یرجع إلیه و یُعمل بما فیه.

لقدأطلق لفظ «دیوان» أول الأمرعلی السجل الذی یثبت فیه أسماء الجند و المقاتلة حسب قبائلهم ومقدار أعطیاتهم، وما ثبت فیه أیضا من أموال الفیء وغیره. ثم صار هذا اللفظ یطلق بعد ذلك علی سجلات الحساب العامة، ویؤكد ذلك ما طبقت

شهرته الآفاق من محاولة تعریب تلك الدواوین- أی السجلات- التی كانت تكتب باللغات الأجنبیة، و نقلها إلی العربیة فی عهد عبدالملك. ولقد تطورمدلول هذا اللفظ فصار یطلق حینا علی الموضع الذی توضع فیه تلك السجلات وذكرالماوردی:«

الدیوان موضوع لحفظ ما یتعلق بحقوق السلطنة من الأعمال و الأموال، ومن یقوم بها من الجیوش و العمال.» [28] دیوان الإنشاء (الرسائل) ذكر«القلقشندی» أنه اسم مـركـب من مضاف و هـو دیـوان ، و مضا ف إلیه و هـو الإنشاء ، فإضافـة الدیوان

للإنشاء تحتمل أمـرین: أحـدهما؛إن الأمـور السلطانـیة من المكاتبات و الولایات تـُنشأ وتـُبتدأ منه. والثانی؛ إن الكاتب ینشیء لكـل واقـعـة مقالا. وقد كان هذا الدیوان فی الزمن المتقدم یعبرعنه ب‍ـ «دیوان الرسائل» تسمیة له بأشهـرالانواع التی

تصدرعنه،لأن الرسائل اكثرالأنواع الكتابیةوأعمها وربما قـیـل «دیوان المكاتبات».ثم غلب علیه هذا الاسم واشتهر به. هذا الدیوان أول دیوان وضع فی الإسلام و ذلك أن النبی (ص) كان یكاتب أمراءه وأصحاب سرایاه من الصحابة ویكاتبونه وكتب

إلی من قرُب من ملوك الأرض یدعوهم إلی الإسلام،وبعث إلیهم رسله بكتبه،مثل رسائله التی كتبها إلی الملوك الاعاجم و هذه المكتوبات كلها متعلقة بدیوان الإنشاء. [29]
الرسائل فی عهد عمر وعثمان





موضوعات وبلاگ: العصر الجاهلی، 
ارسال توسط كشاورز
صفحه نخست //// لیست مقالات
بازدید : مرتبه
تاریخ : دوشنبه 8 آذر 1389

محیط - می كمال الدین
















شاعر من العصر الجاهلی أدرك الإسلام ولكن لم یسلم، هذا على الرغم من أنه كان یعمل بالعدید من الأمور التی جاء بها الإسلام ویحرم على نفسه ما جاء الإسلام لیحرمه، فنبذ عبادة الأوثان وحرم على نفسه الخمر، قال عنه رسول الله صلى الله علیه وسلم " آمن لسانه وكفر قلبه".

اسمه كاملاً أمیة بن عبد الله أبی الصلت بن أبی ربیعة بن عوف الثقفی، وأمه هی رقیة بنت عبد شمس بن عبد مناف من شریفات قریش، ینتسب إلى قبیلة ثقیف من أهل الطائف، ولد فی بیت عز وشرف فكان والده من سادة قومه، وعرف عن أهله الفصاحة وحب الشعر، هذه الفصاحة التی انتقلت لأمیة فأشتهر بحكمته وإطلاعه على الكتب القدیمة، لبس المسوح تعبداً، ونبذ عبادة الأوثان، وحرم الخمر على نفسه.

 رحل أمیة إلى البحرین، فأقام بها ثمانی سنوات، وخلال ذلك ظهر الإسلام، فعاد مرة أخرى إلى الطائف فسأل عن الإسلام، وعن رسول الله محمد صلى الله علیه وسلم، كما قدم مكة وسمع آیات من القرآن الكریم، وعندما سألته قریش عن رأیه قال: أشهد أنه على الحق، فقالوا هل تتبعه؟، قال: حتى انظر فی آمره.

خرج أمیة إلى الشام ، وفی هذه الأثناء هاجر الرسول صلى الله علیه وسلم إلى المدینة، وحدثت موقعة بدر، وعندما عاد أمیة وقد قرر الدخول فی الإسلام علم بمقتل أهل بدر وفیهم ابن خال له فأمتنع وأقام فی الطائف حتى وفاته، مما قاله فی رثاء من أصیب من قریش یوم بدر:

أَلاّ بَـكَیتَ عَـلى الـكِرامِ بَـنی الـكِرامِ أولـی الـمَمادِح
كَبُكا الحَمامِ عَلى فُروعِ الأَیكِ فی الغُصُنِ الصَوادِح
یَـبـكـینَ حَــزنـى مُـسـتَكیناتٍ یَـرُحـنَ مَــع iiالـرَوائِـح
أَمـثـالُـهُـنَّ الـبـاكِـیـاتُ الــمُـعـوِلاتِ مِــــنَ الـنَـوائِـح
مَــن یَـبـكِهِم یَـبـكِ عَـلـى حُــزنٍ وَیَـصدُقُ كُـلُّ iiمـادِح
كَـــم بَــیـنَ بَــدرٍ وَالـعَـقَنقَلِ مِــن مَـرازبَـةٍ iiجَـحـاجِح
فَـمُـدافِعِ الـبَـرقَینِ فَـالـحَنّانِ مِــن طَــرفِ الأَواشِــح

 

یعد أمیة من شعراء الطبقة الأولى، له الكثیر من الأخبار والقصص الفریدة، وإن كان علماء اللغة لا یحتجون به لورود ألفاظ فیه لا تعرفها العرب، حیث أدخل فی قصائده بعض الألفاظ الأعجمیة المنقولة أو المقتبسة أو التی تم تعریبها، ومع ذلك تمیزت معانیه بالبساطة والوضوح والبعد عن المبالغة.

 وكان أمیة هو أول من جعل فی مطالع الكتب باسمك اللهم، فكتبتها قریش، وكان یأتی فی شعره كثیراً بقصص الأنبیاء، واطلع على الكتب السماویة، وتناول فی أشعاره الموضوعات الدینیة والحكمة، ویقال انه كان حنیفیاً.

قَد كانَ ذو القَرنَینِ قَبلی مُسلِماً
مَلِكاً عَلا فی الأَرضَ غَیرَ iiمُعَبَّدُ
بَلَغَ المَشارِقَ وَالمَغارِبَ iiیَبتَغی
أَسـبـابَ مُـلـكٍ مِـن كَـریـمٍ iiسَـیِّدِ
فَرَأى مَغیبَ الشَمسِ عِندَ مَآبِها
فـی عَـیـنِ ذی خُلُبٍ وَیأطِ حَرمَدِ
مِـن قَـبـلِـهِ بَـلقیسُ كانَت iiعَمَّتی
حَـتـى تَـقَـضّـى مُـلـكُـها بِالهُدهُدِ


یقال أنه عندما سمع رسول الله "صلى الله علیه وسلم" بأبیات أمیة بن أبی الصلت التی قال فیها:

الـحَـمـدُ لـلَّهِ مَمسانا iiوَمَصبَحَنا



رَبُّ الـحَـنـیـفَـةِ لَم تَنفَد خَزائِنُها



أَلا نَــبِــیَّ لَــنـا مِـنّـا فَـیُـخـبِـرُنـا













بِـالـخَـیـرِ صَـبَّـحنا رَبی iiوَمَسَّانا



مَـمـلـؤَةٌ طَـبَّـقُ الآَفـاقَ iiسُلطانا



ما بُعدَ غایَتِنا مِن رأَسِ مَجرانا


 

قال: إن كاد أمیة لیُسلم.

