بازدید : مرتبه
تاریخ : جمعه 9 اردیبهشت 1390
محمد عبد الرضا شیاع
تُعَدُّ نازك الملائكة المولودة فی العراق عام (1923) رائدة الشّعر العربیّ المعاصر (الشّعر الحرّ) أو (قصیدة التّفعیلة) بامتیاز، ولا ینازعها فی هاته الرّیادة سوى الشّاعر العراقیّ بدر شاكر السّیّاب (1927-1964)، إذ تُعَدُّ قصیدة (الكولیرا) التی كتبتها نازك والمنشورة عام 1947 نقطة البدایة والانطلاق للشّعر العربیّ المعاصر، ولعلّ عنوان القصیدة یدلّ على المناسبة التی قیلت فیها، وكأنّها علامة دالّة على ظاهرة الحزن التی واكبت شعر نازك الملائكة بشكل خاصّ والشّعر العربیّ المعاصر بشكل عام.
تُعَدُّ نازك الملائكة المولودة فی العراق عام (1923) رائدة الشّعر العربیّ المعاصر (الشّعر الحرّ) أو (قصیدة التّفعیلة) بامتیاز، ولا ینازعها فی هاته الرّیادة سوى الشّاعر العراقیّ بدر شاكر السّیّاب (1927-1964)، إذ تُعَدُّ قصیدة (الكولیرا) التی كتبتها نازك والمنشورة عام 1947 نقطة البدایة والانطلاق للشّعر العربیّ المعاصر، ولعلّ عنوان القصیدة یدلّ على المناسبة التی قیلت فیها، وكأنّها علامة دالّة على ظاهرة الحزن التی واكبت شعر نازك الملائكة بشكل خاصّ والشّعر العربیّ المعاصر بشكل عام.
ادامه مطلب
موضوعات وبلاگ: العصر الحدیث، نازک الملائکة،
ارسال توسط كشاورز
بازدید : مرتبه
تاریخ : شنبه 23 بهمن 1389
ان الكتابة عن جبل شامخ ونخلة باسقة كالرائدة ، شاعرة العراق والعرب الاولى ، الشاعرة والناقدة نازك الملائكة ، لها هیبتها ورهبتها ... فان تراثها الادبی وحیاتها من الثراء بحیث لا تكفیه كل المقالات التی صدرت والتی ستصدر . ولا ازعم اننی سآتی بجدید وغریب عما كتبه المختصون والمحبون ، لكننی سأكتب عنها كأمراة ومبدعة فی آن واحد
ومما افخر واعتز به حقا اننی التقبت شخصیا عملاقی الشعر العربی الحدیث : الفقیدة نازك الملائكة ، والفقید الجواهری الكبیر فی ازمان وظروف مختلفة .لم اتحدث معها فی شؤون الادب والثقافة ، فقد كان لقاءا قصیرا كنت فیه مشدودة الاعصاب والفكر ، واعیش مشاعر من نوع خاص .. أحقا انا امام قامة من قامات الادب العربی ..؟ لقد رأیت بام عینی بساطتها اللامحدودة ومیلها للعزلة ... وهذا اهم ما اتذكره من لقائی القصیر معها صیف 1981
وكالكثیرین ، راعنی مشهد تشییعها الفقیر الذی لایلیق ابدا بحجمها وحجم ثورتها الشعریة ، وعسى ان یكون هذا تنفیذا لرغبتها ، فالزهد والابتعاد عن القشور كانا من اهم صفاتها .. بل لعل ذلك كان طریقتها فی رفض ما آل الیه حال وطنها ,العراق وحال الاوطان العربیة الاخرى التی لا تقدر الثقافة واهلها الاّ متى انضموا الى جوقة المطبلین لحكامها .. وهذا ما لم تفعله شاعرتنا ابدا فقد عاشت وماتت عزیزة الجانب وقریبة من نبض الثقافة
ومما افخر واعتز به حقا اننی التقبت شخصیا عملاقی الشعر العربی الحدیث : الفقیدة نازك الملائكة ، والفقید الجواهری الكبیر فی ازمان وظروف مختلفة .لم اتحدث معها فی شؤون الادب والثقافة ، فقد كان لقاءا قصیرا كنت فیه مشدودة الاعصاب والفكر ، واعیش مشاعر من نوع خاص .. أحقا انا امام قامة من قامات الادب العربی ..؟ لقد رأیت بام عینی بساطتها اللامحدودة ومیلها للعزلة ... وهذا اهم ما اتذكره من لقائی القصیر معها صیف 1981
وكالكثیرین ، راعنی مشهد تشییعها الفقیر الذی لایلیق ابدا بحجمها وحجم ثورتها الشعریة ، وعسى ان یكون هذا تنفیذا لرغبتها ، فالزهد والابتعاد عن القشور كانا من اهم صفاتها .. بل لعل ذلك كان طریقتها فی رفض ما آل الیه حال وطنها ,العراق وحال الاوطان العربیة الاخرى التی لا تقدر الثقافة واهلها الاّ متى انضموا الى جوقة المطبلین لحكامها .. وهذا ما لم تفعله شاعرتنا ابدا فقد عاشت وماتت عزیزة الجانب وقریبة من نبض الثقافة
ادامه مطلب
موضوعات وبلاگ: نازک الملائکة، الشعر الحر، العصر الحدیث،
ارسال توسط كشاورز
بازدید : مرتبه
تاریخ : جمعه 29 بهمن 1389
انها ریحانة ادیم العراق الزاكی وكوكب بغداد الحلم ، تلك الروح الملائكیة الحنین الى الغد ، الى القادم ، الى الذی یأتی من روعة الاصرار والكفاح الدؤوب فی دروب الحریة الرحبة . انها فخر المرأة العراقیة مثلما هی فخر الرجل العراقی المتنور ، تلك هی الشاعرة نازك الملائكة .
مرة اخرى تحوم ظلالها الوارفة على ارواحنا لترفل بالمعانی السامیة والقصائد المؤتلقة فوانیس فی دروب جیل قادم یتشبث بصاریة المجد وسط حرائق الأعداء والنبل رغم الغدر وعشق الجمال والشعر رغم الحقد والكراهیة .
مرة اخرى تطل صورتها جوریة على نافذة صباح حالم بالأمن للجمیع ، لحنا فی زاویة هادئة لكل القلوب الطیبة ، رفرفة حمائم على زرقة فاتنة ، هلالا على لیلة عید للعراقیین ولبنی الانسان فی كل مكان.
ادامه مطلب
موضوعات وبلاگ: نازک الملائکة،
ارسال توسط كشاورز
بازدید : مرتبه
تاریخ : چهارشنبه 28 مهر 1389
لقد شهد تاریخ الشعر العربی صراعاً بین مفاهیم قدیمة وأخرى حدیثة منذ وقت مبكر، وما موقف أبی نواس من شعر الأقدمین، وجدید أبی تمام وابن الرومی والمتنبی وأبی العلاء المعری وغیرهم، إلا نماذج لحالة وعی جدید، وإیذان بتغییر العصر، واستجابة لمتطلبات التغییر، ومن ثم فلا عجب أن ینشأ صراع بین تراث الأقدمین، وجدید المحدثین، وأن تظهر مصطلحات جدیدة تتجاوب أصداؤها مع هذا الصراع مثل (الأقدمون) و (المحدثون)و(المولدون) و( الاختراع) و( الإبداع) ،ومع أن لفظة (حداثة) موجودة فی المعجم العربی، وتعنی (الحدیث) فإنها لم تدخل ضمن مصطلحات النقاد الأقدمین لتعبیر عن التحولات الجدیدة التی أخذت تغزو الشعر العربی منذ القرن الثانی الهجری وبقیت اللفظة مشدودة إلى جذرها المعجمی (حدث)، ولم تكتسب دلالة أكثر مما فی المعجم، حتى بدأت تظهر مصطلحات جدیدة تقترب منها فی الدلالة المعجمیة، وتتجاوزها فی اكتساب ظلال نقدیة ودلالیة فرضتها الممارسات الأدبیة والنقدیة والإطلالات من النوافذ المشرعة على الثقافات الأجنبیة فی الثلث الثانی من هذا القرن، كالتجدید، والتحدیث، والمعاصرة، أما مصطلح (الحداثة) فلم یكتسب دلالاته النقدیة الجدیدة، ویتردد صداه المثقل بظلال الحركات الأدبیة فی الغرب، فی الكتابات النقدیة العربیة، إلا بعد ظهور حركة الشعر الحر، وثباتها فی وجه التیارات المضادة لها فی الخمسینیات والستینیات.
ولعل الشاعرة العراقیة نازك الملائكة، واحدة من تلك الكوكبة التی أثارت مواقفها التنظیریة لحركة الشعر الحر جدلاً طویلاً بین النقاد، فهی ترى (أن الشعر العربی) لم یقف بعد على قدمیه، بعد الرقدة الطویلة التی جثمت على صدره طیلة القرون المنصرمة الماضیة، فنحن عموماً أسرى تُسیّرنا القواعد التی وضعها أسلافنا فی الجاهلیة، ومازلنا نلهث فی قصائدنا ونجر عواطفنا المقیدة بسلاسل الأوزان القدیمة، وقرقعة الألفاظ المیتة، وسدى یحاول أفراد منا أن یخالفوا، فإذاك یتصدى لهم ألف غیور على اللغة، وألف حریص على التقالید الشعریة، التی ابتكرها واحد أدرك ما یناسب زمانه فجمدنا نحن ما ابتكر واتخذناه (سنّة).
وتقول أیضاً: (والذی أعتقده أن الشعر العربی یقف الیوم على حافة تطور جاف عاصف لن یبقی من الأسالیب القدیمة شیئاً، فالأوزان والقوافی والأسالیب والمذاهب ستتزعزع قواعدها جمیعاً، والألفاظ ستتسع حتى تشمل آفاقاً جدیدة واسعة من قوة التعبیر، والتجارب الشعریة (الموضوعات) ستتجه اتجاهاً سریعاً إلى داخل النفس، بعد أن بقیت تحوم حولها من بعید).
إن المتتبع للدور التاریخی، الذی قامت به الشاعرة فی الثورة على النظام التقلیدی للشعر، یدرك أنها لم تطل على هذه الحركة من نافذة (الحداثة) بمفهوماتها الغربیة، فلا تجد لهذا المصطلح ذكراً فی كتابها (قضایا الشعر المعاصر)، أو حتى فی مقدمات دواوینها، بل نجد بدیلاً له مصطلحات أخرى مثل (التجدید ) و(المعاصر) و( الحدیث) و(البدعة)، ویبدو أن نازك الملائكة فی تجنبها مصطلح الحداثة، كانت على وعی تام بما یثیره هذا المصطلح من إشكالات نقدیة، فضلاً عن المناخ الأجنبی الذی نشأ فیه، واكتسب من خلاله ظلالاً نقدیة هی أبعد ما تكون عن واقع البیئة العربیة، ولذا كانت فی دعوتها لتجدید الشعر مشدودة إلى أصول تراثیة، فالخروج على نظام الشطرین، وعلى عبء القافیة الموحدة عندها له أصول تراثیة تعود إلى (الموشح) و(البند) ،(فنون الشعر الشعبی )، وكانت أحرص ما تكون على أن تؤكد أن ( حركة الشعر الحدیث) لیست خروجاً على العروض العربی، بل هی قائمة علیه (ببحوره وأشطره وقوافیه)،والواقع أن ملخص ما فعلته حركة الشعر الحر، أنها نظرت متأملة فی علم العروض القدیم، واستعانت ببعض تفاصیله على أحداث تجدید یساعد الشاعر المعاصر على حریة التعبیر، وإطالة العبارة وتقصیرها بحسب مقتضى الحال، ولم تصدر الحركة عن إهمال للعروض، كما یزعم الذین لا معرفة لهم به، وإنما صدرت عن عنایة بالغة به جعلت الشاعر الحدیث یلتفت إلى خاصیة رائعة فی ستة بحور من الشعر العربی تجعلها قابلة لأن ینبثق عنها أسلوب جدید من صنع العصر.
هذا الإحساس بسلطان الماضی، وتمثله فی الحاضر كان وراء ملاحقة نازك الملائكة لأخطاء الشعراء فی العروض، منكرة علیهم حقهم فی التجریب الفنی، الذی یمثل سمة من سمات حركة ( الحداثة)، وحین فكر بعض شعراء الحداثة فی القفز على الأوزان كلها، وابتداع شكل جدید، ثارت ثائرة نازك الملائكة، ورفعت هراواتها الغلیظة، وأخذت تدق بها على رؤوس هؤلاء الفتیة الذین لا یمیزون بین مفهومی الشعر والنثر، حین أخذوا یطلقون على الشكل الجدید الذی ابتدعوه اسم ( قصیدة النثر)، ولم تكن لتلتقی أبداً مع هؤلاء المبتدعین فی موقف وسطی بین الرفض والقبول، بل راحت بكل ثقة واقتدار تفند مزاعمهم معتمدة فی ذلك على القیاس المنطقی أحیاناً، على صعید اللغة نفسها التی تفرق على نحو دقیق بین ما یسمى شعراً، وما یسمى نثراً، وعلى النقد الأدبی المجال الذی یقع النص فی دائرته ، والذی یفرض مقاییس لكل مجال من مجالات الفنون.
إن التجدید والحدیث فی نظر الشاعرة نازك الملائكة یستمد أصوله من التراث لا من خارجه( وكان من الممكن على الإطلاق أن نبدع نحن شیئاً لم یساهم أجدادنا الموهوبون فی تمهید السبیل إلیه منذ ألف سنة)، وقد شمل هذا المنحى حتى كتاباتها النقدیة، فاستغلت الموروث البلاغی فی تشكیل الرؤیة الفنیة، كأحسن استغلال، كما یتجلى ذلك واضحاً فی دراستها التطبیقیة على شعر (علی محمود طه) فی كتابها القیم (الصومعة والشرفة الحمراء)، ومع هذا الحرص الشدید الذی تظهره فی كل مناسبة للتحذیر من تأثیر الفكر الغربی وهیمنته على العقل العربی، فإن مفهوم الحداثة بالمعنى الغربی الدقیق لا وجود له فی كتابات الشاعرة التنظیریة، وهذا ما یؤكد عبقریة نازك الملائكة فی صنع صورة الشاعر العربی .
موضوعات وبلاگ: نازک الملائکة،
ارسال توسط كشاورز
بازدید : مرتبه
تاریخ : پنجشنبه 22 مهر 1389
وعد العسكریلم تسلم نازك الملائكة وهی فی ریعان شبابها من تهمة الإنطوائیة ، فقد قیل إنها تعیش فی برج عاجی تتغنى بآلامها وتهدهد أحزانها ، وإن القضایا الإنسانیة والوطنیة والقومیة لم تهزها وهی تشهد مآسی الحروب وانطلاقة الأقطار العربیة وثورتها على الظلم والإستعمار ، وقیل وقیل ، وكانت الشاعرة تسمع مایقال وتمضی غیر آبهة بما یثار حولها ، لأنها تؤمن بأنها تعیش فی حیاة فرضتها ظروف عهد شبابها ، ولولا عزیمة قویة وإیمان راسخ مااستطاعت أن تشق الحجب وأن تكون رائدة الشعر الحر فی الوطن العربی(1) .
التهمة قدیمة وكانت تقلقها فانفجرت فی عام 1947 معبرة فی قصیدة ((تهم)) عما كان یدور حولها وصرخت قائلة :
أعبر عما تحس حیاتــــــــی
وأرسم إحساس روحی الغریـب
فأبكی إذا صدمتنی السنـــــین
بخنجرها الأبدی الرهیــــب
وأضحك مما قضاه الزمــــــان
على الهیكل الآدمی العجیــب
وأغضب حین یداس الشعــــو ر
ویسخر من فوران اللهیـــب
ومضت تصور التهم فی ((شاعرة فی السحاب)) و ((عاشقة اللیل)) و ((جامدة الحس)) ، وهی ، وهی ، ولكن ماجوابها :
یقولون دعهم غدا یعلمــــــــون
ودعنی أنا للشذى والجمال
أحب الحیاة بقلبی العمیـــــــق
وأمزج واقعها بالخیــال
أحب الطبیعة حب جنـــــــون
أحب النخیل أحب الجبال
وأعشق ذاتی ففی عمقهــــــــا
خیال وجود عمیق الظلال
وأهتف یانار قلبی الغریــــــب
وموج أحاسیسی الثائرة
إذا اتهموا فلماذا أجیــــــــب
بغیر ابتسامتی الساخرة (1)
ولا تزال مثل هذه التهم تلاحقها وكأن بعض الباحثین لایقرأوننتاجها الشعری ولایقفون على مرامیه ، وإنما یقلدون مایقول غیرهم ممن أنكروا فضل نازك الملائكة وریادتها الشعریة . والعودة إلى شعر نازك ودراسته دراسة واعیة توضح إن الشاعرة إنسانة ذات حس مرهف وشعور فیاض تؤلمها آلام الإنسان ویهزها شجن العالم ، وقصیدة ((مأساة الشاعر)) (2) تعبر عن موقفها خیر تعبیر ، فقد ولد الشاعر لیرقب الأشیاء ویرثی لهم :
یرقب الأشقیاء فی ظلمة العیش
ویبكی لهم بكاء الغبیــن
ویصوغ الألحان یرثی لبلواهم
ویبكی على الوجود الحزین
والشاعر نور یهدی السارین ، وشذاً یعطر الكون ، وجمال یزین الوجود ، وهو شمعة تحترق لتضیء للعالم :
هكذا فی العذاب تمضی حیاة
الشاعر الملهم الرقیق وتنسى
وهكذا یملأ الوجود جمـالاً
ویذوق الآلام كأساً فكأســاً
ویضل الشاعر أصدق صوت معبر عن الإنسان ، وأجلى صورة معبرة عن الأمة وأحزانه ، فهو یبیت اللیالی ساهداً راثیاً للحیارى ، وهو یرقب الأشقیاء ویسمع أنّاتهم ، ویسهر اللیل یتبع الحارس المكدود ویبقى هو والخیر صدیقین :
هو والخیر یبقیان صدیقیــن
محبین لیس یفترقان
وهو الحب لحنه الأبدی الطلق
یندى من رقة وحنانِ(1)
ونازك الملائكة شاعرة تحس بآلام الإنسان وتشعر بما حولها من ظلم وجور ، وكان هذا منذ میعة الصبا والشباب ، ففی عام 1945 ، قالت :
قد وصفت الشقاء فی شعـری
الباكی وصورت أنفس الأشقیاء
وقالت :
أنا أبكی لكل قلب حزین
بعثرت أغنیاته الأقـــدار
وأروی بأدمعی كل غصن
ظامئ جف زهره المعطار(2)
ونظمت قصیدة ((خواطر مسائیة)) (3) ، بعد أن آلمتها دموع الحزانى والجیاع فمضت تصور مارأته :
وأبصرت عند ضفاف الشقاء
جموع الحزانى وركب الجیاع
تشردهم صرخات القضاء
وما أرسلوا همسات الوداع
وآلت عن نفسها أن تبكی على شجن العالم ، ولیس أمامها غیر البكاء ، وهی الشاعرة الرقیقة التی لاتملك من وسائل تغییر المجتمع إلا الكلمة :
سأحمل قیثارتـــی فی غد
وأبكی على شجن العالم
وأرثی لطالعه الأنكـــــد
على مسمع الزمن الظالم
لقد تجلت النزعة الإنسانیة فی شعرها منذ عهد مبكر ، ودواوینها الأولى تظهر هذه النزعة التی تعمقت فأصبحت فی دواوینها الأخیرة وطنیة قومیة ، ولكنها تنطلق من روح الإنسان الذی یحب لغیره ما یحب لنفسه ، فالشاعرة فی حبها للوطن ودعوتها إلى الوحدة العربیة والثورة على الإستعمار والصهیونیة التیب اغتصبت فلسطین ، ظلت إنسانیة النزعة ، لأن الوطنیة الحقة والقومیة الصادقة لاتنكران ماللأوطان أو الأمم الأخرى من حق فی الحیاة الحرة الكریمة . وإذا كان الإنسان فی سلوكه وقیمه ومشاعره ینطلق من الخاص إلى العام ، فإن الشاعرة انتقلت من العام إلى الخاص . ولعل لحیاتها الخاصة وظروفها العامة أثراً فی هذا ، فقد عاشت فی بیت مؤمن بالله والإنسان ، وفی جو مشحون بالموت والدمار فی أثناء الحرب العالمیة الثانیة ، وقد آلمتها مأساة الحرب وما جرت على العالم من ویلات . وكانت الحرب أول مظهر من مظاهر نزعتها الإنسانیة ، تلك الحرب التی ذهب ضحیتها ملایین البشر لالشیء إلا لتسلم عروش ، ویتسلط طغیان ، وتروى نفوس ظمأى للدماء . لقد استنكرت الشاعرة الحرب وصورت دوافعها ، فقالت :
فیم هذا الصراع فیم الدماء
الحمر تجری على الثرى العطشان
والشباب البریء فی زهرة العمر
لماذا یلقى إلى النیران
فی سبیل الثراء هذا ألیس
الضوء والحب والورود ثراء
ولیالی السلام والأمن هل فی
العمر أغلى منها وأحلى ضیاء (1)
ومطولتها الشعریة ((مأساة الحیاة وأغنیة للإنسان)) ، صورة صادقة لإنسانیة الشاعرة فی فجر شبابها ،فقد شهدت فی تفتح حیاتها الحرب العالمیة الثانیة ، وعاشت فی أحداثها الرهیبة وكانت تسمع أخبارها وترى ذیولها فی القوات البریطانیة التی كانت تمر بالعراق وهی فی طریقها إلى إحدى جبهات القتال ، وكان هذا یؤذیها ویثیر مشاعرها وهی الشاعرة المرهفة الحساسة ، فتنطلق معبرة عن تلك المشاعر مصورة آلام البشریة وانهیار الإنسانیة فی عالم تصطرع دوله من أجل السلطة والإحتلال ، أو من أجل التحرر والإنعتاق ، وكانت صورة أول جریمة على الأرض ، وهی مصرع هابیل على ید أخیه قابیل ، مدخلاً إلى الحرب العالمیة الثانیة ومآسیها ، وقد عبرت عن مشاعر آدم وهو یرى ابنه القتیل تعبیراً یثیر الحزن والأسى ویبعث فی النفس آلام الجریمة النكراء ، وهی تتكرر على الأرض وستبقى مادامت بعض النفوس ضمأى للدماء والدمار:
یالأحزان آدم حین أبصــر
بإبنیه قاتلاً وقتیلا
أیها المستطار لن تردع الأقدار
حتى إذا بكیت طویلا
استرح أنت دع العالم المحزون
یحیا فی ظلمة الأرجاس
دعه فی غیه فما كان هابیـل
القتیل الوحید بین الناس
إنها لعنة السماء على العالـم
مسدولة الرؤى مكفهرة
كلما ذاق قطرة من نعیـم
أعقبتها من الأسى ألف قطرة (1)
لم یكد العالم یستفیق من حربه الأولى ویهنأ بالسلام حتى رمته الرزایا بالحرب الثانیة ، فكیف كانت النهایة ؟ لقد خرج العالم یلعق دمائه ویضمد جراحه ، ویندب البیوت المهدمة ، والمزارع الخربة ، والأشلاء المتناثرة ، والجوع القاتل ، والشقاء المقیم ، والآلات الحربیة المهانة :
هذه الأنفس الممزقة العمیــاء
هذی المدافن الجوفاء
هدمتها مخاب الحرب وامتصت
شذاها الدماء والأشلاء
وتبقت فیها مقابر للشــر
وللیأس جهمة الآفاق
عكست بعض جدبها وأساهـا
صرخات الفراغ ملء المآقی(1)
وتلح الشاعرة على تصویر مآسی الحرب وما جرّت من دمار :
جف زهر التلال والورق النظـر
وآوت إلى الجفاف الحقول
أسفاً لم تدع لنا الحرب شیــئاً
وتلاشى الحلم الطروب الجمیل
من ترى یحرث الحقول الجدیبات
وأین اختفت أغانی الحصاد
أین لهو الأطفال عند البحیرات
النشاوى فی بهجة الأعیاد(2)
لقد كانت نتائج الحرب رهیبة ، عم الخراب والدمار ، وشردت الأسر ، وقسم العالم تقسیما جدیدا نشبت فیه أظافر الإستعمار وحرابه ، وظل یئن سنوات طوال تحت إرهاب التجزئة ، والفقر المدقع ، والأجسام المعوقة ، والنفوس المحطمة ، وكان العائدون من الحرب سالمین أو معوقین من أكثر الناس شعوراً بمأساة الحرب ، إذ قاتلوا سنوات فی أرض غیر أرضهم ، ولأهداف لاتحقق مطامحهم ، ولاتصور آمالهم الوطنیة والقومیة ، وهالهم مارأوا بعد عودتهم إلى بیوتهم ، فقد وجدوا بعضها مهدماً ، ووجدوا أهلیهم أو بعظهم أودت بهم الحرب فعاشوا بقیة عمرهم وهم فی یأس شدید وألم دفین وذكریات مفزعة :
جف عرق الحیاة فیها وعــادت
ذكریات مطموسة الألحان
فی زوایا الأنقاض تسردهـــا
الأعمدة البالیات للجدران
وتلول الأنقاض تروی الأقاصیص
لسمع الظلام والأشباح
عن فلول الذین عادوا من الحرب
حطاما وحفنة من جراح
لقد عادوا وهم ربد الوجوه ، لایعرفون من الحیاة إلا أشباح الموت وهی تطاردهم ، وخطاهم مثقلة ، وجباههم تعلوها صفرة الموت ، وعیونهم رمادیة ، وهم فی ذهول وخوف لأن الثلوج والضباب والخنادق الرهیبة وصور الجنود الذین جمدوا فوق الثلج أو ماتوا فی الخنادق ، أو تطایرت أشلاؤهم ظلت تلاحقهم فی طریق العودة ، وما أقسى الحیاة حین یكون صحوها كوابیس رهیبة ، وصوراً فضیعة ، وما أفجع الصورة التی ترسمها الشاعرة لهؤلاء الجنود العائدین من جبهات القتال:
لیس إلا قوافل من حیـــارى
نام فی ذكریاتهم كل صوت
یذرعون الحیاة فی حیرة الأشباح
یمشون میتاً أثر میـــت
بردت فی عیونهم قصة الحــب
وأبقت صمتاً عمیقاً طویلاً
وخبت فی جفونهم ومضة المعـنى
وأبقت غشاوة وذهــولاً (1)
وتخاطب الشاعرة الذین لم یموتوا فی الحرب :
أیها الأشقیاء فی الأرض یامـــن
لم تمتهم قذائف النیران
عبثاً تأملون أن یرجـــــع الآن
أعزاؤكم إلى الأوطـان
أنظروا هاهم الجنود یعــــودون
فرادى مهشمی الأعضاء
آه لولا بقیة من حیـــــــاة
لم یعودوا فی جملة الأحیاء
عبثاً یبحثون فی هذه الأنقــــاض
عن أهلهم وعن مأواهم
عبثاً یسألون مایعلم العابـــــر
شیئاً فیا لنار أساهــم
كیف ذاقوا مرارة الخیبة المـــرة
بعد العذاب والأوصاب
أتراهم نجوا من الموت كی یحیــوا
بلا رفقة ولا أحبــاب
أین تلك البیوت یلمع فیها الضــوء
والحب أین من سكنوها؟
أین أطفالهم ورجع أغانیهـــــم
وتلك المنى التی صورها
وكانت دعوة الشاعرة إلى المحبة والإخاء جلیة فی شعرها وهی تتحدث عن مآسی الحرب :
أیها الأشقیاء یازمر الأحیـــاء
فی كل قریة وصعیــد
آن أن نستعید ماضی حـــب
هو مفتاح حلمنا المفقود
مالذی بیننا من الحقد والبغضاء
ماكان سر هذا الدمار
أیها الأشقیاء نحن جمیـــــعاً
لعبة فی مخالب الأقدار(1)
وكان السلام یداعب أحلام الشاعرة ، وكانت تدعوا إلیه وهی ترى مآسی الحرب ، وتطلب منه أن یهبط على العالم الذبیح :
یاملاك السلام أقبل من الأجـواء
واهبط على الوجود الكئیب
ابك للراقدین فی وجه المـــوت
واشرق على الظلام الرهیب
طف بهذی القرى لتلمس آهـات
الحزانى والسـاغبین الظماء
وارحم الصارخین فی سرر الأمراض
بین الأحــزان والأدواء
طف بأنقاض عالم لیس یــدری
هل سیحظى بمبهجات الحیاة
هو إن نام لحظة هبَّ مذعــوراً
لیبكی ویرسل الآهــات (2)
وترسم للسلام بعد أن عاد إلى الأرض صورة توحی بالألم ، لأن السلام رجع وهو فی نعسة الحلم الخجلان ، طریداً تائه الخطو وقد استقر على الأرض غریباً ، ینظر فإذا الدمار ملء البصر ، وإذا الأنین ملء السمع ، عاد ولیس أمامه إلا أن ینشر جناحیه ویظل العالم بظله(3) .
لقد هدأت نفس الشاعرة الثائرة على تجار الحروب وها هی الهدنة فی الثامن من أیار ، 1945م ، وتنطلق فرحة بهذا الیوم وتسمیه ((عید الإنسانیة ))(4) وتهتف هازجة :
فی دمی لحن من الشوق جدیـد
والمجالی حوالی نشیـــــد
لیلتی هذه ابتسام وسعــــود
طاف فی الأفق فغناه الوجــود
هی یاقیثارتی لحن سعیــــد
هی شعر ، هی وحی ، هی عود
هذه اللیلة للعالم عیــــــد
وهی یاقیثارتی الحلم الوحیــد
وتستمر فی التعبیر عن فرحتها بإعلان الهدنة وهی بین مصدقة ومكذبة ، لأنها یئست كما یئس العالم من السلام ، وظنت أن الحرب ستطبق على العالم ولا تتركه إلا بعد أن تجعله ركاماً كله ، ولكن الهدنة أعلنت ورن صوت السلم وهو ((فاتن النفحة علوی المعانی)) .
إن رقة أحاسیس الشاعرة وإنسانیتها العمیقة وحبها للبشریة جعلتها تتألم من الحرب ، وهی ترى مآسیها ، أو تسمع عنها ، وتنطلق فی التعبیر عن آلام البشر وتغنی للأشقیاء :
أنا من غنت دموع الأشقیاء
وبكت أشعارها للأبریاء
كم صریع قبره ثلج الشتاء
ویتیم مهده شوك العراء
وصبایا كرعت سم القضاء
قبل أن ترشف كأساً من هناء
صغت أحزانهم لحن شقاء
هو أحزانی وحبی ووفائی (1)
كانت بذرة الإنسانیة فی نفس الشاعرة منذ شبابها ونمت وأزهرت قصائد تصور شقاء الإنسان وتعاسته فی هذا الوجود ، وكانت الحرب العالمیة الثانیة أعظم محفز لظهور هذه النزعة فی شعرها وقد صورت مآسیها أفجع تصویر وكادت تسد منافذ النور ، فهی لاترى إلا التعاسة والدموع فی عیون الأشقیاء ، ولاتسمع إلا صرخات الجیاع فی كل شعب ، ولاتشهد إلا الشقاء فی كل قلب ، وتخاطب السماء لتمد كفیها وتمسح حزن الجیاع المعذبین :
المساكین یاسماء فمـــدی
لأساهم كفیك یفنی الشقـاء
إن یكونوا جنوا فقلبك أسمى
أو یكونوا ضلوا فأنت السماء
لیس یعیى كف الإلوهة أن
تمحو حزن المعذبین الجـیاع
فهی نبع الحیاة والخیر والفن
وبرء الأحزان والأوجــاع(1)
وكان منظر الریف البائس یؤذی نفسها فتثور على الواقع الألیم ، وتعبر عن مشاعرها الثائرة ، وتصف حالة الریفیین ، فأكواخهم حصیر وأحجار ، وبؤس لایزول ، وغرف رثة المداخل والجدران ، وأنّى لهم النهوض والتقدم فی الحیاة وهذه حالتهم البائسة المؤلمة (2) . وكان منظر القرى الجائعة یؤلمها فتصور سكانها وهم فی شقاء مقیمون :
سیلی بعیداً فی القرى الجائعة
حیث الحفاة العراه
وحیث لایبلغ سمع الحیاه
إلا صراخ الأنفس الضارعة
إلا عواء الذئاب
فی عطفة الوادی الشقی الحزین
فی شاهقات الهضاب
حیث لاتبصر عین السنین
إلا أسى المتعبین
قوافل یحدو بها أشقیاء
فی جنة من رخاء
قوافل الجائعین
فی ذلك الوادیالخصیب التراب
قوافل الضامئین
یلتمسون السراب(1)
ویؤلمها الفلاح الذی یكدح لیل نهار ، ولایصیبه من تعبه إلا مایتساقط من فتات المستغلین ، وهو الذی قضى حیاته بین المحراث والناعور ، یلقی البذور والمترف الهانىء یجنی ویسقی البساتین وصاحب القصر یاكل ، ویأتی الحصاد فإذا بالفلاح صفر الیدین ، وإذا بكوخه خالٍ مما یسد الرمق ، لأن المستغل سلبه كل شیء . وتستنكر الشاعرة هذا الوضع وتثور علیه وتسأل :
كیف یجنی الأزهار والقمح والأثمار
من لم یجرح یدیه القدوم
ویموت الفلاح جوعا لیفتر
لیعنی رب القصور النعیم
وتخاطب الله سبحانه وتعالى :
كیف هذا یارب رفقا بنا رفقا
فقد غصت الكؤوس دموعاً
وطغت فی الفضاء آهاتنا الحیرى
تغنی رجاءنا المصروعا (2)
وتظل مأساة الفلاح تطوف فی فی مخیلتها وترتبط الأرض بالإنسان الذی یكدح ولا یجد إلا الشقاء والجوع :
حدثونا عن رخاء ناعم
فوجدنا دربنا جوعاً وعریاً
وسمعنا عن نقاء وشذا
فرأینا حولنا قبحاً وخزیاً
ورتعنا فی شقاء قاتل
وكفانا بؤسنا شبعاً وریاً
وعرینا وكسونا غیرنا
وكسبنا القید والدمع السخیا
أین تلك الأرض من حجبها
نحن شدناها برنات الفؤوس
وأجعنا فی الدجى أطفالنا
لنغذیها وجدنا بالنفوس
وزرعنا وحصدنا عمرنا
وجنینا ظلمة الدهر العبوس
وسقینا أرضها من دمنا
ومنحناها لأرباب الكؤوس(1)
ووجد الراعی إلى شعر نازك سبیلا ، ووقفت تبكی علیه ، لأنه یریق حیاته فی ثلوج الجبال ولهب الشمس ولایحصل على مایسد رمقه ، وتأسى للصیاد الذی یعود إلى البیت مساء وهو فارغ الید بعد أن أمضى نهاره فی الحر المؤذی والشمس المحرقة من غیر جدوى ، فیا لقلبه المسكین ، وقد عاد بزورقه الخالی وهو یتنزى ألما ، ویتغنى دماً (2) .
والنهر هو مصدر الخیر والنماء یصبح مدمراً حینما یفیض ، ویغرق الحقول والبیوت ، ویودی بحیاة الآمنین ، وقصیدة ((مرثیة غریق))(3) ، لوحة إنسانیة رسمتها ریشة نازك بألوان تفجرت من نفسها الحساسة وموهبتها الرفیعة . لقد كان المساء یقترب ، والصمت یخیم ، والضیاء یخبو ، والقطیع یعود ، ولم یبقى سوى موج النهر یدوی ویروی أسرار الحیاة ، فی هذا الجو الذی یبعث فی النفس الطمأنینة والهدوء كان هیكل یغطس حیناً ویطفوا على الماء حیناً ، ولم تتبینه الشاعرة فی أول الأمر فلما تبینته صرخت :
آه یاشاعرتی هذا غریــــق
فاحزنی للجسد البالی الممزق
راقداً تحت الدیاجی لایفیـــق
والسنا من حوله جفن مؤرق
یالمیت لم یودعه قریـــــب
فهو فی النهر وحید متعب
مابكى مصرعه إلا غریــــب
هو قلبی ذلك المكتئب
وتتجلى الصورة وتتضح وتظهر إنسانیة الشاعرة ، وتتسع شكواها مما یحیق بالإنسان من مآسٍ وآلام ، وتنتهی إلى صورة قاتمة تعبر عن مصیر الإنسان ، فكل شیء مصیره إلى الزوال ، ولا أمل للإنسان فی هذا الوجود :
كل یوم بین أیدینا غریق
وغدا نحن جمیعاً مغرقونا
عالم حف به الموت المحیق
وتباكىفی حماه البائسونا
ضاق یاصیاد فی عینی الوجود
یالكون سره لاینجلی
كـل ما فیه الى القـبر یقود
ما الذی یبقى لنـا من أمل
وتشتغل نازك بهذ المأساة و تلتفت , فإذا بنهر دجلة یفیض فی عام 1946 فیضاناً رهیبا, وإذا به یكتسح الاحیاء والاموات , واذا بمقبرة تغمرها میاه النهر المتوحش فی مساء عاصف , وتسمع القصة فتنبثق قصیدة (( المقبرة الغریقة(1) )) , التی فجرتها عواطفهاالمتدفقة,وتصف المقبرة وصفا دقیقا یثیرالاسى فی النفوس, ویبعث على الشجا والالم . لقد كانت المقبرة آمنة بعیدة عن الدمار , فإذا بالنهر یجتاحها , ویروع صمت الاموات , وإذا ببقایا الاجساد النخرة تطفو على سطح الماء , فیا له من منظر رهیب . وتبكی الشاعرة مُرّ البكاء لأن مصیرها الموت والفناء :
بكیت للأموات طول المساء
وصِغتُ من دمعی النشید الحزین
وفی غَدٍ أرقد تَحتَ السماء
قبراً سیبكی عنده العابرون
وتبقى صورة الفیضان تلاحق الشاعرة وتقف فی قصیدة (( الفیضان(1) )) لترسم صورة لما احدث النهر من دمار :
وقفت فی الدجى تحس الاسى المر
وتبكی فی مسمع الظلمـات
وترى بالخیال ماحل بالقریة
وبالبائسین من ویلات
فجأتهم تحت الدجى لجة الموت
فباتوا صرعى القضاء العاتی
ومضوا یضربون فی ظلمة اللیل
وما من منجى من المأسـاة
وتعالى تحت الظلام صراخ
رددته الریاح للاشجار
هو صوت الاحیاء فی لجة الموت
وصرعى الأمواج و الأقدار
ویعشق النهربغداد ویفیض فی عام 1954, ویغرق بغداد الجدیدة وبعض جوانبها, وتتصور الشاعرة عاشقاً وتسمیه (( النهر العاشق(2) )) , ولذلك فهو یتبع الناس ویلاحقهم كالعاشق المجنون :
أین تمضی إنه یعدو علینا
راكضا عبر حقول القمح لا یلوی خطاه
باسطا فی لمعة الفجر ذراعیه الینا
طافرا كالریح نشوان یداه
سوف تلقانا وتطوی رعبنا أنّى مشینا
وترسم الشاعرة لما أحدث النهر صورة لیس فیهاحزن قصائدها الاخرى أو یأسها:
أین نعدو وهو قد لف یدیه
حول أكتاف المدینه
إنه یعمل فی بطء وحزم وسكینه
ساكبا من شفتیه
قبلا طینیة غطت مراعینا الحزینه
وتنظم قصیده أُخرى فی فیضان عام 1954 وتسمیها(( المدینه التی غرقت(1) )) وهی مرثیة لبغداد الجدیدة . وهذه القصیدة تصور الخراب بأجلى صوره , وترسم
آثار الفیضان بلون قاتم یثیر الشجن :
وجـاء الخراب ومدد رجلیـه فی ارضـها
وأبصـر كـیف تنوح البیوت على بعضها
وحدق فیها واصغى الى الصرخات الاخیرة
لسقف هوى وتداعى وَشرفة حُبٍ صغیرة
وارسل عینیـه فی نشـوة یرمق الابنیـه
وقد ركعت فـی هوان ذلیل بلا مرثیة
وجـاء الخراب وسـار بهیكله الاسود
ذراعـاه تطوی وتمسح حتى وعود الغد
وَأسنانه الصفر تقضم بابا وتمضغ شرفة
وأقدامه تطأ الورد والعشب من دون رأفه
وسار یرشُّ الردى والتآكل ملء المدیـنه
یخرب حیث یحل وینشر فیها العفونـه
لقد جسدت الشاعرة النهر , وأضفت علیه صفة الحیوان المفترس الجائع الذی مضى یثیر الرعب ویفترس كل شیء , فما افجع هذه الصورة التی رسمتها , وما أصدقها فی وصف ما أحدث النهر من خراب شهده الناس, فلم یكن فی نفوسهم من الالم والخوف مثل ما فی القصیده التی جاءت معبرة عن الواقع الرهیب فی ذلك العام , وجاءت خاتمة القصیدة التی جاءت معبرة عن الواقع الرهیب فی ذلك العام , وجاءت خاتمة القصیدة مأساة فاجعه لأن المدینه فقدت كل شیء :
وتصحو المدینة ظمأى وتبحث عن امسها
وماذا تبقى سوى الموت والملح فی كأسها
ویثیر الشاعرة منظر جسد حصان على ارض الشارع المبلله , وكانت السیاط ترتفع ثم تهوی فلا تسقط إلا على جرح،وتنظم قصیدة (( سیاط وأصداء (1))) تعبر فیها عن مشاعرها وثورتها , وتتمنى أن تعدم الاحساس لتجد الراحة الى نفسها سبیلا :
یا لیتنی عمیاء لا ادری بما تجنی الشرور
صماء لا اصغی الى وقع السیاط على الظهور
یا لیت قلبی كان صخرا لا یعذبـه الشعور
وتنتقد عواطفها المشبوبة وتصرخ :
یا نار عاطفتی الرقیقة یا غریبة فی البشر
وقع السیاط على الظهور اشد من وقع القدر
والحس فی هذا الوجود جریمة لا تغتفر
وإجتاح مصر فی عام 1947 م مرض الهیضة_ الكولیرا _وجاءت الانباء تحمل مأساة الانسان العربی فی هذا القطر , وتحركت مشاعر نازك وهی الحساسة التی یثیرها أدنى ألم ونظمت قصیدة (( الكولیرا (2))) . وكانت هذه القصیدة بدایة الشعر الحر فی اعمال الشاعرة , وكأن المساة كانت خیرا على تطور الشعر العربی الحدیث , إذ خرجت الشاعرة , فی هذه القصیدة على مألوف الشعر وحطمت بناء البیت , ولون عنفوان القافیة الموحدة . والقصیدة بلونها الجدید وهدفها النبیل موسیقى جنائزیة تثیر الحزن فی النفوس وتبعث الالم . لانها تصور الرعب الذی دهم القرى المصریة , والقلوب الفزعة الخائفة من المرض والیأس القاتل فی جو كل ما فیه یثیر الهلع والخوف :
سكن اللیل
أصغِ الى وقع صدى الانّات
فی عمق الظلمة تحت الصمت على الاموات
صرخات تعلو تضطرب
حزن یتدفق یلتهب
فی كل فؤاد غلیان
فی الكوخ الساكن احزان
فی كل مكان روح تصرخ فی الظلمات
فی كل مكان یبكی صوت
هذا ما قد مزقه الموت
الموت الموت الموت
یا حزن النیل الصارخ مما فعل الموت
ویطلع الفجر على الاموات وصرخات الاحیاء : (( موتى , موتى )) , ویعلو الصراخ فی كل مكان ؛ لأن الموت امتد الى كل الاحیاء ولم یبقى ركن إلا وقد عصف به , وهو یصرخ مجنونا لا یلتفت الى صوت الباكین وصراخ المشیعین , ویمتد سعار المرض ولا یبقى سوى النوح والزفیر , وطفل یبكی لفقد ابیه ومن یدری فلعل الداء الشریر یلقفه :
یا شبح الهیضة ما ابقیت
لا شیء سوى احزان الموت
الموت الموت الموت
یا مصر شعوری مزقه ما فعل الموت
وتتجلى دعوة الشاعرة الى المحبة والاخاء فی قصیدتها (( لنكن اصدقاء(1) )) , وهی دعوة تصدر من انسانیة اضناها واقع الانسان العربی المریر فی اثناء الحرب العالمیة الثانیة وما جرت على العالم من ویلات امتدت سنیناً :
لنكن أصدقاء
نحن والظالمون
نحن العزل المتعبون
والذین یقال لهم مجرمون
نحن والاشقیاء
نحن والثملون بخمر الرخاء
والذین ینامون فی القفر تحت السماء
نحن والتائهون بلا مأوى
نحن والصارخون بلا جدوى
نحن والاسرى
نحن والامم الاخرى
فی بحار الثلوج
فی بلاد الزنوج
فی الصحارى وفی كل ارض تضم البشر
كل ارض أصاخت لآلامنا
كل ارض تلقت توابیت احلامنا
ووعت صرخات الضجر
من ضحایا القدر
وتثیر الشاعرة صورة فتاة بائسة فی الحادیة عشر من عمرها , وقد رقدت على الرصیف فی یوم عاصف شدید البرد , وآلمها منظر الطفولة البریئة فنظمت قصیدة (( النائمة فی الشارع(1) )) , لتصور بؤس الفقراء , وتصب نقمتها على البشر الذین لا تهزهم آلام المعذبین فی الارض . لقد رسمت الشاعرة للفتاة صورة رهیبة تبعث فی كل نفس الماً , ولكن أین الذین یألمون ؟
ولمن تشكو لا احد ینصت أو یعنى
البشریة لفظ لا یسكنه معنى
لقد ماتت الرحمة فی القلوب ولم یبق إلا الطلم الرهیب :
هذا الطلم المتوحش بأسم المـدنیة
بأسم الاحساس فوا خجل الانسانیة
وتنحو الشاعرة هذا المنحى فی (( مرثیة أمرأة لا قیمة لها(1) )) , وتأسى على من ماتت ولم یشیعها احد , وتهزها ما آلت إلیه الراقصة , فتنظم قصیدة (( الراقصة المذبوحة(2) )) , لتعبر عن ظلم البشر وقسوة الحیاة وتأتی قصیدة (( غسلاً للعار (3))), مصورة ما إستقر فی المجتمع من عادات ترفضها الانسانیة وهی القتل غسلاً للعار من غیر رجوع الى احكام الشریعة أو القانون , وكانت هذه الحالة تثیر الرعب فی النفوس وتلقی ظلالاً كئیبة على المجتمع النسوی خشیة الانزلاق المودی الى القتل . والقصیده تعبیر صادق عما یختلج فی نفس القاتل وهو یرفع المدیة ملطخة بالدماء بعد ان قتل المسكینة :
ویعود الجلاد الوحشی ویلقى الناس
العار ؟ ویمسح مدیته : مزقنا العار
ورجعنا فضلا بیض السمعة احرار
والقصیدة تصویر دقیق لمشاعر الفتیاة بعد ان سمعن بمقتل الفتاة , فهن فزعات خائفات من الانزلاق والفضیحة والقتل :
یا جارات الحارة یافتیات القریة
الخبز سنعجنه بدمـوع مآقینا
سنقص جدائلنا وسنسلخ ایدینا
لتظل ثیابهم بیض اللون نقیة
لا بسمة لا فرحة لالفتة فالمدیة
ترقبنا فی قبضة والدنا وأخینا
وغدا من یـدری أی قفار
ستورینا غسلا للعــار
وعبرت نازك عن الموقف اللا إنسانی فی قصیدتها (( ثلاث أُغنیات شیوعیة )) باسلوب الذم بما یشبه المدح , فهی لم تتحدث عن المجازر التی اقترفها الحاقدون فی العراق عام 1959 م . كما وقعت , وإنما تحدثت بأسلوب الضد , وبذلك جمعت بین الفنیة الرفیعة والواقعیة الدقیقة . كانت نازك الملائكة شاعرة انسانیة آلمتها احزان البشریة وأثارت مشاعرها وأحاسیسها . فأنطقتها بالشعر المعبر عن خلجات الانسان وعذابه فی هذا الوجود , وكانت نزعتها الانسانیة مستمدة من ظروف متعدده وعوامل مختلفة ولعل منها كما یأتی :
1. الحرب العالمیة الثانیة التی خیمت على العالم فی صبا الشاعرة وتدفق شبابها, فقد رأت المآسی , وسمعت بالخراب , فأثارها ودفعها الى تصویر آلام الحرب , وما عانت البشریة منها .
2. الاحساس المرهف الذی هیأ لها جواً دفعها الى تصویر مآسی الحیاة .
3. حیاة الشاعرة فی بیئة بغدادیة أصیلة كانت الروابط الانسانیة فی أوثق عراها, هیأت الجو المناسب وجعلت الشاعرة تشارك الناس آلامهم .
4. شیوع الافكار الانسانیة والدعوة الى تحریر الانسان من العبودیة والفقر والحرمان .
5. اهتمام الشاعرة بالادب المهجری الذی تجلت فیه النزعة الامسانیة , ولا سیما أعمال میخائیل نعیمة وجبران خلیل جبران , اللذین استمدّا إنسانیتهما من الاعتماد ببعض الاتجاهات التی ظهرت فی الولایات المتحدة قبل الحرب العالمیة الاولى وبعدها .
6. متابعة الشاعرة للشعر الوجدانی وتأثرها به , ولا سیما قصائد توماس جری ووردزورث وشیلی وبایرون , وتعد قصیدة (( مرثیة فی مقبرة ریفیة(1) )) , لجری مفتاحا لفهم الحزن الدائم , والالم المتدفق , والمشاعر الثائرة , والعطف على الانسانیة فی شعر نازك .
وقد تكون هناك ظروف وعوامل اُخرى بذرت فی نفس الشاعرة حب الانسان ومشاركته آلامه وأحزانه , إلا أن هذه النزعة أصبحت نزعة قومیة فی دواوینها الأخیرة , وأصبح حزنها فرحا وتشاؤما أملا , وما إلى ذلك بفضل الثورات التحرریة التی خاضها الوطن العربی , وبفضل الحیاة الجدیده التی جعلت الانسان یشعر بإنسانیته النابعة من حب الوطن والامة وعقیدتها السامیة ورسالتها
الخالدة .
لم تكن نازك _ إذن شاعرة إنطوائیة عاشت فی برجٍ عاجی , وإنما كانت إنسانة مرهفة آلمها واقع الحیاة , فصورت شقاء الجیاع ومآسی الحرب وبعض صور المجتمع , حتى إذا نما الحس القومی بین الناس , ودقت الثورة العربیة الابواب , كانت الشاعرة فی الصفوف الاولى تغنی للثورة وتدعو الى تحریر الارض المغتصبة , وتصور واقع الحیاة العربیة الجدیدة اروع تصویر بقصائد تستمد رحیقها من قلبها الحساس . وكانت قصیدتها (( تحیة للجمهوریة العراقیة )) فاتحة نزعة وطنیة قومیة تستحق البحث والوقوف عندها لتتضح صورة الشاعرة الحقیقیة بعد أن طمستها تهم وأباطیل , لأنها لم تنساق وراء الاحداث المتغیرة , ولم تطمع فی مجد یُشاد على التزییف ’ وكفانا أنها حررت الشعر العربی من قیود العهود المظلمة وكانت رائدة الشعر العربی فی القرن العشرین .
التهمة قدیمة وكانت تقلقها فانفجرت فی عام 1947 معبرة فی قصیدة ((تهم)) عما كان یدور حولها وصرخت قائلة :
أعبر عما تحس حیاتــــــــی
وأرسم إحساس روحی الغریـب
فأبكی إذا صدمتنی السنـــــین
بخنجرها الأبدی الرهیــــب
وأضحك مما قضاه الزمــــــان
على الهیكل الآدمی العجیــب
وأغضب حین یداس الشعــــو ر
ویسخر من فوران اللهیـــب
ومضت تصور التهم فی ((شاعرة فی السحاب)) و ((عاشقة اللیل)) و ((جامدة الحس)) ، وهی ، وهی ، ولكن ماجوابها :
یقولون دعهم غدا یعلمــــــــون
ودعنی أنا للشذى والجمال
أحب الحیاة بقلبی العمیـــــــق
وأمزج واقعها بالخیــال
أحب الطبیعة حب جنـــــــون
أحب النخیل أحب الجبال
وأعشق ذاتی ففی عمقهــــــــا
خیال وجود عمیق الظلال
وأهتف یانار قلبی الغریــــــب
وموج أحاسیسی الثائرة
إذا اتهموا فلماذا أجیــــــــب
بغیر ابتسامتی الساخرة (1)
ولا تزال مثل هذه التهم تلاحقها وكأن بعض الباحثین لایقرأوننتاجها الشعری ولایقفون على مرامیه ، وإنما یقلدون مایقول غیرهم ممن أنكروا فضل نازك الملائكة وریادتها الشعریة . والعودة إلى شعر نازك ودراسته دراسة واعیة توضح إن الشاعرة إنسانة ذات حس مرهف وشعور فیاض تؤلمها آلام الإنسان ویهزها شجن العالم ، وقصیدة ((مأساة الشاعر)) (2) تعبر عن موقفها خیر تعبیر ، فقد ولد الشاعر لیرقب الأشیاء ویرثی لهم :
یرقب الأشقیاء فی ظلمة العیش
ویبكی لهم بكاء الغبیــن
ویصوغ الألحان یرثی لبلواهم
ویبكی على الوجود الحزین
والشاعر نور یهدی السارین ، وشذاً یعطر الكون ، وجمال یزین الوجود ، وهو شمعة تحترق لتضیء للعالم :
هكذا فی العذاب تمضی حیاة
الشاعر الملهم الرقیق وتنسى
وهكذا یملأ الوجود جمـالاً
ویذوق الآلام كأساً فكأســاً
ویضل الشاعر أصدق صوت معبر عن الإنسان ، وأجلى صورة معبرة عن الأمة وأحزانه ، فهو یبیت اللیالی ساهداً راثیاً للحیارى ، وهو یرقب الأشقیاء ویسمع أنّاتهم ، ویسهر اللیل یتبع الحارس المكدود ویبقى هو والخیر صدیقین :
هو والخیر یبقیان صدیقیــن
محبین لیس یفترقان
وهو الحب لحنه الأبدی الطلق
یندى من رقة وحنانِ(1)
ونازك الملائكة شاعرة تحس بآلام الإنسان وتشعر بما حولها من ظلم وجور ، وكان هذا منذ میعة الصبا والشباب ، ففی عام 1945 ، قالت :
قد وصفت الشقاء فی شعـری
الباكی وصورت أنفس الأشقیاء
وقالت :
أنا أبكی لكل قلب حزین
بعثرت أغنیاته الأقـــدار
وأروی بأدمعی كل غصن
ظامئ جف زهره المعطار(2)
ونظمت قصیدة ((خواطر مسائیة)) (3) ، بعد أن آلمتها دموع الحزانى والجیاع فمضت تصور مارأته :
وأبصرت عند ضفاف الشقاء
جموع الحزانى وركب الجیاع
تشردهم صرخات القضاء
وما أرسلوا همسات الوداع
وآلت عن نفسها أن تبكی على شجن العالم ، ولیس أمامها غیر البكاء ، وهی الشاعرة الرقیقة التی لاتملك من وسائل تغییر المجتمع إلا الكلمة :
سأحمل قیثارتـــی فی غد
وأبكی على شجن العالم
وأرثی لطالعه الأنكـــــد
على مسمع الزمن الظالم
لقد تجلت النزعة الإنسانیة فی شعرها منذ عهد مبكر ، ودواوینها الأولى تظهر هذه النزعة التی تعمقت فأصبحت فی دواوینها الأخیرة وطنیة قومیة ، ولكنها تنطلق من روح الإنسان الذی یحب لغیره ما یحب لنفسه ، فالشاعرة فی حبها للوطن ودعوتها إلى الوحدة العربیة والثورة على الإستعمار والصهیونیة التیب اغتصبت فلسطین ، ظلت إنسانیة النزعة ، لأن الوطنیة الحقة والقومیة الصادقة لاتنكران ماللأوطان أو الأمم الأخرى من حق فی الحیاة الحرة الكریمة . وإذا كان الإنسان فی سلوكه وقیمه ومشاعره ینطلق من الخاص إلى العام ، فإن الشاعرة انتقلت من العام إلى الخاص . ولعل لحیاتها الخاصة وظروفها العامة أثراً فی هذا ، فقد عاشت فی بیت مؤمن بالله والإنسان ، وفی جو مشحون بالموت والدمار فی أثناء الحرب العالمیة الثانیة ، وقد آلمتها مأساة الحرب وما جرت على العالم من ویلات . وكانت الحرب أول مظهر من مظاهر نزعتها الإنسانیة ، تلك الحرب التی ذهب ضحیتها ملایین البشر لالشیء إلا لتسلم عروش ، ویتسلط طغیان ، وتروى نفوس ظمأى للدماء . لقد استنكرت الشاعرة الحرب وصورت دوافعها ، فقالت :
فیم هذا الصراع فیم الدماء
الحمر تجری على الثرى العطشان
والشباب البریء فی زهرة العمر
لماذا یلقى إلى النیران
فی سبیل الثراء هذا ألیس
الضوء والحب والورود ثراء
ولیالی السلام والأمن هل فی
العمر أغلى منها وأحلى ضیاء (1)
ومطولتها الشعریة ((مأساة الحیاة وأغنیة للإنسان)) ، صورة صادقة لإنسانیة الشاعرة فی فجر شبابها ،فقد شهدت فی تفتح حیاتها الحرب العالمیة الثانیة ، وعاشت فی أحداثها الرهیبة وكانت تسمع أخبارها وترى ذیولها فی القوات البریطانیة التی كانت تمر بالعراق وهی فی طریقها إلى إحدى جبهات القتال ، وكان هذا یؤذیها ویثیر مشاعرها وهی الشاعرة المرهفة الحساسة ، فتنطلق معبرة عن تلك المشاعر مصورة آلام البشریة وانهیار الإنسانیة فی عالم تصطرع دوله من أجل السلطة والإحتلال ، أو من أجل التحرر والإنعتاق ، وكانت صورة أول جریمة على الأرض ، وهی مصرع هابیل على ید أخیه قابیل ، مدخلاً إلى الحرب العالمیة الثانیة ومآسیها ، وقد عبرت عن مشاعر آدم وهو یرى ابنه القتیل تعبیراً یثیر الحزن والأسى ویبعث فی النفس آلام الجریمة النكراء ، وهی تتكرر على الأرض وستبقى مادامت بعض النفوس ضمأى للدماء والدمار:
یالأحزان آدم حین أبصــر
بإبنیه قاتلاً وقتیلا
أیها المستطار لن تردع الأقدار
حتى إذا بكیت طویلا
استرح أنت دع العالم المحزون
یحیا فی ظلمة الأرجاس
دعه فی غیه فما كان هابیـل
القتیل الوحید بین الناس
إنها لعنة السماء على العالـم
مسدولة الرؤى مكفهرة
كلما ذاق قطرة من نعیـم
أعقبتها من الأسى ألف قطرة (1)
لم یكد العالم یستفیق من حربه الأولى ویهنأ بالسلام حتى رمته الرزایا بالحرب الثانیة ، فكیف كانت النهایة ؟ لقد خرج العالم یلعق دمائه ویضمد جراحه ، ویندب البیوت المهدمة ، والمزارع الخربة ، والأشلاء المتناثرة ، والجوع القاتل ، والشقاء المقیم ، والآلات الحربیة المهانة :
هذه الأنفس الممزقة العمیــاء
هذی المدافن الجوفاء
هدمتها مخاب الحرب وامتصت
شذاها الدماء والأشلاء
وتبقت فیها مقابر للشــر
وللیأس جهمة الآفاق
عكست بعض جدبها وأساهـا
صرخات الفراغ ملء المآقی(1)
وتلح الشاعرة على تصویر مآسی الحرب وما جرّت من دمار :
جف زهر التلال والورق النظـر
وآوت إلى الجفاف الحقول
أسفاً لم تدع لنا الحرب شیــئاً
وتلاشى الحلم الطروب الجمیل
من ترى یحرث الحقول الجدیبات
وأین اختفت أغانی الحصاد
أین لهو الأطفال عند البحیرات
النشاوى فی بهجة الأعیاد(2)
لقد كانت نتائج الحرب رهیبة ، عم الخراب والدمار ، وشردت الأسر ، وقسم العالم تقسیما جدیدا نشبت فیه أظافر الإستعمار وحرابه ، وظل یئن سنوات طوال تحت إرهاب التجزئة ، والفقر المدقع ، والأجسام المعوقة ، والنفوس المحطمة ، وكان العائدون من الحرب سالمین أو معوقین من أكثر الناس شعوراً بمأساة الحرب ، إذ قاتلوا سنوات فی أرض غیر أرضهم ، ولأهداف لاتحقق مطامحهم ، ولاتصور آمالهم الوطنیة والقومیة ، وهالهم مارأوا بعد عودتهم إلى بیوتهم ، فقد وجدوا بعضها مهدماً ، ووجدوا أهلیهم أو بعظهم أودت بهم الحرب فعاشوا بقیة عمرهم وهم فی یأس شدید وألم دفین وذكریات مفزعة :
جف عرق الحیاة فیها وعــادت
ذكریات مطموسة الألحان
فی زوایا الأنقاض تسردهـــا
الأعمدة البالیات للجدران
وتلول الأنقاض تروی الأقاصیص
لسمع الظلام والأشباح
عن فلول الذین عادوا من الحرب
حطاما وحفنة من جراح
لقد عادوا وهم ربد الوجوه ، لایعرفون من الحیاة إلا أشباح الموت وهی تطاردهم ، وخطاهم مثقلة ، وجباههم تعلوها صفرة الموت ، وعیونهم رمادیة ، وهم فی ذهول وخوف لأن الثلوج والضباب والخنادق الرهیبة وصور الجنود الذین جمدوا فوق الثلج أو ماتوا فی الخنادق ، أو تطایرت أشلاؤهم ظلت تلاحقهم فی طریق العودة ، وما أقسى الحیاة حین یكون صحوها كوابیس رهیبة ، وصوراً فضیعة ، وما أفجع الصورة التی ترسمها الشاعرة لهؤلاء الجنود العائدین من جبهات القتال:
لیس إلا قوافل من حیـــارى
نام فی ذكریاتهم كل صوت
یذرعون الحیاة فی حیرة الأشباح
یمشون میتاً أثر میـــت
بردت فی عیونهم قصة الحــب
وأبقت صمتاً عمیقاً طویلاً
وخبت فی جفونهم ومضة المعـنى
وأبقت غشاوة وذهــولاً (1)
وتخاطب الشاعرة الذین لم یموتوا فی الحرب :
أیها الأشقیاء فی الأرض یامـــن
لم تمتهم قذائف النیران
عبثاً تأملون أن یرجـــــع الآن
أعزاؤكم إلى الأوطـان
أنظروا هاهم الجنود یعــــودون
فرادى مهشمی الأعضاء
آه لولا بقیة من حیـــــــاة
لم یعودوا فی جملة الأحیاء
عبثاً یبحثون فی هذه الأنقــــاض
عن أهلهم وعن مأواهم
عبثاً یسألون مایعلم العابـــــر
شیئاً فیا لنار أساهــم
كیف ذاقوا مرارة الخیبة المـــرة
بعد العذاب والأوصاب
أتراهم نجوا من الموت كی یحیــوا
بلا رفقة ولا أحبــاب
أین تلك البیوت یلمع فیها الضــوء
والحب أین من سكنوها؟
أین أطفالهم ورجع أغانیهـــــم
وتلك المنى التی صورها
وكانت دعوة الشاعرة إلى المحبة والإخاء جلیة فی شعرها وهی تتحدث عن مآسی الحرب :
أیها الأشقیاء یازمر الأحیـــاء
فی كل قریة وصعیــد
آن أن نستعید ماضی حـــب
هو مفتاح حلمنا المفقود
مالذی بیننا من الحقد والبغضاء
ماكان سر هذا الدمار
أیها الأشقیاء نحن جمیـــــعاً
لعبة فی مخالب الأقدار(1)
وكان السلام یداعب أحلام الشاعرة ، وكانت تدعوا إلیه وهی ترى مآسی الحرب ، وتطلب منه أن یهبط على العالم الذبیح :
یاملاك السلام أقبل من الأجـواء
واهبط على الوجود الكئیب
ابك للراقدین فی وجه المـــوت
واشرق على الظلام الرهیب
طف بهذی القرى لتلمس آهـات
الحزانى والسـاغبین الظماء
وارحم الصارخین فی سرر الأمراض
بین الأحــزان والأدواء
طف بأنقاض عالم لیس یــدری
هل سیحظى بمبهجات الحیاة
هو إن نام لحظة هبَّ مذعــوراً
لیبكی ویرسل الآهــات (2)
وترسم للسلام بعد أن عاد إلى الأرض صورة توحی بالألم ، لأن السلام رجع وهو فی نعسة الحلم الخجلان ، طریداً تائه الخطو وقد استقر على الأرض غریباً ، ینظر فإذا الدمار ملء البصر ، وإذا الأنین ملء السمع ، عاد ولیس أمامه إلا أن ینشر جناحیه ویظل العالم بظله(3) .
لقد هدأت نفس الشاعرة الثائرة على تجار الحروب وها هی الهدنة فی الثامن من أیار ، 1945م ، وتنطلق فرحة بهذا الیوم وتسمیه ((عید الإنسانیة ))(4) وتهتف هازجة :
فی دمی لحن من الشوق جدیـد
والمجالی حوالی نشیـــــد
لیلتی هذه ابتسام وسعــــود
طاف فی الأفق فغناه الوجــود
هی یاقیثارتی لحن سعیــــد
هی شعر ، هی وحی ، هی عود
هذه اللیلة للعالم عیــــــد
وهی یاقیثارتی الحلم الوحیــد
وتستمر فی التعبیر عن فرحتها بإعلان الهدنة وهی بین مصدقة ومكذبة ، لأنها یئست كما یئس العالم من السلام ، وظنت أن الحرب ستطبق على العالم ولا تتركه إلا بعد أن تجعله ركاماً كله ، ولكن الهدنة أعلنت ورن صوت السلم وهو ((فاتن النفحة علوی المعانی)) .
إن رقة أحاسیس الشاعرة وإنسانیتها العمیقة وحبها للبشریة جعلتها تتألم من الحرب ، وهی ترى مآسیها ، أو تسمع عنها ، وتنطلق فی التعبیر عن آلام البشر وتغنی للأشقیاء :
أنا من غنت دموع الأشقیاء
وبكت أشعارها للأبریاء
كم صریع قبره ثلج الشتاء
ویتیم مهده شوك العراء
وصبایا كرعت سم القضاء
قبل أن ترشف كأساً من هناء
صغت أحزانهم لحن شقاء
هو أحزانی وحبی ووفائی (1)
كانت بذرة الإنسانیة فی نفس الشاعرة منذ شبابها ونمت وأزهرت قصائد تصور شقاء الإنسان وتعاسته فی هذا الوجود ، وكانت الحرب العالمیة الثانیة أعظم محفز لظهور هذه النزعة فی شعرها وقد صورت مآسیها أفجع تصویر وكادت تسد منافذ النور ، فهی لاترى إلا التعاسة والدموع فی عیون الأشقیاء ، ولاتسمع إلا صرخات الجیاع فی كل شعب ، ولاتشهد إلا الشقاء فی كل قلب ، وتخاطب السماء لتمد كفیها وتمسح حزن الجیاع المعذبین :
المساكین یاسماء فمـــدی
لأساهم كفیك یفنی الشقـاء
إن یكونوا جنوا فقلبك أسمى
أو یكونوا ضلوا فأنت السماء
لیس یعیى كف الإلوهة أن
تمحو حزن المعذبین الجـیاع
فهی نبع الحیاة والخیر والفن
وبرء الأحزان والأوجــاع(1)
وكان منظر الریف البائس یؤذی نفسها فتثور على الواقع الألیم ، وتعبر عن مشاعرها الثائرة ، وتصف حالة الریفیین ، فأكواخهم حصیر وأحجار ، وبؤس لایزول ، وغرف رثة المداخل والجدران ، وأنّى لهم النهوض والتقدم فی الحیاة وهذه حالتهم البائسة المؤلمة (2) . وكان منظر القرى الجائعة یؤلمها فتصور سكانها وهم فی شقاء مقیمون :
سیلی بعیداً فی القرى الجائعة
حیث الحفاة العراه
وحیث لایبلغ سمع الحیاه
إلا صراخ الأنفس الضارعة
إلا عواء الذئاب
فی عطفة الوادی الشقی الحزین
فی شاهقات الهضاب
حیث لاتبصر عین السنین
إلا أسى المتعبین
قوافل یحدو بها أشقیاء
فی جنة من رخاء
قوافل الجائعین
فی ذلك الوادیالخصیب التراب
قوافل الضامئین
یلتمسون السراب(1)
ویؤلمها الفلاح الذی یكدح لیل نهار ، ولایصیبه من تعبه إلا مایتساقط من فتات المستغلین ، وهو الذی قضى حیاته بین المحراث والناعور ، یلقی البذور والمترف الهانىء یجنی ویسقی البساتین وصاحب القصر یاكل ، ویأتی الحصاد فإذا بالفلاح صفر الیدین ، وإذا بكوخه خالٍ مما یسد الرمق ، لأن المستغل سلبه كل شیء . وتستنكر الشاعرة هذا الوضع وتثور علیه وتسأل :
كیف یجنی الأزهار والقمح والأثمار
من لم یجرح یدیه القدوم
ویموت الفلاح جوعا لیفتر
لیعنی رب القصور النعیم
وتخاطب الله سبحانه وتعالى :
كیف هذا یارب رفقا بنا رفقا
فقد غصت الكؤوس دموعاً
وطغت فی الفضاء آهاتنا الحیرى
تغنی رجاءنا المصروعا (2)
وتظل مأساة الفلاح تطوف فی فی مخیلتها وترتبط الأرض بالإنسان الذی یكدح ولا یجد إلا الشقاء والجوع :
حدثونا عن رخاء ناعم
فوجدنا دربنا جوعاً وعریاً
وسمعنا عن نقاء وشذا
فرأینا حولنا قبحاً وخزیاً
ورتعنا فی شقاء قاتل
وكفانا بؤسنا شبعاً وریاً
وعرینا وكسونا غیرنا
وكسبنا القید والدمع السخیا
أین تلك الأرض من حجبها
نحن شدناها برنات الفؤوس
وأجعنا فی الدجى أطفالنا
لنغذیها وجدنا بالنفوس
وزرعنا وحصدنا عمرنا
وجنینا ظلمة الدهر العبوس
وسقینا أرضها من دمنا
ومنحناها لأرباب الكؤوس(1)
ووجد الراعی إلى شعر نازك سبیلا ، ووقفت تبكی علیه ، لأنه یریق حیاته فی ثلوج الجبال ولهب الشمس ولایحصل على مایسد رمقه ، وتأسى للصیاد الذی یعود إلى البیت مساء وهو فارغ الید بعد أن أمضى نهاره فی الحر المؤذی والشمس المحرقة من غیر جدوى ، فیا لقلبه المسكین ، وقد عاد بزورقه الخالی وهو یتنزى ألما ، ویتغنى دماً (2) .