وعلى الرغم من عدم دخول أمیة بن أبی الصلت فی الإسلام إلا أنه نسبت إلیه قصائد عدیدة یحمد فیها الله، ویثنی على الرسول، ویرى البعض أن هناك تناقض بین ما تدل علیه القصائد من إیمان قوی لصاحبها یظهر فی معانیها، وبین التردد الذی كان فیه أمیة تجاه الإسلام فیشككوا فی نسبها إلیها، أما البعض الأخر فیرى أنها تنسب لأمیة لأنه كان تام الاقتناع بالإسلام وكاد أن یدخل به إلا أنه بعد واقعة بدر شق جیوبه وعقر ناقته على عادة الجاهلیة وقرر عدم الدخول فیه، وروایة أخرى ذكرت أن أمیة كان یطمع فی النبوة لنفسه فلم یدخل فیها حسداً منه.  

مما قاله:

لَـكَ الـحَمدُ والمَنُّ ربَّ العِبادِ          أَنــتَ الـمَـلیكُ وأَنــتَ iiالـحَكَم

وَدِن دیـنَ رَبِّـكَ حَـتّى الـیَقِینِ          واجـتَـنِبَنَّ الـهَـوى iiوالـضَجَم

مُــحَـمـداً أَرسَــلَــهُ بـالـهُـدى          فَـعـاشَ غَـنِـیاً وَلــم iiیُـهـتَضَمُ

عَـطـاءٌ مِــنَ الـلَـهِ iiأُعـطـیتَه          وخَـصَّ بِـهِ الـلَهُ أَهـلَ الحَرَم

وقَـــد عَـلِـمـوا أَنَّــهُ خَـیـرُهم          وفی بَیتِهِم ذِی النَدى والَكرَم

 

وقال أیضاً:

 

إِنَّ آیــاتِ رَبِّــنــا iiبــاقـیـاتٌ
ما یُماری فیهِنَّ إِلا الكَفورُ
خَـلَـقَ الَـلـیـلَ وَالنَهارَ iiفَكُلٌ
مُـسـتَـبـیـنٌ حِـسابَهُ iiمَقدورُ
ثُـمَ یَـجـلو النَهارَ رَبٌ iiكَریم
بِـمَـهـاةٍ شُـعـاعُـها iiمَنشورُ


 

تناول شعر أمیة العدید من الموضوعات التی نلحظ فیها ملامح إیمانیة مثل التوحید ونبذ الأصنام، وفكرة خلود الله وفناء البشر، والبحث والحساب وتحریم الخمر، كما دخلت فی أشعاره الحكمة والتی بدأ بها عدد من قصائده على عكس ما كان سائد بین الشعراء الجاهلیین.

أما باقی شعره فتنوع بین المدح والرثاء والعتاب والنسیب والفخر والوصف، وكان مدحه بعیداً عن الاستجداء والرغبة فی التكسب، وكان مقلاً فی الهجاء، فنادراً أن یهجو، أما الوصف فقد استحوذ على كثیر من شعره وأبدع فیه.

توفی أمیة فی العام الخامس للهجرة عام 626 م.




موضوعات وبلاگ: العصر الجاهلی، 
ارسال توسط كشاورز
صفحه نخست //// لیست مقالات
بازدید : مرتبه
تاریخ : جمعه 5 آذر 1389
سیّــــرة وحیـــــــاة الشاعــــــــــر ..

أمرؤ القیـــــس

هو ..؟؟

امرؤ القیس بن حجر بن الحارث الملك ابن عمرو بن حجر آكل المرار بن عمرو بن معاویة

بن الحارث بن یعرب بن ثور بن مرتع بن معاریة بن كندة



ولادته ..
یذهب لویس شیخو إلى أن امرأ القیس ولد نجد نحو سنة 520 مز

یذكر صاحب الروائع أن ولادته سنة 500م وعلّق على ما قاله شیخو بصدد تاریخ ولادته قائلاً ؟

قد رجعنا...ما یذكره مؤرخو الروم عن شاعرنا، وقارنا بین حوادث حیاته وماجرى على عهده فی البلاد العربیة

فرأینا أن نأخذ برأی دی برسفال الجاعل ولادته حول سنة 500م و وفاته حول 540م.





نشأته . .
كان امرؤالقیس أكثر أخوته قوة و شخصیة ومیلاً إلى الإندفاع الذاتی، متمتعاً مع ذلك بذهن متوقد

و قلب ذكی . ولعل هذه الخلال كانت بعض إرهاصات شاعریته المبكرة. وما أنه بلغ سن الفتوة حتى قال الشعر.

وفی نظر بعض بعض النقاد أن خاله المهلهل هو الذی أذكى عنده روح هذا الفن

وأنه ما زال یوجهه حتى برز على سائر شعراء عصره آنذاك.



امرؤ القیس قبل مقتل أبیه
سلك امرؤ القیس فی الشعر مسلكاً خالف فیه تقالید البیئة، أتخد لنفسه سیرة لاهیة تأنفها الملوك كما یذكر ابن الكلبی

حیث قال؟ كان -أی الشاعر- یسیر فی أحیاء العرب ومعه أخلاط من شذاذ العرب من طیء وكلب وبكر بن وائل

فإذا صادف غدیراً أو روضة أو موضع صید أقام فذبح وشرب الخمر وسقاهم وتغنیه قیانة ، لایزال كذلك

حتى یذهب ماء الغدیر وینتقل عنه إلى غیره وما جعل والده یغضب من فعلته هذه

أنه كان یبكی الأطلال ویقول الشعر فی سن مبكرة، و یغیر على أحیاء العرب مع أصدقائه الشذاذ وهو لا یزال صغیراً

فطرده والده من كنفه، وراح یعیش حیاته العابثه من جدید



بعد مقتل أبیه
كان مقتل أبیه تحولاً جذریاً فی حیاة الشاعر، أثر بشكل مباشر فی إتجاه شعره القبلی وانضجه.

ما رواه ابن السكیت:

لما طعن الأسدی حجراً ولم یجهز علیه، أوصى ودفع كتابه إلى رجل فقال:أنطلق إلى أبنی نافع ، فإن بكى وجزع فاتركه ،

وأستقرهم واحداً واحداً، حتى تأتی امرأ القیس ، فأیهم لم یجزع لإادفع إلیه سلاحی و خیلی ووصیتی.

فمر یهم واحداً واحدا ، فكلهم جزعوا، حتى أتى أصغرهم فوجد معه ندیم له یشرب الخمر ویلاعبه النرد، فقال له :قتل حجر.!