والنهر هو مصدر الخیر والنماء یصبح مدمراً حینما یفیض ، ویغرق الحقول والبیوت ، ویودی بحیاة الآمنین ، وقصیدة ((مرثیة غریق))(3) ، لوحة إنسانیة رسمتها ریشة نازك بألوان تفجرت من نفسها الحساسة وموهبتها الرفیعة . لقد كان المساء یقترب ، والصمت یخیم ، والضیاء یخبو ، والقطیع یعود ، ولم یبقى سوى موج النهر یدوی ویروی أسرار الحیاة ، فی هذا الجو الذی یبعث فی النفس الطمأنینة والهدوء كان هیكل یغطس حیناً ویطفوا على الماء حیناً ، ولم تتبینه الشاعرة فی أول الأمر فلما تبینته صرخت :
آه یاشاعرتی هذا غریــــق
فاحزنی للجسد البالی الممزق
راقداً تحت الدیاجی لایفیـــق
والسنا من حوله جفن مؤرق
یالمیت لم یودعه قریـــــب
فهو فی النهر وحید متعب
مابكى مصرعه إلا غریــــب
هو قلبی ذلك المكتئب
وتتجلى الصورة وتتضح وتظهر إنسانیة الشاعرة ، وتتسع شكواها مما یحیق بالإنسان من مآسٍ وآلام ، وتنتهی إلى صورة قاتمة تعبر عن مصیر الإنسان ، فكل شیء مصیره إلى الزوال ، ولا أمل للإنسان فی هذا الوجود :
كل یوم بین أیدینا غریق
وغدا نحن جمیعاً مغرقونا
عالم حف به الموت المحیق
وتباكىفی حماه البائسونا
ضاق یاصیاد فی عینی الوجود
یالكون سره لاینجلی
كـل ما فیه الى القـبر یقود
ما الذی یبقى لنـا من أمل
وتشتغل نازك بهذ المأساة و تلتفت , فإذا بنهر دجلة یفیض فی عام 1946 فیضاناً رهیبا, وإذا به یكتسح الاحیاء والاموات , واذا بمقبرة تغمرها میاه النهر المتوحش فی مساء عاصف , وتسمع القصة فتنبثق قصیدة (( المقبرة الغریقة(1) )) , التی فجرتها عواطفهاالمتدفقة,وتصف المقبرة وصفا دقیقا یثیرالاسى فی النفوس, ویبعث على الشجا والالم . لقد كانت المقبرة آمنة بعیدة عن الدمار , فإذا بالنهر یجتاحها , ویروع صمت الاموات , وإذا ببقایا الاجساد النخرة تطفو على سطح الماء , فیا له من منظر رهیب . وتبكی الشاعرة مُرّ البكاء لأن مصیرها الموت والفناء :
بكیت للأموات طول المساء
وصِغتُ من دمعی النشید الحزین
وفی غَدٍ أرقد تَحتَ السماء
قبراً سیبكی عنده العابرون
وتبقى صورة الفیضان تلاحق الشاعرة وتقف فی قصیدة (( الفیضان(1) )) لترسم صورة لما احدث النهر من دمار :
وقفت فی الدجى تحس الاسى المر
وتبكی فی مسمع الظلمـات
وترى بالخیال ماحل بالقریة
وبالبائسین من ویلات
فجأتهم تحت الدجى لجة الموت
فباتوا صرعى القضاء العاتی
ومضوا یضربون فی ظلمة اللیل
وما من منجى من المأسـاة
وتعالى تحت الظلام صراخ
رددته الریاح للاشجار
هو صوت الاحیاء فی لجة الموت
وصرعى الأمواج و الأقدار
ویعشق النهربغداد ویفیض فی عام 1954, ویغرق بغداد الجدیدة وبعض جوانبها, وتتصور الشاعرة عاشقاً وتسمیه (( النهر العاشق(2) )) , ولذلك فهو یتبع الناس ویلاحقهم كالعاشق المجنون :
أین تمضی إنه یعدو علینا
راكضا عبر حقول القمح لا یلوی خطاه
باسطا فی لمعة الفجر ذراعیه الینا
طافرا كالریح نشوان یداه
سوف تلقانا وتطوی رعبنا أنّى مشینا
وترسم الشاعرة لما أحدث النهر صورة لیس فیهاحزن قصائدها الاخرى أو یأسها:
أین نعدو وهو قد لف یدیه
حول أكتاف المدینه
إنه یعمل فی بطء وحزم وسكینه
ساكبا من شفتیه
قبلا طینیة غطت مراعینا الحزینه
وتنظم قصیده أُخرى فی فیضان عام 1954 وتسمیها(( المدینه التی غرقت(1) )) وهی مرثیة لبغداد الجدیدة . وهذه القصیدة تصور الخراب بأجلى صوره , وترسم
آثار الفیضان بلون قاتم یثیر الشجن :
وجـاء الخراب ومدد رجلیـه فی ارضـها
وأبصـر كـیف تنوح البیوت على بعضها
وحدق فیها واصغى الى الصرخات الاخیرة
لسقف هوى وتداعى وَشرفة حُبٍ صغیرة
وارسل عینیـه فی نشـوة یرمق الابنیـه
وقد ركعت فـی هوان ذلیل بلا مرثیة
وجـاء الخراب وسـار بهیكله الاسود
ذراعـاه تطوی وتمسح حتى وعود الغد
وَأسنانه الصفر تقضم بابا وتمضغ شرفة
وأقدامه تطأ الورد والعشب من دون رأفه
وسار یرشُّ الردى والتآكل ملء المدیـنه
یخرب حیث یحل وینشر فیها العفونـه
لقد جسدت الشاعرة النهر , وأضفت علیه صفة الحیوان المفترس الجائع الذی مضى یثیر الرعب ویفترس كل شیء , فما افجع هذه الصورة التی رسمتها , وما أصدقها فی وصف ما أحدث النهر من خراب شهده الناس, فلم یكن فی نفوسهم من الالم والخوف مثل ما فی القصیده التی جاءت معبرة عن الواقع الرهیب فی ذلك العام , وجاءت خاتمة القصیدة التی جاءت معبرة عن الواقع الرهیب فی ذلك العام , وجاءت خاتمة القصیدة مأساة فاجعه لأن المدینه فقدت كل شیء :
وتصحو المدینة ظمأى وتبحث عن امسها
وماذا تبقى سوى الموت والملح فی كأسها
ویثیر الشاعرة منظر جسد حصان على ارض الشارع المبلله , وكانت السیاط ترتفع ثم تهوی فلا تسقط إلا على جرح،وتنظم قصیدة (( سیاط وأصداء (1))) تعبر فیها عن مشاعرها وثورتها , وتتمنى أن تعدم الاحساس لتجد الراحة الى نفسها سبیلا :
یا لیتنی عمیاء لا ادری بما تجنی الشرور
صماء لا اصغی الى وقع السیاط على الظهور
یا لیت قلبی كان صخرا لا یعذبـه الشعور
وتنتقد عواطفها المشبوبة وتصرخ :
یا نار عاطفتی الرقیقة یا غریبة فی البشر
وقع السیاط على الظهور اشد من وقع القدر
والحس فی هذا الوجود جریمة لا تغتفر
وإجتاح مصر فی عام 1947 م مرض الهیضة_ الكولیرا _وجاءت الانباء تحمل مأساة الانسان العربی فی هذا القطر , وتحركت مشاعر نازك وهی الحساسة التی یثیرها أدنى ألم ونظمت قصیدة (( الكولیرا (2))) . وكانت هذه القصیدة بدایة الشعر الحر فی اعمال الشاعرة , وكأن المساة كانت خیرا على تطور الشعر العربی الحدیث , إذ خرجت الشاعرة , فی هذه القصیدة على مألوف الشعر وحطمت بناء البیت , ولون عنفوان القافیة الموحدة . والقصیدة بلونها الجدید وهدفها النبیل موسیقى جنائزیة تثیر الحزن فی النفوس وتبعث الالم . لانها تصور الرعب الذی دهم القرى المصریة , والقلوب الفزعة الخائفة من المرض والیأس القاتل فی جو كل ما فیه یثیر الهلع والخوف :
سكن اللیل
أصغِ الى وقع صدى الانّات
فی عمق الظلمة تحت الصمت على الاموات
صرخات تعلو تضطرب
حزن یتدفق یلتهب
فی كل فؤاد غلیان
فی الكوخ الساكن احزان
فی كل مكان روح تصرخ فی الظلمات
فی كل مكان یبكی صوت
هذا ما قد مزقه الموت
الموت الموت الموت
یا حزن النیل الصارخ مما فعل الموت
ویطلع الفجر على الاموات وصرخات الاحیاء : (( موتى , موتى )) , ویعلو الصراخ فی كل مكان ؛ لأن الموت امتد الى كل الاحیاء ولم یبقى ركن إلا وقد عصف به , وهو یصرخ مجنونا لا یلتفت الى صوت الباكین وصراخ المشیعین , ویمتد سعار المرض ولا یبقى سوى النوح والزفیر , وطفل یبكی لفقد ابیه ومن یدری فلعل الداء الشریر یلقفه :
یا شبح الهیضة ما ابقیت
لا شیء سوى احزان الموت
الموت الموت الموت
یا مصر شعوری مزقه ما فعل الموت
وتتجلى دعوة الشاعرة الى المحبة والاخاء فی قصیدتها (( لنكن اصدقاء(1) )) , وهی دعوة تصدر من انسانیة اضناها واقع الانسان العربی المریر فی اثناء الحرب العالمیة الثانیة وما جرت على العالم من ویلات امتدت سنیناً :
لنكن أصدقاء
نحن والظالمون
نحن العزل المتعبون
والذین یقال لهم مجرمون
نحن والاشقیاء
نحن والثملون بخمر الرخاء
والذین ینامون فی القفر تحت السماء
نحن والتائهون بلا مأوى
نحن والصارخون بلا جدوى
نحن والاسرى
نحن والامم الاخرى
فی بحار الثلوج
فی بلاد الزنوج
فی الصحارى وفی كل ارض تضم البشر
كل ارض أصاخت لآلامنا
كل ارض تلقت توابیت احلامنا
ووعت صرخات الضجر
من ضحایا القدر
وتثیر الشاعرة صورة فتاة بائسة فی الحادیة عشر من عمرها , وقد رقدت على الرصیف فی یوم عاصف شدید البرد , وآلمها منظر الطفولة البریئة فنظمت قصیدة (( النائمة فی الشارع(1) )) , لتصور بؤس الفقراء , وتصب نقمتها على البشر الذین لا تهزهم آلام المعذبین فی الارض . لقد رسمت الشاعرة للفتاة صورة رهیبة تبعث فی كل نفس الماً , ولكن أین الذین یألمون ؟
ولمن تشكو لا احد ینصت أو یعنى
البشریة لفظ لا یسكنه معنى
لقد ماتت الرحمة فی القلوب ولم یبق إلا الطلم الرهیب :
هذا الطلم المتوحش بأسم المـدنیة
بأسم الاحساس فوا خجل الانسانیة
وتنحو الشاعرة هذا المنحى فی (( مرثیة أمرأة لا قیمة لها(1) )) , وتأسى على من ماتت ولم یشیعها احد , وتهزها ما آلت إلیه الراقصة , فتنظم قصیدة (( الراقصة المذبوحة(2) )) , لتعبر عن ظلم البشر وقسوة الحیاة وتأتی قصیدة (( غسلاً للعار (3))), مصورة ما إستقر فی المجتمع من عادات ترفضها الانسانیة وهی القتل غسلاً للعار من غیر رجوع الى احكام الشریعة أو القانون , وكانت هذه الحالة تثیر الرعب فی النفوس وتلقی ظلالاً كئیبة على المجتمع النسوی خشیة الانزلاق المودی الى القتل . والقصیده تعبیر صادق عما یختلج فی نفس القاتل وهو یرفع المدیة ملطخة بالدماء بعد ان قتل المسكینة :
ویعود الجلاد الوحشی ویلقى الناس
العار ؟ ویمسح مدیته : مزقنا العار
ورجعنا فضلا بیض السمعة احرار
والقصیدة تصویر دقیق لمشاعر الفتیاة بعد ان سمعن بمقتل الفتاة , فهن فزعات خائفات من الانزلاق والفضیحة والقتل :
یا جارات الحارة یافتیات القریة
الخبز سنعجنه بدمـوع مآقینا
سنقص جدائلنا وسنسلخ ایدینا
لتظل ثیابهم بیض اللون نقیة
لا بسمة لا فرحة لالفتة فالمدیة
ترقبنا فی قبضة والدنا وأخینا
وغدا من یـدری أی قفار
ستورینا غسلا للعــار
وعبرت نازك عن الموقف اللا إنسانی فی قصیدتها (( ثلاث أُغنیات شیوعیة )) باسلوب الذم بما یشبه المدح , فهی لم تتحدث عن المجازر التی اقترفها الحاقدون فی العراق عام 1959 م . كما وقعت , وإنما تحدثت بأسلوب الضد , وبذلك جمعت بین الفنیة الرفیعة والواقعیة الدقیقة . كانت نازك الملائكة شاعرة انسانیة آلمتها احزان البشریة وأثارت مشاعرها وأحاسیسها . فأنطقتها بالشعر المعبر عن خلجات الانسان وعذابه فی هذا الوجود , وكانت نزعتها الانسانیة مستمدة من ظروف متعدده وعوامل مختلفة ولعل منها كما یأتی :
1. الحرب العالمیة الثانیة التی خیمت على العالم فی صبا الشاعرة وتدفق شبابها, فقد رأت المآسی , وسمعت بالخراب , فأثارها ودفعها الى تصویر آلام الحرب , وما عانت البشریة منها .
2. الاحساس المرهف الذی هیأ لها جواً دفعها الى تصویر مآسی الحیاة .
3. حیاة الشاعرة فی بیئة بغدادیة أصیلة كانت الروابط الانسانیة فی أوثق عراها, هیأت الجو المناسب وجعلت الشاعرة تشارك الناس آلامهم .
4. شیوع الافكار الانسانیة والدعوة الى تحریر الانسان من العبودیة والفقر والحرمان .
5. اهتمام الشاعرة بالادب المهجری الذی تجلت فیه النزعة الامسانیة , ولا سیما أعمال میخائیل نعیمة وجبران خلیل جبران , اللذین استمدّا إنسانیتهما من الاعتماد ببعض الاتجاهات التی ظهرت فی الولایات المتحدة قبل الحرب العالمیة الاولى وبعدها .
6. متابعة الشاعرة للشعر الوجدانی وتأثرها به , ولا سیما قصائد توماس جری ووردزورث وشیلی وبایرون , وتعد قصیدة (( مرثیة فی مقبرة ریفیة(1) )) , لجری مفتاحا لفهم الحزن الدائم , والالم المتدفق , والمشاعر الثائرة , والعطف على الانسانیة فی شعر نازك .
وقد تكون هناك ظروف وعوامل اُخرى بذرت فی نفس الشاعرة حب الانسان ومشاركته آلامه وأحزانه , إلا أن هذه النزعة أصبحت نزعة قومیة فی دواوینها الأخیرة , وأصبح حزنها فرحا وتشاؤما أملا , وما إلى ذلك بفضل الثورات التحرریة التی خاضها الوطن العربی , وبفضل الحیاة الجدیده التی جعلت الانسان یشعر بإنسانیته النابعة من حب الوطن والامة وعقیدتها السامیة ورسالتها
الخالدة .
لم تكن نازك _ إذن شاعرة إنطوائیة عاشت فی برجٍ عاجی , وإنما كانت إنسانة مرهفة آلمها واقع الحیاة , فصورت شقاء الجیاع ومآسی الحرب وبعض صور المجتمع , حتى إذا نما الحس القومی بین الناس , ودقت الثورة العربیة الابواب , كانت الشاعرة فی الصفوف الاولى تغنی للثورة وتدعو الى تحریر الارض المغتصبة , وتصور واقع الحیاة العربیة الجدیدة اروع تصویر بقصائد تستمد رحیقها من قلبها الحساس . وكانت قصیدتها (( تحیة للجمهوریة العراقیة )) فاتحة نزعة وطنیة قومیة تستحق البحث والوقوف عندها لتتضح صورة الشاعرة الحقیقیة بعد أن طمستها تهم وأباطیل , لأنها لم تنساق وراء الاحداث المتغیرة , ولم تطمع فی مجد یُشاد على التزییف ’ وكفانا أنها حررت الشعر العربی من قیود العهود المظلمة وكانت رائدة الشعر العربی فی القرن العشرین .
موضوعات وبلاگ: نازک الملائکة،
ارسال توسط كشاورز
بازدید : مرتبه
تاریخ : پنجشنبه 22 مهر 1389
د. رباب هاشم حسین / كلیة التربیة / جامعة بغداد
المقدمة
بعیدا عن محاولتنا ولوج عالم الأسطورة ورموزها یجدر بنا الإحاطة بمجمل الدوافع التی دعت الشاعر المعاصر إلى اللجوء إلى ذلك التراث الإنسانی الموغل فی القدم لیستلهم منه تلك الأجواء الروحیة العمیقة وملامح البطولة الإنسانیة المتفردة التی تجسدت بأفعال الشخصیات الأسطوریة وتطلعاتها ومواقفها إزاء الحیاة الإنسانیة وما یحیط بها من غموض وتعقید.
وإذا كانت الأساطیر فی مضمونها العام حكایات أو قصص غارقة فی الخیال والتصورات الخرافیة بوصفها مجافیة للمنطق الحضاری الحدیث فكیف یمكن أن یكون اللقاء بین الشاعر المعاصر وصانع الأسطورة؟ إن نظرة فاحصة متعمقة فی صمیم العمل الشعری والبناء الأسطوری تظهر لنا بجلاء مدى الصلات الحمیمة التی تربط بین هاتین الظاهرتین . ولعل أبرز تلك الصلاة هی البناء اللغوی وأسلوب الأداء التعبیری اللذان یتجاوزان حالة التشابه إلى حالة مهمة من التطابق الذی یثیر فی أذهاننا الاعتقاد بأننا ورثنا من إنسان بتلك الثقافة الأسطوریة البدائیة الكیفیة اللغویة التی كان یعبر بها عن تصوره وإدراكه للواقع وإننا برغم ما نملك من نظرة موضوعیة ما زلنا نحتفظ بتلك اللغة المفعمة بالحیاة والرموز ولعل الصفة الأسطوریة للتراكیب اللغویة والمفردات اللفظیة من المسلمات التی یقوم علیها العلم الحدیث فی أصل اللغة.
فضلا عن ذلك كله إن البناء الأسطوری لا یتضمن عنصرا نظریا أو فكریا فحسب بل انه یحمل عنصرا فنیا ذا طابع إبداعی على نحو ما یقول كاسیرر وأول ما یلفت انتباهنا فی الأسطورة هو صلتها الوثیقة بالشعر ذلك أن عقل مبدع الأسطورة عقل شاعر بل إن الشاعر وصانع الأساطیر یعیشان فی عالم واحد فلم تعد الأسطورة مرتبطة بمرحلة تاریخیة بدائیة لان الفن لا ینقد إطلاقا الخیال ألغرائبی الذی تصوره الأساطیر بل یتجدد مع كل فنان عظیم فی كل العصور.
إن الأسطورة بما تنطوی علیه من طاقات إبداعیة فاعلة ومؤثرات تكسب الشعر قدرات فنیة ودلالیة من خلال خلق علاقات لغویة عمیقة السعة والشمول بحیث تصبح بنیة القصیدة نسیجا فریدا من الدلالات والرموز التی تحیل إلى ذلك العالم الغامض الخفی الذی یتوخى الشاعر تجسیده على المستویات الفكریة والنفسیة والإنسانیة وعن طریق الأسطورة وما تتضمن من عطاء فنی وتاریخی تكون إسقاطات الشاعر الرامزة التی تجعله یوظف الأسطورة توظیفا رامزا یكون فی وسعه تخلیص اللغة الشعریة من غنائیتها الفجة بواسطة استحداث معادل موضوعی بین الذاتیة والموضوعیة والانطلاق بالتجربة الفردیة إلى مستوى التجربة الإنسانیة الكلیة.
ولعل القارئ الكریم لا یستغرب أن یستخدم السیاب الرموز الأسطوریة فی شعره لأنه أغرم بها وتوسع فی توظیفها منذ بواكیره وقد یتعجب من توظیف الرموز الأسطوریة فی شعر نازك الملائكة لان نازك فی دراسات الباحثین عزفت عن استخدام الأساطیر أو الاهتمام بها وهذا ما دفعنا إلى تألیف هذه الدراسة التی تعقد موازنة بین قدرة السیاب الفنیة فی توظیف السیاب للرموز الأسطوریة لتجسید معالم الموت التاریخی وضرورة الانبعاث من خلال الثورة والتضحیة بل عبر عن قضایا إنسانیة كبرى لها صلة مباشرة بحاضر الإنسان ومستقبله فی حین إن الرموز والإشارات الأسطوریة فی شعر نازك تكاد تتركز فی بواكیر شعرها من الناحیة الزمنیة أما فی المراحل اللاحقة فإنها كما یبدو قد عزفت عن تلك التقنیة الشعریة واضعة ثقلها على الرموز ذات الدلالة الخاصة والبناء الشعری ذی السمة الشعریة ولقد حاولت استقراء كل الرموز الأسطوریة التی وظفتها نازك فی شعرها لجاعل القارئ على بینة حول طبیعة ذلك التوظیف ثم قارنت بین توظیف السیاب الفنی للرموز الأسطوریة وتوظیف نازك لرفع الحیف عن الإهمال الواضح لظاهرة استخدام الرموز الأسطوریة فی شعر نازك الملائكة.
توظیف الرموز الأسطوریة فی الشعر بین نازك والسیاب
الرموز الأسطوریة فی الشعر العربی الحدیث الدوافع والمؤثرات:
لا یخفى أن من المنجزات المهمة فی حركة الشعر الحر على ید الرواد استخدام الأساطیر رموزا یوظفونها فی بناء القصیدة لتعبر عن أفكار ومعان عمیقة وعن رؤى ومضامین طریفة ومكثفة لم یألفها القارئ العربی قبل خمسینات هذا القرن وبدأت تحتل لدى الشعراء المتأثرین بالأدب الأوربی حیزا كبیرا فی الخمسینیات والستینیات... وخاصة فی الإنتاج الشعری إلى الحد الذی جعل خلیل حاوی یعد استعمال الأسطورة فی الشعر الحدیث من أهم صفاته (1)
ولعلنا لانعدم البحث عن أساطیر ودت فی الشعر العربی القدیم ولأجرم أن نعثر على رموز أسطوریة فی الشعر العربی الحدیث قبل الرواد ولاسیما لدى جماعة الدیوان وابولو ولكن الاستخدام لدى الشعراء الرواد فی العراق أخذ اتجاها أخر أكثر عمقا وأوسع أفقا وأبعد نظرا وأكبر كما ومما لاشك فیه أن هؤلاء الشعراء قد تثقفوا بالثقافة الأجنبیة وأطلقوا على الأدب الأوربی عامة والشعر الغربی خاصة لان شعرهم كما یبدو استقى من الشعراء الأوربیین فكرة استخدام الاساطیر وعلى الرغم من أن الاساطیر نتاج (إغریقی أو رومانی) لكنه أصبح فیما بعد تراثا أوربیا یتبناه الشعراء الغربیون ویوظفونه فی شعرهم ولكنه تراث طبیعی للغربیین أولا ولكن شعراءنا سارو إلیه بدافع التقلید وبدعوى التجدید(2)على رأی الدكتور علی جواد الطاهر.
إن الشعراء العرب الذین لجأوا إلى استخدام الرموز الأسطوریة فی شعرهم مطلع هذا القرن تأثرا بالشعر الغربی واقتباسا لأسالیبه كانوا یدركون تماما إن واقعهم وظروفهم السیاسیة والفكریة آنذاك هو واقع مشابه للواقع الذی أشار إلیه ت.س. الیوت فی قصیدته الأرض الخراب وحین تكون الأرض الخراب بالنسبة ل(ت.س.الیوت) المدینة الخیالیة (الیوتوبیا) بكل ما فیها فالأرض الخراب بالنسبة للشعراء العرب هی أرض بلادهم التی غزتها الحضارة الجدیدة وبالتالی فقدان الناس فیها لهویتهم الأصیلة وبما أن الأرض الخراب فی قصیدة الیوت تسترد عافیتها بوعد هطول المطر فی الجزء الأخیر منها فالشعراء العرب قد استفادوا من هذه الفكرة فی أسطورة ادونهیس ولذا فان خلاصهم یتحقق حسب اعتقادهم من خلال التضحیة ویتضح ذلك مثلا لدى الشاعر یوسف الخال الذی یرى أن تجاوز الواقع المر إلى مستقبل مشرق لن یكون إلا من خلال الموت (التضحیة) الذی یتبعه واقع جدید (البعث) وانطلاقا من هذا المبدأ لجأ یوسف الخال إلى توظیف أسطورة 0تموز) لما فیها من دلالة رمزیة كان ینشدها.
ومن أوائل الذین أفادوا من أسطورة تموز وتوظیفها فی الشعر العربی بدر شاكر السیاب وعلى أحمد سعید الذی لقب نفسه ب(أدونیس) وهو الاسم الإغریقی ل(تموز) ففی قصیدته البعث والرماد (1957) خیر مثال على التعبیر عن موقفه السیاسی تجاه واقعه.(3)
ومن الطبیعی إن تتحدد دوافع استخدام الاساطیر بین التقلید للشعراء الغربیین أمثال ت.س.الیوت t.s.eliot وادیث سیتویل edith sitwell وجون كیتس gohn keats وشیللی shelley وغیرهم وبین البحث عن الأبعاد والدلالات الرمزیة أو الرجعة إلى الحیاة البدائیة الساذجة للتخلص من تعقید الحیاة أو البحث عن معین فنی بعید عن مادة الحیاة فیه غذاء للخیال وانطلاق من حدود العقل (4). ومن الجدیر بالإشارة أن الشعراء الرواد – وخاصة السیاب والبیاتی – حین استخدموا الاساطیر أضافوا إضافة نوعیة إلى الشعر العربی التحدیث وحسبهم أنهم وظفوه فی كیان قصیدة عربیة مكتوبة بلغة عربیة وأفكار عربیة وجها ولسانا بالرغم من التأثر بالشعراء الأوربیین ولقد نجحوا أیما نجاح.
إن قضیة التأثر والتأثیر واردة هنا ولا ضیر فیها فی ظننا لان الاساطیر أصبحت تراثا عالمیا وانسانیا فیها من شمول الدلالة والعمق ما یجعل الشاعر العربی یوظف رموزا أسطوریة توحی بما هو أكبر من المساحة التی تحتلها من اللفظ (5). ولكن استخدام الاساطیر كما یرى د. علی البطل لا یعد فی ذاته ظاهرة تستحق الاهتمام بقدر ما یستحقه الجدید فی الاعتماد على الأسطورة وجعلها عنصرا فاعلا من عناصر القصیدة الحدیثة لا تزیینا أو زخرفا بلاغیا (6). وهذ ما طمحنا إلى ألفات النظر إلیه فی مستهل هذا البحث لان تبنی الاساطیر فنیا لا یتأتى بسهولة لكل شاعر ما لم یفهم الأبعاد الإنسانیة والمعانی الفكریة العمیقة للأساطیر القدیمة وامتلاك دلالاتها مثلما یمتلك تجربته الشعریة وصیاغته الفنیة.
الرموز الأسطوریة فی شعر الرواد فی العراق:
ما یهمنا – إذن – أن استخدام الرموز الأسطوریة فی شعر الرواد كانت قضیة تستحق البحث لأنها ظاهرة مهمة من ظواهر هذا الشعر لما فیها من دلالات خاصة حاول الشعراء من خلالها تفجیر الدلالة المطلوبة فی إطار السیاق الشعری لیؤكدوا الأحاسیس والمعانی والأفكار التی یحملونها فی جنباتهم من خلال المواءمة بین الرمز والسیاق الفنی بمعنى توظیف الشاعر لرمزه الأسطوری انسجاما مع السیاق الفنی لقصیدته ولولا ذلك لتحولت القصیدة إلى (ترقیع) غیر متجانس فنیا.
ولقد تفاوت الشعراء الرواد فی أسالیب استخدامهم للرموز الأسطوریة فمنهم من ذكر شخصیة من شخصیات الأسطورة ومنهم من اتكأ على معناها العام دون أن یذكرها ومنهم من ذكرها وأفاد من مغزاها العام.
كل حسب قناعاته ودوافعه وذلك لما فی الأساطیر من طاقة رمزیة تمنح الشاعر مجالا للتعبیر لیفصح عن أفكاره على نحو فنی یبعد القصیدة عن المباشرة والسطحیة من جهة وینأى بالشاعر أحیانا أن یكون عرضة للأذى والملاحقة (7). وهذا یشیر إلى أن للظروف السیاسیة والاجتماعیة دورا فی هز كیان الشاعر أمام هذا القلق الحضاری وتبدل القیم والعلاقات الإنسانیة.
یبدو أن الشعراء الرواد كانوا على صلى بالثقافة الأوربیة والأدب الغربی وأخص بالذكر هنا نازك الملائكة والسیاب فقد اطلعوا مثلا على كتاب الغصن الذهبی لجیمس فریزر وعلى بعض المعاجم المیثولوجیة المترجمة وغیر المترجمة فالسیاب على سبیل المثال توزعت لدیه المصادر الأسطوریة وتنوعت بین مؤثرات ثقافیة لشعراء أوربیین وبین مؤثرات میثولوجیة قدیمة لكتب وأسالیب أدبیة حوت مضامینها دلالات اجتماعیة وإنسانیة كثیرة.(8)
یتفق مجمل الباحثین على إن السیاب هو أول الشعراء الرواد من العراقیین استخداما للأساطیر فی شعره فی مجال الرصد التاریخی وهذا مما شاع لدى شریحة كبیرة من القراء وحقیقة الأمر أن نازك الملائكة هی الأسبق إذا أردنا التسلسل الزمنی ومما یدل على ذلك ورود أسماء شخصیات أسطوریة فی شعرها منذ عام 1945 فی قصیدتها الطویلة مأساة الحیاة فی صورتها الأولى وذا ورد (ابولو) حوالی عام 1945 فانه یرد عابرا عاما فی مأساة الحیاة أی من غیر الموحیات البلاغیة المطلوبة وربما كان (بلاوتس) اله الذهب عام 1950 مثله أو قریبا منه (9).
وفی مقولتها أغنیة للإنسان 1950 أسماء شخصیات أسطوریة متعددة أیضا ومما یؤكد اهتمام نازك بالأساطیر الإغریقیة وغیرها ما ذكرته د.حیاة شرارة من أن نازك الملائكة درست اللغة اللاتینیة منذ عام 1950 والذی یدرس اللغة اللاتینیة یطلع بالضرورة على الأدب الرومانی وما فیه من أساطیر تقول واصلت نازك دراسة اللغتین اللاتینیة والفرنسیة وظلت تحفظ قوائم تصریف الأفعال وتغیرات نهایات الأسماء اللاتینیة وفی الوقت نفسه بدأت بكتابة ملحمة أدخلت فیها أساطیر عربیة وإغریقیة وبابلیة ووجدت أنها بدأت بمرحلة جدیدة فی تطور شاعریتها (10).
وهذا أیضا و أكدته نازك نفسها فی مقابلة شخصیة معها عام 1984 (فی الكویت) حینما سئلت عن الأسماء الأسطوریة التی وردت فی شعرها هل جاءت بسبب اطلاعها المباشر على المصادر الأجنبیة أم تعرفت علیها من خلال الشعر الانكلیزی؟
أجابت كل هذه الأسماء وسواها استعملتها لأننی أعرف المیثولوجیا الإغریقیة من أصغر تفاصیلها إلى أكبرها درستها دارسة مفصلة فی فرع التمثیل بمعهد الفنون الجمیلة عام 1942 (11).
ولعل نازك فی حدیثها السابق قد بالغت بعض الشیء فی هذا الشأن ولكنه یدل بلا شك على اطلاع ما على الأساطیر الیونانیة.
إن ما ذكرته د.حیاة شرارة وغیرها من الباحثین وتواریخ قصائد نازك نفسها أعنی مطولتها تدل دلالة واضحة على أسبقیة نازك الملائكة فی مجال استخدام الأساطیر مقارنة بالسیاب الذی بدأ باستخدام الأساطیر بعد عام 1952 كما هو معروف فی مطولته الرائعة (المومس العمیاء) بسبب تأثره بالشعر الأوربی كما اشرنا سابقا ولقد اهتم السیاب ونازك اهتماما خاصا بالشخصیات الأسطوریة إضافة إلى اهتمامهما بالأسطورة عامة لان الشخصیة الأسطوریة توحی من خلال توظیفها فی القصیدة بما فی الأسطورة من دلالات وتكثیف للمعنى المطلوب وعلى هذا الأساس وردت فی شعرهما أسماء شخصیات أسطوریة تنم عن اطلاعهما واهتمامهما بالأساطیر الإغریقیة والرومانیة وغیرها.
الأسطورة بین نازك والسیاب:
نحاول فی هذا البحث الوقوف على استخدام الأساطیر الإغریقیة والرومانیة وغیرها من غیر العربیة والإسلامیة فی شعر نازك الملائكة وبدر شاكر السیاب وستكون وقفتنا أكثر اهتماما بالأساطیر المشتركة بین الشاعر والشاعرة مما وجد فی غیر التراث العربی والإسلامی والمسیحی حتى لا تتشعب خطوط البحث ویتضخم وسینحصر استقراؤنا بالأساطیر الإغریقیة والرومانیة والبابلیة المشتركة وهذا لا یعفینا من ذكر الرموز الأسطوریة غیر المشتركة بینهما نوردها على سبیل الذكر لا التحلیل ولا ننسى إن نشیر إلى إن الباحثین درسوا الأسطورة فی شعر السیاب دراسة تفصیلیة ولا حاجة هنا إلى التكرار ولذلك ستكون وقفتنا أطول عند الأسطورة فی شعر نازك نرصد تطورها ونلج غالى الرموز المشتركة بینهما ندرسها ونحاول بیان الأسبق أو الأكثر فینة فی استخدام بعض الرموز المشتركة ویبدو إن دراسة الأسطورة فی شعر نازك ظل بعیدا عن متناول الدارسین إلا ما ندر ویعزو الدكتور علی جواد الطاهر ذلك إلى أن نازك لیست مادة لموضوع الأسطورة والإعلام والرموز (12).
ونحن نرى أن شعر نازك فیه مادة طیبة فی مجال البحث عن الأساطیر لما فیه من دلالات ورموز أسطوریة وأسماء شخصیات استلت من أساطیر الإغریق والرومان أطلقت نازك على بعضها فی مقدمة دیوانها (شظایا ورماد) تسمیة بضع لكلمات أوربیة.
وعلى هذا الأساس یمكن التأكید على إن نازك استخدمت الرموز الأسطوریة قبل عام 1950 وخاصة فی مطولتها (مأساة الحیاة 1945 وهذا تاریخ له أثره المهم فی مجال الوعی باستخدام الأساطیر فی شعرنا العربی الحدیث فی العراق ولكن السبق الزمنی شیء والتوظیف الفنی شیء آخر ولعل استخدام نازك للأساطیر فی هذه المرحلة كان باهتا ضعیف الأثر فی بناء القصیدة الفنی بل یكاد یكون حرفیا ساذجا لیس له معنى خاص خارج الأسطورة القدیمة... لا یعدو أن یكون ركنا فی تشبیه أو حد الاستعارة... ویبدو فی الحالتین مقحما على السیاق الشعوری فی القصیدة وذا الحدیث الأسطوری أیضا مجرد سرد قصصی للأسطورة لم تتمكن الشاعرة آنذاك من تلوینه بأیة ظلال شخصیة تضفیها على المغزى الأصلی للأسطورة (13).
إن هذا فی اعتقادنا عیب من عیوب الریادة ونازك هی الرائدة الأولى للأسطورة فی الشعر العراقی الحدیث ولابد من الوقوع فی دائرة الضعف إذا ما عرفنا أن الاهتمام بالأساطیر لدیها كان عام 1945.
ولو تتبعنا الشاعرة بعد عام 1950 لوجدنا أن وعیها الأسطوری أخذ منحى آخر فیه شیء من العمق والتمثل الفنی للأسطورة وهذا یلمح إلى إن الشاعرة استعجلت الأمر وأخرجته قبل أن یختمر ولكنها سجلت سبقا زمنیا على زملائها فی مجال الاطلاع على الأساطیر.
قلنا أن الشاعرة لم تعط لنفسها الوقت الكافی لاستبطان الأساطیر وتمثلها على العكس من بدر شاكر السیاب الذی تعامل مع الأساطیر بوعی لا نظیر له وبقدرة یحسد علیها فی مجال التمثیل والفهم للأساطیر ولقد أفاد السیاب مما وقعت به نازك من عیوب ثم انه لم یستعجل الأمور فلم یخرجها إلا بعد أن تمكن منها مما جعل توظیفه للأساطیر ذا شأن فی بناء القصیدة مع تأخره زمنیا عن الشاعرة بسنوات والمهم كما یقول د.علی جواد الطاهر فی هذا المجال إن بدر شاكر السیاب تمكن من أداته وشرع یقدمها سمحة مطواعة یكسب بها ما كسبه الشاعر الغربی مثله... ثم قد یصل الباحث إلى بیان السابق أو الأسبق من شعراء الشعر الحر فی العراق إلى هذه الظاهرة ومكان بدر شاكر السیاب مضمون على أیة حال وذا كان غیره (وأفكر ببلند ونازك الملائكة) بدأ الطریق إلى غیر علم ببدر أو على غیر اعتراف بعمله فالممكن أنه زاد من الاستخدام عندما رأى نجاحها عند بدر. (14)
أن الدوافع إلى استخدام الأساطیر فی اعتقادنا مشتركة بین السیاب ونازك بل الشعراء الرواد فی العراق جمیعا هی دوافع فنیة وفكریة وسیاسیة واجتماعیة فبعد أن أدرك السیاب والملائكة حاجتهما إلى أسلوب فی التعبیر عما یدور فی خلجاتهما وهوا جسهما الشخصیة وافكارهما ومواقفهما السیاسیة والاجتماعیة دون أن یلحق بهما أذى أو یواجها برد فعل عنیف من الأطراف المعنیة التجأ كل من الشاعر والشاعرة إلى استخدام الرموز الأسطوریة فی شعرهما وقد أبدع الاثنان فی هذا المجال (15).