وأمسك ندیمه فقال له:أضرب فضرب ، حتى فرغ فقال:ما كنت لأفسد علیك دستك. ثم سأل الرسول عن أمر أبیه.؟

فقال:الخمر والنساء علی حرام حتى أقتل من بنی أسد مائة واجهز النواصی مائة.

وفی روایة أنه قال:

لقد ضیعنی أبی صغیراً، وحملنی دمه كبیراً، لا أصحوا الیوم ولا سكرغداً، الیوم خمر وغداً أمر.


نهایة حیاته
لم تكن حیاة امرؤ ألقیس طویلة بمقیاس عدد السنین ولكنها كانت طویلة وطویلة جدا بمقیاس تراكم الإحداث

وكثرة الإنتاج ونوعیة الإبداع

لقد طوف فی معظم إرجاء دیار العرب وزار كثیرا من مواقع القبائل بل ذهب بعیدا عن جزیرة العرب ووصل إلى بلاد الروم

إلى القسطنطینیة ونصر واستنصر وحارب وثأر بعد حیاة ملأتها فی البدایة باللهو والشراب ثم توجها بالشدة والعزم

إلى أن تعب جسده وأنهك وتفشى فیه وهو فی ارض الغربة داء كالجدری او هو الجدری بعینه فلقی حتفه هناك فی أنقرة

فی سنة لا یكاد یجمع على تحدیدها المؤرخون وان كان بعضهم یعتقد أنها سنه 540م.

لقد ترك خلفه سجلا حافلا من ذكریات الشباب وسجلا حافلا من بطولات الفرسان وترك مع هذین السجلین دیوان شعر

ضم بین دفتیه عددا من القصائد والمقطوعات التی جسدت فی تاریخ شبابه ونضاله وكفاحه, وعلى الرغم من صغر دیوان شعره

الذی یضم ألان ما یقارب من مئة قصیدة ومقطوعة إلا انه جاء شاعرا متمیزا فتح أبواب الشعر وجلا المعانی الجدیدة

ونوع الإغراض واعتبره القدماء مثالا یقاس علیه ویحتكم فی التفوق أو التخلف إلیه.

ولذلك فقد عنی القدماء بشعره واحتفوا به نقداً ودراسة وتقلیداً كما نال إعجاب المحدثین من العرب والمستشرقین,

فاقبلوا على طباعته منذ القرن الماضی, القرن التاسع عشر فی سوریة ومصر وفرنسا وألمانیا وغیرها من البلدان

التی تهتم بشؤون الفكر والثقافة.



موضوعات وبلاگ: العصر الجاهلی، 
ارسال توسط كشاورز
صفحه نخست //// لیست مقالات
بازدید : مرتبه
تاریخ : پنجشنبه 4 آذر 1389
متابعة لدفع الشبهات المثارة حول القرآن الكریم، نقف الیوم مع شبهة تمسك بها بعض الجهلة من النصارى وغیرهم، وحاصلها الادعاء بأن القرآن الكریم قد اقتبس من شعر  امرئ القیس  عدة فقرات منه، وضمنها فی آیاته وسوره، ولم یحصل هذا الأمر فی آیة أو آیتین، بل هی عدة آیات كما یزعمون .

وإذا كان الأمر كذلك، لم یكن لما یدندن حوله المسلمون من بلاغة القرآن وإعجازه مكان أو حقیقة، بل القرآن فی ذلك معتمد على بلاغة من سبقه من فحول الشعراء وأساطین اللغة .

وقد استدل هؤلاء بما أورده المناوی فی كتابه ( فیض القدیر شرح الجامع الصغیر ) [ 2 / 187 ] ، حیث قال ما نصه: " وقد تكلم امرؤ القیس بالقرآن قبل أن ینزل، فقال:

یتمنى المرء فی الصیف الشتاء   حتى إذا جاء الشتاء أنكره

فهو لا یرضى بحال واحد                  قتل الإنسان ما أكفره

وقال:

اقتربت الساعة وانشق القمر       من غزال صاد قلبی ونفر

وقال:

إذا زلزلت الأرض زلزالها               وأخرجت الأرض أثقالها

تقوم الأنام على رسلها            لیوم الحساب ترى حالها

یحاسبها ملك عادل               فإما علیها وإما لها  " ا.هـ

وقد أورد بعضهم شیئا من الأبیات السابقة بألفاظ مختلفة، فقال بعضهم: إن امرأ القیس قال:

دنت الساعة وانشق القمر         غزال صاد قلبی ونفر

مر یوم العید بی فی زینة         فرمانی فتعاطى فعقر

بسهام من لحاظ فاتك        فر عنی كهشیم المحتظر

وزاد بعضهم فقال:

وإذا ما غاب عنی ساع        كانت الساعة أدهى وأمر

وقد جاء فی القرآن الكریم قوله تعالى: { قتل الإنسان ما أكفره } وقوله تعالى: { اقتربت الساعة وانشق القمر } وقوله تعالى: { إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض أثقالها } وقوله تعالى: { إنا أرسلنا علیهم صیحة واحدة فكانوا كهشیم المحتظر } وقوله تعالى: { فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر } وقوله تعالى: { بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر } .

وهذه الشبهة منقوضة بأكثر من عشرین وجهًا، وبیان ذلك فیما یلی:

الوجه الأول: أن هذه الأبیات لیس لها وجود فی كتب اللغة والأدب، وقد بحثنا فی عشرات من كتب البلاغة والأدب واللغة والشعر المتقدمة، ولم یذكر أحد شیئا من الأبیات السابقة أو جزءًا منها .

الوجه الثانی: أنه لا توجد هذه الأبیات فی دیوان امرئ القیس ، على اختلاف طبعاته، ونسخه وروایاته، ولو كانت إحدى الأبیات السابقة صحیحة النسبة إلیه أو حتى كاذبة لذكرت فی إحدى دواوینه .

الوجه الثالث: أن أی متخصص وباحث فی الأدب العربی، وشعر امرئ القیس على وجه الخصوص یعلم أن شعر امرئ القیس قد وجد عنایة خاصة، وتضافرت جهود القدماء والمحدثین على جمعه وروایته ونشره، وهناك العدید من النسخ المشهورة لدیوانه كنسخة الأعلم الشنتمری ، ونسخة الطوسی ، ونسخة السكری ، ونسخة البطلیوسی ، ونسخة ابن النحاس وغیرها، ولا یوجد أی ذكر لهذه الأبیات فی هذه النسخ، لا من قریب ولا من بعید، فهل كان هؤلاء أعلم بشعر امرئ القیس ممن عنوا بجمعه وتمحصیه ونقده .

الوجه الرابع: أنه حتى الدراسات المعاصرة التی عنیت بشعر امرئ القیس ودیوانه، وما نسب إلیه من ذلك، لم یذكر أحد منهم شیئاً من هذه الأبیات لا على أنها من قوله، ولا على أنها مما نحل علیه – أی نسب إلیه ولیس هو من قوله – ومنها دراسة للأستاذ محمد أبو الفضل إبراهیم فی أكثر من 500 صفحة حول شعر امرئ القیس ، وقد ذكر فیه ما صحت نسبته إلیه وما لم یصح، وما نحل علیه ومن نحله، ولم یذكر مع ذلك بیتاً واحداً من هذه الأبیات السابقة .