ولو درسنا الظروف التی كان یمر بها العراق آنذاك لوجدناها ظروفا قاسیة فی المجال السیاسی والاجتماعی والفكری وكانت لهذه الظروف مردودات سلبیة على الشعراء فی تلك الفترة نعنی منذ نهایة الأربعینات حیث كانوا یعانون من قوى التسلط والظلم والرعب التی كانت تحكم البلاد وقوى الشر التی تحكك العالم وعلى الرغم من أن الشعراء العراقیین قد عبروا عن تلك الظروف فی أغلب قصائدهم إلا أنهم فی الوقت نفسه كانوا متفائلین ویحلمون بشمس الحریة والثورة على الطغیان ولعل السیاب كان أكثر هؤلاء الشعراء تعبیرا بوساطة الرموز الأسطوریة عن الجدب السیاسی والفكری الذی یعیشه العراق وبعد ثورة 1958 أصبح السیاب أكثر اهتماما بالأساطیر خاصة بعد فترة مرضه للتعبیر عن حرمانه وغربته ومرضه وانتظاره الموت... نراه یستخدم موازنة بین متضادین رغم تناقضهما: أساطیر العذاب والموت وأساطیر الخصوبة والنماء. (16)
والمهم أن الشاعرین طمحا إلى التكثیف والتركیز ونبذ المباشرة والتقریریة التی شاعت لدى شعراء مطلع القرن العشرین لیجعلا من القصیدة عالما من الإسرار والرموز التی لا تعطی نفسها بسهولة للمتلقی حتى یصبح له دور فی مجال التأمل والاحتراف والفهم ونحن لا ننفی أن بدر كان متمكنا من أدائه مدركا لخطواته فی هذا الشأن لم یلج عالم الأساطیر لمجرد اطلاعه علیها فقط كما فعلت نازك بل تأملها جیدا بعد أن اطلع على الأدب الانكلیزی وعلى شعر ت.س.الیوت وادیث سیتویل بوجه خاص وكان له الفضل الأكبر فی قیادة خطواته نحو المنهج الصحیح فی استخدام الأساطیر (17).
ولعله استثمر جهود نازك فی هذا المجال وطورها وأفاد منها معتمدا على اطلاعه وقوة شاعریته وقدراته الفنیة التی تفوق بها على غیره من الشعراء.
أن مما یلفت النظر فی قضیة استخدام الأسطورة فی شعر نازك أمران:
الأول: إن الرموز والإشارات الأسطوریة تكاد تتركز فی بواكیر شعرها من الناحیة الزمنیة أما فی المراحل اللاحقة فإنها كما یبدو قد عزفت عن تلك التقنیة الشعریة واضعة ثقلها الإبداعی على الرموز ذات الدلالة الخاصة والبناء الشعری ذی السمة الرمزیة وكان الشاعرة قد أدركت أنها لم تستطع إن تضاهی ما قدمه زمیلاها الشاعران السیاب والبیاتی (18).
وهذا ما یأخذ بأیدینا إلى الأمر الثانی: وهو أن نازك لم تدرك شأو الشاعر بدر شاكر السیاب فی مجال توظیف الأسطورة فنیا فی شعرها وهذا فی ظننا یعود إلى أسباب متعددة ذكرنا بعضا منها فی الصفحات السابقة ونلفت النظر إلى أمر مهم لم یقف عنده الدارسون أبدا وأعنی اقتصار نازك على توظیف الأسطورة فی شعرها (العمودی) عامة وهذا فی اتقادنا یشكل خللا كبیرا فی مجال الإبداع الفنی.
فلیس من المعقول أن تستخدم الشاعرة أسلوبا جدیدا لم یألفه الشعر العربی سابقا وهی تطمح الى تغیر النوع الادبی من التقلید الى التجدید ثم توظف هذا فی قصیدة غنائیة تقلیدیة مما یحیله غالى استخدام محدود غیر متوالد وهی فی ذلك تشبه الشاعر أحمد شوقی الذی ادخل نوقا شعریا جدیدا إلى لشعرنا العربی ولكنه ظل یدور فی إطار القصیدة الغنائیة بینما یتطلب الشعر المسرحی شعرا درامیا حتى تحولت المسرحیة الشعریة لدیه إلى قصیدة غنائیة تتوزع على شخصیات المسرحیة یتحكم بها العروض والبحر الشعری والقافیة ولقد كانت مسرحیات شوقی تستجیب إلى الشعر فتتحول إلى قصائد جمیلة ومقطوعات منفصلة یثقلها الاستطراد والتفكك وتفتقد النمو الدرامی المطلوب... إن المأزق الرئیسی والأشكال الأساس فی شعر شوقی المسرحی (وتلامیذه من بعده) یكمن فی محاولتهم الوصول إلى التطور الشعری الخارجی (الشكل المسرحی) قبل تحولهم الشعری الداخلی الضروری (الحداثة) فكانوا یعالجون فنا متطورا بأدوات متخلفة ورؤیة قدیمة.(19)
وهكذا كانت نازك الملائكة فی مجال توظیف الرموز الأسطوریة قد أدخلت الجدید فی إطار قصیدة عمودیة غنائیة مألوفة ونحن هنا لا ننسى أن الشاعر المبدع أكبر من كل قید ولكنه لإبداعه لا تفوته فرصة الإتیان بالجدید بوسائل جدیدة أیضا ویبدو أن نازك لم تحمل قضیة التجدید فی مجال استخدام الأساطیر فی بواكیر شعرها على محمل الجد أو أنها لم تمثلها تمثلا عمیقا أو تدرك ما فیه من جدید أو لأنها أول من استخدم هذا الجدید بما نسمیه بعیوب الریادة ولم افترضنا أن نازك أخر من استخدم الأساطیر من الرواد هل سیكون توظیفها للرموز الأسطوریة بمثل هذا المستوى الذی هی علیه؟ هذا مانشك فیه.
والمهم أن نازك بالرغم من استخدامها لأسماء شخصیات أسطوریة فی دیوانها الثانی (شظایا ورماد) نراها تشیر إلى تلك الأسماء فقط دون الوقوف عندها وبیان دوافع استخدامها وكان مناسبا لو حدثتنا عنها فی مقدمتها القیمة لهذا الدیوان ویمكن القول أنها استعملتها كما تستعمل أیة لفظة لدیها أی إنها لم تفكر لدى الاستعمال ببلاغة خاصة لوقعها وبإدخال جدید على الشعر العربی ثم استعمالها لم یكن ذا أثر فی الآخرین.. وإنها لم تلتزمه صفة ویكفی أنها نشرت دیوانا من أهم دواوینها هو (قراره الموجة) 1957 دون أن تدل على اهتمام بالأسطورة (الاغریقیة). (20)
وهی فی هذا تختلف عن السیاب الذی ابتدأ بتوظیف الأساطیر دون أن ینتهی منها وظل متحمسا لها حتى اواخر أیامة لانه استخدمها عن وعی بمعنى التجدید وعن أدراك واستبطان لها وأجاد فیها أیما إجادة لأنه كان یضع قدمه على الأرض الصلبة التی تساعده على الندفاع فی هذا المضمار وابتكار ما هو رائع فی هذا الشأن ولقد لجأ إلى استخدام الرمز الأسطوری مؤمنا بقیمته الفنیة(21)
وانصب جزء من اهتمامه بتعریف القارئ العربی بتلك الرموز الأسطوریة أو أسماء الشخصیات الأسطوریة حتى یستوعب المتلقی ما یریده الشاعر و إذا كان بدر متمثلا لهذه الإعلام والأساطیر فانه یعلم أن أغلب القراء لم یسمعوا بها مع انه شاعر شعب ویطمح أن یكون شعبیا (22)
وكانت نازك أیضا تعرف بأسماء الإعلام الأسطوریة وغیرها فی نهایة دواوینها أو فی الهوامش كما فعلت فی شظایا ورماد ولكن السیاب كان أكثر اهتماما منها بتعریف الأساطیر.
أشرنا فیما سبق إن اهتمامنا سینصب على الاساطیر الإغریقیة والرومانیة وغیرها مما لا صلة له بالدین الإسلامی والمسیحی والتراث العربی لدى كل من نازك والسیاب ونحن نعقد مقارنة بینهما فی مجال توظیف الاساطیر فی شعرهما ثانیا ونعزو سبب ذلك إلى إن الأساطیر الإغریقیة درست دراسة وافیة من لدن الباحثین الأوربیین وهذا یعنی أنها متاحة للاستلهام الأدبی والفنی على نحو أفضل وهذا هو واقع الحال فی الثقافات والآداب الأوربیة التی تشكل جزءا أساسیا من المكونات الثقافیة والأدبیة لنازك (23) السیاب.
ویبدو أن توظیف الاساطیر لدى نازك توظیفا أدبیا لم یأت إلا بعد الخمسینات عندما اتخذ الرمز الأسطوری لدیها مستویین الأول: استخدام أسماء الشخصیات الأسطوریة مثل: ابولو apollo واریس ares وبلوتو Pluto ونارسیس... naressus الخ، والثانی: استلهام الاسطورة كاملة أی استثمار البناء القصصی للأسطورة أو الفكرة العامة لها فی توقیعه شعریة كاملة مثل أسطورة (نهر النسیان) و(بلاوتس) وغیرها فالشاعرة فی قصیدتها نهر النسیان مثلا لم توظف الاسطورة مادة وشخوصا بل أنها اتكأت على فكرتها العامة ومزجتها بتجاربها الشخصیة ومعاناتها فلم تكن الإشارة طافیة على سطح القصیدة یمكن استبدالها بأی رمز أسطوری مناسب دون أن یختل المعنى أو یضطرب بناء القصیدة. (24)
أن الرموز الأسطوریة التی وظفتها نازك توظیفا عاما وجعلتها مادة أساسیة فی بناء القصیدة یمكن أن نحددها فی بواكیر شعرها المتأثر بالشعر الأوربی وخاصة فی مطولتها الشعریة فی صورتها الثانیة (أغنیة للإنسان) 1950 وسنقف عند تلك القصائد وغیرها عند المقارنة بینهما وبین السیاب ولعل من المفید أن نذكر هنا أن رموزا أسطوریة مشتركة بین نازك والسیاب یمكن أن نستعرضها ونقف عندها لأنها مادة البحث الأساسیة وهناك رموز انفرد فیها كل منهما سنكتفی بذكرها فقط حتى نقی البحث الطالة والتشعب والخطل وسنحدد فی الجدول التالی أهم الرموز المشتركة بین نازك والسیاب:
موضوعات وبلاگ: نازک الملائکة،
المقدمة
بعیدا عن محاولتنا ولوج عالم الأسطورة ورموزها یجدر بنا الإحاطة بمجمل الدوافع التی دعت الشاعر المعاصر إلى اللجوء إلى ذلك التراث الإنسانی الموغل فی القدم لیستلهم منه تلك الأجواء الروحیة العمیقة وملامح البطولة الإنسانیة المتفردة التی تجسدت بأفعال الشخصیات الأسطوریة وتطلعاتها ومواقفها إزاء الحیاة الإنسانیة وما یحیط بها من غموض وتعقید.
وإذا كانت الأساطیر فی مضمونها العام حكایات أو قصص غارقة فی الخیال والتصورات الخرافیة بوصفها مجافیة للمنطق الحضاری الحدیث فكیف یمكن أن یكون اللقاء بین الشاعر المعاصر وصانع الأسطورة؟ إن نظرة فاحصة متعمقة فی صمیم العمل الشعری والبناء الأسطوری تظهر لنا بجلاء مدى الصلات الحمیمة التی تربط بین هاتین الظاهرتین . ولعل أبرز تلك الصلاة هی البناء اللغوی وأسلوب الأداء التعبیری اللذان یتجاوزان حالة التشابه إلى حالة مهمة من التطابق الذی یثیر فی أذهاننا الاعتقاد بأننا ورثنا من إنسان بتلك الثقافة الأسطوریة البدائیة الكیفیة اللغویة التی كان یعبر بها عن تصوره وإدراكه للواقع وإننا برغم ما نملك من نظرة موضوعیة ما زلنا نحتفظ بتلك اللغة المفعمة بالحیاة والرموز ولعل الصفة الأسطوریة للتراكیب اللغویة والمفردات اللفظیة من المسلمات التی یقوم علیها العلم الحدیث فی أصل اللغة.
فضلا عن ذلك كله إن البناء الأسطوری لا یتضمن عنصرا نظریا أو فكریا فحسب بل انه یحمل عنصرا فنیا ذا طابع إبداعی على نحو ما یقول كاسیرر وأول ما یلفت انتباهنا فی الأسطورة هو صلتها الوثیقة بالشعر ذلك أن عقل مبدع الأسطورة عقل شاعر بل إن الشاعر وصانع الأساطیر یعیشان فی عالم واحد فلم تعد الأسطورة مرتبطة بمرحلة تاریخیة بدائیة لان الفن لا ینقد إطلاقا الخیال ألغرائبی الذی تصوره الأساطیر بل یتجدد مع كل فنان عظیم فی كل العصور.
إن الأسطورة بما تنطوی علیه من طاقات إبداعیة فاعلة ومؤثرات تكسب الشعر قدرات فنیة ودلالیة من خلال خلق علاقات لغویة عمیقة السعة والشمول بحیث تصبح بنیة القصیدة نسیجا فریدا من الدلالات والرموز التی تحیل إلى ذلك العالم الغامض الخفی الذی یتوخى الشاعر تجسیده على المستویات الفكریة والنفسیة والإنسانیة وعن طریق الأسطورة وما تتضمن من عطاء فنی وتاریخی تكون إسقاطات الشاعر الرامزة التی تجعله یوظف الأسطورة توظیفا رامزا یكون فی وسعه تخلیص اللغة الشعریة من غنائیتها الفجة بواسطة استحداث معادل موضوعی بین الذاتیة والموضوعیة والانطلاق بالتجربة الفردیة إلى مستوى التجربة الإنسانیة الكلیة.
ولعل القارئ الكریم لا یستغرب أن یستخدم السیاب الرموز الأسطوریة فی شعره لأنه أغرم بها وتوسع فی توظیفها منذ بواكیره وقد یتعجب من توظیف الرموز الأسطوریة فی شعر نازك الملائكة لان نازك فی دراسات الباحثین عزفت عن استخدام الأساطیر أو الاهتمام بها وهذا ما دفعنا إلى تألیف هذه الدراسة التی تعقد موازنة بین قدرة السیاب الفنیة فی توظیف السیاب للرموز الأسطوریة لتجسید معالم الموت التاریخی وضرورة الانبعاث من خلال الثورة والتضحیة بل عبر عن قضایا إنسانیة كبرى لها صلة مباشرة بحاضر الإنسان ومستقبله فی حین إن الرموز والإشارات الأسطوریة فی شعر نازك تكاد تتركز فی بواكیر شعرها من الناحیة الزمنیة أما فی المراحل اللاحقة فإنها كما یبدو قد عزفت عن تلك التقنیة الشعریة واضعة ثقلها على الرموز ذات الدلالة الخاصة والبناء الشعری ذی السمة الشعریة ولقد حاولت استقراء كل الرموز الأسطوریة التی وظفتها نازك فی شعرها لجاعل القارئ على بینة حول طبیعة ذلك التوظیف ثم قارنت بین توظیف السیاب الفنی للرموز الأسطوریة وتوظیف نازك لرفع الحیف عن الإهمال الواضح لظاهرة استخدام الرموز الأسطوریة فی شعر نازك الملائكة.
توظیف الرموز الأسطوریة فی الشعر بین نازك والسیاب
الرموز الأسطوریة فی الشعر العربی الحدیث الدوافع والمؤثرات:
لا یخفى أن من المنجزات المهمة فی حركة الشعر الحر على ید الرواد استخدام الأساطیر رموزا یوظفونها فی بناء القصیدة لتعبر عن أفكار ومعان عمیقة وعن رؤى ومضامین طریفة ومكثفة لم یألفها القارئ العربی قبل خمسینات هذا القرن وبدأت تحتل لدى الشعراء المتأثرین بالأدب الأوربی حیزا كبیرا فی الخمسینیات والستینیات... وخاصة فی الإنتاج الشعری إلى الحد الذی جعل خلیل حاوی یعد استعمال الأسطورة فی الشعر الحدیث من أهم صفاته (1)
ولعلنا لانعدم البحث عن أساطیر ودت فی الشعر العربی القدیم ولأجرم أن نعثر على رموز أسطوریة فی الشعر العربی الحدیث قبل الرواد ولاسیما لدى جماعة الدیوان وابولو ولكن الاستخدام لدى الشعراء الرواد فی العراق أخذ اتجاها أخر أكثر عمقا وأوسع أفقا وأبعد نظرا وأكبر كما ومما لاشك فیه أن هؤلاء الشعراء قد تثقفوا بالثقافة الأجنبیة وأطلقوا على الأدب الأوربی عامة والشعر الغربی خاصة لان شعرهم كما یبدو استقى من الشعراء الأوربیین فكرة استخدام الاساطیر وعلى الرغم من أن الاساطیر نتاج (إغریقی أو رومانی) لكنه أصبح فیما بعد تراثا أوربیا یتبناه الشعراء الغربیون ویوظفونه فی شعرهم ولكنه تراث طبیعی للغربیین أولا ولكن شعراءنا سارو إلیه بدافع التقلید وبدعوى التجدید(2)على رأی الدكتور علی جواد الطاهر.
إن الشعراء العرب الذین لجأوا إلى استخدام الرموز الأسطوریة فی شعرهم مطلع هذا القرن تأثرا بالشعر الغربی واقتباسا لأسالیبه كانوا یدركون تماما إن واقعهم وظروفهم السیاسیة والفكریة آنذاك هو واقع مشابه للواقع الذی أشار إلیه ت.س. الیوت فی قصیدته الأرض الخراب وحین تكون الأرض الخراب بالنسبة ل(ت.س.الیوت) المدینة الخیالیة (الیوتوبیا) بكل ما فیها فالأرض الخراب بالنسبة للشعراء العرب هی أرض بلادهم التی غزتها الحضارة الجدیدة وبالتالی فقدان الناس فیها لهویتهم الأصیلة وبما أن الأرض الخراب فی قصیدة الیوت تسترد عافیتها بوعد هطول المطر فی الجزء الأخیر منها فالشعراء العرب قد استفادوا من هذه الفكرة فی أسطورة ادونهیس ولذا فان خلاصهم یتحقق حسب اعتقادهم من خلال التضحیة ویتضح ذلك مثلا لدى الشاعر یوسف الخال الذی یرى أن تجاوز الواقع المر إلى مستقبل مشرق لن یكون إلا من خلال الموت (التضحیة) الذی یتبعه واقع جدید (البعث) وانطلاقا من هذا المبدأ لجأ یوسف الخال إلى توظیف أسطورة 0تموز) لما فیها من دلالة رمزیة كان ینشدها.
ومن أوائل الذین أفادوا من أسطورة تموز وتوظیفها فی الشعر العربی بدر شاكر السیاب وعلى أحمد سعید الذی لقب نفسه ب(أدونیس) وهو الاسم الإغریقی ل(تموز) ففی قصیدته البعث والرماد (1957) خیر مثال على التعبیر عن موقفه السیاسی تجاه واقعه.(3)
ومن الطبیعی إن تتحدد دوافع استخدام الاساطیر بین التقلید للشعراء الغربیین أمثال ت.س.الیوت t.s.eliot وادیث سیتویل edith sitwell وجون كیتس gohn keats وشیللی shelley وغیرهم وبین البحث عن الأبعاد والدلالات الرمزیة أو الرجعة إلى الحیاة البدائیة الساذجة للتخلص من تعقید الحیاة أو البحث عن معین فنی بعید عن مادة الحیاة فیه غذاء للخیال وانطلاق من حدود العقل (4). ومن الجدیر بالإشارة أن الشعراء الرواد – وخاصة السیاب والبیاتی – حین استخدموا الاساطیر أضافوا إضافة نوعیة إلى الشعر العربی التحدیث وحسبهم أنهم وظفوه فی كیان قصیدة عربیة مكتوبة بلغة عربیة وأفكار عربیة وجها ولسانا بالرغم من التأثر بالشعراء الأوربیین ولقد نجحوا أیما نجاح.
إن قضیة التأثر والتأثیر واردة هنا ولا ضیر فیها فی ظننا لان الاساطیر أصبحت تراثا عالمیا وانسانیا فیها من شمول الدلالة والعمق ما یجعل الشاعر العربی یوظف رموزا أسطوریة توحی بما هو أكبر من المساحة التی تحتلها من اللفظ (5). ولكن استخدام الاساطیر كما یرى د. علی البطل لا یعد فی ذاته ظاهرة تستحق الاهتمام بقدر ما یستحقه الجدید فی الاعتماد على الأسطورة وجعلها عنصرا فاعلا من عناصر القصیدة الحدیثة لا تزیینا أو زخرفا بلاغیا (6). وهذ ما طمحنا إلى ألفات النظر إلیه فی مستهل هذا البحث لان تبنی الاساطیر فنیا لا یتأتى بسهولة لكل شاعر ما لم یفهم الأبعاد الإنسانیة والمعانی الفكریة العمیقة للأساطیر القدیمة وامتلاك دلالاتها مثلما یمتلك تجربته الشعریة وصیاغته الفنیة.
الرموز الأسطوریة فی شعر الرواد فی العراق:
ما یهمنا – إذن – أن استخدام الرموز الأسطوریة فی شعر الرواد كانت قضیة تستحق البحث لأنها ظاهرة مهمة من ظواهر هذا الشعر لما فیها من دلالات خاصة حاول الشعراء من خلالها تفجیر الدلالة المطلوبة فی إطار السیاق الشعری لیؤكدوا الأحاسیس والمعانی والأفكار التی یحملونها فی جنباتهم من خلال المواءمة بین الرمز والسیاق الفنی بمعنى توظیف الشاعر لرمزه الأسطوری انسجاما مع السیاق الفنی لقصیدته ولولا ذلك لتحولت القصیدة إلى (ترقیع) غیر متجانس فنیا.
ولقد تفاوت الشعراء الرواد فی أسالیب استخدامهم للرموز الأسطوریة فمنهم من ذكر شخصیة من شخصیات الأسطورة ومنهم من اتكأ على معناها العام دون أن یذكرها ومنهم من ذكرها وأفاد من مغزاها العام.
كل حسب قناعاته ودوافعه وذلك لما فی الأساطیر من طاقة رمزیة تمنح الشاعر مجالا للتعبیر لیفصح عن أفكاره على نحو فنی یبعد القصیدة عن المباشرة والسطحیة من جهة وینأى بالشاعر أحیانا أن یكون عرضة للأذى والملاحقة (7). وهذا یشیر إلى أن للظروف السیاسیة والاجتماعیة دورا فی هز كیان الشاعر أمام هذا القلق الحضاری وتبدل القیم والعلاقات الإنسانیة.
یبدو أن الشعراء الرواد كانوا على صلى بالثقافة الأوربیة والأدب الغربی وأخص بالذكر هنا نازك الملائكة والسیاب فقد اطلعوا مثلا على كتاب الغصن الذهبی لجیمس فریزر وعلى بعض المعاجم المیثولوجیة المترجمة وغیر المترجمة فالسیاب على سبیل المثال توزعت لدیه المصادر الأسطوریة وتنوعت بین مؤثرات ثقافیة لشعراء أوربیین وبین مؤثرات میثولوجیة قدیمة لكتب وأسالیب أدبیة حوت مضامینها دلالات اجتماعیة وإنسانیة كثیرة.(8)
یتفق مجمل الباحثین على إن السیاب هو أول الشعراء الرواد من العراقیین استخداما للأساطیر فی شعره فی مجال الرصد التاریخی وهذا مما شاع لدى شریحة كبیرة من القراء وحقیقة الأمر أن نازك الملائكة هی الأسبق إذا أردنا التسلسل الزمنی ومما یدل على ذلك ورود أسماء شخصیات أسطوریة فی شعرها منذ عام 1945 فی قصیدتها الطویلة مأساة الحیاة فی صورتها الأولى وذا ورد (ابولو) حوالی عام 1945 فانه یرد عابرا عاما فی مأساة الحیاة أی من غیر الموحیات البلاغیة المطلوبة وربما كان (بلاوتس) اله الذهب عام 1950 مثله أو قریبا منه (9).
وفی مقولتها أغنیة للإنسان 1950 أسماء شخصیات أسطوریة متعددة أیضا ومما یؤكد اهتمام نازك بالأساطیر الإغریقیة وغیرها ما ذكرته د.حیاة شرارة من أن نازك الملائكة درست اللغة اللاتینیة منذ عام 1950 والذی یدرس اللغة اللاتینیة یطلع بالضرورة على الأدب الرومانی وما فیه من أساطیر تقول واصلت نازك دراسة اللغتین اللاتینیة والفرنسیة وظلت تحفظ قوائم تصریف الأفعال وتغیرات نهایات الأسماء اللاتینیة وفی الوقت نفسه بدأت بكتابة ملحمة أدخلت فیها أساطیر عربیة وإغریقیة وبابلیة ووجدت أنها بدأت بمرحلة جدیدة فی تطور شاعریتها (10).
وهذا أیضا و أكدته نازك نفسها فی مقابلة شخصیة معها عام 1984 (فی الكویت) حینما سئلت عن الأسماء الأسطوریة التی وردت فی شعرها هل جاءت بسبب اطلاعها المباشر على المصادر الأجنبیة أم تعرفت علیها من خلال الشعر الانكلیزی؟
أجابت كل هذه الأسماء وسواها استعملتها لأننی أعرف المیثولوجیا الإغریقیة من أصغر تفاصیلها إلى أكبرها درستها دارسة مفصلة فی فرع التمثیل بمعهد الفنون الجمیلة عام 1942 (11).
ولعل نازك فی حدیثها السابق قد بالغت بعض الشیء فی هذا الشأن ولكنه یدل بلا شك على اطلاع ما على الأساطیر الیونانیة.
إن ما ذكرته د.حیاة شرارة وغیرها من الباحثین وتواریخ قصائد نازك نفسها أعنی مطولتها تدل دلالة واضحة على أسبقیة نازك الملائكة فی مجال استخدام الأساطیر مقارنة بالسیاب الذی بدأ باستخدام الأساطیر بعد عام 1952 كما هو معروف فی مطولته الرائعة (المومس العمیاء) بسبب تأثره بالشعر الأوربی كما اشرنا سابقا ولقد اهتم السیاب ونازك اهتماما خاصا بالشخصیات الأسطوریة إضافة إلى اهتمامهما بالأسطورة عامة لان الشخصیة الأسطوریة توحی من خلال توظیفها فی القصیدة بما فی الأسطورة من دلالات وتكثیف للمعنى المطلوب وعلى هذا الأساس وردت فی شعرهما أسماء شخصیات أسطوریة تنم عن اطلاعهما واهتمامهما بالأساطیر الإغریقیة والرومانیة وغیرها.
الأسطورة بین نازك والسیاب:
نحاول فی هذا البحث الوقوف على استخدام الأساطیر الإغریقیة والرومانیة وغیرها من غیر العربیة والإسلامیة فی شعر نازك الملائكة وبدر شاكر السیاب وستكون وقفتنا أكثر اهتماما بالأساطیر المشتركة بین الشاعر والشاعرة مما وجد فی غیر التراث العربی والإسلامی والمسیحی حتى لا تتشعب خطوط البحث ویتضخم وسینحصر استقراؤنا بالأساطیر الإغریقیة والرومانیة والبابلیة المشتركة وهذا لا یعفینا من ذكر الرموز الأسطوریة غیر المشتركة بینهما نوردها على سبیل الذكر لا التحلیل ولا ننسى إن نشیر إلى إن الباحثین درسوا الأسطورة فی شعر السیاب دراسة تفصیلیة ولا حاجة هنا إلى التكرار ولذلك ستكون وقفتنا أطول عند الأسطورة فی شعر نازك نرصد تطورها ونلج غالى الرموز المشتركة بینهما ندرسها ونحاول بیان الأسبق أو الأكثر فینة فی استخدام بعض الرموز المشتركة ویبدو إن دراسة الأسطورة فی شعر نازك ظل بعیدا عن متناول الدارسین إلا ما ندر ویعزو الدكتور علی جواد الطاهر ذلك إلى أن نازك لیست مادة لموضوع الأسطورة والإعلام والرموز (12).
ونحن نرى أن شعر نازك فیه مادة طیبة فی مجال البحث عن الأساطیر لما فیه من دلالات ورموز أسطوریة وأسماء شخصیات استلت من أساطیر الإغریق والرومان أطلقت نازك على بعضها فی مقدمة دیوانها (شظایا ورماد) تسمیة بضع لكلمات أوربیة.
وعلى هذا الأساس یمكن التأكید على إن نازك استخدمت الرموز الأسطوریة قبل عام 1950 وخاصة فی مطولتها (مأساة الحیاة 1945 وهذا تاریخ له أثره المهم فی مجال الوعی باستخدام الأساطیر فی شعرنا العربی الحدیث فی العراق ولكن السبق الزمنی شیء والتوظیف الفنی شیء آخر ولعل استخدام نازك للأساطیر فی هذه المرحلة كان باهتا ضعیف الأثر فی بناء القصیدة الفنی بل یكاد یكون حرفیا ساذجا لیس له معنى خاص خارج الأسطورة القدیمة... لا یعدو أن یكون ركنا فی تشبیه أو حد الاستعارة... ویبدو فی الحالتین مقحما على السیاق الشعوری فی القصیدة وذا الحدیث الأسطوری أیضا مجرد سرد قصصی للأسطورة لم تتمكن الشاعرة آنذاك من تلوینه بأیة ظلال شخصیة تضفیها على المغزى الأصلی للأسطورة (13).
إن هذا فی اعتقادنا عیب من عیوب الریادة ونازك هی الرائدة الأولى للأسطورة فی الشعر العراقی الحدیث ولابد من الوقوع فی دائرة الضعف إذا ما عرفنا أن الاهتمام بالأساطیر لدیها كان عام 1945.
ولو تتبعنا الشاعرة بعد عام 1950 لوجدنا أن وعیها الأسطوری أخذ منحى آخر فیه شیء من العمق والتمثل الفنی للأسطورة وهذا یلمح إلى إن الشاعرة استعجلت الأمر وأخرجته قبل أن یختمر ولكنها سجلت سبقا زمنیا على زملائها فی مجال الاطلاع على الأساطیر.
قلنا أن الشاعرة لم تعط لنفسها الوقت الكافی لاستبطان الأساطیر وتمثلها على العكس من بدر شاكر السیاب الذی تعامل مع الأساطیر بوعی لا نظیر له وبقدرة یحسد علیها فی مجال التمثیل والفهم للأساطیر ولقد أفاد السیاب مما وقعت به نازك من عیوب ثم انه لم یستعجل الأمور فلم یخرجها إلا بعد أن تمكن منها مما جعل توظیفه للأساطیر ذا شأن فی بناء القصیدة مع تأخره زمنیا عن الشاعرة بسنوات والمهم كما یقول د.علی جواد الطاهر فی هذا المجال إن بدر شاكر السیاب تمكن من أداته وشرع یقدمها سمحة مطواعة یكسب بها ما كسبه الشاعر الغربی مثله... ثم قد یصل الباحث إلى بیان السابق أو الأسبق من شعراء الشعر الحر فی العراق إلى هذه الظاهرة ومكان بدر شاكر السیاب مضمون على أیة حال وذا كان غیره (وأفكر ببلند ونازك الملائكة) بدأ الطریق إلى غیر علم ببدر أو على غیر اعتراف بعمله فالممكن أنه زاد من الاستخدام عندما رأى نجاحها عند بدر. (14)
أن الدوافع إلى استخدام الأساطیر فی اعتقادنا مشتركة بین السیاب ونازك بل الشعراء الرواد فی العراق جمیعا هی دوافع فنیة وفكریة وسیاسیة واجتماعیة فبعد أن أدرك السیاب والملائكة حاجتهما إلى أسلوب فی التعبیر عما یدور فی خلجاتهما وهوا جسهما الشخصیة وافكارهما ومواقفهما السیاسیة والاجتماعیة دون أن یلحق بهما أذى أو یواجها برد فعل عنیف من الأطراف المعنیة التجأ كل من الشاعر والشاعرة إلى استخدام الرموز الأسطوریة فی شعرهما وقد أبدع الاثنان فی هذا المجال (15).
ولو درسنا الظروف التی كان یمر بها العراق آنذاك لوجدناها ظروفا قاسیة فی المجال السیاسی والاجتماعی والفكری وكانت لهذه الظروف مردودات سلبیة على الشعراء فی تلك الفترة نعنی منذ نهایة الأربعینات حیث كانوا یعانون من قوى التسلط والظلم والرعب التی كانت تحكم البلاد وقوى الشر التی تحكك العالم وعلى الرغم من أن الشعراء العراقیین قد عبروا عن تلك الظروف فی أغلب قصائدهم إلا أنهم فی الوقت نفسه كانوا متفائلین ویحلمون بشمس الحریة والثورة على الطغیان ولعل السیاب كان أكثر هؤلاء الشعراء تعبیرا بوساطة الرموز الأسطوریة عن الجدب السیاسی والفكری الذی یعیشه العراق وبعد ثورة 1958 أصبح السیاب أكثر اهتماما بالأساطیر خاصة بعد فترة مرضه للتعبیر عن حرمانه وغربته ومرضه وانتظاره الموت... نراه یستخدم موازنة بین متضادین رغم تناقضهما: أساطیر العذاب والموت وأساطیر الخصوبة والنماء. (16)
والمهم أن الشاعرین طمحا إلى التكثیف والتركیز ونبذ المباشرة والتقریریة التی شاعت لدى شعراء مطلع القرن العشرین لیجعلا من القصیدة عالما من الإسرار والرموز التی لا تعطی نفسها بسهولة للمتلقی حتى یصبح له دور فی مجال التأمل والاحتراف والفهم ونحن لا ننفی أن بدر كان متمكنا من أدائه مدركا لخطواته فی هذا الشأن لم یلج عالم الأساطیر لمجرد اطلاعه علیها فقط كما فعلت نازك بل تأملها جیدا بعد أن اطلع على الأدب الانكلیزی وعلى شعر ت.س.الیوت وادیث سیتویل بوجه خاص وكان له الفضل الأكبر فی قیادة خطواته نحو المنهج الصحیح فی استخدام الأساطیر (17).
ولعله استثمر جهود نازك فی هذا المجال وطورها وأفاد منها معتمدا على اطلاعه وقوة شاعریته وقدراته الفنیة التی تفوق بها على غیره من الشعراء.
أن مما یلفت النظر فی قضیة استخدام الأسطورة فی شعر نازك أمران:
الأول: إن الرموز والإشارات الأسطوریة تكاد تتركز فی بواكیر شعرها من الناحیة الزمنیة أما فی المراحل اللاحقة فإنها كما یبدو قد عزفت عن تلك التقنیة الشعریة واضعة ثقلها الإبداعی على الرموز ذات الدلالة الخاصة والبناء الشعری ذی السمة الرمزیة وكان الشاعرة قد أدركت أنها لم تستطع إن تضاهی ما قدمه زمیلاها الشاعران السیاب والبیاتی (18).
وهذا ما یأخذ بأیدینا إلى الأمر الثانی: وهو أن نازك لم تدرك شأو الشاعر بدر شاكر السیاب فی مجال توظیف الأسطورة فنیا فی شعرها وهذا فی ظننا یعود إلى أسباب متعددة ذكرنا بعضا منها فی الصفحات السابقة ونلفت النظر إلى أمر مهم لم یقف عنده الدارسون أبدا وأعنی اقتصار نازك على توظیف الأسطورة فی شعرها (العمودی) عامة وهذا فی اتقادنا یشكل خللا كبیرا فی مجال الإبداع الفنی.
فلیس من المعقول أن تستخدم الشاعرة أسلوبا جدیدا لم یألفه الشعر العربی سابقا وهی تطمح الى تغیر النوع الادبی من التقلید الى التجدید ثم توظف هذا فی قصیدة غنائیة تقلیدیة مما یحیله غالى استخدام محدود غیر متوالد وهی فی ذلك تشبه الشاعر أحمد شوقی الذی ادخل نوقا شعریا جدیدا إلى لشعرنا العربی ولكنه ظل یدور فی إطار القصیدة الغنائیة بینما یتطلب الشعر المسرحی شعرا درامیا حتى تحولت المسرحیة الشعریة لدیه إلى قصیدة غنائیة تتوزع على شخصیات المسرحیة یتحكم بها العروض والبحر الشعری والقافیة ولقد كانت مسرحیات شوقی تستجیب إلى الشعر فتتحول إلى قصائد جمیلة ومقطوعات منفصلة یثقلها الاستطراد والتفكك وتفتقد النمو الدرامی المطلوب... إن المأزق الرئیسی والأشكال الأساس فی شعر شوقی المسرحی (وتلامیذه من بعده) یكمن فی محاولتهم الوصول إلى التطور الشعری الخارجی (الشكل المسرحی) قبل تحولهم الشعری الداخلی الضروری (الحداثة) فكانوا یعالجون فنا متطورا بأدوات متخلفة ورؤیة قدیمة.(19)
وهكذا كانت نازك الملائكة فی مجال توظیف الرموز الأسطوریة قد أدخلت الجدید فی إطار قصیدة عمودیة غنائیة مألوفة ونحن هنا لا ننسى أن الشاعر المبدع أكبر من كل قید ولكنه لإبداعه لا تفوته فرصة الإتیان بالجدید بوسائل جدیدة أیضا ویبدو أن نازك لم تحمل قضیة التجدید فی مجال استخدام الأساطیر فی بواكیر شعرها على محمل الجد أو أنها لم تمثلها تمثلا عمیقا أو تدرك ما فیه من جدید أو لأنها أول من استخدم هذا الجدید بما نسمیه بعیوب الریادة ولم افترضنا أن نازك أخر من استخدم الأساطیر من الرواد هل سیكون توظیفها للرموز الأسطوریة بمثل هذا المستوى الذی هی علیه؟ هذا مانشك فیه.
والمهم أن نازك بالرغم من استخدامها لأسماء شخصیات أسطوریة فی دیوانها الثانی (شظایا ورماد) نراها تشیر إلى تلك الأسماء فقط دون الوقوف عندها وبیان دوافع استخدامها وكان مناسبا لو حدثتنا عنها فی مقدمتها القیمة لهذا الدیوان ویمكن القول أنها استعملتها كما تستعمل أیة لفظة لدیها أی إنها لم تفكر لدى الاستعمال ببلاغة خاصة لوقعها وبإدخال جدید على الشعر العربی ثم استعمالها لم یكن ذا أثر فی الآخرین.. وإنها لم تلتزمه صفة ویكفی أنها نشرت دیوانا من أهم دواوینها هو (قراره الموجة) 1957 دون أن تدل على اهتمام بالأسطورة (الاغریقیة). (20)
وهی فی هذا تختلف عن السیاب الذی ابتدأ بتوظیف الأساطیر دون أن ینتهی منها وظل متحمسا لها حتى اواخر أیامة لانه استخدمها عن وعی بمعنى التجدید وعن أدراك واستبطان لها وأجاد فیها أیما إجادة لأنه كان یضع قدمه على الأرض الصلبة التی تساعده على الندفاع فی هذا المضمار وابتكار ما هو رائع فی هذا الشأن ولقد لجأ إلى استخدام الرمز الأسطوری مؤمنا بقیمته الفنیة(21)
وانصب جزء من اهتمامه بتعریف القارئ العربی بتلك الرموز الأسطوریة أو أسماء الشخصیات الأسطوریة حتى یستوعب المتلقی ما یریده الشاعر و إذا كان بدر متمثلا لهذه الإعلام والأساطیر فانه یعلم أن أغلب القراء لم یسمعوا بها مع انه شاعر شعب ویطمح أن یكون شعبیا (22)
وكانت نازك أیضا تعرف بأسماء الإعلام الأسطوریة وغیرها فی نهایة دواوینها أو فی الهوامش كما فعلت فی شظایا ورماد ولكن السیاب كان أكثر اهتماما منها بتعریف الأساطیر.
أشرنا فیما سبق إن اهتمامنا سینصب على الاساطیر الإغریقیة والرومانیة وغیرها مما لا صلة له بالدین الإسلامی والمسیحی والتراث العربی لدى كل من نازك والسیاب ونحن نعقد مقارنة بینهما فی مجال توظیف الاساطیر فی شعرهما ثانیا ونعزو سبب ذلك إلى إن الأساطیر الإغریقیة درست دراسة وافیة من لدن الباحثین الأوربیین وهذا یعنی أنها متاحة للاستلهام الأدبی والفنی على نحو أفضل وهذا هو واقع الحال فی الثقافات والآداب الأوربیة التی تشكل جزءا أساسیا من المكونات الثقافیة والأدبیة لنازك (23) السیاب.
ویبدو أن توظیف الاساطیر لدى نازك توظیفا أدبیا لم یأت إلا بعد الخمسینات عندما اتخذ الرمز الأسطوری لدیها مستویین الأول: استخدام أسماء الشخصیات الأسطوریة مثل: ابولو apollo واریس ares وبلوتو Pluto ونارسیس... naressus الخ، والثانی: استلهام الاسطورة كاملة أی استثمار البناء القصصی للأسطورة أو الفكرة العامة لها فی توقیعه شعریة كاملة مثل أسطورة (نهر النسیان) و(بلاوتس) وغیرها فالشاعرة فی قصیدتها نهر النسیان مثلا لم توظف الاسطورة مادة وشخوصا بل أنها اتكأت على فكرتها العامة ومزجتها بتجاربها الشخصیة ومعاناتها فلم تكن الإشارة طافیة على سطح القصیدة یمكن استبدالها بأی رمز أسطوری مناسب دون أن یختل المعنى أو یضطرب بناء القصیدة. (24)
أن الرموز الأسطوریة التی وظفتها نازك توظیفا عاما وجعلتها مادة أساسیة فی بناء القصیدة یمكن أن نحددها فی بواكیر شعرها المتأثر بالشعر الأوربی وخاصة فی مطولتها الشعریة فی صورتها الثانیة (أغنیة للإنسان) 1950 وسنقف عند تلك القصائد وغیرها عند المقارنة بینهما وبین السیاب ولعل من المفید أن نذكر هنا أن رموزا أسطوریة مشتركة بین نازك والسیاب یمكن أن نستعرضها ونقف عندها لأنها مادة البحث الأساسیة وهناك رموز انفرد فیها كل منهما سنكتفی بذكرها فقط حتى نقی البحث الطالة والتشعب والخطل وسنحدد فی الجدول التالی أهم الرموز المشتركة بین نازك والسیاب:
موضوعات وبلاگ: نازک الملائکة،
ارسال توسط كشاورز
بازدید : مرتبه
تاریخ : پنجشنبه 19 فروردین 1389
نازك الملائكة
١٤ كانون الثانی (ینایر) ٢٠٠٦
بدأتْ نظم الشعر بالعامیة العراقیة قبل سِنّ العاشرة ثم نَظمتْ أول قصیدة بالعربیة الفصحى وهی فی العاشرة من العُمر.
تجید الشاعرة العزف على آلة العود التی درستها لمدة ست سنوات فی معهد الفنون الجمیلة. الصفحة الأولی
نبذة عن حیاة نازك الملائكة
ولدت الشاعرة نازك الملائكة فی بغداد عام 1923م ، ونشأت فی بیت علمٍ وأدب ، فی رعایة أمها الشاعرة سلمى عبد الرزاق أم نزار الملائكة وأبیها الأدیب الباحث صادق الملائكة ، فتربَّت على الدعة وهُیئتْ لها أسباب الثقافة . وما أن أكملتْ دراستها الثانویة حتى انتقلت إلى دار المعلمین العالیة وتخرجت فیها عام 1944 بدرجة امتیاز ، ثم توجهت إلى الولایات المتحدة الأمریكیة للاستزادة من معین اللغة الانكلیزیة وآدابها عام 1950 بالإضافة إلى آداب اللغة العربیة التی أُجیزت فیها . عملت أستاذة مساعدة فی كلیة التربیة فی جامعة البصرة .
تجید من اللغات الإنجلیزیة والفرنسیة والألمانیة واللاتینیة ، بالإضافة إلى اللغة العربیة ، وتحمل شهادة اللیسانس باللغة العربیة من كلیة التربیة ببغداد ، والماجستیر فی الأدب المقارن من جامعة وسكونس أمیركا .
مثّلت العراق فی مؤتمر الأدباء العرب المنعقد فی بغداد عام 1965 .
آثارها : لها من الشعر المجموعات الشعریة التالیة :
- عاشقة اللیل صدر عام 1947.
- شظایا ورماد صدر عام 1949 .
- قرارة الموجة صدر عام 1957 .
- شجرة القمر صدر عام 1965 .
- مأساة الحیاة وأغنیة للإنسان صدر عام 1977 .
- للصلاة والثورة صدر عام 1978 .
- یغیر ألوانه البحر طبع عدة مرات .
- الأعمال الكاملة - مجلدان - ( عدة طبعات ) .
ولها من الكتب :
- قضایا الشعر المعاصر .
- التجزیئیة فی المجتمع العربی .
- الصومعة والشرفة الحمراء .
- سیكولوجیة الشعر .
كتبت عنها دراسات عدیدة ورسائل جامعیة متعددة فی الكثیر من الجامعات العربیة والغربیة .
نشرت دیوانها الأول " عاشقة اللیل " فی عام 1947 ، وكانت تسود قصائده مسحة من الحزن العمیق فكیفما اتجهنا فی دیوان عاشقة اللیل لا نقع إلا على مأتم ، ولا نسمع إلا أنیناً وبكاءً ، وأحیاناً تفجعاً وعویلاً " وهذا القول لمارون عبود .
ثم نشرت دیوانها الثانی شظایا ورماد فی عام 1949 ، وثارت حوله ضجة عارمة حسب قولها فی قضایا الشعر المعاصر ، وتنافست بعد ذلك مع بدر شاكر السیاب حول أسبقیة كتابة الشعر الحر ، وادعى كل منهما انه اسبق من صاحبه ، وانه أول من كتب الشعر الحر ونجد نازك تقول فی كتابها قضایا الشعر المعاصر " كانت بدایة حركة الشعر الحر سنة 1947 ، ومن العراق ، بل من بغداد نفسها ، زحفت هذه الحركة وامتدت حتى غمرت الوطن العربی كله وكادت ، بسبب تطرف الذین استجابوا لها ، تجرف أسالیب شعرنا العربی الأخرى جمیعاً ، وكانت أول قصیدة حرة الوزن تُنشر قصیدتی المعنونة " الكولیرا " وهی من الوزن المتدارك ( الخبب) . ویبدو أنها كانت متحمسة فی قرارها هذا ثم لم تلبث أن استدركت بعض ما وقعت فیه من أخطاء فی مقدمة الطبعة الخامسة من كتابها المذكور فقالت :عام 1962 صدر كتابی هذا ، وفیه حكمتُ أن الشعر الحر قد طلع من العراق ومنه زحف إلى أقطار الوطن العربی ، ولم أكن یوم أقررت هذا الحكم أدری أن هناك شعراً حراً قد نظم فی العالم العربی قبل سنة 1947 سنة نظمی لقصیدة (الكولیرا) ثم فوجئت بعد ذلك بأن هناك قصائد حرة معدودة قد ظهرت فی المجلات الأدبیة والكتب منذ سنة 1932 ، وهو أمر عرفته من كتابات الباحثین والمعلقین لأننی لم أقرأ بعد تلك القصائد فی مصادرها " .
نازك الملائكة.. ونقد النقد
مصطفى عاشور
ولدت نازك صادق جعفر الملائكة فی (غرة محرم 1342هـ= 23 من أغسطس 1923م) فی بیت عرف بالعلم والأدب فی بغداد، فأبوها من مدرسی اللغة العربیة المتبحرین فی علومها وآدابها، أما أمها "سلمى عبد الرزاق" فكانت شاعرة مجیدة ولها دیوان منشور بعنوان "أنشودة المجد".
تفتحت الموهبة الأدبیة لنازك مبكرا فاتجهت منذ صغرها إلى دراسة الأدب القدیم، واستفاضت فی دراسة النحو وقرأت ودرست عیون التراث العربی اللغوی والأدبی، وكانت شدیدة النهم للقراءة حتى إنها قرأت كتاب "البیان والتبیین" للجاحظ فی ثمانیة أیام؛ وهو ما أصابها بمرض مؤقت فی عینیها، وتحكی عن نفسها أنها كانت تشعر بالرهبة والخوف إذا لم تقرأ ثمانی ساعات یومیا.
التحقت بدار المعلمین العالیة وتخرجت فیها سنة (1364هـ= 1944م)، وفی عام (1367هـ= 1947م) نظمت أول قصیدة فی الشعر الحر بعنوان "الكولیرا"، وقالت عن القصیدة بأنها "ستغیر خریطة الشعر العربی".
- حصلت على الماجستیر من الولایات المتحدة عام (1370هـ= 1950م) فی الأدب المقارن وأجادت اللغة الإنجلیزیة والفرنسیة والألمانیة واللاتینیة، ثم عادت عام (1374هـ= 1954م) ثانیة إلى الولایات المتحدة لدراسة الدكتوراة فی البعثة التی أوفدتها الجامعة العراقیة، واطلعت على الأدب الفرنسی والصینی والألمانی والهندی.
- وبعد عودتها للعراق عملت بكلیة التربیة ببغداد سنة (1377هـ= 1957م)، ثم انتقلت إلى جامعة البصرة وتزوجت فی عام (14384هـ= 1964م) من الأستاذ الدكتور "عبد الهادی محبوبة" رئیس جامعة البصرة.
- رحلت إلى الكویت مع زوجها وعملا بالتدریس فی جامعة الكویت، ومنحتها الجامعة عام (1406هـ= 1985م) إجازة تفرغ للعلاج بعدما أصیبت بمرض عضال ثم عادت إلى العراق ومنها إلى القاهرة لتكمل علاجها الطبی بسبب نقص الأدویة فی العراق بسبب الحصار الأمریكی. واتخذت نازك وزوجها وابنها الوحید الدكتور "براق" القاهرة سكنا ومستقرا دائما.
- وبعد وفاة زوجها الدكتور "محبوبة" سنة (1422هـ= 2001م) عاشت فی عزلة بعیدا عن ضجیج الحیاة، مما حدا ببعض الصحف أن تنشر أخبارا عن وفاتها رغم أنها ما زالت على قید الحیاة.
- جمعت الدكتورة "نازك الملائكة" بین الشعر والنقد، ونقد النقد، وهی موهبة لم تتوفر إلا للنادر من الأدباء والشعراء، وأصدرت عددا من الدواوین والدراسات النقدیة والأدبیة، فمن دواوینها "عاشقة اللیل" عام (1367هـ= 1947م) و"شظایا ورماد" عام (1369هـ= 1949م)، و"قرارة الموجة" عام (1377هـ= 1957م)، و"شجرة القمر" عام (1388هـ= 1968)، وجمعت دواوینها فی مجلدین ضخمین ونشرا فی بیروت. ومن دراستها النقدیة "قضایا الشعر المعاصر" و"الأدب والغزو الفكری" و"محاضرات فی شعر علی محمود طه" و"سیكولوجیا الشعر".
- وقد حصلت "نازك الملائكة" على عدد من الجوائز الأدبیة منها جائزة الإبداع العراقی عام (1413هـ= 1992م) وجائزة البابطین للشعر.
- وكانت قصیدة "أنا وحدی" آخر قصائدها المنشورة التی رثت بها زوجها الدكتور "محبوبة".
توفیت یوم الخمیس 21 من حزیران - یونیو 2007 فی القاهرة، وقد نشرت الشرق الأوسط التقریر التالی عنها
رحیل نازك الملائكة رائدة الشعر العربی الحدیث
تشیع فی جنازة رسمیة ببغداد القاهرة: جمال القصاص وأیمن حامد الدمام: عبید السهیمی بیروت : سوسن الأبطح غیب الموت فی القاهرة مساء اول من أمس الأربعاء، الشاعرة العراقیة نازك الملائكة رائدة الشعر العربی الحر، عن عمر یناهز 84 عاما، إثر هبوط حاد فی الدورة الدمویة وبعد معاناة طویلة مع أمراض الشیخوخة.
وأفاد منصور عبد الرزاق الملحق الثقافی العراقی بالقاهرة، بأن رئیس الوزراء العراقی نوری المالكی أمر بنقل جثمان الشاعرة الراحلة من القاهرة لتدفن فی بلدها العراق فی جنازة رسمیة. وقدم المالكی العزاء إلى أسرة الشاعرة والى الشعراء والمثقفین العراقیین ووصف المالكی الشاعرة الراحلة بـ«ابنة العراق الغالیة».
ولدت نازك الملائكة فی بغداد فی 28 أغسطس (آب) عام 1923 فی أسرة محبة للثقافة والشعر، وتخرجت فی دار المعلمین العالیة ببغداد عام 1942، ثم التحقت بمعهد الفنون الجمیلة وتخرجت فی قسم الموسیقى عام 1948 وفی عام 1959 حصلت على شهادة الماجستیر فی الأدب المقارن من جامعة وسكونسن بالولایات المتحدة، وعینت أستاذة فی جامعة بغداد وجامعة البصرة ثم جامعة الكویت. ومع تدهور الأوضاع السیاسیة فی العراق غادرته الملائكة، وأقامت لبعض الوقت بعدة دول عربیة، وفی عام 1989 اختارت الإقامة فی القاهرة بشكل دائم، ورفضت العودة إلى العراق، وفی منزل بسیط بضاحیة مصر الجدیدة عاشت مع أسرتها الصغیرة برفقة زوجها عبد الهادی محبوبة، الذی توفی قبل عدة سنوات وابنها الوحید البراق. وخلال تلك الفترة آثرت الملائكة العزلة والابتعاد عن الأضواء والمهرجانات الثقافیة حتى أنها لم تحضر احتفالیة التكریم، التی أقامتها لها دار الأوبرا المصریة فی 26 مایو (أیار) عام 1999، بمناسبة مرور نصف قرن على انطلاقة مسیرة الشعر الحر فی الوطن العربی.
وحاولت «الشرق الأوسط»، الاتصال بنجلها الوحید البراق، لكنه اعتذر عن عدم الحدیث عن أمه الرؤوم ـ على حد قوله ـ لانشغاله بمراسم نقل جثمانها إلى بغداد، لكنه أفاد بأنه سیقیم لها مساء الیوم سرادق عزاء فی أحد مساجد لقاهرة. دشنت نازك الملائكة عام 1947 بقصیدتها «الكولیرا» ما عرف بالشعر الحر فی الأدب العربی، وقد كتبتها تضامنا مع مشاعر المصریین، الذین حصد هذا الوباء أرواح الكثیرین منهم، خاصة فی الریف المصری، لكنها فی الطبعة الخامسة من كتابها الشهیر «قضایا الشعر المعاصر» أقرت بأن قصیدتها لم تكن قصیدة الشعر الحر الأولى، بل سبقتها قصائد نشرت منذ عام 1932. تركت نازك الملائكة تراثا شعریا وأدبیا مهما، بدأته بدیوانها الشعری الأول «عاشقة اللیل» عام 1947 ببغداد، ثم توالت مجموعاتها الشعریة ومنها: «قرار الموجة» 1957، «شجرة القمر» 1968، «یغیر ألوانه البحر» 1977، «للصلاة والثورة» 1978. كما صدرت لها بالقاهرة عام 1997 مجموعة قصصیة لفتت أنظار النقاد بعنوان «الشمس التی وراء الغیمة». وإضافة إلى كتابها النقدی الرائد «قضایا الشعر المعاصر» تركت نازك الملائكة عددا من المؤلفات الأدبیة المهمة، منها دراسة فی علم الاجتماع بعنوان «الجزیئیة فی المجتمع العربی»، «الصومعة والشرفة الحمراء» و«سیكولوجیة الشعر». حصلت نازك الملائكة فی عام 1996 على جائزة البابطین الشعریة.
وأثناء ملتقى القاهرة الدولی للشعر العربی، الذی نظمه المجلس الأعلى للثقافة بمصر فی شهر فبرایر (شباط) الماضی، طرح اسم نازك الملائكة ضمن الأسماء المرشحة للفوز بالجائزة، لكن لجنة التحكیم اختارت الشاعر الفلسطینی الكبیر محمود درویش لیفوز بتلك الجائزة. وكان رئیس اتحادی الكتاب المصریین والعرب محمد سلماوی، قد طالب الشهر الماضی بعلاج نازك الملائكة، كما أصدرت مجموعة من المثقفین والسیاسیین العراقیین المقیمین فی مصر بیانا قبل نحو أسبوعین، طالبوا فیه الحكومة العراقیة بتولی علاج نازك الملائكة، إلا أن أسرة الشاعرة الراحلة سارعت بإصدار بیان نفت فیه تدهور صحتها، وأكدت عدم حاجتها إلى تدخل أی جهة فی حیاة الشاعرة الكبیرة. شوشة: أهم شاعرة عربیة معاصرة فی مصر نعى الشعراء والكتاب رحیل الشاعرة العراقیة الكبیرة نازك الملائكة. وقال الشاعر فاروق شوشة إن الشاعرة العراقیة الراحلة كانت أهم شاعرة عربیة فی النصف الثانی من القرن العشرین، إذ ثبتت موقع الریادة للمرأة الشاعرة فی حركة الحداثة الشعریة، عندما قاد زملاؤها فی العراق السیاب والبیاتی والحیدری حركة التجدید الشعری. ویضیف شوشة أن الشاعرة الراحلة كان لها أیضا دورها النقدی المهم عندما كتبت عن هذه الحركة الجدیدة فی كتابها «قضایا الشعر المعاصر» شارحة أسباب هذه الحركة الجدیدة ودواعیها ومستقبلها. كما كتبت مؤلفا نقدیا مهما عن الشاعر علی محمود طه، كانت فی الأساس مجموعة محاضرات ألقتها فی مصر فی مطلع الستینات. ویوضح شوشة أن الشاعرة الراحلة كان لها أیضا دور ثقافی باعتبارها من علامات التنویر فی الحركة الثقافیة المعاصرة، وقامت بترجمة نماذج عدیدة من الشعر الإنجلیزی لفتت فیه الأنظار إلى شعراء مهمین.
وعن خصائص نازك الملائكة الشعریة قال شوشة إنها كانت مولعة بالتأمل، نتیجة لطابع العزلة الذی كانت تعیش فیه، إذ كانت الشاعرة الراحلة انطوائیة لا تمیل للحیاة الاجتماعیة ولا للعلاقات الواسعة. وقال شوشة إن الشاعرة الكبیرة اختارت مصر لتكون وطنها فی سنوات المرض الأخیرة، إذ كانت مرتبطة بالحیاة الثقافیة المصریة ارتباطا وثیقا وبقیت تعیش فی شقتها بالقاهرة مع ابنها الوحید البراق، تعبیرا عن حبها واعتزازها بمصر. أبو سنة: صوت مرهف وعقل نقدی بارز وقال الشاعر المصری محمد إبراهیم أبو سنة أن رحیل الشاعرة العراقیة الكبیرة یعد خسارة كبیرة للشعر العربی المعاصر، إذ أنها واحدة من ثلاثة رواد بادروا إلى اقتحام ساحة الحداثة الشعریة، أما الآخران فهما بدر شاكر السیاب وعبد الوهاب البیاتی، وبهذا رحل الثالوث الرائد الذی غیر وجه القصیدة فی القرن العشرین.
ویضیف أبو سنة، أن نازك الملائكة كانت صوتا مرهفا وعقلا نقدیا بارزا، امتلكت ناصیة الثقافة العربیة العمیقة، وكذلك استقت من مشارب الثقافة الغربیة، خاصة الإنجلیزیة والأمیركیة. ویتابع أبو سنة أن اتصال الشاعرة الراحلة بحركة التجدید مع زملائها السیاب والبیاتی لم یمنع بروز صوتها الأنثوی الخاص، الذی اتسم بهذه الرقة الفیاضة فی اللغة والصورة الشعریة النضیرة، والعمق فی الإحساس بالأشیاء، وهی خصائص تمیز المرأة وتمیز نازك الملائكة على وجه التحدید.
وقال أبو سنة أن الشاعرة العراقیة أبدعت تسعة دواوین، وكانت قصیدتها الأولى بعنوان «الكولیرا» كتبتها فی عام 1947، وعبرت فیها عن اهتمامها بالقضایا الاجتماعیة والقومیة بعد انتشار وباء الكولیرا فی مصر ذلك العام، حیث بوحی من ضمیرها الوطنی هذا الحادث الاجتماعی لتكتب هذه القصیدة الرائدة.
ویضیف أبو سنة أن البعض رأى فی نازك الملائكة شاعرة تقف على الأعراف بین حدود الكلاسیكیة والرومانتیكیة والواقعیة، فهی لم تبحر بعیدا فی میدان الحداثة، واستطاعت أن تكبح جماح ثورتها الحداثیة نحو إطار متوازن ومعتدل لا یقطع الصلة بین التراث وحركة الحداثة. ویرى أبو سنة أن نازك الملائكة قد تعجلت فی محاولة وضع قواعد لقصیدة التفعیلة قبل أن تنضج هذه القصیدة، غیر أن نازك ـ بحسب أبو سنة ـ كانت حریصة على القصیدة العربیة، وكانت تخشى من انزلاق حركة الحداثة إلى نوع من الفوضى فبادرت بوضع قوانین وتنبؤات، ویضیف أبو سنة أن تحذیر نازك الملائكة للشعراء من التورط فی حداثة تمیل إلى التجریب والتغریب كان تحذیرا فی محله، لأن القصیدة انتقلت بعد ذلك إلى مرحلة التفریط والإفراط، وتمیزت بالفوضى وصارت أطلال أشباح لنماذج مترجمة من الشعر الأجنبی.
- إیمان بكری: تركناها فی عزلتها من جانبها قالت الشاعرة المصریة إیمان بكری إن نازك الملائكة كانت واحدة من أبرز الأصوات النسائیة الإبداعیة التی فرضت نفسها ووجودها وكان لها الفضل فی ترسیخ حركة التجدید فی الشعر العربی، كما تمیزت بالشجاعة فی طرح مشروعها الأدبی وسط كوكبة من عمالقة الشعر العربی الحدیث، وهذا فی حد ذاته انتصار للصوت النسوی فی حركة الشعر الجدیدة. وقالت إیمان بكری إن موت نازك الملائكة مأساة حقیقیة، واستطردت قائلة إن الموت أمر مقدر على كل إنسان، لكن موت شاعرة العراق على هذا النحو هو المأساة ذاتها، إذ أنها عاشت كل تلك السنوات بیننا، لكن لم یحاول واحد إجراء حوار معها یغوص فی مكنونات امرأة مبدعة كنا نرید الاستدفاء بوجودها بجوارنا. وتضیف بكری أننا أهدرنا فرصة كبیرة للولوج إلى عوالم نازك الملائكة، حتى أن كثیرین من الشعراء العرب والمنسوبین إلى الثقافة كانوا یعتقدون أنها رحلت منذ زمن بعید. مشیرة إلى أنه من الخطأ ترك أی مبدع یقع فی حالة الكآبة والعزلة، ولا بد من الالتفاف حوله ومساعدته فی استعادة حیاته الأدبیة. وتضیف بكری أن شعر الراحلة تمیز باستحداث الكلمات والتغییر فی القالب الشعری، والتحدی وكسر التقلید الذی كان قد بدأ یأكل فی الشعر العربی. كما تمیز بالرقة والعذوبة والصدق فی التعبیر وخلق أجواء جدیدة، غامضة فی بعض الأحیان لكنها تشعل الوجدان وتحفز العقل.
كتاب سعودیون : نازك الملائكة مثلت تحولا شعریا مكتملا
اعتبر الأدباء والنقاد السعودیون رحیل الشاعرة العراقیة نازك الملائكة، حدثاً بالغ الأهمیة، وذلك لأهمیة موقعها فی الخریطة الشعریة العربیة الحدیثة، فالشاعرة تعد من أوائل الشعراء الذین كتبوا القصیدة العربیة الحدیثة، فی ما یعد كثیر من النقاد قصیدتها «الكولیرا»، التی نشرتها فی عام 1947، الشرارة الأولى، للشعر العربی الحدیث، التی فتحت باباً واسعاً للتجدید فی الشعر العربی
- الملا: الملائكة كانت تعی دورها یقول الشاعر أحمد الملا، مدیر نادی المنطقة الشرقیة الأدبی: «وفاة الشاعرة العراقیة نازك الملائكة، لها دلالتان: الأولى تاریخیة والثانیة حدثیة، فالتاریخی فی وفاة نازك الملائكة، لا یشك أحد فی دور الشاعرة، فی المسیرة الشعریة العربیة الحدیثة، حیث أن الشاعرة أسست لحركة التجدید الشعری العربی المعاصر، لكن ذلك لا یعنی الریادة، لأن من یطلق الشرارة الأولى لیس بالضرورة أن یكون الرائد فی هذا المجال، ومن یستحق لقب رائد هو من رسخ المبادئ بشكل أكبر، ولذلك هناك خلافات كثیرة حول مكتشف التجربة الشعریة الحدیثة، لكن لا أحد یشك فی أن الملائكة والشاعر بدر شاكر السیاب لهما دور كبیر فی ذلك.
والموقف الآن لا یبحث فی هذا المجال، بقدر ما یبحث فی أهمیة نازك الملائكة ودورها فی التیار الذی عمل على مسألة التجدید الشعری والفكری العربی فی هذا المجال، خاصة أن دورها لم یقتصر على كتابة الشعر فقط، وإنما بحثت فی الجانب النقدی فی هذه التجربة، من خلال كتابها الرائع والمهم «قضایا الشعر العربی المعاصر»، وهذا یعطی دلالة أنها كانت تمارس دورها عن وعی ولیست صدى لتجارب أخرى.
ویضیف الملا: «أما فی الشق الثانی، وهو الحدث (الوفاة) فمن الأسف أن تجد أحد المبدعین ینتهی بهذا الشكل وبدون أی تقدیر، وفی مكان مجهول، بینما المتوقع أن یكون له اهتمام فی حیاته وما بعد مماته. للأسف اننا فی العالم العربی والعالم الثالث عموماً نتذكر مبدعینا ونكرمهم بعد رحیلهم، ویكون حدیثنا عنهم بشكل تطهیری وبشكل یوحی برفع اللائمة عن أنفسنا تجاههم، بینما فی المجتمعات التی تحترم قدراتها وتحترم مبدعیها، تحتفی بهم فی حیاتهم وبعد مماتهم، فقبل موت الشاعرة كانت هناك مطالبات عدیدة برعایة الشاعرة والاهتمام بصحتها، لكن لم یكن هناك التجاوب المأمول مع وضع الشاعرة من قبل المؤسسات المختلفة فی الوطن العربی، وهذا ینسحب على كثیر من المبدعین، الذین یكونون فی أمس الحاجة إلى الرعایة والاهتمام، لكن ذلك لا یأتی إلا بعد فوات الأوان، وما نتمناه فی كل حدث مثل هذا أن یتم الاهتمام بالمبدعین قبل وأثناء معاناتهم، ولیس بعد رحیلهم».
- الزهرانی: موتها انسحاب للشعر من المشهد العبثی الدكتور معجب الزهرانی استاذ الأدب العربی بجامعة الملك سعود، بالریاض، والناقد الأدبی یقول: «تمثل نازك الملائكة، لحظة تحول مهمة جداً فی الشعریة وكذلك سیاق الشعریة العربیة الحدیثة، وهی بقدر ما القی الضوء حولها، ستظل هناك نقاط ملتبسة فی هذا اللحظة التحولیة المثیرة للأسئلة، فقبلها حاول بعض الشعراء المهجریین، احداث نوع من أنواع الثورة فی لغة القصیدة العربیة وفی موضوعاتها وفی أشكالها، ولكن أن تأتی نازك الملائكة وتشخص هذا التحول فی قصائدها، وكذلك السیاب، فهذا ما یثیر الأسئلة، وفی اعتقادی أنه ما زالت هناك حاجة ماسة للبحث فی لحظة التحول هذه، رغم ما كتب عنها من دراسات نقدیة». ویضیف الزهرانی: «الذی یثیر اهتمامی الشخصی عندما أدرس الأدب العربی الحدیث أو حینما أكتب موضوعا حوله، أن الموروث الشعری المكتنز فی الذاكرة العراقیة، سواء الفردیة أو الجماعیة أو المكانیة، إلى الآن لم یبحث بشكل معمق، ونحن بحاجة إلى بحوث تغامر فی هذا الاتجاه تماماً، كأن نقول إن ذاكرة السرد النثری عریقة فی مصر، أو ذاكرة الشعر التقلیدی بنوعیة الفصیح والشعبی عریقة فی الجزیرة العربیة، هناك ذاكرة شعریة ثریة ومتنوعة فی بلاد وادی الرافدین، واعتقد أننا بحاجة إلى دراسات معمقة فی هذا المجال، ویجب أن تستصحب هذه الدراسات دراسات الفكر الفلسفی والأنثربولوجی الحدیث، كشرط أساسی، إذ لا تكفی الدراسات النقدیة والبلاغیة المعتادة، وهذا من شأنه أن یلقی ضوءاً جدیداً على هذا التحول، الذی وجد ناضجاً ومكتملا على ید نازك الملائكة وبدر شاكر السیاب، ولا یكفی أن نقول إنهما تأثرا بالشعر الأنجلیزی، أو بفلان من الشعراء، هذا المقولات تریح الذهن من عناء البحث، لكن هناك حاجة إلى بحوث معمقة فی المناطق المجهولة.
ویبین الزهرانی، نازك الملائكة ربما تكون هی من دشن هذا التحول، وأعطى له مشروعیة التسمیة، لكنها لم تكن وحدها التی مثلت التحول فی المستوى الجمالی، ربما یكون السیاب مثل هذا الجانب بعمق وبجدیة أكثر من الملائكة، لكن المصاحبة النقدیة التی حاولت من خلالها الملائكة أن تتبعها فی كتابتها المبكرة عن قصیدة التفعیلة، والشعر الحر، أیضاً مثیرة للتساؤل والاهتمام، لأنها محاولة جدیة لوضع وتقنین جمالیات هذه الظاهرة واستكشاف قوانینها، وربما نقطة ضعف نازك الملائكة أنها كانت مثل الحصان الذی یركض فی فضاء الشعر، حیث كانت تركض باللغة إلى الأمام، لكنها عندما كانت تنظر تعود إلى الخلف، حیث كانت تستخدم الكثیر من مفاهیم العروض التقلیدیة، وبالتالی كانت هناك مفارقة بین تنظیراتها ونصها الشعری، وهذا ما تنبهت له فی كتاباتها المتأخرة نوعاً ما، لكنها تظل لحظة رمزیة باهرة، ویلح أننا فی أمس الحاجة إلى المزید من البحوث للإلقاء الضوء على هذه اللحظة.
ویرى الدكتور معجب الزهرانی، أن موت الشاعرة له دلالة تتسع لتشمل فضاءات مشرقیة كثیرة، كأنما انسحابها هو موت سلمی، موت سعید، كما یقول البیر كامو فی أحد كتبه، یقابل هذا الموت العنیف هذا الموت العبثی، الذی یكاد یفقدنا حس التعاطف معه لأن هناك من یمارسه بمنظور المقدس الوطنی أو المقدس القومی أو المقدس الدینی، وبالتالی هو موت عبثی یأخذ شكل الجریمة، بینما نازك الملائكة تلك الشاعرة المرهفة الرائدة ماتت بسلم وسلام، وكأنما هی تنسحب من مشهد لم یعد صالحاً للشعر.
* شعراء لبنانیون : ستبقى منارة مشعة > أحب من نازك الملائكة وجهها الأول، الوجه الشجاع والمغامر، من خلال «عاشقة اللیل»، والمقدمة القویة للدیوان، ومن خلال خروجها على النمطیة الكلاسیكیة فی الشعر وتحطیم القیود فی مجتمع محافظ جداً، كالعالم العربی والعراق. امتازت نازك الملائكة فی تلك المرحلة الأولى بشجاعة ورؤیا، وبنبض إنسانی وألم عال جداً، ثم اكملت الشعریة برؤیا نقدیة من خلال كتابها عن القصیدة الحرة. وهو اول كتاب نقدی جریء عن معنى القصیدة الحرة، ومغامرة الشعر العربی المعاصر. بهذا الكتاب سبقت الجمیع، لكنها بعد ذلك انتكست، وسیطر علیها الطابع العراقی المحافظ، وربما النجفی، فتراجعت عن مغامراتها التحدیثیة وعادت إلى الصراط المستقیم، والكلاسیكیة، لتنتج قصائد، إذا ما قیست بالحداثة، فهی لا شیء، وإذا ما قیست بالكلاسیكیة فمستواها متدن. وهنا دخلت نازك الملائكة فی سجن من ظلمة الذات والسجن الاجتماعی حتى الموت. فی البدایات، تقدمت نازك الملائكة على عبد الوهاب البیاتی وبدر شاكر السیاب وبلند الحیدری، كانت أكثر جرأة منهم جمیعا ومبادرة، وأكثر تقدماً من فدوى طوقان، وسلمى الخضراء الجیوسی، لكن الحداثة تحلیق دائم، وهی لم تفعل وإنما طوت جناحیها ونامت، فنامت عنها عیون الشعر.
- الشاعر محمد علی شمس الدین: أحب منها وجهها الأول قبل ثلاثة أعوام، وقعت على نسخة عتیقة من أحد دواوین نازك الملائكة، موقع بخطها، وبقلم أسود سیّال، مهدى إلى الصحافی والمخرج فاروق البقیلی. سحرنی اسمها على الدیوان، واصفرار ورقه، وخطها الجمیل، كالجزء الثانی من اسمها.