الوجه الخامس: أن امرأ القیس وغیره من الشعراء قد نحلت علیهم العدید من القصائد فضلا عن الأبیات، بل نحل على بعضهم قصص كاملة لا زمام لها ولا خطام، وقضیة نحل الشعر ونسبته لقدماء الشعراء أمر معروف لا یستطیع أحد إنكاره، وقد عرف عن حماد الراویة و خلف الأحمر أنهم كانوا یكتبون الشعر ثم ینسبوه إلى من سبقهم من كبار الشعراء، وقد ذكر ابن عبد ربه – وهو من المتقدمین توفی سنة 328 هـ - فی كتابه ( العقد الفرید ) فی باب عقده لرواة الشعر، قال: " وكان خَلف الأحمر أَروى الناس للشِّعر وأعلَمهم بجیّده....وكان خلف مع روایته وحِفظه یقول الشعر فیُحسن، وینَحله الشعراء، ویقال إن الشعر المَنسوب إلى ابن أخت تأبّط شَرّاً وهو:

إنَّ بالشِّعب الذی دون سَلْع         لقتیلاً دَمُه ما یُطَلُّ

لـ خلَف الأحمر ، وإنه نَحله إیاه، وكذلك كان یفعل حمّاد الروایة، یَخلط الشعر القدیم بأبیات له، قال حماد : ما مِن شاعر إلا قد زِدْتُ فی شعره أبیاتاً فجازت علیه إلا الأعشى ، أعشى بكر، فإنی لم أزد فی شعره قطُّ غیرَ بیت فأفسدتُ علیه الشعر، قیل له: وما البیتُ الذی أدخلته فی شعر الأعشى ؟ فقال:

وأنكرتْنی وما كان الذی نَكِرتْ    من الحوادث إلا الشَّیبَ والصلعَا " ا.هـ

 [ العقد الفرید 821 ]

وقال الصفدی - المتوفى سنة 764 هـ - فی كتابه ( الوافی بالوفیات ) فی ترجمة خلف الأحمر : " خلف الأحمر الشاعر صاحب البراعة فی الآداب، یكنى أبا محرز ، مولى بلال بن أبی بردة ، حمل عنه دیوانه أبو نواس ، وتوفی فی حدود الثمانین ومائة. وكان راویة ثقة علاّمة، یسلك الأصمعی طریقه ویحذو حذوه حتى قیل: هو معلِّم الأصمعی ، وهو و الأصمعی فتَّقا المعانی، وأوضحا المذاهب، وبیَّنا المعالم، ولم یكن فیه ما یعاب به إلا أنه كان یعمل القصیدة یسلك فیها ألفاظ العرب القدماء، وینحلها أعیان الشعراء، كـ أبی داود ، و الإیادی ، و تأبَّط شراً ، و الشنفری وغیرهم، فلا یفرَّق بین ألفاظه وألفاظهم، ویرویها جلَّة العلماء لذلك الشاعر الذی نحله إیّاها، فمّما نحله تأبَّط شرّاً وهی فی الحماسة من الرمل:

إنّ بالشِّعب الذی دون سلعٍ                 لقتیلاً دمه لا یطلُّ

ومما نحله الشّنفری القصیدة المعروفة بلامیة العرب وهی من الطویل:

أقیموا بنی أمی صدور مطیِّكم           فإنی إلى قومٍ سواكم لأمیل

..... قال خلف الأحمر : أنا وضعت على النابغة القصیدة التی منها: من البسیط

خیل صیامٌ وخیلٌ غیر صائمةٍ         تحت العجاج وأخرى تعلك اللُّجما

وقال أبو الطیب اللّغوی : كان خلف الأحمر یصنع الشعر وینسبه إلى العرب ، فلا یعرف. ثم نسك، وكان یختم القرآن كلّ یوم ولیلة . ". اهـ

ومثل ذلك ذكره یاقوت الحموی - المتوفى سنة 626 هـ - فی كتابه ( معجم الأدباء ) ( 4 / 179 ) فی ترجمة خلف الأحمر .

ونقل أبو الحسن الجرجانی – المتوفى سنة 392 هـ - فی كتابه ( الوساطة بین المتنبی وخصومه ) ص24 - وهو یناقش من یعترض علیه بأن شعر المتقدمین كان فیه من متانة الكلام، وجزالة المنطق وفخامة الشعر، ما یصعب معه أن ینسج على منواله، ولو حاول أحد أن یقول قصیدة أو یقرضَ بیتاً یُقارب شعر امرئ القیس و زهیر ، فی فخامته، وقوة أسْره، وصلابة معجَمه لوجده أبعد من العیّوق مُتناولاً، وأصعبَ من الكبریت الأحمر مطلباً ؟ .

فرد على المعترض قائلا: " أحلتك على ما قالت العلماء فی حمّاد و خلَف و ابن دأْب وأضرابِهم، ممن نحلَ القدماءَ شعره فاندمج فی أثناء شعرهم، وغلب فی أضعافه، وصعُب على أهل العنایة إفرادُه، وتعسّر، مع شدة الصعوبة حتى تكلّف فلْی الدواوین، واستقراءُ القصائد فنُفِی منها ما لعلّه أمتن وأفخم، وأجمع لوجوه الجوْدة وأسباب الاختیار مما أثبت وقُبِل " .

[ راجع الأعلام 2 / 358. معجم البلدان 11 / 64. أنباء الرواة 1 / 348. الفهرست ص / 50. طبقات الشعراء ص /147 ]

وإنما أوردنا كل هذه النقولات لنثبت أن وقوع النحل فی شعر العرب أمر وارد وحاصل،  وقد أوردنا لك كلام المتقدمین، الذین عرفوا كلام العرب وأشعارهم، وسبقوا المحدثین والمستشرقین، أما المعاصرون، فقد قال الأستاذ محمد أبو الفضل فی مقدمة دراسته عن امرئ القیس وشعره: " استفاضت أخباره على ألسنة الرواة، وزخرت بها كتب الأدب والتراجم والتاریخ، ونسجت حول سیرته القصص، وصیغت الأساطیر، واختلط فیها الصحیح بالزائف، وامتزج الحق بالباطل، وتناول المؤرخون والأدباء بالبحث والنقد والتحلیل، وخاصة فی العصر الحدیث ... وفی جمیع أطوار حیاته منذ حداثته وطراءة سنه، إلى آخر أیامه، قال الشعر وصاغ القریض ... وأصبح عند الناس قدر وافر من قصیده، فنحلوه كل شعر جهل قائله، أو خمل صاحبه، من جید یعسر تمییزه عن شعره، وردیء سفساف مهلهل النسج، سقیم المعنى، وللعلماء من القدماء حول هذا الشعر وتحقیق نسبته إلیه أقوال معروفة مشهورة " اهـ [ امرؤ القیس ص 6 ]

فلو نسبت الأبیات التی هی موضع الشبهة إلى امرىء القیس دون سند أو برهان، فلا شك حینئذ فی أنها منحولة ومكذوبة علیه، ومع ذلك فإنه حتى فی المنحول الذی یذكره من جمع شعر امرئ القیس وما نحل علیه لا تذكر هذه الأبیات .