عدت إلى البیت لم أنم لیلتها، وانا أقرأ شعراً رومانسیاً لسیدة دخلت أسطورة الأدب الحدیث، كأول من كسر العمود الشعری، قبل ان تتوارى، مفضلة الحیاة ربما على الكتابة، والسكینة او الوحدة أو الألم الصامت على مشقة الإبداع الشعری. «كأس حلیب مثلج ترف»، أظنه مطلع بیت للملائكة فی وصف القمر، حفظته من الكتاب المدرسی، وكنت كلما قرأت بیتاً فی دیوانها المسحور، تلك اللیلة، استعید حالاتی الشخصیة على مقاعد الدراسة، كما تأملت قاموسها الشعری، ولعبتها الماكرة من غیر تصنع، المتعمقة دونما استغراق فی غموض اللاوعی وتموجاته. لا أخفی انی قرأتها، برغبة من یحاول اكتشاف تاریخ أدبی للتحول الخارق الذی طرأ على القصیدة العربیة فی أربعینات القرن الماضی، عبر ما عرف بقصیدة التفعیلة والشعر الحر، قبل ان یتحقق الاختراق الأعظم والأرحب عبر قصیدة النثر، بآفاقها وامتداداتها اللامتناهیة. على ان هذا لا یعنی أن شعر الملائكة تركنی محایداً، لجهة الجمال والصور التی رسمت فی نفسی دوائر من الغیم، واقواس قزح لطیفة، وتلك السیولة القمریة التی تجری فی حبرها كنهر أو ساقیة سماویة. هذا العشق (الملائكی) لا یتسرب إلیه شر إلا شر الألم واللوعة من العشق، رجلاً كان أم وجوداً أم ذاتاً، مألومة بالأسئلة، شعریة كانت أو فكریة.
- الشاعر جوزیف عیساوی: قرأتها كمن یحاول اكتشاف تاریخ أدبی > بغیابها تنطفئ منارة شعّت منذ نصف قرن، بجدیدها فی الشعر، قاله البعض تجدیداً، ورأى البعض الآخر فیه ثورة على التقلید. غیر أننی أجد فی نازك الملائكة أصالة كلاسیكیة نتعلم منها كیف یكون التجدید من داخل الأصول، ولیس طفرة هجینة من خارج كل منطق وكل إرث. نازك الملائكة ستبقى فی شعرنا العربی ضوءاً لا ینطفئ، لأن المنارة تبقى مشعة، ولو انطفأ نورها، لأن البحارة یعرفون مكانها غیباً وإلیها یلجأوون. الشاعر هنری زغیب: منارة ولو انطفأت * شعراء لبنانیون : ستبقى منارة مشعة
- أحب من نازك الملائكة وجهها الأول، الوجه الشجاع والمغامر، من خلال «عاشقة اللیل»، والمقدمة القویة للدیوان، ومن خلال خروجها على النمطیة الكلاسیكیة فی الشعر وتحطیم القیود فی مجتمع محافظ جداً، كالعالم العربی والعراق. امتازت نازك الملائكة فی تلك المرحلة الأولى بشجاعة ورؤیا، وبنبض إنسانی وألم عال جداً، ثم اكملت الشعریة برؤیا نقدیة من خلال كتابها عن القصیدة الحرة. وهو اول كتاب نقدی جریء عن معنى القصیدة الحرة، ومغامرة الشعر العربی المعاصر. بهذا الكتاب سبقت الجمیع، لكنها بعد ذلك انتكست، وسیطر علیها الطابع العراقی المحافظ، وربما النجفی، فتراجعت عن مغامراتها التحدیثیة وعادت إلى الصراط المستقیم، والكلاسیكیة، لتنتج قصائد، إذا ما قیست بالحداثة، فهی لا شیء، وإذا ما قیست بالكلاسیكیة فمستواها متدن. وهنا دخلت نازك الملائكة فی سجن من ظلمة الذات والسجن الاجتماعی حتى الموت. فی البدایات، تقدمت نازك الملائكة على عبد الوهاب البیاتی وبدر شاكر السیاب وبلند الحیدری، كانت أكثر جرأة منهم جمیعا ومبادرة، وأكثر تقدماً من فدوى طوقان، وسلمى الخضراء الجیوسی، لكن الحداثة تحلیق دائم، وهی لم تفعل وإنما طوت جناحیها ونامت، فنامت عنها عیون الشعر.
- الشاعر محمد علی شمس الدین: أحب منها وجهها الأول > قبل ثلاثة أعوام، وقعت على نسخة عتیقة من أحد دواوین نازك الملائكة، موقع بخطها، وبقلم أسود سیّال، مهدى إلى الصحافی والمخرج فاروق البقیلی. سحرنی اسمها على الدیوان، واصفرار ورقه، وخطها الجمیل، كالجزء الثانی من اسمها.
عدت إلى البیت لم أنم لیلتها، وانا أقرأ شعراً رومانسیاً لسیدة دخلت أسطورة الأدب الحدیث، كأول من كسر العمود الشعری، قبل ان تتوارى، مفضلة الحیاة ربما على الكتابة، والسكینة او الوحدة أو الألم الصامت على مشقة
تجید الشاعرة العزف على آلة العود التی درستها لمدة ست سنوات فی معهد الفنون الجمیلة. الصفحة الأولی
نبذة عن حیاة نازك الملائكة
ولدت الشاعرة نازك الملائكة فی بغداد عام 1923م ، ونشأت فی بیت علمٍ وأدب ، فی رعایة أمها الشاعرة سلمى عبد الرزاق أم نزار الملائكة وأبیها الأدیب الباحث صادق الملائكة ، فتربَّت على الدعة وهُیئتْ لها أسباب الثقافة . وما أن أكملتْ دراستها الثانویة حتى انتقلت إلى دار المعلمین العالیة وتخرجت فیها عام 1944 بدرجة امتیاز ، ثم توجهت إلى الولایات المتحدة الأمریكیة للاستزادة من معین اللغة الانكلیزیة وآدابها عام 1950 بالإضافة إلى آداب اللغة العربیة التی أُجیزت فیها . عملت أستاذة مساعدة فی كلیة التربیة فی جامعة البصرة .
تجید من اللغات الإنجلیزیة والفرنسیة والألمانیة واللاتینیة ، بالإضافة إلى اللغة العربیة ، وتحمل شهادة اللیسانس باللغة العربیة من كلیة التربیة ببغداد ، والماجستیر فی الأدب المقارن من جامعة وسكونس أمیركا .
مثّلت العراق فی مؤتمر الأدباء العرب المنعقد فی بغداد عام 1965 .
آثارها : لها من الشعر المجموعات الشعریة التالیة :
- عاشقة اللیل صدر عام 1947.
- شظایا ورماد صدر عام 1949 .
- قرارة الموجة صدر عام 1957 .
- شجرة القمر صدر عام 1965 .
- مأساة الحیاة وأغنیة للإنسان صدر عام 1977 .
- للصلاة والثورة صدر عام 1978 .
- یغیر ألوانه البحر طبع عدة مرات .
- الأعمال الكاملة - مجلدان - ( عدة طبعات ) .
ولها من الكتب :
- قضایا الشعر المعاصر .
- التجزیئیة فی المجتمع العربی .
- الصومعة والشرفة الحمراء .
- سیكولوجیة الشعر .
كتبت عنها دراسات عدیدة ورسائل جامعیة متعددة فی الكثیر من الجامعات العربیة والغربیة .
نشرت دیوانها الأول " عاشقة اللیل " فی عام 1947 ، وكانت تسود قصائده مسحة من الحزن العمیق فكیفما اتجهنا فی دیوان عاشقة اللیل لا نقع إلا على مأتم ، ولا نسمع إلا أنیناً وبكاءً ، وأحیاناً تفجعاً وعویلاً " وهذا القول لمارون عبود .
ثم نشرت دیوانها الثانی شظایا ورماد فی عام 1949 ، وثارت حوله ضجة عارمة حسب قولها فی قضایا الشعر المعاصر ، وتنافست بعد ذلك مع بدر شاكر السیاب حول أسبقیة كتابة الشعر الحر ، وادعى كل منهما انه اسبق من صاحبه ، وانه أول من كتب الشعر الحر ونجد نازك تقول فی كتابها قضایا الشعر المعاصر " كانت بدایة حركة الشعر الحر سنة 1947 ، ومن العراق ، بل من بغداد نفسها ، زحفت هذه الحركة وامتدت حتى غمرت الوطن العربی كله وكادت ، بسبب تطرف الذین استجابوا لها ، تجرف أسالیب شعرنا العربی الأخرى جمیعاً ، وكانت أول قصیدة حرة الوزن تُنشر قصیدتی المعنونة " الكولیرا " وهی من الوزن المتدارك ( الخبب) . ویبدو أنها كانت متحمسة فی قرارها هذا ثم لم تلبث أن استدركت بعض ما وقعت فیه من أخطاء فی مقدمة الطبعة الخامسة من كتابها المذكور فقالت :عام 1962 صدر كتابی هذا ، وفیه حكمتُ أن الشعر الحر قد طلع من العراق ومنه زحف إلى أقطار الوطن العربی ، ولم أكن یوم أقررت هذا الحكم أدری أن هناك شعراً حراً قد نظم فی العالم العربی قبل سنة 1947 سنة نظمی لقصیدة (الكولیرا) ثم فوجئت بعد ذلك بأن هناك قصائد حرة معدودة قد ظهرت فی المجلات الأدبیة والكتب منذ سنة 1932 ، وهو أمر عرفته من كتابات الباحثین والمعلقین لأننی لم أقرأ بعد تلك القصائد فی مصادرها " .
نازك الملائكة.. ونقد النقد
مصطفى عاشور
ولدت نازك صادق جعفر الملائكة فی (غرة محرم 1342هـ= 23 من أغسطس 1923م) فی بیت عرف بالعلم والأدب فی بغداد، فأبوها من مدرسی اللغة العربیة المتبحرین فی علومها وآدابها، أما أمها "سلمى عبد الرزاق" فكانت شاعرة مجیدة ولها دیوان منشور بعنوان "أنشودة المجد".
تفتحت الموهبة الأدبیة لنازك مبكرا فاتجهت منذ صغرها إلى دراسة الأدب القدیم، واستفاضت فی دراسة النحو وقرأت ودرست عیون التراث العربی اللغوی والأدبی، وكانت شدیدة النهم للقراءة حتى إنها قرأت كتاب "البیان والتبیین" للجاحظ فی ثمانیة أیام؛ وهو ما أصابها بمرض مؤقت فی عینیها، وتحكی عن نفسها أنها كانت تشعر بالرهبة والخوف إذا لم تقرأ ثمانی ساعات یومیا.
التحقت بدار المعلمین العالیة وتخرجت فیها سنة (1364هـ= 1944م)، وفی عام (1367هـ= 1947م) نظمت أول قصیدة فی الشعر الحر بعنوان "الكولیرا"، وقالت عن القصیدة بأنها "ستغیر خریطة الشعر العربی".
- حصلت على الماجستیر من الولایات المتحدة عام (1370هـ= 1950م) فی الأدب المقارن وأجادت اللغة الإنجلیزیة والفرنسیة والألمانیة واللاتینیة، ثم عادت عام (1374هـ= 1954م) ثانیة إلى الولایات المتحدة لدراسة الدكتوراة فی البعثة التی أوفدتها الجامعة العراقیة، واطلعت على الأدب الفرنسی والصینی والألمانی والهندی.
- وبعد عودتها للعراق عملت بكلیة التربیة ببغداد سنة (1377هـ= 1957م)، ثم انتقلت إلى جامعة البصرة وتزوجت فی عام (14384هـ= 1964م) من الأستاذ الدكتور "عبد الهادی محبوبة" رئیس جامعة البصرة.
- رحلت إلى الكویت مع زوجها وعملا بالتدریس فی جامعة الكویت، ومنحتها الجامعة عام (1406هـ= 1985م) إجازة تفرغ للعلاج بعدما أصیبت بمرض عضال ثم عادت إلى العراق ومنها إلى القاهرة لتكمل علاجها الطبی بسبب نقص الأدویة فی العراق بسبب الحصار الأمریكی. واتخذت نازك وزوجها وابنها الوحید الدكتور "براق" القاهرة سكنا ومستقرا دائما.
- وبعد وفاة زوجها الدكتور "محبوبة" سنة (1422هـ= 2001م) عاشت فی عزلة بعیدا عن ضجیج الحیاة، مما حدا ببعض الصحف أن تنشر أخبارا عن وفاتها رغم أنها ما زالت على قید الحیاة.
- جمعت الدكتورة "نازك الملائكة" بین الشعر والنقد، ونقد النقد، وهی موهبة لم تتوفر إلا للنادر من الأدباء والشعراء، وأصدرت عددا من الدواوین والدراسات النقدیة والأدبیة، فمن دواوینها "عاشقة اللیل" عام (1367هـ= 1947م) و"شظایا ورماد" عام (1369هـ= 1949م)، و"قرارة الموجة" عام (1377هـ= 1957م)، و"شجرة القمر" عام (1388هـ= 1968)، وجمعت دواوینها فی مجلدین ضخمین ونشرا فی بیروت. ومن دراستها النقدیة "قضایا الشعر المعاصر" و"الأدب والغزو الفكری" و"محاضرات فی شعر علی محمود طه" و"سیكولوجیا الشعر".
- وقد حصلت "نازك الملائكة" على عدد من الجوائز الأدبیة منها جائزة الإبداع العراقی عام (1413هـ= 1992م) وجائزة البابطین للشعر.
- وكانت قصیدة "أنا وحدی" آخر قصائدها المنشورة التی رثت بها زوجها الدكتور "محبوبة".
توفیت یوم الخمیس 21 من حزیران - یونیو 2007 فی القاهرة، وقد نشرت الشرق الأوسط التقریر التالی عنها
رحیل نازك الملائكة رائدة الشعر العربی الحدیث
تشیع فی جنازة رسمیة ببغداد القاهرة: جمال القصاص وأیمن حامد الدمام: عبید السهیمی بیروت : سوسن الأبطح غیب الموت فی القاهرة مساء اول من أمس الأربعاء، الشاعرة العراقیة نازك الملائكة رائدة الشعر العربی الحر، عن عمر یناهز 84 عاما، إثر هبوط حاد فی الدورة الدمویة وبعد معاناة طویلة مع أمراض الشیخوخة.
وأفاد منصور عبد الرزاق الملحق الثقافی العراقی بالقاهرة، بأن رئیس الوزراء العراقی نوری المالكی أمر بنقل جثمان الشاعرة الراحلة من القاهرة لتدفن فی بلدها العراق فی جنازة رسمیة. وقدم المالكی العزاء إلى أسرة الشاعرة والى الشعراء والمثقفین العراقیین ووصف المالكی الشاعرة الراحلة بـ«ابنة العراق الغالیة».
ولدت نازك الملائكة فی بغداد فی 28 أغسطس (آب) عام 1923 فی أسرة محبة للثقافة والشعر، وتخرجت فی دار المعلمین العالیة ببغداد عام 1942، ثم التحقت بمعهد الفنون الجمیلة وتخرجت فی قسم الموسیقى عام 1948 وفی عام 1959 حصلت على شهادة الماجستیر فی الأدب المقارن من جامعة وسكونسن بالولایات المتحدة، وعینت أستاذة فی جامعة بغداد وجامعة البصرة ثم جامعة الكویت. ومع تدهور الأوضاع السیاسیة فی العراق غادرته الملائكة، وأقامت لبعض الوقت بعدة دول عربیة، وفی عام 1989 اختارت الإقامة فی القاهرة بشكل دائم، ورفضت العودة إلى العراق، وفی منزل بسیط بضاحیة مصر الجدیدة عاشت مع أسرتها الصغیرة برفقة زوجها عبد الهادی محبوبة، الذی توفی قبل عدة سنوات وابنها الوحید البراق. وخلال تلك الفترة آثرت الملائكة العزلة والابتعاد عن الأضواء والمهرجانات الثقافیة حتى أنها لم تحضر احتفالیة التكریم، التی أقامتها لها دار الأوبرا المصریة فی 26 مایو (أیار) عام 1999، بمناسبة مرور نصف قرن على انطلاقة مسیرة الشعر الحر فی الوطن العربی.
وحاولت «الشرق الأوسط»، الاتصال بنجلها الوحید البراق، لكنه اعتذر عن عدم الحدیث عن أمه الرؤوم ـ على حد قوله ـ لانشغاله بمراسم نقل جثمانها إلى بغداد، لكنه أفاد بأنه سیقیم لها مساء الیوم سرادق عزاء فی أحد مساجد لقاهرة. دشنت نازك الملائكة عام 1947 بقصیدتها «الكولیرا» ما عرف بالشعر الحر فی الأدب العربی، وقد كتبتها تضامنا مع مشاعر المصریین، الذین حصد هذا الوباء أرواح الكثیرین منهم، خاصة فی الریف المصری، لكنها فی الطبعة الخامسة من كتابها الشهیر «قضایا الشعر المعاصر» أقرت بأن قصیدتها لم تكن قصیدة الشعر الحر الأولى، بل سبقتها قصائد نشرت منذ عام 1932. تركت نازك الملائكة تراثا شعریا وأدبیا مهما، بدأته بدیوانها الشعری الأول «عاشقة اللیل» عام 1947 ببغداد، ثم توالت مجموعاتها الشعریة ومنها: «قرار الموجة» 1957، «شجرة القمر» 1968، «یغیر ألوانه البحر» 1977، «للصلاة والثورة» 1978. كما صدرت لها بالقاهرة عام 1997 مجموعة قصصیة لفتت أنظار النقاد بعنوان «الشمس التی وراء الغیمة». وإضافة إلى كتابها النقدی الرائد «قضایا الشعر المعاصر» تركت نازك الملائكة عددا من المؤلفات الأدبیة المهمة، منها دراسة فی علم الاجتماع بعنوان «الجزیئیة فی المجتمع العربی»، «الصومعة والشرفة الحمراء» و«سیكولوجیة الشعر». حصلت نازك الملائكة فی عام 1996 على جائزة البابطین الشعریة.
وأثناء ملتقى القاهرة الدولی للشعر العربی، الذی نظمه المجلس الأعلى للثقافة بمصر فی شهر فبرایر (شباط) الماضی، طرح اسم نازك الملائكة ضمن الأسماء المرشحة للفوز بالجائزة، لكن لجنة التحكیم اختارت الشاعر الفلسطینی الكبیر محمود درویش لیفوز بتلك الجائزة. وكان رئیس اتحادی الكتاب المصریین والعرب محمد سلماوی، قد طالب الشهر الماضی بعلاج نازك الملائكة، كما أصدرت مجموعة من المثقفین والسیاسیین العراقیین المقیمین فی مصر بیانا قبل نحو أسبوعین، طالبوا فیه الحكومة العراقیة بتولی علاج نازك الملائكة، إلا أن أسرة الشاعرة الراحلة سارعت بإصدار بیان نفت فیه تدهور صحتها، وأكدت عدم حاجتها إلى تدخل أی جهة فی حیاة الشاعرة الكبیرة. شوشة: أهم شاعرة عربیة معاصرة فی مصر نعى الشعراء والكتاب رحیل الشاعرة العراقیة الكبیرة نازك الملائكة. وقال الشاعر فاروق شوشة إن الشاعرة العراقیة الراحلة كانت أهم شاعرة عربیة فی النصف الثانی من القرن العشرین، إذ ثبتت موقع الریادة للمرأة الشاعرة فی حركة الحداثة الشعریة، عندما قاد زملاؤها فی العراق السیاب والبیاتی والحیدری حركة التجدید الشعری. ویضیف شوشة أن الشاعرة الراحلة كان لها أیضا دورها النقدی المهم عندما كتبت عن هذه الحركة الجدیدة فی كتابها «قضایا الشعر المعاصر» شارحة أسباب هذه الحركة الجدیدة ودواعیها ومستقبلها. كما كتبت مؤلفا نقدیا مهما عن الشاعر علی محمود طه، كانت فی الأساس مجموعة محاضرات ألقتها فی مصر فی مطلع الستینات. ویوضح شوشة أن الشاعرة الراحلة كان لها أیضا دور ثقافی باعتبارها من علامات التنویر فی الحركة الثقافیة المعاصرة، وقامت بترجمة نماذج عدیدة من الشعر الإنجلیزی لفتت فیه الأنظار إلى شعراء مهمین.
وعن خصائص نازك الملائكة الشعریة قال شوشة إنها كانت مولعة بالتأمل، نتیجة لطابع العزلة الذی كانت تعیش فیه، إذ كانت الشاعرة الراحلة انطوائیة لا تمیل للحیاة الاجتماعیة ولا للعلاقات الواسعة. وقال شوشة إن الشاعرة الكبیرة اختارت مصر لتكون وطنها فی سنوات المرض الأخیرة، إذ كانت مرتبطة بالحیاة الثقافیة المصریة ارتباطا وثیقا وبقیت تعیش فی شقتها بالقاهرة مع ابنها الوحید البراق، تعبیرا عن حبها واعتزازها بمصر. أبو سنة: صوت مرهف وعقل نقدی بارز وقال الشاعر المصری محمد إبراهیم أبو سنة أن رحیل الشاعرة العراقیة الكبیرة یعد خسارة كبیرة للشعر العربی المعاصر، إذ أنها واحدة من ثلاثة رواد بادروا إلى اقتحام ساحة الحداثة الشعریة، أما الآخران فهما بدر شاكر السیاب وعبد الوهاب البیاتی، وبهذا رحل الثالوث الرائد الذی غیر وجه القصیدة فی القرن العشرین.
ویضیف أبو سنة، أن نازك الملائكة كانت صوتا مرهفا وعقلا نقدیا بارزا، امتلكت ناصیة الثقافة العربیة العمیقة، وكذلك استقت من مشارب الثقافة الغربیة، خاصة الإنجلیزیة والأمیركیة. ویتابع أبو سنة أن اتصال الشاعرة الراحلة بحركة التجدید مع زملائها السیاب والبیاتی لم یمنع بروز صوتها الأنثوی الخاص، الذی اتسم بهذه الرقة الفیاضة فی اللغة والصورة الشعریة النضیرة، والعمق فی الإحساس بالأشیاء، وهی خصائص تمیز المرأة وتمیز نازك الملائكة على وجه التحدید.
وقال أبو سنة أن الشاعرة العراقیة أبدعت تسعة دواوین، وكانت قصیدتها الأولى بعنوان «الكولیرا» كتبتها فی عام 1947، وعبرت فیها عن اهتمامها بالقضایا الاجتماعیة والقومیة بعد انتشار وباء الكولیرا فی مصر ذلك العام، حیث بوحی من ضمیرها الوطنی هذا الحادث الاجتماعی لتكتب هذه القصیدة الرائدة.
ویضیف أبو سنة أن البعض رأى فی نازك الملائكة شاعرة تقف على الأعراف بین حدود الكلاسیكیة والرومانتیكیة والواقعیة، فهی لم تبحر بعیدا فی میدان الحداثة، واستطاعت أن تكبح جماح ثورتها الحداثیة نحو إطار متوازن ومعتدل لا یقطع الصلة بین التراث وحركة الحداثة. ویرى أبو سنة أن نازك الملائكة قد تعجلت فی محاولة وضع قواعد لقصیدة التفعیلة قبل أن تنضج هذه القصیدة، غیر أن نازك ـ بحسب أبو سنة ـ كانت حریصة على القصیدة العربیة، وكانت تخشى من انزلاق حركة الحداثة إلى نوع من الفوضى فبادرت بوضع قوانین وتنبؤات، ویضیف أبو سنة أن تحذیر نازك الملائكة للشعراء من التورط فی حداثة تمیل إلى التجریب والتغریب كان تحذیرا فی محله، لأن القصیدة انتقلت بعد ذلك إلى مرحلة التفریط والإفراط، وتمیزت بالفوضى وصارت أطلال أشباح لنماذج مترجمة من الشعر الأجنبی.
- إیمان بكری: تركناها فی عزلتها من جانبها قالت الشاعرة المصریة إیمان بكری إن نازك الملائكة كانت واحدة من أبرز الأصوات النسائیة الإبداعیة التی فرضت نفسها ووجودها وكان لها الفضل فی ترسیخ حركة التجدید فی الشعر العربی، كما تمیزت بالشجاعة فی طرح مشروعها الأدبی وسط كوكبة من عمالقة الشعر العربی الحدیث، وهذا فی حد ذاته انتصار للصوت النسوی فی حركة الشعر الجدیدة. وقالت إیمان بكری إن موت نازك الملائكة مأساة حقیقیة، واستطردت قائلة إن الموت أمر مقدر على كل إنسان، لكن موت شاعرة العراق على هذا النحو هو المأساة ذاتها، إذ أنها عاشت كل تلك السنوات بیننا، لكن لم یحاول واحد إجراء حوار معها یغوص فی مكنونات امرأة مبدعة كنا نرید الاستدفاء بوجودها بجوارنا. وتضیف بكری أننا أهدرنا فرصة كبیرة للولوج إلى عوالم نازك الملائكة، حتى أن كثیرین من الشعراء العرب والمنسوبین إلى الثقافة كانوا یعتقدون أنها رحلت منذ زمن بعید. مشیرة إلى أنه من الخطأ ترك أی مبدع یقع فی حالة الكآبة والعزلة، ولا بد من الالتفاف حوله ومساعدته فی استعادة حیاته الأدبیة. وتضیف بكری أن شعر الراحلة تمیز باستحداث الكلمات والتغییر فی القالب الشعری، والتحدی وكسر التقلید الذی كان قد بدأ یأكل فی الشعر العربی. كما تمیز بالرقة والعذوبة والصدق فی التعبیر وخلق أجواء جدیدة، غامضة فی بعض الأحیان لكنها تشعل الوجدان وتحفز العقل.
كتاب سعودیون : نازك الملائكة مثلت تحولا شعریا مكتملا
اعتبر الأدباء والنقاد السعودیون رحیل الشاعرة العراقیة نازك الملائكة، حدثاً بالغ الأهمیة، وذلك لأهمیة موقعها فی الخریطة الشعریة العربیة الحدیثة، فالشاعرة تعد من أوائل الشعراء الذین كتبوا القصیدة العربیة الحدیثة، فی ما یعد كثیر من النقاد قصیدتها «الكولیرا»، التی نشرتها فی عام 1947، الشرارة الأولى، للشعر العربی الحدیث، التی فتحت باباً واسعاً للتجدید فی الشعر العربی
- الملا: الملائكة كانت تعی دورها یقول الشاعر أحمد الملا، مدیر نادی المنطقة الشرقیة الأدبی: «وفاة الشاعرة العراقیة نازك الملائكة، لها دلالتان: الأولى تاریخیة والثانیة حدثیة، فالتاریخی فی وفاة نازك الملائكة، لا یشك أحد فی دور الشاعرة، فی المسیرة الشعریة العربیة الحدیثة، حیث أن الشاعرة أسست لحركة التجدید الشعری العربی المعاصر، لكن ذلك لا یعنی الریادة، لأن من یطلق الشرارة الأولى لیس بالضرورة أن یكون الرائد فی هذا المجال، ومن یستحق لقب رائد هو من رسخ المبادئ بشكل أكبر، ولذلك هناك خلافات كثیرة حول مكتشف التجربة الشعریة الحدیثة، لكن لا أحد یشك فی أن الملائكة والشاعر بدر شاكر السیاب لهما دور كبیر فی ذلك.
والموقف الآن لا یبحث فی هذا المجال، بقدر ما یبحث فی أهمیة نازك الملائكة ودورها فی التیار الذی عمل على مسألة التجدید الشعری والفكری العربی فی هذا المجال، خاصة أن دورها لم یقتصر على كتابة الشعر فقط، وإنما بحثت فی الجانب النقدی فی هذه التجربة، من خلال كتابها الرائع والمهم «قضایا الشعر العربی المعاصر»، وهذا یعطی دلالة أنها كانت تمارس دورها عن وعی ولیست صدى لتجارب أخرى.
ویضیف الملا: «أما فی الشق الثانی، وهو الحدث (الوفاة) فمن الأسف أن تجد أحد المبدعین ینتهی بهذا الشكل وبدون أی تقدیر، وفی مكان مجهول، بینما المتوقع أن یكون له اهتمام فی حیاته وما بعد مماته. للأسف اننا فی العالم العربی والعالم الثالث عموماً نتذكر مبدعینا ونكرمهم بعد رحیلهم، ویكون حدیثنا عنهم بشكل تطهیری وبشكل یوحی برفع اللائمة عن أنفسنا تجاههم، بینما فی المجتمعات التی تحترم قدراتها وتحترم مبدعیها، تحتفی بهم فی حیاتهم وبعد مماتهم، فقبل موت الشاعرة كانت هناك مطالبات عدیدة برعایة الشاعرة والاهتمام بصحتها، لكن لم یكن هناك التجاوب المأمول مع وضع الشاعرة من قبل المؤسسات المختلفة فی الوطن العربی، وهذا ینسحب على كثیر من المبدعین، الذین یكونون فی أمس الحاجة إلى الرعایة والاهتمام، لكن ذلك لا یأتی إلا بعد فوات الأوان، وما نتمناه فی كل حدث مثل هذا أن یتم الاهتمام بالمبدعین قبل وأثناء معاناتهم، ولیس بعد رحیلهم».
- الزهرانی: موتها انسحاب للشعر من المشهد العبثی الدكتور معجب الزهرانی استاذ الأدب العربی بجامعة الملك سعود، بالریاض، والناقد الأدبی یقول: «تمثل نازك الملائكة، لحظة تحول مهمة جداً فی الشعریة وكذلك سیاق الشعریة العربیة الحدیثة، وهی بقدر ما القی الضوء حولها، ستظل هناك نقاط ملتبسة فی هذا اللحظة التحولیة المثیرة للأسئلة، فقبلها حاول بعض الشعراء المهجریین، احداث نوع من أنواع الثورة فی لغة القصیدة العربیة وفی موضوعاتها وفی أشكالها، ولكن أن تأتی نازك الملائكة وتشخص هذا التحول فی قصائدها، وكذلك السیاب، فهذا ما یثیر الأسئلة، وفی اعتقادی أنه ما زالت هناك حاجة ماسة للبحث فی لحظة التحول هذه، رغم ما كتب عنها من دراسات نقدیة». ویضیف الزهرانی: «الذی یثیر اهتمامی الشخصی عندما أدرس الأدب العربی الحدیث أو حینما أكتب موضوعا حوله، أن الموروث الشعری المكتنز فی الذاكرة العراقیة، سواء الفردیة أو الجماعیة أو المكانیة، إلى الآن لم یبحث بشكل معمق، ونحن بحاجة إلى بحوث تغامر فی هذا الاتجاه تماماً، كأن نقول إن ذاكرة السرد النثری عریقة فی مصر، أو ذاكرة الشعر التقلیدی بنوعیة الفصیح والشعبی عریقة فی الجزیرة العربیة، هناك ذاكرة شعریة ثریة ومتنوعة فی بلاد وادی الرافدین، واعتقد أننا بحاجة إلى دراسات معمقة فی هذا المجال، ویجب أن تستصحب هذه الدراسات دراسات الفكر الفلسفی والأنثربولوجی الحدیث، كشرط أساسی، إذ لا تكفی الدراسات النقدیة والبلاغیة المعتادة، وهذا من شأنه أن یلقی ضوءاً جدیداً على هذا التحول، الذی وجد ناضجاً ومكتملا على ید نازك الملائكة وبدر شاكر السیاب، ولا یكفی أن نقول إنهما تأثرا بالشعر الأنجلیزی، أو بفلان من الشعراء، هذا المقولات تریح الذهن من عناء البحث، لكن هناك حاجة إلى بحوث معمقة فی المناطق المجهولة.
ویبین الزهرانی، نازك الملائكة ربما تكون هی من دشن هذا التحول، وأعطى له مشروعیة التسمیة، لكنها لم تكن وحدها التی مثلت التحول فی المستوى الجمالی، ربما یكون السیاب مثل هذا الجانب بعمق وبجدیة أكثر من الملائكة، لكن المصاحبة النقدیة التی حاولت من خلالها الملائكة أن تتبعها فی كتابتها المبكرة عن قصیدة التفعیلة، والشعر الحر، أیضاً مثیرة للتساؤل والاهتمام، لأنها محاولة جدیة لوضع وتقنین جمالیات هذه الظاهرة واستكشاف قوانینها، وربما نقطة ضعف نازك الملائكة أنها كانت مثل الحصان الذی یركض فی فضاء الشعر، حیث كانت تركض باللغة إلى الأمام، لكنها عندما كانت تنظر تعود إلى الخلف، حیث كانت تستخدم الكثیر من مفاهیم العروض التقلیدیة، وبالتالی كانت هناك مفارقة بین تنظیراتها ونصها الشعری، وهذا ما تنبهت له فی كتاباتها المتأخرة نوعاً ما، لكنها تظل لحظة رمزیة باهرة، ویلح أننا فی أمس الحاجة إلى المزید من البحوث للإلقاء الضوء على هذه اللحظة.
ویرى الدكتور معجب الزهرانی، أن موت الشاعرة له دلالة تتسع لتشمل فضاءات مشرقیة كثیرة، كأنما انسحابها هو موت سلمی، موت سعید، كما یقول البیر كامو فی أحد كتبه، یقابل هذا الموت العنیف هذا الموت العبثی، الذی یكاد یفقدنا حس التعاطف معه لأن هناك من یمارسه بمنظور المقدس الوطنی أو المقدس القومی أو المقدس الدینی، وبالتالی هو موت عبثی یأخذ شكل الجریمة، بینما نازك الملائكة تلك الشاعرة المرهفة الرائدة ماتت بسلم وسلام، وكأنما هی تنسحب من مشهد لم یعد صالحاً للشعر.
* شعراء لبنانیون : ستبقى منارة مشعة > أحب من نازك الملائكة وجهها الأول، الوجه الشجاع والمغامر، من خلال «عاشقة اللیل»، والمقدمة القویة للدیوان، ومن خلال خروجها على النمطیة الكلاسیكیة فی الشعر وتحطیم القیود فی مجتمع محافظ جداً، كالعالم العربی والعراق. امتازت نازك الملائكة فی تلك المرحلة الأولى بشجاعة ورؤیا، وبنبض إنسانی وألم عال جداً، ثم اكملت الشعریة برؤیا نقدیة من خلال كتابها عن القصیدة الحرة. وهو اول كتاب نقدی جریء عن معنى القصیدة الحرة، ومغامرة الشعر العربی المعاصر. بهذا الكتاب سبقت الجمیع، لكنها بعد ذلك انتكست، وسیطر علیها الطابع العراقی المحافظ، وربما النجفی، فتراجعت عن مغامراتها التحدیثیة وعادت إلى الصراط المستقیم، والكلاسیكیة، لتنتج قصائد، إذا ما قیست بالحداثة، فهی لا شیء، وإذا ما قیست بالكلاسیكیة فمستواها متدن. وهنا دخلت نازك الملائكة فی سجن من ظلمة الذات والسجن الاجتماعی حتى الموت. فی البدایات، تقدمت نازك الملائكة على عبد الوهاب البیاتی وبدر شاكر السیاب وبلند الحیدری، كانت أكثر جرأة منهم جمیعا ومبادرة، وأكثر تقدماً من فدوى طوقان، وسلمى الخضراء الجیوسی، لكن الحداثة تحلیق دائم، وهی لم تفعل وإنما طوت جناحیها ونامت، فنامت عنها عیون الشعر.
- الشاعر محمد علی شمس الدین: أحب منها وجهها الأول قبل ثلاثة أعوام، وقعت على نسخة عتیقة من أحد دواوین نازك الملائكة، موقع بخطها، وبقلم أسود سیّال، مهدى إلى الصحافی والمخرج فاروق البقیلی. سحرنی اسمها على الدیوان، واصفرار ورقه، وخطها الجمیل، كالجزء الثانی من اسمها.
عدت إلى البیت لم أنم لیلتها، وانا أقرأ شعراً رومانسیاً لسیدة دخلت أسطورة الأدب الحدیث، كأول من كسر العمود الشعری، قبل ان تتوارى، مفضلة الحیاة ربما على الكتابة، والسكینة او الوحدة أو الألم الصامت على مشقة الإبداع الشعری. «كأس حلیب مثلج ترف»، أظنه مطلع بیت للملائكة فی وصف القمر، حفظته من الكتاب المدرسی، وكنت كلما قرأت بیتاً فی دیوانها المسحور، تلك اللیلة، استعید حالاتی الشخصیة على مقاعد الدراسة، كما تأملت قاموسها الشعری، ولعبتها الماكرة من غیر تصنع، المتعمقة دونما استغراق فی غموض اللاوعی وتموجاته. لا أخفی انی قرأتها، برغبة من یحاول اكتشاف تاریخ أدبی للتحول الخارق الذی طرأ على القصیدة العربیة فی أربعینات القرن الماضی، عبر ما عرف بقصیدة التفعیلة والشعر الحر، قبل ان یتحقق الاختراق الأعظم والأرحب عبر قصیدة النثر، بآفاقها وامتداداتها اللامتناهیة. على ان هذا لا یعنی أن شعر الملائكة تركنی محایداً، لجهة الجمال والصور التی رسمت فی نفسی دوائر من الغیم، واقواس قزح لطیفة، وتلك السیولة القمریة التی تجری فی حبرها كنهر أو ساقیة سماویة. هذا العشق (الملائكی) لا یتسرب إلیه شر إلا شر الألم واللوعة من العشق، رجلاً كان أم وجوداً أم ذاتاً، مألومة بالأسئلة، شعریة كانت أو فكریة.
- الشاعر جوزیف عیساوی: قرأتها كمن یحاول اكتشاف تاریخ أدبی > بغیابها تنطفئ منارة شعّت منذ نصف قرن، بجدیدها فی الشعر، قاله البعض تجدیداً، ورأى البعض الآخر فیه ثورة على التقلید. غیر أننی أجد فی نازك الملائكة أصالة كلاسیكیة نتعلم منها كیف یكون التجدید من داخل الأصول، ولیس طفرة هجینة من خارج كل منطق وكل إرث. نازك الملائكة ستبقى فی شعرنا العربی ضوءاً لا ینطفئ، لأن المنارة تبقى مشعة، ولو انطفأ نورها، لأن البحارة یعرفون مكانها غیباً وإلیها یلجأوون. الشاعر هنری زغیب: منارة ولو انطفأت * شعراء لبنانیون : ستبقى منارة مشعة
- أحب من نازك الملائكة وجهها الأول، الوجه الشجاع والمغامر، من خلال «عاشقة اللیل»، والمقدمة القویة للدیوان، ومن خلال خروجها على النمطیة الكلاسیكیة فی الشعر وتحطیم القیود فی مجتمع محافظ جداً، كالعالم العربی والعراق. امتازت نازك الملائكة فی تلك المرحلة الأولى بشجاعة ورؤیا، وبنبض إنسانی وألم عال جداً، ثم اكملت الشعریة برؤیا نقدیة من خلال كتابها عن القصیدة الحرة. وهو اول كتاب نقدی جریء عن معنى القصیدة الحرة، ومغامرة الشعر العربی المعاصر. بهذا الكتاب سبقت الجمیع، لكنها بعد ذلك انتكست، وسیطر علیها الطابع العراقی المحافظ، وربما النجفی، فتراجعت عن مغامراتها التحدیثیة وعادت إلى الصراط المستقیم، والكلاسیكیة، لتنتج قصائد، إذا ما قیست بالحداثة، فهی لا شیء، وإذا ما قیست بالكلاسیكیة فمستواها متدن. وهنا دخلت نازك الملائكة فی سجن من ظلمة الذات والسجن الاجتماعی حتى الموت. فی البدایات، تقدمت نازك الملائكة على عبد الوهاب البیاتی وبدر شاكر السیاب وبلند الحیدری، كانت أكثر جرأة منهم جمیعا ومبادرة، وأكثر تقدماً من فدوى طوقان، وسلمى الخضراء الجیوسی، لكن الحداثة تحلیق دائم، وهی لم تفعل وإنما طوت جناحیها ونامت، فنامت عنها عیون الشعر.
- الشاعر محمد علی شمس الدین: أحب منها وجهها الأول > قبل ثلاثة أعوام، وقعت على نسخة عتیقة من أحد دواوین نازك الملائكة، موقع بخطها، وبقلم أسود سیّال، مهدى إلى الصحافی والمخرج فاروق البقیلی. سحرنی اسمها على الدیوان، واصفرار ورقه، وخطها الجمیل، كالجزء الثانی من اسمها.
عدت إلى البیت لم أنم لیلتها، وانا أقرأ شعراً رومانسیاً لسیدة دخلت أسطورة الأدب الحدیث، كأول من كسر العمود الشعری، قبل ان تتوارى، مفضلة الحیاة ربما على الكتابة، والسكینة او الوحدة أو الألم الصامت على مشقة
موضوعات وبلاگ: نازک الملائکة،
ارسال توسط كشاورز
بازدید : مرتبه
تاریخ : پنجشنبه 19 فروردین 1389
شاعرة الحزن و البكاء
موضوعات وبلاگ: نازک الملائکة،
التشاؤم النفسی عند نازك الملائكة
٢٥ تشرین الثانی (نوفمبر) ٢٠٠٦بقلم فرهاد دیو سالار
الموجز
كان بعض الشعراء و الأدباء مشغولین بأنفسهم و یعكفون على آلامهم الخاصة و هذا اللون من شعر المعاناة و الألم الذی یهتم الشاعر ببیان آلامه النفسیة و معاناته ینبع جمیعاَ من أصل واحد و هو الإحساس بالضیاع و الخواء و عبثیة الحیاة. و كانت أدبیاتهم مبنیة على التشاؤم لأنهم ساخطون على الدنیا متبرمون بالعالم و لا یرون فیه إلّا شراَ مستطیراَ لا سبیل إلى دفعه و طفحت دواوینهم بشعر المعاناة و الألم و الحزن فالحیاة عندهم شر كلها و إن فی ازدرائهم للحیاة مغالاة و تشاؤماَ مضرین و یصرخون متألمین لأنهم فقدوا كل أمل و قوة فهم لا یرون فی الحیاة غیر ظلام و فناء و یحسون بالقنوط غافلین عن قیمة الحیاة. و من هؤلاء " نازك الملائكة" التی تكون الحیاة عندها ملیئة بالهموم و الشقاوات و فی نفسها تشاؤم مرّ كثیف و الحیاة فی نظرتها متعقدة مع الخیبة و الخشیة فتعبر عن أحاسیسها و عواطفها الذاتیة الحزینة و تنكفئ إلى ذاتها خاصة حینما ترى أن كلما تغنیت من أحلام جمیلة محض سراب و لیست له حقیقة، أو تجد نفسها محاطة بالأحزان و الآلام تدفع بها حالة من التأمل و المعاناة و الجهد الفكری.
الكلمات الرئیسیة: نازك الملائكة، تشاؤم، عبثیة الحیاة، شعر المعاناة، الإحساس بالضیاع.
المقدمة
هناك أشخاص كثیرون مسلكهم أمام الحیاة و المجتمع سلبی و یؤدی ذلك إلى عزلتهم و ینتهی إلى نوع من العدم و الفناء و یرون أن الحیاة كلها شر؛ لأنه غالب على الخیر و من هؤلاء الذین شاهدوا شرور الحیاة " دیدرو" فإنه یقرر أن المرء حیوان ضارّ لو ترك لطبیعته و "فولتیر" یعتقد بتأصل الشر و "باسكال" یعتقد بوحدة الإنسان و جهل مصیره حیث یقول: " حین أنظر إلى هذا العالم الصامت كله، و فیه الإنسان لا نور لدیه، متروكاَ لنفسه، كأنه ضالّ فی هذا الجانب من العالم دون أن یدری من الذی و ضعه فیه و ما مصیره بعد الموت عاجزاَ عن كل معرفة……" (د. غنیمی هلال، محمد، قضایا معاصرة فی الأدب و النقد، ص 71). أو "لابروییر" یرى الشر أصیلاَ فی الناس و یقول: "لا ینبغی أن نغضب على الناس حین نرى قسوتهم و كفرانهم بالصنیع و ظلمهم و نسیانهم للآخرین، فهم هكذا خلقوا و هذه طبیعتهم". أو مثلاَ یرى "سارتر" أن الخیر فی العالم شعلة ضئیلة تهددها ریاح الشر كل جانب و "البیر كامو" یعتقد بعبثیة الحیاة و استعصائها فی ذاتها علی الفهم (نفس المرجع، ص 75).
تعبر نازك الملائكة عن عواطفها الذاتیة الحزینة و تنكفئ إلى ذاتها عندما تحس بالفراغ و الضیاع و تشعب الأهداف و غموض الغایات كأنها تدور فی حلقة مفرغة لا تعرف لها نهایة تنتهی إلیها و تعترف بالحقیقة المرة هی أن عالم الرؤى و الأحلام الذی التمسته فی الطبیعة سجن آخر لها من لون جدید فلهذا تطلب الخلاص منه. فی هذا الأوان تحس بأن الموت غایة لها لأنها بلغت النهایة و تلاقت الموت على فراشها و ذاقت لذته و استعدت نفسها للرحیل خاصة أنها كانت بین فكی الموت بسبب حمى شدیدة أصیبت بها و غلب الیأس علیها و لا حیلة لها أن ترحب بالموت بما أن حیاتها تنقضی قریبا والألحان تموت على شفتیها قبل أن تقول كل ما عندها و تدفع نفسها إلى حب الحیاة رغم الموت و ترید الحیاة من أجل أن تقول أناشیدها كلها و بعد لا تبالی أن یجیء الموت و یخطفها:
ربما تنقضی حیاتی قریبا
و تموتُ الألحانُ فی شفتیّا
لیْس فی الكونِ بعد شعری ما یغری
فؤادی فمرحبا بالممات
فإذا ما أتممت لحنی كما أهوى
فماذا أریده من حیاتی (نازك الملائكة،دیوان، دار ج1،ص 18)
و عندما تنفجر الآلام فی وجودها قویة وتتناقض الحیاة أمامها و كل ما یكون فی وجودها و إحساسها تناقض الواقع والحقیقة فی هذه اللحظة تحس ببطلان وجودها و خواء أعماقها العاطفیة و تسعى فی البحث عن معنى للوجود الإنسانی و تؤمن بعبثیة الحیاة فتسری فی أشعارها روح التشاؤم و النقمة و مكتبها الشعری أو حالتها النفسیة مفعمةبالرومنسیة و هی تدفق فی إبداعها نغما حزینا و فكرا متشائما نتیجة المرارة و الخیبة فی أعماق المحن و الأزمات و یزید التشاوم فیها . و فی هذه الحالة تمیل أن تعود إلى الماضی الجمیل و تهرب من قیود الزمان لأن فیه تحررا –كما هو شأن الشعراء الرومنسیین (د غنیمی هلال، محمد، الرومانتیكیة،ص73)- و تستعرضه بكل تفاصیله و جزئیاته،ربما تقنع نفسها لفشل تجربتها و تحس بالیأس و التمزق و الاغتراب، فی الحقیقة تقابل بین حالتین – كما یعتقد الدكتور" المهنا"(مجلة الشعر فصلیة مصریة، العدد1٤، ینایر٦198م ص10)- و یقول:"……حالة الاغتراب التی یمثلها الماضی المفعم بالحرارة مع أنه میت من الناحیة المعنویة و حالة الاغتراب التی یعكسها الحاضر الخامد على رغم من أنه لم یفقد حرارة الحیاة و تمكن لها العودة إلی الماضی لأن فشل التجربة لا یعنی نهایة التجربة". تمثل نازك الملائكة درجة عظیمة من الألم النفسی و هو میراث نفس فاشلة تطمع فی المستقبل دون أن تنسى خذلان الماضی و قد أدركت هذا الموضوع فهما تاما خاصة بعد أن خرجت من المحیط العربی إلى محیط أجنبی و اشتد صراعها الذاتی و مقتضیات الحیاة من حولها . تلجأ الشاعرة إلى الأزمان من أجل هذه الأزمات، الزمن الماضی بكل ما فیه و انتظار الغد أی مواجهة القبور و الترحب بالموت لأنه یخلصها من هذه الأزمات و لو تكون باردة؛كما تقول:
ومن القبر ذلك المظلم البارد (نازك الملائكة،دیوان،ج1،ص83٦)
القبر ضمك فی برودته (نازك الملائكة،دیوان،ج2،ص٦13)
أو یكون صورة من الوحشة والصمت والظلام:
لم أجد غیر وحشة الیأس
و صمت مثل صمت القبور
أی قبر أعددت لی أ هو كهف؟
ملء أنحائه الظلام الداجی (نازك الملائكة،دیوان،ج1،ص25)
إذن تلجأ الشاعرة إلی دائرة الأزمان و هی الدائرة التی سمتها "یوتوبیا"منطقة یتعطل فیها حكم الزمن و رغم ذلك عالم یموت فیه الضیاء و مرة یضیئه القمر و لكن الصفة الثابتة لها أنها أفق أزلی لا یدركه الفناء كما یعتقد الدكتور" شوقی ضیف"(فصول فی الشعر و نقده، دار المعارف بمصر، ص ٦9). و قد نظمت فی عنائها النفسی و قلق نفسها و صورت خوفها و فزعها و ألمها تصویرا رائعا و تشعر فی حیاتها شعورا عمیقا بأن الشر و الشؤم یلازمانها و لا مفر منهما إلا أن تتخلص من الحیاة و تستقبل الموت و ما الفائدة فی هذه الحیاة الملیئة بالمشقات و الصعاب و یلیق بها أن تستریح من عذابها و عنائها و تحس بلهیب الیأس المتقد فی أعماق نفسها . و أزمتها النفسیة أمام الوجود و الكون و أسرار الحیاة و مصیرها شدید الحدة، فهی كثیرة التفكر فی آلام الإنسان و مصیره و وجوده و الكون و ألغازه و الموت وأسراره و حاولت لتكشف أسرار الحیاة و الطبیعة و ما بعدها فیسری التشاؤم فی أشعارها فتحزن و تبتئس و تكتئب و لون الحیاة بكآبة نفسها وأفكارها السوداء یلح علیها. و یقول الدكتور" هدارة" إنها استخدمت كلمة" لیس"فی مطولتها " مأساة الحیاة " خمسا و سبعین مرة و أطلق علیه "النزعة اللیسیة " لتضاف إلى " النزعة اللاأدریة "(د.هدارة ،محمد مصطفى ،دراسات فی الشعر العربی الحدیث، ص 93)
نرى طابعها أنه هو الحزن و الاضطراب و القلق النفسی و المعاناة، من أجل انهیار آمالها الواسعة و اشتهرت بشاعرة الحزن و البكاء و النواح و كل من یقرأ شعرها یشعر بالحزن الذی تعیش فیه الشاعرة و ینبع من أعماق قلبها و مصدر الآلام لا یخبو فی نفسها؛ و فی هذا المنطلق نذكر أشعارها التی تعبر عن تشاؤمها أمام الكون و الحیاة و الأسرار و الألغاز و تعرف من تفكراتها و نظریاتها حولها. بدأت الشاعرة نظم مطولتها الأولى فی الثانی و العشرین من عمرها التی هی صورة واضحة من اتجاهات الرومانسیة التی غلبت علیها فی هذه الفطرة من حیاتها و كان من مشاعرها التشاؤم و الخوف من الموت، و عنوان هذه المطولة "مأساة الحیاة" و العنوان نفسه یدل على تشاؤمها المطلق خاصة أنها تعتقد بأن الحیاة كلها ألم و إبهام و تعقید و موضوع هذه القصیدة الطویلة فلسفی یدور حول الحیاة و الموت و ما وراءهما من الأسرار و الألغاز؛ و تبدأ بهذه الأبیات:
عبثاَ تحلمین شاعرتی ما
من صباح للیل هذا الوجود
عبثاَ تسألین لن یكشف السر
و لن تنعمی بفكّ القیود (نازك الملائكة، دیوان مأساة الحیاة، ص 21).
و ترى أن الأفق مجهول و لا فائدة للنظر فیه؛ لأنه لا یتجلى و القدر مستغلق صامت:
أبداَ تنظرین للأفق المجهول
فهل تجلى الخفی
أبداَ تسألین و القدر الساخر
صمت مستغلق أبدی (نازك الملائكة، دیوان مأساة الحیاة، ص 22).
تحدثت الشاعرة كثیراَ فی أشعارها عن الإنسان و عن سر وجوده كما تحدثت عن عجزه عن معرفة هذا الكون الغامض المعقد و تعتقد أن حیاة الإنسان مجهولة غامضة ملیئة بالأسرار و الآلغاز التی لم یكن فی إمكان أحد أن یكشفها حتى الآن و مضمون الشعرها الیأس و العجز عن حل هذه الأسرار و الألغازو الرجاء لا طائل تحته:
نحن نحیا فی عالم لیس یُدرى
سره فهو غیهب مجهول
أی شیء هذا الفضاء؟ و ما سر
دجاه ؟ هل خلفه من حدود؟
هو سر الحیاة دقّ على الأفهام
حتى ضاقت به الحكماء
ما الذی یطلع النجوم على الكون
مساء؟ ما كنه هذا الوجود؟
فأیأسی یا فتاة ما فهمت من
قبل أسرارها ففیم الرجاء؟ (نازك الملائكة، دیوان مأساة الحیاة، ص 23).
و تعتقد أن النسان لیس بقادر أن یكشف الأسرار لكنها تسعى أن تجد السعادة و هناك صراع للوصول إلیها و لكن أخیراَ تقنع بالجهل و تریح نفسها من عناء الصراع فی سبیل وصولها لأنه لا یوجد أحد أن رآها إذن تبقى كلغز:
فیم لا تیأسین؟ ما أدرك الأسرار
قلب من قبل كی تدركیها
أسفاَ یا فتاة لن تفهمی الأیام
فلتقنعی بأن تجهلیها
نحن ندعوه بالسعادة لكن
لیس منا من ذاقه أو رآه
ذلك اللغز ذلك الحُلُم المحجوب
خلف الضباب أین تراه ؟ (نازك الملائكة، دیوان مأساة الحیاة، ص 22).
و تعتقد أن الألم جزء لا ینفصل عن الوجود الإنسانی و عقوبة طبیعیة و أنه دائما َمع الحیاة و هذا الجرح عمیق عندما كان الإنسان فی شبابه و لا فائدة من البقاء مادامت الحیاة تجرح الإنسان بالأسى و العذاب :
كل ما فی الوجود یؤلمنی الآن
و هذی الحیاة تجرح نفسی (نازك الملائكة، دیوان، ج 1، ص ٤3).
كل ما فی الوجود یجرحنی الآن
و لون الحیاة یطعن نفسی (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 257).
و أكفّ الحیاة تجرحنی فیم
بقائی؟ حسبی أسى و عذابا
فی ربیع الشباب ما أعمق الجرح
إذا كانت الحیاة شبابا (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 250).
و لا مفر للإنسلن من آلامه و هو محاصر بها مادام یعانی الحیاة:
أین أمضی یا رب أم كیف أنجو
من قیود الفناء والأیام
ضاق بی العالم الفسیح فیا
للهول أین المفر من آلامی (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 213).
و لا یمكن أن یفر من الأوهام و الأفكار:
آه لو كان فی الحیاة مفر
من شقاء الأوهام و الأفكار (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص ٤18).
و ترید أن تفهم ماذا تصنع بها المأساة فی المستقبل المجهول و ماذا یستقبلها من أجل هذا تنادی القلب بقولها :
حدثی القلب أنت أیتها المأساة
یا من قدسمیت بالحیاة
ما الذی تصنعین بی فی الغد المجهول
ماذا تری مصیر رفاتی ؟ (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 25).
لهذا السبب تقرر أن تسأل عن اللیل ربما یظهر لها ما ترید و لكن تشاهد الأوهام تسخر منها و لا تجیبها و یبقی سؤالها فی هذا المجال بدون جواب:
طالما قد سألت لیلی لكن
عزّ فی هذه الحیاة الجواب
لیس غیر الأوهام تسخر منی
لیس إلا تمزق و اضطراب (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص ٦2).
كما تكون الحیاة مبهمة، إن الموت لغز أیضاَ و حل هذا اللغز صعب جداَ و ما زال یبقی لغز عمیقاَ:
هل فهمتُ الحیاة كی أفهم الموت
و أدنو من سره المكنون
لم یزل عالم المنیة لغزاَ
عزّ حلاَ علی فؤادی الحزین (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص ٦2).
و أكفّ الحیاة تجرحنی واللغز
یبقی لغزاَ عمیقاَ خفیاَ
تتحدی الأحیاء قهقهةُ الموت
و تبقی الحیاة لیلاَ دجیا (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 8٤2).
و كما أن الحیاة قد جرّعتها الحزن و الیأس، المنایا لا تهتم بأمنیاتها:
ولْتَجرّعنی الحیاة كؤوس الحزن
و الیأس ما یشاء شقاها
هل ستصغی إلی رجائی المنایا
إن تمنیت صمتها و دجاها
إن تمنیت أن آعیش فما
یستمع الموت أو یمد سنینا
أو تمنیت أن أموت فما یرحم
حلمی ولست القى المنونا (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 27).
و ترى الموت غالباَ منتصراَ و أننا أمامه ضعفاء:
هكذا الموت غالب أبد الدهر
و نحن الصرعى الضعاف الحیارى
و له النصر و الفخار علینا
فاندبوا مادعوتموه انتصارا (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 58).
و إن المهم هو إرادة القدر:
هكذا مما یریده القدرالمحتوم
لا ما تریده آمالی (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 28).
طبعاَ تعود الشاعرة بنسبة الشر فی نفس الإنسانیة إلی خطیئة آدم و حوّاء و تؤكد على هذا الموضوع عدة مرّات خاصة فی مطولتها" مأساة الحیاة" و أغنیة للإنسان" و الشیطان نجح فی قهر الإنسان و غرس نزعة الشر فی وجود الإنسان بخضوعه لإرادته:
لیت حوّاء لم تذق ثمر الدوحة
لیت الشیطان لم یتجنا
علمتنا ثمارنا فكرة الشر
فكان الحزن العمیق العاصر (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 200)
و أحیاناَ تفكرفی الذنب الذی ارتكبه آدم بحیث یحق العذاب على البشر جمیعاَ و تقول:
حسبها أننا دفعنا إلیها
ثمن العیش حیرة و دموعا
أی ذنب جناه آدم حتى
نتلقى العقاب نحن جمیعا (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 38).
والحیاة عندها منبع شر و شقاء و اضطراب و لا مهرب منها و تصفها هكذا:
لقبوها الحیاة و هی اضطراب
أبدی و لهفة لا تقر
و امتداد للانهایة لا یبدأ
لا ینتهی و أین المفر؟(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 3٦1)
و ترون الحیاة منبع شر
لیس منها منجى و لیل شقاء
هی هذی الحیاة زارعة الأشواك
لا الزهر و الدجى و لاالضیاء
هی نبع الآثام تستلهم الشر
وتحیا فی الأرض لا فی السماء(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 37)
و تصفها أنها كساقیة تسقی كؤوس السم و تعطیها للعطاش:
هی هذی الحیاة ساقیة السم
كؤوب یطفو علیها الرحیق
أومأت للعطاش فاغترفوا منها
ومن ذاتها فلیس یفیق(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 37)
والحیاة الإنسانیة شقاء دائم:
عالم كل من على وجهه یشقى
و یقضی الأیام حزنا و یأسا
عبثا فالحیاة سنته الحزن
و حكم الآهات والدمع جار(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 8٦٤)
كما ضاق قطرة من نعیم
أعقبتها من الأسى ألف قطرة
و مهداتها هی:
هی هذی الحیاه لاتمنح الأحیاء
إلا العذاب و الأهوالا(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 3٤1)
وقد بلغ التشاؤم فبها إلى حد ترى أن الحیاة كلها مأساة من بدایتها ألی نهایتها:
ما أفظع المبدأ و المنتهى
ما أعمق الحزن الذی نحمل(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص٦52)
و العالم الملیئ بالشقاء و الألم ولا فائدة فی تهذیب النفس لأنها حاملة الشر و البغضاء:
هكذا شاءت المقادیر للعالم
إثم و شقوة و حروب
و هی النفس تحمل الشر و البغض
فماذا یفیدها التهذیب (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 50)
ولا نجاة من الكون المعذب المسوق إلى الأحزان:
كیف ینجو من الأسى ومتى یشفى
فی الموجعات و الآلام؟
یالهذا الكون المعذب فی قید
من الشرو الأذى و الآثام
كیف ینجو و الطبع و القدر القاسی
یسوقان إلى الأحزان (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 51)
و هناك لیس أی شفاء لهذا الیأس و الحزن؛ لأن:
لیس یشفیهم من الحزن و الیأس
دواء فالداء فی الأرواح (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 87)
و لا یوجد أی رخاء و راحة حتى فی القبر:
افتحوا هذه القبور و هاتوا
حدّثونا أین الغنى و الرخاء؟ (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص ٦5)
مع أنها تعتقد بأن الموت كارثة أقسى و تعتقد أن تشاؤمها قد فاق تشاؤمها" شوبنهاور" لأنه كان یعتقد أن الموت نعیم یختم عذاب الإنسان أما هی فلم تكن عندها كارثة أقسى من الموت و هو یلوح لها مأساة الحیاة الكبرى و أن التشاؤم و الخوف من الموت من مشاعرها. لكنها بالفعل تؤمن بأنه یخلص الإنسان من الشقاء و الألم و تؤمن بقول شوبنهاور: إن أعظم نعیم للناس جمیعا هو الموت؛لأنها تجد فیه راحة لا تجد ها فی الحیاة و لفظ الموت قد ذكر كثیرا فی عالمها الشعری حتى فی عناوین قصائدها الكثیرة؛ " عیون الأموات" ، "أنشودة الأموات" ، "بین فكّی الموت" ، "قلب میت" و…. و ترحب به و تلقاه غیر محزونة و لا سیما فی میعة شبابها إذن فلسفتها العملیة تثبت خلاف آرائها و عقائدها فی هذا المجال:
عدت أخشى الحیاه أفرق منها
و أراها دعابة لا تطاق
فإذا ما أتممت لحنی كما أهوى
فماذا أریده من حیاتی
لیس فی الكون بعد شعری ما یغری
فؤادی فمرحبا بالممات
سوف ألقى الموت المحجّب روحا
شاعریا یحب صمت التراب
و فؤادا یرى الممات شبابا
للمنى و الشعور أی شباب
سوف ألقاك غیر محزونة یا
موت فی میعة الشباب الغرید (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 218).
و ترى هموم الشباب أحر الهموم و الأحزان و الحیاة كلها ملیئة بالیأس و الحزن حتى مبهجات الحیاة:
یا هموم الشباب فیم تكونین
أحرالهموم و الأحزان
ها أنا فی الشباب تقتلنی الوحدة
و الصمت و الأسى یا هموم
أینما أتجه فثمة أحزان
أراها و وحشة و وجوم
كل شیء أراه یملأنی حزنا
و یأسا من مبهجات الحیاة(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 209)
و تشكو من خیبة أحلامها؛ لأنها:
یا خیبة الأحلام ما أبقیت لی
إلا ضلال كآبتی و ظلامی(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 87٤)
و تحس بالعجز و ترید الرأفة:
آه فارأف بفتاة حطّم الدهرُ مناها
و أفاقت لیهدّ الحزن و الیأس قواها(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص ٦1٦)
و ترىأن لهذه الشكوی الحزینة لیست فائدة:
آه لا بد من أسانا فماذا
نفع هذی الشكوى الحزینة منا(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص ٦23)
و أخیرا تنفر من كل شیء و تحس بالسآمة حتى فی التفكیرو البقاء و الواقع و إلخ ولا ترید أن تعیش روحها مثل الناس:
و أنفر من كل ما فی الوجود
و أهرب من كل شیء أراه(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص ٤5)
روحی لاتعشق أن تحیا مثل الناس
أنا أحیانا أنسى بشریة إحساسی(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 98)
قد سئمت التفكیر یا لیلی الساحی
و ألقیت بالكتاب الحبیب
قد سئمت الأمل المر الكذوبا
أیها الغادر لا تنظر إلیّا(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 570)
قد سئمت الواقع المر المملا
ولقد عدت خیالا مضمحلا
ففیم أعیش ؟ سئمت البقاء
و شاق حیاتی صمت العدم(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 599)
و قصارى القول إذا تطرفنا إلی أشعارها رأینا أن روح التشاؤم كیف سرت فی نفسیة الشاعرة ، و فی نفسها نوع من الیأس و التشاؤم الذی قد تسرب فی كلماتها و ألفاظها و قد آل المطاف بها أن تضجرت بكل شیء فی الحیاة و لا ترید أن تحیا مثل السائرین و آمنت بأننا نعیش فی العالم الذی:
نحن نحیا فی عالم كله دمع
و عمر یفیض یأسا و حزنا
تستشفی عناصر الزمن القاسی
بآهاتنا و تسخر منا(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 1٦1)
و تعیش فی عالمها الذی رسمت لنفسها و العالم الذی فرض على نفسها و هو سر التألم و التمزق فی حیاتها. و من أجل هذا العالم الملیء بالأحزان و الآلام الذی رسمت الشاعرة لنفسها،و الحیاة فیه جافة باردةو لا معنی للعیش فیه تعتقد بوجوب استقبال الموت لأنه:
لنمُت فالحیاة جفّت و هذه الأكؤس
الفارغات تسخر منا
و سكون الحیاة فی جسد الأحلام
لم یبق قط للعیش معنى
و فراغ الآهات أثبت أنا
قد فرغنا من دورنا و انتهینا
و لمذا نبقى هنا نسمع الموت
ینادی بنا فلم لا نجیب؟
لنمت فالریاح تجرح وجهینا
و لون الدجى عمیق رهیب(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص ٦10)
و هناك سبب آخر لاستقبال الموت،هو:
عصرتنی الحیاة لم یبق معنى
لوجودی، لأدمعی،لحیاتی
كل شیء یلوح لی عدما مرا
و لغزا مكنفا بالشكاة(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص ٤٦2).
كان بعض الشعراء و الأدباء مشغولین بأنفسهم و یعكفون على آلامهم الخاصة و هذا اللون من شعر المعاناة و الألم الذی یهتم الشاعر ببیان آلامه النفسیة و معاناته ینبع جمیعاَ من أصل واحد و هو الإحساس بالضیاع و الخواء و عبثیة الحیاة. و كانت أدبیاتهم مبنیة على التشاؤم لأنهم ساخطون على الدنیا متبرمون بالعالم و لا یرون فیه إلّا شراَ مستطیراَ لا سبیل إلى دفعه و طفحت دواوینهم بشعر المعاناة و الألم و الحزن فالحیاة عندهم شر كلها و إن فی ازدرائهم للحیاة مغالاة و تشاؤماَ مضرین و یصرخون متألمین لأنهم فقدوا كل أمل و قوة فهم لا یرون فی الحیاة غیر ظلام و فناء و یحسون بالقنوط غافلین عن قیمة الحیاة. و من هؤلاء " نازك الملائكة" التی تكون الحیاة عندها ملیئة بالهموم و الشقاوات و فی نفسها تشاؤم مرّ كثیف و الحیاة فی نظرتها متعقدة مع الخیبة و الخشیة فتعبر عن أحاسیسها و عواطفها الذاتیة الحزینة و تنكفئ إلى ذاتها خاصة حینما ترى أن كلما تغنیت من أحلام جمیلة محض سراب و لیست له حقیقة، أو تجد نفسها محاطة بالأحزان و الآلام تدفع بها حالة من التأمل و المعاناة و الجهد الفكری.
الكلمات الرئیسیة: نازك الملائكة، تشاؤم، عبثیة الحیاة، شعر المعاناة، الإحساس بالضیاع.
المقدمة
هناك أشخاص كثیرون مسلكهم أمام الحیاة و المجتمع سلبی و یؤدی ذلك إلى عزلتهم و ینتهی إلى نوع من العدم و الفناء و یرون أن الحیاة كلها شر؛ لأنه غالب على الخیر و من هؤلاء الذین شاهدوا شرور الحیاة " دیدرو" فإنه یقرر أن المرء حیوان ضارّ لو ترك لطبیعته و "فولتیر" یعتقد بتأصل الشر و "باسكال" یعتقد بوحدة الإنسان و جهل مصیره حیث یقول: " حین أنظر إلى هذا العالم الصامت كله، و فیه الإنسان لا نور لدیه، متروكاَ لنفسه، كأنه ضالّ فی هذا الجانب من العالم دون أن یدری من الذی و ضعه فیه و ما مصیره بعد الموت عاجزاَ عن كل معرفة……" (د. غنیمی هلال، محمد، قضایا معاصرة فی الأدب و النقد، ص 71). أو "لابروییر" یرى الشر أصیلاَ فی الناس و یقول: "لا ینبغی أن نغضب على الناس حین نرى قسوتهم و كفرانهم بالصنیع و ظلمهم و نسیانهم للآخرین، فهم هكذا خلقوا و هذه طبیعتهم". أو مثلاَ یرى "سارتر" أن الخیر فی العالم شعلة ضئیلة تهددها ریاح الشر كل جانب و "البیر كامو" یعتقد بعبثیة الحیاة و استعصائها فی ذاتها علی الفهم (نفس المرجع، ص 75).
تعبر نازك الملائكة عن عواطفها الذاتیة الحزینة و تنكفئ إلى ذاتها عندما تحس بالفراغ و الضیاع و تشعب الأهداف و غموض الغایات كأنها تدور فی حلقة مفرغة لا تعرف لها نهایة تنتهی إلیها و تعترف بالحقیقة المرة هی أن عالم الرؤى و الأحلام الذی التمسته فی الطبیعة سجن آخر لها من لون جدید فلهذا تطلب الخلاص منه. فی هذا الأوان تحس بأن الموت غایة لها لأنها بلغت النهایة و تلاقت الموت على فراشها و ذاقت لذته و استعدت نفسها للرحیل خاصة أنها كانت بین فكی الموت بسبب حمى شدیدة أصیبت بها و غلب الیأس علیها و لا حیلة لها أن ترحب بالموت بما أن حیاتها تنقضی قریبا والألحان تموت على شفتیها قبل أن تقول كل ما عندها و تدفع نفسها إلى حب الحیاة رغم الموت و ترید الحیاة من أجل أن تقول أناشیدها كلها و بعد لا تبالی أن یجیء الموت و یخطفها:
ربما تنقضی حیاتی قریبا
و تموتُ الألحانُ فی شفتیّا
لیْس فی الكونِ بعد شعری ما یغری
فؤادی فمرحبا بالممات
فإذا ما أتممت لحنی كما أهوى
فماذا أریده من حیاتی (نازك الملائكة،دیوان، دار ج1،ص 18)
و عندما تنفجر الآلام فی وجودها قویة وتتناقض الحیاة أمامها و كل ما یكون فی وجودها و إحساسها تناقض الواقع والحقیقة فی هذه اللحظة تحس ببطلان وجودها و خواء أعماقها العاطفیة و تسعى فی البحث عن معنى للوجود الإنسانی و تؤمن بعبثیة الحیاة فتسری فی أشعارها روح التشاؤم و النقمة و مكتبها الشعری أو حالتها النفسیة مفعمةبالرومنسیة و هی تدفق فی إبداعها نغما حزینا و فكرا متشائما نتیجة المرارة و الخیبة فی أعماق المحن و الأزمات و یزید التشاوم فیها . و فی هذه الحالة تمیل أن تعود إلى الماضی الجمیل و تهرب من قیود الزمان لأن فیه تحررا –كما هو شأن الشعراء الرومنسیین (د غنیمی هلال، محمد، الرومانتیكیة،ص73)- و تستعرضه بكل تفاصیله و جزئیاته،ربما تقنع نفسها لفشل تجربتها و تحس بالیأس و التمزق و الاغتراب، فی الحقیقة تقابل بین حالتین – كما یعتقد الدكتور" المهنا"(مجلة الشعر فصلیة مصریة، العدد1٤، ینایر٦198م ص10)- و یقول:"……حالة الاغتراب التی یمثلها الماضی المفعم بالحرارة مع أنه میت من الناحیة المعنویة و حالة الاغتراب التی یعكسها الحاضر الخامد على رغم من أنه لم یفقد حرارة الحیاة و تمكن لها العودة إلی الماضی لأن فشل التجربة لا یعنی نهایة التجربة". تمثل نازك الملائكة درجة عظیمة من الألم النفسی و هو میراث نفس فاشلة تطمع فی المستقبل دون أن تنسى خذلان الماضی و قد أدركت هذا الموضوع فهما تاما خاصة بعد أن خرجت من المحیط العربی إلى محیط أجنبی و اشتد صراعها الذاتی و مقتضیات الحیاة من حولها . تلجأ الشاعرة إلى الأزمان من أجل هذه الأزمات، الزمن الماضی بكل ما فیه و انتظار الغد أی مواجهة القبور و الترحب بالموت لأنه یخلصها من هذه الأزمات و لو تكون باردة؛كما تقول:
ومن القبر ذلك المظلم البارد (نازك الملائكة،دیوان،ج1،ص83٦)
القبر ضمك فی برودته (نازك الملائكة،دیوان،ج2،ص٦13)
أو یكون صورة من الوحشة والصمت والظلام:
لم أجد غیر وحشة الیأس
و صمت مثل صمت القبور
أی قبر أعددت لی أ هو كهف؟
ملء أنحائه الظلام الداجی (نازك الملائكة،دیوان،ج1،ص25)
إذن تلجأ الشاعرة إلی دائرة الأزمان و هی الدائرة التی سمتها "یوتوبیا"منطقة یتعطل فیها حكم الزمن و رغم ذلك عالم یموت فیه الضیاء و مرة یضیئه القمر و لكن الصفة الثابتة لها أنها أفق أزلی لا یدركه الفناء كما یعتقد الدكتور" شوقی ضیف"(فصول فی الشعر و نقده، دار المعارف بمصر، ص ٦9). و قد نظمت فی عنائها النفسی و قلق نفسها و صورت خوفها و فزعها و ألمها تصویرا رائعا و تشعر فی حیاتها شعورا عمیقا بأن الشر و الشؤم یلازمانها و لا مفر منهما إلا أن تتخلص من الحیاة و تستقبل الموت و ما الفائدة فی هذه الحیاة الملیئة بالمشقات و الصعاب و یلیق بها أن تستریح من عذابها و عنائها و تحس بلهیب الیأس المتقد فی أعماق نفسها . و أزمتها النفسیة أمام الوجود و الكون و أسرار الحیاة و مصیرها شدید الحدة، فهی كثیرة التفكر فی آلام الإنسان و مصیره و وجوده و الكون و ألغازه و الموت وأسراره و حاولت لتكشف أسرار الحیاة و الطبیعة و ما بعدها فیسری التشاؤم فی أشعارها فتحزن و تبتئس و تكتئب و لون الحیاة بكآبة نفسها وأفكارها السوداء یلح علیها. و یقول الدكتور" هدارة" إنها استخدمت كلمة" لیس"فی مطولتها " مأساة الحیاة " خمسا و سبعین مرة و أطلق علیه "النزعة اللیسیة " لتضاف إلى " النزعة اللاأدریة "(د.هدارة ،محمد مصطفى ،دراسات فی الشعر العربی الحدیث، ص 93)
نرى طابعها أنه هو الحزن و الاضطراب و القلق النفسی و المعاناة، من أجل انهیار آمالها الواسعة و اشتهرت بشاعرة الحزن و البكاء و النواح و كل من یقرأ شعرها یشعر بالحزن الذی تعیش فیه الشاعرة و ینبع من أعماق قلبها و مصدر الآلام لا یخبو فی نفسها؛ و فی هذا المنطلق نذكر أشعارها التی تعبر عن تشاؤمها أمام الكون و الحیاة و الأسرار و الألغاز و تعرف من تفكراتها و نظریاتها حولها. بدأت الشاعرة نظم مطولتها الأولى فی الثانی و العشرین من عمرها التی هی صورة واضحة من اتجاهات الرومانسیة التی غلبت علیها فی هذه الفطرة من حیاتها و كان من مشاعرها التشاؤم و الخوف من الموت، و عنوان هذه المطولة "مأساة الحیاة" و العنوان نفسه یدل على تشاؤمها المطلق خاصة أنها تعتقد بأن الحیاة كلها ألم و إبهام و تعقید و موضوع هذه القصیدة الطویلة فلسفی یدور حول الحیاة و الموت و ما وراءهما من الأسرار و الألغاز؛ و تبدأ بهذه الأبیات:
عبثاَ تحلمین شاعرتی ما
من صباح للیل هذا الوجود
عبثاَ تسألین لن یكشف السر
و لن تنعمی بفكّ القیود (نازك الملائكة، دیوان مأساة الحیاة، ص 21).