الوجه السادس: أن بعض الأبیات السابقة منسوبة بالفعل إلى غیر امرئ القیس ، قال الذهبی – المتوفى سنة 748 هـ - فی تاریخ الإسلام فی ترجمة " محمد بن محمد بن عبد الكریم بن برز – المعروف بمؤید الدین القمی - ": " وكان كاتبًا سدیدًا بلیغًا وحیدًا ، فاضلاً، أدیبًا، عاقلاً، لبییًا، كامل المعرفة بالإنشاء، مقتدرا على الارتجال ... وله ید باسطة فی النّحو واللّغة، ومداخلةٌ فی جمیع العلوم، إلى أن قال: أنشدنی عبد العظیم بن عبد القویّ المنذری ، أخبرنا علیّ بن ظافر الأزدی ، أنشدنی الوزیر مؤیّد الدّین القمّی النائب فی الوزارة الناصریة، أنشدنی جمال الدّین النّحوی لنفسه فی قینة:

سمّیتها شجراً صدقت لأنّـهـا            كم أثمرت طرباً لقلب الواجد

یا حسن زهرتها وطیب ثمارها            لو أنّها تسقى بـمـاءٍ واحـد

وبه – یعنی بالإسناد السابق - قال: وأنشدنا لنفسه:

یشتهی الإنسان فی الصّیف  الشّتا            فإذا مـا جـاءه أنــكـــره

فهو لا یرضى بـعـیشٍ واحـدٍ           قتل الإنـسـان مـا أكـفـره " اهـ

فهذا الذهبی - وهو من المتقدمین - یروی البیتین السابقین بالسند منسوبین إلى غیر امرئ القیس ، على أن التیفاشی – وهو من كبار أدباء العرب توفی سنة 651 هـ - صاحب كتاب ( سرور النفوس بمدارك الحواس الخمسة ) ینسب البیتین [ ص 89 ] إلى یحیى بن صاعد ، قال: " یحیى بن صاعد :

یشتهی الإِنسانُ فی الصیفِ الشتا            فإذا جاء الـشـتـا أنـكـرَهُ

فهو لا یرضـى بـحـالٍ أبـداً               قُتِلَ الإنـسـانُ مـا أكـفـره " ا.هـ

وأیا كان الأمر، فإن التیفاشی و الذهبی متقدمان على المناوی ، وقد نسبا كما رأیت البیتین إلى غیر امرئ القیس .

الوجه السابع: أن بعض المفسرین أنكر هذین البیتین صراحة ، قال محمود الألوسی رحمه الله فی تفسیر قوله تعالى: { قتل الإنسان ما أكفره } :" قال الإمام – أی الرازی - إن الجملة الأولى تدل على استحقاقهم أعظم أنواع العقاب عرفًا، والثانیة تنبیه على أنهم اتصفوا بأعظم أنواع القبائح والمنكرات شرعا، ولم یسمع ذلك قبل نزول القرآن، وما نسب إلى امرئ القیس من قوله:

یتمنى المرء فی الصیف الشتا        فإذا جاء الشتا أنكره

فهو لا یرضى بحال واحد              قتل الإنسان ما أكفره

لا أصل له، ومن له أدنى معرفة بكلام العرب لا یجهل أن قائل ذلك مولد أراد الاقتباس لا جاهلی " اهـ [ روح المعانی 30 / 44 ] فانظر إلى كلام من ذاق أشعار العرب، وألف أسالیبهم، حیث لم یخف علیه ركاكة الألفاظ وضعف السبك .

الوجه الثامن: أن المتقدمین من أهل اللغة والأدب كانوا یعكسون القضیة، فكانوا یذكرون الآیات القرآنیة التی اقتبسها الشعراء من القرآن، وضمنوها شعرهم، فهذا ابن داود الظاهری الأصفهانی - وهو من أعلم الناس بأشعار العرب، كما أنه متقدم توفی سنة 227هـ - قد عقد فی كتابه ( الزهرة ) فصلاً لما استعانت به الشعراء من كلام الله تعالى، وكان مما ذكر قوله سبحانه { إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض أثقالها } وأن الخنساء ضمنته فی أبیات لها فقالت:

أبعدَ ابن عمرو من آل الشّرید         حلَّتْ به الأرضُ أثقالها

فخر الشّوامِـخُ من فَقْدِه                وزُلزلتِ الأرضُ زلزالها

وهذا مما یدل على أن أول من نطق بهذه العبارة هو القرآن الكریم، لأنه لو كان امرؤ القیس قد قالها قبل القرآن الكریم، لما كان للفصل الذی عقده فائدة، ولكانت الخنساء قد ضمنت أبیات امرئ القیس فی شعرها، لا آیات القرآن الكریم، ولكان القرآن الكریم نفسه قد ضمن أبیات امرأ القیس ، لكن لأن الأبیات الثلاثة المنحولة على امرئ القیس والتی سبق ذكرها أول البحث، وأولها:

إذا زلزلت الأرض زلزالها        وأخرجت الأرض أثقالها

لكون تلك الأبیات لا وجود لها فی عصر ابن داود الظاهری ، لم یذكرها أو یشر إلیها، بل كان الفصل الذی عقده فی الآیات القرآنیة التی استعان بها الشعراء .

الوجه التاسع: أن غایة ما ذكر فی كتب بعض المتقدمین مما نحل على امرئ القیس ، وذكر لفظه فی القرآن الكریم، ما نسب إلیه من قوله:

أنا منْ قومٍ كرامٍ         یطعمونَ الطیباتِ

بجفانٍ كالجوابی          وقدورٍ راسیاتِ

هذان هما البیتان الوحیدان اللذان ذكرهما بعض المتقدمین منسوبین إلى امرئ القیس ، ومع ذلك فقد أنكروهما وشككوا فی صحة نسبتهما إلیه، فذكر ابن أبی الأصبع - المتوفى سنة 654 هـ - فی كتابه ( تحریر التحبیر فی صناعة الشعر والنثر ) ص486 عندما تكلم عن الإیداع أو التضمین، وما قیل من وقوع ذلك فی القرآن الكریم فی قوله تعالى: { یعملون له ما یشاء من محاریب وتماثیل وجفان كالجواب وقدور راسیات } (سبأ:13) قال: " على أن بعض الرواة ذكر أنه وضعه بعض الزنادقة، وتكلم على الآیة الكریمة، وأن امرأ القیس لم یصح أنه تلفظ به " .

ونقل عبد الرحیم العباس - المتوفى 963 هـ - فی كتابه: ( معاهد التنصیص على شواهد التلخیص ) ص 2297 – قول ابن أبی الأصبع ، وأقره ثم أعقبه بقوله: " قلت: وقد تصفحت دیوانه على اختلاف رُواته، فلم أجد فیه قصیدة على هذا الوزن والروی " اهـ .

فهذه كتب الأدباء والعلماء، وأساطین اللغة والشعر الذی اطلعوا على أشعار العرب ودواوین امرئ القیس حتى نهایة القرن العاشر الهجری، لا ینسبون إلى امرئ القیس أی شیء من هذا القبیل، ولو أنهم اطلعوا على غیرها من الأبیات لذكروه، سواء صحت نسبته أم لم تصح .

الوجه العاشر: أن أی نقد یوجه إلى شیء من الأبیات المنسوبة إلى امرئ القیس ، یوضح ضعف سبكها، وتهلهل نسجها، وسقم معناها، وسخف بعض التراكیب فیها، فالبیت الذی فیه:

اقتربت الساعة وانشق القمر      من غزال صاد قلبی ونفر

ما المراد بالساعة واقترابها، إن كان المراد بالساعة یوم القیامة، فالجاهلیون لم یكونوا یؤمنون بالمعاد، فضلا عن أن یذكروه فی أشعارهم أو یضعوه فی قصائدهم، وإن كان المراد ساعة لقاء الحبیبة كما یزعم البعض، فما المراد حینئذ بقوله ( وانشق القمر ) فإن كان المراد انشقاق القمر فعلاً، فهذا كذب، إذ لم ینشق القمر فی عهدهم أبدًا، بل انشق على عهد النبی صلى الله علیه وسلم كما جاءت بذلك الروایات، وإن كان المراد بالقمر ذكر المحبوبة، فلیس من عادة العرب التعبیر عن جمال المحبوبة بانشقاق القمر، وأی جمال فی انشقاق القمر إذا انشق، وما وجه الحسن فی انشقاقه لیشبه به المحبوبة، وقد دأب العرب على تشبیه حسن النساء بالبدر حین اكتماله، لا بانشقاق القمر، ثم انظر إلى ركاكة الأسلوب فی البیت السابق وقارنه بقول امرئ القیس فی معلقته:

قفا نبك من ذكرى حبیب ومنزل      بسقط اللوى بین الدخول فحومل

فتوضح فالمقراة لم یعف رسمها       لما نسجتها من جنوب وشمأل

وقوله:

مكر مفر مقبل مدر معا             كجلمود صخر حطه السیل من عل

وقوله:

ألا عم صباحا أیها الطلل البالی     وهل یعمن من كان فی العصر الخالی

بل قارن الأبیات التی هی موضع الشبهة، والتی ذكرت أول البحث، بما ثبت نحله على امرئ القیس ، وجزم بأنه لیس من قوله، مثل:

ترى القنة الحقباء منها كأنها           كمیت یبارى رعلة الخیل فارد

ومثل:

وآلیت لا أعطی ملیكا مقادتی         ولا سوقة حتى یئوب ابن مندله

ومثل:

فجعت به فی ملتقى الحی خیله         تركت عناق الطیر تحجل حوله

وإذا قرأت الأبیات السابقة، والتی ثبت أنها منحولة على امرئ القیس ، علمت أن الأبیات التی هی موضع الشبهة مكذوبة لا شك فی ذلك، وأنها من أردأ المنحول .

الوجه الحادی عشر: أن البیت الذی فیه:

مر یوم العید بی فی زینة         فرمانی فتعاطى فعقر

یظهر منه ركاكة الأسلوب، فإن قوله: ( فتعاطى ) جاء بعد قوله: ( فرمانی ) فإذا كان قد رماه، فأی شیء تعاطاه، والتعاطی هو تناول الشیء، فلماذا یتعاطى شیئا بعد أن رماه، وكان المفترض أن یتعاطى شیئا ثم یرمیه به، لا أن یرمیه ثم یتعاطى، وقد جاء بعد هذا البیت:

بسهام من لحاظ

أی أنه قد رماه بسهام من سهام العیون، وإذا كان الأمر كذلك، فما فائدة قوله: ( فتعاطى فعقر ) إلا الزیادة فی قبح الأسلوب ورداءة المعنى، على أن العقر إن أرید به الذبح فإنه لا یأتی فی اللغة إلا فی الناقة والخیل، یقال: عقرت الناقة، وعقرت الخیل، ولا یقال عقر بمعنى ذبح إلا فی الناقة والخیل. وإن أرید به الجرح، فإن البیت موضوع أصلا للدلالة على الرمی المعنوی بسهام العیون، لا على الرمی الحقیقی بآلة أو نحو ذلك، وأیا ما كان الأمر فإن ضعف الأسلوب وركاكة التعبیر تخجل من نسبة هذا الشعر إلى شاعر مولد فضلاً عن شاعر عربی جاهلی .

الوجه الثانی عشر: أن البیت الذی فیه:

بسهام من لحاظ فاتك          فر عنی كهشیم المحتظر

فیه ركاكة وخلل تركیب واضحین، فقوله: ( كهشیم المحتظر ) لا معنى له فی البیت، فإن ( هشیم المحتظر ) هو حشیش الحظائر البالی الذی تدوسه الأغنام بأقدامها، أو هو العظام المحترقة، أو التراب المتناثر من الحائط كما جاء فی تفسیرها [ انظر تفسیر الطبری 11 / 561 ] فأی علاقة بین ذلك وبین فراره عنه، وما وجه الشبه، وهل یفر وهو كشیهم المحتظر ؟ أم كان الأولى به أن یهلك ویموت إذا صار كهشیم المحتظر، وقارن بین ضعف التشبیه هنا، وقوته فی قوله تعالى: { إنا أرسلنا علیهم صیحة واحدة فكانوا كهشیم المحتظر } (القمر:31) .

الوجه الثالث عشر: أن المناوی رحمه الله صاحب فیض القدیر، لم تكن له عنایة فی كتابه ذلك إلا بشرح أحادیث الجامع الصغیر، فلم یعتن بجمع الشعر أو نسبته، أو تمحیص روایاته، وكتابه ( فیض القدیر ) لیس كتابا معتمدًا فی نقل الشعر أو نسبته، وإنما هو كتاب فی شرح الحدیث، هذا فضلاً عن كونه من المتأخرین، حیث توفی سنة 1029 هـ، فكیف یصبح كلامه مقدما على كلام من سبقه من أساطین اللغة، وعلماء الأدب والبلاغة، ولا شك فی أن نسبته لتلك الأبیات إلى امرىء القیس خطأ محض، كما سبق بیانه، ولهذا لا یذكر لها سندًا أو عزوًا أو مصدرًا .

الوجه الرابع عشر: أن البیت الذی ذكره المناوی ، وهو:

اقتربت الساعة وانشق القمر      من غزال صاد قلبی ونفر

غیر مستقیم من ناحیة الوزن الشعری، فالشطر الأول مكسور، إلا لو أبدلنا ( اقتربت ) بـ ( دنت )، وحینئذ یتبین أن المناوی لم یكن على عنایة فی كتابه بذكر الشعر أو تحقیقه، لا سیما وأن البیت الذی فیه:

إذا زلزلت الأرض زلزالها      وأخرجت الأرض أثقالها

لا یستقیم فی میزان الشعر ألبتة، فالتاء زائدة وكاسرة للوزن، ولیس هناك روایة مكذوبة أخرى لتصحح هذا الخلل، مما یدلك على أن أصل نسبة تلك الأبیات إلى امرئ القیس ، محض خطأ أو كذب .

الوجه الخامس عشر: أن الأبیات الثلاثة التی ذكرها المناوی ، وهی:

إذا زلزلت الأرض زلزالها         وأخرجت الأرض أثقالها

 تقوم الأنام على رسلها       لیوم الحساب ترى حالها

 یحاسبها ملك عادل                   فإما علیها وإما لها

لا یمكن أن تصدر من امرئ القیس ، فلیس هی من معهود شعره، كما أن أهل الجاهلیة لم یكونوا یؤمنون بالبعث، فضلاً عن أن یذكروا تفاصیل إخراج الأرض لأثقالها وقیام الأنام لربها، مع حضور الرسل لیوم الحساب، إضافة إلى مشهد حساب الله تعالى للخلائق، إلا ما نقل عن الحنفاء الذین عرف اتصالهم بأهل الكتاب، ووجد فی شعرهم شیئ من ذلك كـ أمیة بن أبی الصلت ، و زید بن عمرو بن نفیل ، و امرئ القیس لیس منهم قطعًا .

الوجه السادس عشر: أن البیتین المنسوبین إلیه، والذین ذكرهما المناوی ، وهما:

یتمنى المرء فی الصیف الشتاء     حتى إذا جاء الشتاء أنكره

 فهو لا یرضى بحال واحد                     قتل الإنسان ما أكفره

فی هذین البیتین خلل من ناحیة الوزن الشعری، وبیانه أن كل أشطار البیتین من بحر الرمل، إلا الشطر الثانی من البیت الأول، فهو من بحر الرجز، ولا یمكن أن یقع هذا من مثل امرئ القیس ، اللهم إلا إذا أخذنا بالروایة التی ذكرها الذهبی فی ( تاریخه ) والتی نسب فیها البیتین إلى غیر امرئ القیس ، أو الروایة التی ذكرها التیفاشی ، فحینئذ یستقیم البیت على بحر الرمل .

الوجه السابع عشر: أن كفار قریش كانوا أعلم الناس بأشعار العرب، وأحفظهم له، وأعرفهم بمداخله ومخارجه، وقد كانوا مع ذلك أحرص الناس على بیان كذب النبی صلى الله علیه وسلم، وأنه ما هو إلا ساحر أو كاهن أو شاعر، ومع ذلك كله لم یقل له أحد منهم: إن ما جئت به یشبه شعر امرئ القیس أو أحد غیره، فضلاً عن أن یقول له: إن ما جئت به مقتبس من شعر من سبق، وإذا كانوا قد ادعوا أن النبی صلى الله علیه وسلم شاعر، ورد الله تعالى علیهم بقوله: { وما هو بقول شاعر قلیلا ما تؤمنون } فلم یستطیعوا تكذیب كلام الله تعالى، ولم یقدروا على أن یأتوا بدلیل على كلامهم إلا التهویش والتكذیب، ولو كان ذلك الشعر من كلام امرئ القیس ، لكان كفار قریش وصنادید الكفر أول من یستعین به فی رد كلام الله تعالى .

الوجه الثامن عشر: أن الولید بن المغیرة شهد على نفسه وقومه من قبل بأن القرآن الكریم لیس من جنس شعر العرب، فضلاً عن أن یكون مقتبسا منه، قال الولید : " والله ما فیكم رجل أعلم بالأشعار منی، ولا أعلم برجز ولا بقصیدة منی، ولا بأشعار الجن، والله ما یشبه الذی یقول شیئا من هذا " وإذا كان كذلك علم أن الأبیات السابقة مكذوبة لا محالة .

وقال ضماد بن ثعلبة الأزدی لرسول الله صلى الله علیه وسلم كما فی ( صحیح مسلم ): " لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء ولقد بلغن ناعوس البحر " .

وفی قصة عتبة بن ربیعة حین جاء یفاوض النبی صلى الله علیه وسلم على أن یترك دعوته ویعرض علیه المال والملك والسلطان، فقرأ علیه صلى الله علیه وسلم شیئاً من القرآن، فلما رجع إلى قومه وجلسوا إلیه قالوا: ما وراءك یا أبا الولید ؟ قال: ورائی أنی والله قد سمعت قولاً ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا الكهانة، یا معشر قریش، أطیعونی واجعلوها بی، خلوا بین هذا الرجل وبین ما هو فیه، واعتزلوه، فوالله لیكونن لقوله الذی سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفیتموه بغیركم، وإن یظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله یا أبا الولید بلسانه، قال: هذا رأیی لكم فاصنعوا ما بدا لكم .

ولما بلغ أبا ذر مبعث النبی صلى الله علیه وسلم بمكة قال لأخیه اركب إلى هذا الوادی فاعلم لی علم هذا الرجل الذی یزعم أنه یأتیه الخبر من السماء، فاسمع من قوله ثم ائتنی، فانطلق أخوه حتى قدم مكة وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبی ذر فقال: رأیته یأمر بمكارم الأخلاق، وكلاما ما هو بالشعر، فقال: ما شفیتنی فیما أردت فتزود وحمل شنة له فیها ماء حتى قدم مكة لیسمع منه، ثم أسلم رضی الله عنه .

الوجه التاسع عشر: أنه على فرض صحة نسبه تلك الأبیات إلى امرئ القیس ، فإن القرآن الكریم لم ینزل بالعبریة أو السریانیة، بل نزل بلغة العرب، وإذا كان كذلك فلا غضاضة فی أن یحصل تشابه فی بعض الكلمات أو التراكیب، إذ القرآن الكریم نزل لیتحدى كفار قریش، قائلا لهم: إنكم تنطقون بهذه الأحرف، وتقولون تلك الكلمات، لكنكم مع ذلك عاجزون عن أن تأتوا بمثل القرآن من جهة القوة والإحكام والإتقان، والتشابه فی بعض الكلمات والتراكیب لا یعنی الاقتباس والنقل كما هو معلوم .

الوجه العشرون: على فرض صحة نسبة تلك الأبیات إلى امرئ القیس ، فإنها لا تتعدى مع المكذوب منها عشرة أبیات، فلو سلمنا جدلا بأن القرآن اقتبس فی عشر آیات منه، من عشرة أبیات، فمن أین أتى القرآن بأكثر من ستة آلاف آیة أخرى !!!

ونقول أخیرًا – وهو الوجه الحادی والعشرون –: إن هذه الفریة لیست ولیدة الیوم، فقد بدأت أصداؤها منذ بدایة القرن التاسع عشر المیلادی، حین نشرت الجمعیة الإنجلیزیة المكلفة بالدعوة إلى النصرانیة كتابًا بعنوان ( تنویر الأفهام ) وقد كتب ذلك الكتاب أحد الحاقدین على الإسلام وأهله، وضمن كتابه الأبیات التی ذكرناها أول المقال، ونسبها إلى امرئ القیس ، ثم ادعى بعد ذلك أن القرآن الكریم قد اقتبس من تلك الأبیات .

ونص الأبیات التی لفقها على امرئ القیس :

دنت الساعة وانشق القمر              عن غزال صاد قلبی ونفر

أحور قد حرت فی أوصافه               ناعس الطرف بعینیه حور

مر یوم العید فی زینته                      فرمانی فتعاطى فعقر

بسهام من لحاظ فاتك                  فتركنی كهشیم المحتظر

وإذا ما غاب عنی ساعة                كانت الساعة أدهى وأمر

كتب الحسن على وجنت      بسحیق المسك سطرًا مختصر

عادة الأقمار تسری فی الدجى     فرأیت اللیل یسری بالقمر

بالضحى واللیل من طرته فرقه            ذا النور كم شیء زهر

قلت إذ شق العذار خده              دنت الساعة وانشق القمر

[ انظر مجلة المنار 7/3/101 ]

وقد تنبه العلامة محمد رشید رضا رحمه الله لهذه الفریة، وردها بالأدلة والبراهین، ونحن ننقل شیئا من كلامه لأهمیته، قال رحمه الله: " لولا أن فی القراء بعض العوام، لما كنت فی حاجة إلى التنبیه على أن هذه القصیدة یستحیل أن تكون لعربی، بل یجب أن تكون لتلمیذ أو مبتدئ ضعیف فی اللغة من أهل الحضر المخنثین عشاق الغِلمان، فهی فی ركاكة أسلوبها وعبارتها وضعف عربیتها وموضوعها، بریئة من شعر العرب لا سیما الجاهلیین منهم، فكیف یصح أن تكون لحامل لوائهم، وأبلغ بلغائهم .

وهب أن امرأ القیس زیر النساء كان یتغزل بالغلمان - وافرضه جدلاً - ولكن هل یسهل علیك أن تقول: إن أشعر شعراء العرب صاحب ( قفا نبك من ذكرى حبیب ومنزل ) یقول: أحور قد حرت فی أوصافه ناعس الطرف بعینیه حور، وتضیق علیه اللغة فیكرر المعنى الواحد فی البیت مرتین؛ فیقول: أحور بعینیه حور .

أتصدق أن عربیا یقول: انشق القمر عن غزال، وهو لغو من القول ؟ وما معنى: دنت الساعة فی البیت ؟ وأی عید كان عند الجاهلیة یمر فیه الغلمان متزینین ؟ وهل یسمح لك ذوقك بأن تصدق أن امرأ القیس یقول: فرمانی فتعاطى فعقر، وأی شىء تعاطى بعد الرمی، والتعاطی: التناول ... وهل یقول امرؤ القیس : لحاظ فاتك ؟ فیصف الجمع بالمفرد .

وهل یشبّه العربی طلوع الشعر فی الخد بالسُرى فی اللیل ؟ مع أنه سیر فی ضیاء كالنهار ؟

وكیف تفهم وتعرب قوله:

بالضحى واللیل من طرته فرقه         ذا النور كم شیء زهر

وهل یقول عربی، أو مستعرب فصیح فی حبیبه: إن العذار شق خده شقًّا ؟!

.... بعد هذه الإشارات الكافیة فی بیان أن الشعر لیس للعرب الجاهلیین، ولا للمخضرمین، وإنما هو من خنوثة وضعف المتأخرین، أسمح لك بأن تفرض أنه لـ امرىء القیس إكرامًا واحترامًا للمؤلف – أی مؤلف كتاب ( تنویر الأفهام ) - ولكن هل یمكن لأحد أن یكرمه ویحترمه فیقول: إن الكلمات التی وضع لها العلامات هی عین آیات القرآن ؟ .... ولیس فی القرآن ( فرمانی فتعاطى فعقر ) وقد ذكرنا لك الآیة آنفًا، وقوله: ( تركنی كهشیم المحتظر ) مثله، وإنما الآیة الكریمة: { إنا أرسلنا علیهم صیحة واحدة فكانوا كهشیم المحتظر } (القمر:31) فالمعنى مختلف والنظم مختلف، ولیس فی البیت إلا ذكر المشبه به، وهو فیه فی غیر محله؛ لأن تشبیه الشخص الواحد بالهشیم یجمعه صاحب الحظیرة لغنمه لا معنى له، وإنما یحسن هذا التشبیه لأمة فُنیت وبادت كما فی الآیة ... ولیس فی القرآن أیضًا: كانت الساعة أدهى وأمر، وإنما فیه { سیهزم الجمع ویولون الدبر * بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر } (القمر:45-46)فههنا وعیدان شرهما الساعة المنتظرة فصح أن یقال: إنها أدهى وأمر، ولیس فی البیت شیء یأتی فیه التفضیل على بابه .

واعلم أن هذا الشعر من كلام المولدین المتأخرین هو أدنى ما نظموا فی الاقتباس، ولم ینسبه إلى امرئ القیس إلا أجهل الناس .

ثم إن المعنى مختلف، والنظم مختلف، فكیف یصح قول المؤلف – أی مؤلف كتاب ( تنویر الأفهام ) -: إن هذه الكلمات من آیات القرآن، وإنها لا تختلف عنها فی المعنى، ولو فرضنا أن هذه الكلمات العربیة استعملت فی معنى سخیف فی الشعر لیس فیه شائبة البلاغة، ثم جاءت فی القرآن العربی بمعان أخرى وأسلوب آخر، وكانت آیات فی البلاغة كما أنها فی الشعر عبرة فی السخافة، فهل یصح لعاقل أن یقول: إن صاحب هذا الكلام البلیغ فی موضوع الزجر والوعظ مأخوذ من ذلك الشعر الخنث فی عشق الغلمان، وأن المعنى واحد لا یختلف ؟

فمن كان معتبرا باستنباط هؤلاء الناس وتهافتهم فی الطعن والاعتراض على القرآن فلیعتبر بهذا، ومن أراد أن یضحك من النقد الفاضح لصاحبه، الرافع لشأن خصمه فلیضحك، ومن أراد أن یزن تعصب هؤلاء النصارى بهذا المیزان فلیزنه، وإنه لیرجح بتعصب العالمین ." اهـ [ مجلة المنار 7 / الجزء 5 / ص 161 ]

وختامًا، فإن أی محاولة للتشكیك فی إعجاز القرآن وبلاغته، إنما هی محاولة فاشلة یائسة، فقد اجتمع فی كفار قریش أقوى عاملین للتشكیك فی القرآن الكریم، العامل الأول: كونهم أهل اللغة العربیة، وفیهم فطاحل الشعراء والخطباء، والعامل الثانی: رغبتهم الجامحة فی إطفاء نور الله تعالى والصد عن سبیله .

ومع ذلك كله، لم یستطیعوا أن یخفوا أو ینكروا إعجاز القرآن وبلاغته وقوته، بل نسبوا إعجازه إلى ما لا یحسنه كل أحد كالسحر والكهانة، فأی تشكیك بعدهم فی بلاغة القرآن الكریم وإعجازه، إنما هو ضرب من الكذب والهذیان، إذ إن أولى الناس بهذا التشكیك – وهم كفار قریش – وقفوا حائرین أمام عبارات القرآن وآیاته، فكیف بالمولدین بعدهم ممن لا یحسن أحدهم إعراب جملة، أو بناء قصیدة، فضلاً عن أن یعارض معلقة من المعلقات المشهورة { والله متم نوره ولو كره الكافرون } (الصف:8).




موضوعات وبلاگ: العصر الجاهلی، 
ارسال توسط كشاورز
صفحه نخست //// لیست مقالات
(تعداد کل صفحات:3)      [1]   [2]   [3]  

آرشیو مطالب
نظر سنجی
آیا با شیوه جدید برگزاری امتحان دکتری موافقید ومعتقدید در این شیوه عدالت بهتر رعایت می شود؟




صفحات جانبی
پیوند های روزانه