و ترى أن الأفق مجهول و لا فائدة للنظر فیه؛ لأنه لا یتجلى و القدر مستغلق صامت:
أبداَ تنظرین للأفق المجهول
فهل تجلى الخفی
أبداَ تسألین و القدر الساخر
صمت مستغلق أبدی (نازك الملائكة، دیوان مأساة الحیاة، ص 22).
تحدثت الشاعرة كثیراَ فی أشعارها عن الإنسان و عن سر وجوده كما تحدثت عن عجزه عن معرفة هذا الكون الغامض المعقد و تعتقد أن حیاة الإنسان مجهولة غامضة ملیئة بالأسرار و الآلغاز التی لم یكن فی إمكان أحد أن یكشفها حتى الآن و مضمون الشعرها الیأس و العجز عن حل هذه الأسرار و الألغازو الرجاء لا طائل تحته:
نحن نحیا فی عالم لیس یُدرى
سره فهو غیهب مجهول
أی شیء هذا الفضاء؟ و ما سر
دجاه ؟ هل خلفه من حدود؟
هو سر الحیاة دقّ على الأفهام
حتى ضاقت به الحكماء
ما الذی یطلع النجوم على الكون
مساء؟ ما كنه هذا الوجود؟
فأیأسی یا فتاة ما فهمت من
قبل أسرارها ففیم الرجاء؟ (نازك الملائكة، دیوان مأساة الحیاة، ص 23).
و تعتقد أن النسان لیس بقادر أن یكشف الأسرار لكنها تسعى أن تجد السعادة و هناك صراع للوصول إلیها و لكن أخیراَ تقنع بالجهل و تریح نفسها من عناء الصراع فی سبیل وصولها لأنه لا یوجد أحد أن رآها إذن تبقى كلغز:
فیم لا تیأسین؟ ما أدرك الأسرار
قلب من قبل كی تدركیها
أسفاَ یا فتاة لن تفهمی الأیام
فلتقنعی بأن تجهلیها
نحن ندعوه بالسعادة لكن
لیس منا من ذاقه أو رآه
ذلك اللغز ذلك الحُلُم المحجوب
خلف الضباب أین تراه ؟ (نازك الملائكة، دیوان مأساة الحیاة، ص 22).
و تعتقد أن الألم جزء لا ینفصل عن الوجود الإنسانی و عقوبة طبیعیة و أنه دائما َمع الحیاة و هذا الجرح عمیق عندما كان الإنسان فی شبابه و لا فائدة من البقاء مادامت الحیاة تجرح الإنسان بالأسى و العذاب :
كل ما فی الوجود یؤلمنی الآن
و هذی الحیاة تجرح نفسی (نازك الملائكة، دیوان، ج 1، ص ٤3).
كل ما فی الوجود یجرحنی الآن
و لون الحیاة یطعن نفسی (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 257).
و أكفّ الحیاة تجرحنی فیم
بقائی؟ حسبی أسى و عذابا
فی ربیع الشباب ما أعمق الجرح
إذا كانت الحیاة شبابا (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 250).
و لا مفر للإنسلن من آلامه و هو محاصر بها مادام یعانی الحیاة:
أین أمضی یا رب أم كیف أنجو
من قیود الفناء والأیام
ضاق بی العالم الفسیح فیا
للهول أین المفر من آلامی (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 213).
و لا یمكن أن یفر من الأوهام و الأفكار:
آه لو كان فی الحیاة مفر
من شقاء الأوهام و الأفكار (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص ٤18).
و ترید أن تفهم ماذا تصنع بها المأساة فی المستقبل المجهول و ماذا یستقبلها من أجل هذا تنادی القلب بقولها :
حدثی القلب أنت أیتها المأساة
یا من قدسمیت بالحیاة
ما الذی تصنعین بی فی الغد المجهول
ماذا تری مصیر رفاتی ؟ (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 25).
لهذا السبب تقرر أن تسأل عن اللیل ربما یظهر لها ما ترید و لكن تشاهد الأوهام تسخر منها و لا تجیبها و یبقی سؤالها فی هذا المجال بدون جواب:
طالما قد سألت لیلی لكن
عزّ فی هذه الحیاة الجواب
لیس غیر الأوهام تسخر منی
لیس إلا تمزق و اضطراب (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص ٦2).
كما تكون الحیاة مبهمة، إن الموت لغز أیضاَ و حل هذا اللغز صعب جداَ و ما زال یبقی لغز عمیقاَ:
هل فهمتُ الحیاة كی أفهم الموت
و أدنو من سره المكنون
لم یزل عالم المنیة لغزاَ
عزّ حلاَ علی فؤادی الحزین (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص ٦2).
و أكفّ الحیاة تجرحنی واللغز
یبقی لغزاَ عمیقاَ خفیاَ
تتحدی الأحیاء قهقهةُ الموت
و تبقی الحیاة لیلاَ دجیا (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 8٤2).
و كما أن الحیاة قد جرّعتها الحزن و الیأس، المنایا لا تهتم بأمنیاتها:
ولْتَجرّعنی الحیاة كؤوس الحزن
و الیأس ما یشاء شقاها
هل ستصغی إلی رجائی المنایا
إن تمنیت صمتها و دجاها
إن تمنیت أن آعیش فما
یستمع الموت أو یمد سنینا
أو تمنیت أن أموت فما یرحم
حلمی ولست القى المنونا (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 27).
و ترى الموت غالباَ منتصراَ و أننا أمامه ضعفاء:
هكذا الموت غالب أبد الدهر
و نحن الصرعى الضعاف الحیارى
و له النصر و الفخار علینا
فاندبوا مادعوتموه انتصارا (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 58).
و إن المهم هو إرادة القدر:
هكذا مما یریده القدرالمحتوم
لا ما تریده آمالی (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 28).
طبعاَ تعود الشاعرة بنسبة الشر فی نفس الإنسانیة إلی خطیئة آدم و حوّاء و تؤكد على هذا الموضوع عدة مرّات خاصة فی مطولتها" مأساة الحیاة" و أغنیة للإنسان" و الشیطان نجح فی قهر الإنسان و غرس نزعة الشر فی وجود الإنسان بخضوعه لإرادته:
لیت حوّاء لم تذق ثمر الدوحة
لیت الشیطان لم یتجنا
علمتنا ثمارنا فكرة الشر
فكان الحزن العمیق العاصر (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 200)
و أحیاناَ تفكرفی الذنب الذی ارتكبه آدم بحیث یحق العذاب على البشر جمیعاَ و تقول:
حسبها أننا دفعنا إلیها
ثمن العیش حیرة و دموعا
أی ذنب جناه آدم حتى
نتلقى العقاب نحن جمیعا (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 38).
والحیاة عندها منبع شر و شقاء و اضطراب و لا مهرب منها و تصفها هكذا:
لقبوها الحیاة و هی اضطراب
أبدی و لهفة لا تقر
و امتداد للانهایة لا یبدأ
لا ینتهی و أین المفر؟(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 3٦1)
و ترون الحیاة منبع شر
لیس منها منجى و لیل شقاء
هی هذی الحیاة زارعة الأشواك
لا الزهر و الدجى و لاالضیاء
هی نبع الآثام تستلهم الشر
وتحیا فی الأرض لا فی السماء(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 37)
و تصفها أنها كساقیة تسقی كؤوس السم و تعطیها للعطاش:
هی هذی الحیاة ساقیة السم
كؤوب یطفو علیها الرحیق
أومأت للعطاش فاغترفوا منها
ومن ذاتها فلیس یفیق(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 37)
والحیاة الإنسانیة شقاء دائم:
عالم كل من على وجهه یشقى
و یقضی الأیام حزنا و یأسا
عبثا فالحیاة سنته الحزن
و حكم الآهات والدمع جار(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 8٦٤)
كما ضاق قطرة من نعیم
أعقبتها من الأسى ألف قطرة
و مهداتها هی:
هی هذی الحیاه لاتمنح الأحیاء
إلا العذاب و الأهوالا(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 3٤1)
وقد بلغ التشاؤم فبها إلى حد ترى أن الحیاة كلها مأساة من بدایتها ألی نهایتها:
ما أفظع المبدأ و المنتهى
ما أعمق الحزن الذی نحمل(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص٦52)
و العالم الملیئ بالشقاء و الألم ولا فائدة فی تهذیب النفس لأنها حاملة الشر و البغضاء:
هكذا شاءت المقادیر للعالم
إثم و شقوة و حروب
و هی النفس تحمل الشر و البغض
فماذا یفیدها التهذیب (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 50)
ولا نجاة من الكون المعذب المسوق إلى الأحزان:
كیف ینجو من الأسى ومتى یشفى
فی الموجعات و الآلام؟
یالهذا الكون المعذب فی قید
من الشرو الأذى و الآثام
كیف ینجو و الطبع و القدر القاسی
یسوقان إلى الأحزان (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 51)
و هناك لیس أی شفاء لهذا الیأس و الحزن؛ لأن:
لیس یشفیهم من الحزن و الیأس
دواء فالداء فی الأرواح (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 87)
و لا یوجد أی رخاء و راحة حتى فی القبر:
افتحوا هذه القبور و هاتوا
حدّثونا أین الغنى و الرخاء؟ (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص ٦5)
مع أنها تعتقد بأن الموت كارثة أقسى و تعتقد أن تشاؤمها قد فاق تشاؤمها" شوبنهاور" لأنه كان یعتقد أن الموت نعیم یختم عذاب الإنسان أما هی فلم تكن عندها كارثة أقسى من الموت و هو یلوح لها مأساة الحیاة الكبرى و أن التشاؤم و الخوف من الموت من مشاعرها. لكنها بالفعل تؤمن بأنه یخلص الإنسان من الشقاء و الألم و تؤمن بقول شوبنهاور: إن أعظم نعیم للناس جمیعا هو الموت؛لأنها تجد فیه راحة لا تجد ها فی الحیاة و لفظ الموت قد ذكر كثیرا فی عالمها الشعری حتى فی عناوین قصائدها الكثیرة؛ " عیون الأموات" ، "أنشودة الأموات" ، "بین فكّی الموت" ، "قلب میت" و…. و ترحب به و تلقاه غیر محزونة و لا سیما فی میعة شبابها إذن فلسفتها العملیة تثبت خلاف آرائها و عقائدها فی هذا المجال:
عدت أخشى الحیاه أفرق منها
و أراها دعابة لا تطاق
فإذا ما أتممت لحنی كما أهوى
فماذا أریده من حیاتی
لیس فی الكون بعد شعری ما یغری
فؤادی فمرحبا بالممات
سوف ألقى الموت المحجّب روحا
شاعریا یحب صمت التراب
و فؤادا یرى الممات شبابا
للمنى و الشعور أی شباب
سوف ألقاك غیر محزونة یا
موت فی میعة الشباب الغرید (نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 218).
و ترى هموم الشباب أحر الهموم و الأحزان و الحیاة كلها ملیئة بالیأس و الحزن حتى مبهجات الحیاة:
یا هموم الشباب فیم تكونین
أحرالهموم و الأحزان
ها أنا فی الشباب تقتلنی الوحدة
و الصمت و الأسى یا هموم
أینما أتجه فثمة أحزان
أراها و وحشة و وجوم
كل شیء أراه یملأنی حزنا
و یأسا من مبهجات الحیاة(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 209)
و تشكو من خیبة أحلامها؛ لأنها:
یا خیبة الأحلام ما أبقیت لی
إلا ضلال كآبتی و ظلامی(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 87٤)
و تحس بالعجز و ترید الرأفة:
آه فارأف بفتاة حطّم الدهرُ مناها
و أفاقت لیهدّ الحزن و الیأس قواها(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص ٦1٦)
و ترىأن لهذه الشكوی الحزینة لیست فائدة:
آه لا بد من أسانا فماذا
نفع هذی الشكوى الحزینة منا(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص ٦23)
و أخیرا تنفر من كل شیء و تحس بالسآمة حتى فی التفكیرو البقاء و الواقع و إلخ ولا ترید أن تعیش روحها مثل الناس:
و أنفر من كل ما فی الوجود
و أهرب من كل شیء أراه(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص ٤5)
روحی لاتعشق أن تحیا مثل الناس
أنا أحیانا أنسى بشریة إحساسی(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 98)
قد سئمت التفكیر یا لیلی الساحی
و ألقیت بالكتاب الحبیب
قد سئمت الأمل المر الكذوبا
أیها الغادر لا تنظر إلیّا(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 570)
قد سئمت الواقع المر المملا
ولقد عدت خیالا مضمحلا
ففیم أعیش ؟ سئمت البقاء
و شاق حیاتی صمت العدم(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 599)
و قصارى القول إذا تطرفنا إلی أشعارها رأینا أن روح التشاؤم كیف سرت فی نفسیة الشاعرة ، و فی نفسها نوع من الیأس و التشاؤم الذی قد تسرب فی كلماتها و ألفاظها و قد آل المطاف بها أن تضجرت بكل شیء فی الحیاة و لا ترید أن تحیا مثل السائرین و آمنت بأننا نعیش فی العالم الذی:
نحن نحیا فی عالم كله دمع
و عمر یفیض یأسا و حزنا
تستشفی عناصر الزمن القاسی
بآهاتنا و تسخر منا(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص 1٦1)
و تعیش فی عالمها الذی رسمت لنفسها و العالم الذی فرض على نفسها و هو سر التألم و التمزق فی حیاتها. و من أجل هذا العالم الملیء بالأحزان و الآلام الذی رسمت الشاعرة لنفسها،و الحیاة فیه جافة باردةو لا معنی للعیش فیه تعتقد بوجوب استقبال الموت لأنه:
لنمُت فالحیاة جفّت و هذه الأكؤس
الفارغات تسخر منا
و سكون الحیاة فی جسد الأحلام
لم یبق قط للعیش معنى
و فراغ الآهات أثبت أنا
قد فرغنا من دورنا و انتهینا
و لمذا نبقى هنا نسمع الموت
ینادی بنا فلم لا نجیب؟
لنمت فالریاح تجرح وجهینا
و لون الدجى عمیق رهیب(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص ٦10)
و هناك سبب آخر لاستقبال الموت،هو:
عصرتنی الحیاة لم یبق معنى
لوجودی، لأدمعی،لحیاتی
كل شیء یلوح لی عدما مرا
و لغزا مكنفا بالشكاة(نازك الملائكة، دیوان ، ج 1، ص ٤٦2).
موضوعات وبلاگ: نازک الملائکة،
ارسال توسط كشاورز
بازدید : مرتبه
تاریخ : پنجشنبه 19 فروردین 1389
التشاؤم الاجتماعی عند نازك الملائكة
٢٢ كانون الثانی (ینایر) ٢٠٠٧بقلم فرهاد دیو سالار
الموجز
اعتنى الشعراء الكثیرون بدراسة الموضوعات الاجتماعیة بما أنهم یرون استخفاف الشعب و ذلهم أمام احتلال الأجانب و ظلمهم و استبدادهم و مسألة الجهل و التأخر و التخلف و غیر ذلك.
الشعر الاجتماعی الذی یعالج فیه الشاعرآلام شعبه والأمراض الاجتماعیة كالجهل والفقر والأمیة یدعو إلى تحریر المرأة وتربیة الأطفال ویكشف مضارّ بعض المفاسد الاجتماعیة كالقماروالفحشاء وما إلى ذلك و یتحدث كثیرا عن المسائل الوطنیة و العنایة والحنان على المظلومین والبؤساء والفقراء و فی هذا المجال یرید الشاعر ترقیة شعبه، إصلاح المفاسد وزینة الإنسان نفسه بالخصال الحمیدة و فضائل أخرى؛ لأن نتیجتها تآلف المجتمع والسعادة فی الحیاة و التآخی بین الناس.و یحاول رفع مستوى الناس الاجتماعی بمكافحة الجهل والأمیة ونشرالعلم وإثارة الرغبة فی التعلم و التحصیل ویرى أن الجهل سبب آفات مختلفة فی جمیع طبقات المجتمع وأنه أرض مستعدة لجمیع المفاسد و الشرور .
إذن تنبع آلام الشاعر من أجل القضایا الاجتماعیة السائدة فی المجتمع الذی یعیش فیه، تؤثر فی حدة تشاؤمه وأشعاره تتحدث عن تلك الأوضاع الفاسدة و تبین الخراب و الدمار فی مجتمعه فی أسلوب متشائم حزین الكلمات الرئیسیة: القضایا الاجتماعیة، الشعرالاجتماعی، المفاسدالاجتماعیة، إصلاح المفاسد.
التمهید
بعض الأحیان یشغل الشاعر بالبیئة التی یعیش فیها و آلامه نابعة من أجلها و الأوضاع السیاسیة و الاجتماعیة السائدة فی المجتمع الذی یعیش فیه تؤثر فی حدة تشاؤمه و أشعاره تتحدث عن تلك الأوضاع الفاسدة و تبین الخراب و الدمار فی مجتمعه فی أسلوب متشائم حزین و یحكی شعره عن عصبیته و التزامه بما یجری حوله و یبرهن ضیقه الشدید و السید"الكفراوی" یسمی هذا النوع من الشعراء بالثوار السلبیین (الكفراوی، محمد عبد العزیز، تاریخ الشعر العربی، ج٤،ص10٤).
الشاعر الیوم شاعر الجماهیر والمجتمع، إذن یجب علیه أن ینزل إلى مستوى الشعب والمجتمع ویخاطبهم بالمستوى السهل و بلغة یفهمونها ومهما یكن الموضوع خطیرا معقدا فاللغة التی یستعملها الشاعر سهلة و لو كانت فی أشد الموضوعات تعقیدا.
فتحت السیدة نازك الملائكة عیونها إلى الآفاق الوسیعة الإنسانیة و كانت شدیدة الحساسیة إزاء تموجات العالم الفكریة بصورة عامة و المجتمع العراقی بصورة خاصة وهذا التألم و الحزن كان الباعث على تشاؤم الشاعرة، إذن ألمها لیس ألما شخصیا بل:
سأحمل قیثارتی فی غد
و أبكی على شجن العالم (دیوان نازك الملائكة،ج1،ص9٦5)
و كل ما ترید، هو أن تجد سبیلا للإصلاح، هی تعلم جیدا بأن الشعر مرتبط بالعواطف والشعور و ینادی القلوب والأفئدة؛ لهذا السبب تأثیر الشعر أكثر وأعمق فتتمسك بهذه الوسیلة ربما تصلح المجتمع.
اعتمدت الشاعرة فی شعرها على أفكار وعواطف مستمدة من حاجات المجتمع و كثیرا ما كان الغرض فی نظم الأشعار غایة اجتماعیة و كانت متصلة بعصرها و لم تنفصل عنه و تعیش فی بیئة التی أوجدت فیها. قلبها الرقیق، حیاتها المؤلمة و الحزینة، اطلاعها على الشقاء المنتشر و المحن و المصائب فی طبقات الأمة المختلفة دافع إلى الشفقة و الحنان والاتصال بالمجتمع و هكذا كانت اجتماعیة و تحس برسالتها الاجتماعیة إحساسا خاصا و قامت بها مخلصة؛ لأنه لا بدّ للشاعر الذی یرى المسائل الاجتماعیة و یرید أن ینشد فیها، نظر دقیق إلى الحقیقة و الواقع لیرى الضعف والرخوة والركود و…فی المجتمع، لهذا السبب غشی على بصیرتها و نظرتها طبع متشائم؛ لأنها لم تر من المجتمع الذی كانت فیه إلا الكآبة الألیمة و مأساة الحیاة المؤلمة و سیطرت على عقائدها الشخصیة مسحة التشاؤم و لم یكن فی إمكانیتها أن تضع على هذا التشاؤم بلسم التفاؤل فی هذا الأوان.
فسدت أحوال الأمة خاصة فی الحرب العالمیة الثانیة و بعدها و امتد هذا الفساد إلى كل بیت و كوخ؛ حتى إلى كل قلب و فكر من متاعب و أزمات سیاسیة و اقتصادیة و اجتماعیة و ما إلیها. و تحس نازك الملائكة بآلام إنسانیة مرزئة متصلة بعواطفها و أحلامها الخاصة و قد تعرضت لكثیر من التجارب المریرة فی حیاتها نتیجة لأسفارها و تقلبها من الشرق و الغرب و تستغرق فی آلامها وتذوب فی بیئتها حتى تصیر جزءا منها و ترى الشعب فی نفسها و فی نفسها الشعب، حیث تعتقد بأن الإنسان إضافة عن وجوده الفردی مسؤول عن جمیع الناس و كل البشرو تسعى لتلمس جذور الإنسان الممتدة فی الواقع.
إن الظروف التی كان یعانیها المجتمع العراقی آنذاك و الأزمات و الظلمات التی تراكمت حولها و اسودت الدنیا فی عینها و تعقدت الدنیا شدیدا قد انتهت إلى المحنة فی نفسها و كانت منشأ هذا الحزن و الألم فی قلبها و تبدو علاماتها فیها.
إذن تشاؤمها لا ینبع من نفسها وحدها بل إنما ینبع من مجتمعها قبل كل شیء؛ لأن الفساد قد عم المجتمع؛ بما أنه كان فی الاحتلال الإنجلیزی و بعده كان فی انتدابه و هناك لا فرق بین الاحتلال و الانتداب و كان المجتمع العراقی فی حیاة البؤس و الشقاء و الیأس مما كان یتلاحق علیه من الكوارث و الفواجع و مما یجر إلى الحرمان و الجوع و تشرید الأطفال و النساء و ازدیاد المآسی و الأحزان.
إذن طبیعی بأن تسود الشعر روح التشاؤم خلال الحرب و یطفح بالحزن و الألم خاصة حدثت حروب داخلیة كثیرة فی المجتمع العراقی و الأهم منها الحرب العالمیة حیث زادت فی تشاؤمها؛ لإحساسها بآلام مجتمعها و شهدت حوادثها بأم عینها . و هی كشأن سائر الشعراء الملتزمین تشعر شعورا عمیقا بآلام الحیاة التی یحیاها وطنها و تعكسها محنته و ترى فساد الوطن دون الأمل و الرجاء فی تحقق آمالها والآخرین من أبناء الوطن . إذن الحالة الاجتماعیة بسبب المسائل المختلفة تستدعی شدة الألم و الیأس و قد أصبح المجتمع ملیئا بالخرافات المضرة دون حقائق نافعة و قد عنى بما لایعنیه و ترك ما یعنیه، فتشاؤمها مستمد من تشاؤم مجتمعها؛ لأن موجات الیأس و الحزن كثرت خاصة أیام الاحتلال و الانتداب على جمیع الشباب و النفوس؛ فتشاؤمها كان طبیعیا .
تصور الشاعرة المجتمع العراقی الذی كان یعانی من الآلام و الهموم فی هذه الحقبة من التاریخ أو فی هذا العصر الذی نظمت فیه شعرها . و لم یكن شعورها وفقا على خلجات نفسها و أحداث حیاتها فقط؛ فهی قد شاركت الشعب فی مصائبه و سمعت شكاوى المظلومین و الفقراء نالت الشاعرة بعض النواحی الاجتماعیة وعالجت مشاكل مجتمعها؛ مع أنها تعنی بذاتها و تتحدث عما فی نفسها، لكنها لا تغفل عن المجتمع الذی تعیش فیه؛ لأن نفسها تذوب فی المجتمع و ترى نفسها فیه؛ كأنها ذرة منها تعیش فی بقائه و تموت بموته.
تصور الشاعرة طفلة نائمة فی الشارع لیلا من أجل فقرها و أن البرد كیف ینهشها فترتعش من الرعد و تعبر عن ألمها،جوعها و فقرها فی قصیدة " النائمة فی الشارع" وتقول:
فی الكرّادة، فی لیلة أمطار و ریاحْ
و الظلمة سقف مُدّ و ستر لیس یزاح
فی منعطف الشارع، فی ركن مقرور
حرست ظلمة شرفة بیت مهجور
كان البرق یمر و یكشف جسم صبیّهْ
رقدت یلسعها سوط الریح الشتویهْ
رقدت فوق رخام الأرصفة الثلجیهْ
تُعول حول كراها ریح تشرینیهْ (نازك الملائكة، دیوان، ج1، ص9٦2).
أو تصف مشكلة إمرأة فی زقاق بغداد فی قصیدة " مرثیة إمرأة لا قیمة لها" أو عندما تبحث عن السعادة فی قصور الأغنیاء و تصف عیشهم فی البذخ و الترف و مشاكلهم الروحیة و تقارن حیاتهم و حیاة الفقراء فی قصیدة " القصر و الكوخ". و تصف مشاكل الریفیین بأن سكانه فقراء محرومون و یعیشون عیشة البؤس و العذاب ثم تصور راعیا صغیرا یأكله الذئب و تصف الثلوج التی تهبط طوال الشتاء و تحرم الفلاحین من استنبات الأرض و نتیجته انتشار الجوع والحزن بینهم و موت مواشیهم وتقول:
حدّثونی ما لی أراكم حزانى؟
كل راع فی وحشة و اكتآب
كل راع جهم الملامح لا
یشدو و لایزدهیه سحر الغاب
فهو عند الینبوع ینظر فی الظل
إلى الأفق شاحبا مصدوما
ممعنا فی الجمود و الصمت كالموتى
یناجی الفضاء یرعى الغیوما
لم تزل قربه على العشب النادی
عظام لكائن مقتول
هو ذاك الراعی الصغیر الذی
راح طعاما للذئب بین الحقول ( نازك الملائكة، دیوان، ج1، ص98).
و تصور هذه الآلام و الأزمات و المشاكل الاجتماعیة بصورة جیدة من أجل ارتوائها بتفكراتها الرومنسیة الطافحة التی تمتعت بها بألوانها المختلفة. و ألمها الحزین الذی اعتراها مع مرور الزمن و تعمقت جذوره فی أعماق حیاتها و وجودها، حیث یزید إیمانها بعبثیة الحیاة كلها و تعتقد أن الحیاة كلها ألم و إبهام و تعقید، لیس نفسیا فقط بل ألم إنسانی و ألم المجتمع البشری.
وفی هذا المنطلق نذكر شذرات من أشعارها:
تبكی الشاعرة على شجن العالم حینما ترى ركب الجیاع والحزانى:
و أبصرت عند ضفاف الشقاء
جموع الحزانى و ركب الجیاع
سأحمل قیثارتی فی غد
و أبكی علی شجن العالم ( نازك الملائكة، دیوان، ج1، ص9٦5).
أو عندما ترى بشرا جائعین فی القرى:
خیّبتها القرى و دجاها الحزین
إن فی أرضها بشرا جائعین
لم تجد عندهم غیر دمع سخین ( نازك الملائكة، دیوان، ج1، ص٤٤٦).
و لا یمكن لهم أن یفكروا فی العوالم العالیة لأنهم فی صراع مع الجوع دائما:
كیف یرقى الجیاع فی عالم الروح
و هم فی حبالة الجسم أسرى
هؤلاء الجیاع فی عزلة الحرمان
تمتد حولهم أسوار
لفّ أرواحهم حجاب كثیف
و انطوت فی عیونهم أسرار ( نازك الملائكة، دیوان، ج1،ص1٤٤).
و تصف القرى و ساكنیها و أكواخهم هكذا:
تلك أكواخهم حصیر و أحجار
و بؤس مخیم لا یزاح
تخجل الشمس أن تمر علیها
و یحید الضحى و یكبو الصباح
غرف رثّة المداخل و الجدران
سود تجول فیها الریاح
فی دجاها یعیش قوم جیاع
نضبت فی أیدیهم الأقداح
جیاع فی ظلمة الكوخ لم
تدر بأحزانهم عیون الصباح
یا دیارا سكانها الجوع و الحمى
خواء من الندى و الحنان ( نازك الملائكة، دیوان، ج1، ص39٤).
و تعتقد أن الإنسان لم یستطع أن یبید الفقر و الشقاء فی الحیاة:
هل غلبنا الشقاء و الفقر فی أرجاء
هذا الكون الطحین الذلیل
و الصغار العراة هل وجدوا مأوى
و دفئا عبر الشتاء الطویل
و الأذى و الشرور هل دحرتها
الحرب یا من حملتموها لظاها
أسفا لم یزل على الأرض من
یتخذ الكأس و المجون إلها
لم تزل فی الوجود أغنیة تقطر
حزنا على شفاه جیاع
فی هتافات لاجئین رمتهم
محنة الحرب للغنى و الضیاع ( نازك الملائكة، دیوان، ج1،ص390).
و تبكی على أشقیاء الأرض بقولها:
أو دعینی أبكی على أشقیاء
الأرض بین الحنین و الحرمان ( نازك الملائكة، دیوان، ج1،ص155).
و یشتد تشاؤمها عندما تشاهد صرخات الجیاع و دموعهم و شقاءهم:
اقلعی اقلعی بنا قد سئمنا
صرخات الجیاع فی كل شعب
قد رأینا الدموع فی كل عین
و شهدنا الشقاء فی كل قلب ( نازك الملائكة، دیوان، ج1،ص109)
أو عندما تشاهد الجوع و الفقر و عدم الرخاء، حیث تقول:
أین؟ ضاع الخیال و الحلم
الفاتن ضاع الجمال ضاع الرخاء
لیس إلا دنیا من الجوع و الفقر
علیها یعذب الأبریاء ( نازك الملائكة، دیوان، ج1،ص7٤).
تصف الشاعرة حالة الریفی أنه:
لیس تحت الصفصاف إلا بیوت
الطین و السقم و الطوى والبكاء ( نازك الملائكة، دیوان، ج1،ص109).
و تصرخ حینما تنظر إلى حالتهم فی الشتاء:
لیس یدری ما یفعل الجوع و الحزن
بأهل الأكواخ كل شتاء ( نازك الملائكة، دیوان، ج1، ص٦10).
و یكفی الأرض دمع البائسین و الأیتام:
حسب هذی الأرض الكئیبة دمع
البائسین الجیاع و الأیتام ( نازك الملائكة، دیوان، ج1،ص138).
ثم تخاطب الإنسان أنه لم یقدر أن یتغلب على الفقر والحرمان و تسأل عنه:
هل تغلبتم على الفقر و الأحزان
و السقم أیها الواهمونا ( نازك الملائكة، دیوان، ج1،ص59).
و تجیب نفسها عن هذا السؤال بأن الإنسان لم یقدر علیه:
لم تزل فی الوجود أغنیة الحزن
یغنی بها الضعاف الجیاع
لم یزل فی الوجود مرضى حیارى
أبدا تعتریهم الأوجاع (نازك الملائكة، دیوان، ج1،ص59).
و ترى أن الغنی یستثمر الفلاح الذی یعیش عیشة السوء، فی الحقیقة ترى فی واقع المجتمع الإنسان الحریص الجشع كل الحرص یظهر قدرته على الضعفاء:
فكنوز الغنی یجمعها الفلاح
فی عمره الشقی الكسیر
ذلك الكادح المعذب فی
القریة بین المحراث والناعور
فهو یلقی البذور و الترف
الهافئ یجنی و تشهد الأحزان
و یموت الفلاح جوعا لیفتر
لعینی ربّ القصور النعیم ( نازك الملائكة، دیوان، ج1،ص159).
تشاهد الشاعرة هذه القضایا و سوء الحالة الاجتماعیة فیشتد تشاؤمها ، حیث تملأ آهاتها الفضاء: طغت فی الفضاء آهاتنا الحیرى
تغنی رجاءنا المصروعا ( نازك الملائكة، دیوان، ج1،ص0٦1).
ربما یمكن أن نعتبر هذه القصیدة لها خیر وصف فی هذا المنطلق- القضایا الاجتماعیة-، عندما ترى طفلة نائمة جائعة على أرض الشارع فی الشتاء:
أیام طفولتها مرّت فی الأحزان
تشرید، جوع، أعوام من الحرمان
إحدى عشرة كانت حزنا لا ینطفئ
و الطفلة جوع أزلی تعب ظمأ
و لمن تشكو؟ لا أحد ینصت أو یعنی
و المجتمع البشری صریع رؤى و كؤوس
و الرحمة تبقى لفظا یقرأ فی القاموس
و ینام فی الشارع یبقون بلا مأوى
لا حمى تشفع عند الناس ولا شكوى
هذا الظلم المتوحش باسم المدنیة
باسم الإحساس ، فوا خجل الإنسانیة
( نازك الملائكة، دیوان، ج1،ص279).
أو عندما تشاهد امرأة فقیرة فی الشارع و تصف حالتها كیف تموت ؟ و یموت مثلها كثیرون من الناس الذین نسمیهم سواد الناس و تصور حالة أزقة بغداد و شوارعها كیف یسودها الفقر و الحرمان فی قصیدة" مرثیة إمرأة لا قیمة لها" ( نازك الملائكة، دیوان، ج1،ص273).
ذهبت و لم یشحب لها خد و لم ترجف شفاه
تسمع الأبواب قصة موتها تُروى و تُروى
لم ترتفع أستار نافذة تسیل أسى و شجوا
لتتابع التابوت بالتحدیق حتى لا تراه
إلا بقیة هیكل فی الدرب ترعشه الذِكَر
نبأ تعثر فی الدروب فلم یجد مأوى صداه
فأوى إلى النسیان فی بعض الحفر
یرثى كآبته القمر
و اللیل أسلم نفسه دون اهتمام للصباح
و أتى الضیاء بصوت بائعة الحلیب و بالصیام
بمُواء قطّ جائع لم تبق منه سوى عظام
بمشاجرات البائعین، و بالمرارة و الكفاح
بتراشق الصبیان بالأحجار فی عُرض الطریق
بمسارب الماء الملوّث فی الأزقه، بالریاح
تلهو بأبواب السطوح بلا رفیق
فی شبه نسیان عمیقْ
اعتنى الشعراء الكثیرون بدراسة الموضوعات الاجتماعیة بما أنهم یرون استخفاف الشعب و ذلهم أمام احتلال الأجانب و ظلمهم و استبدادهم و مسألة الجهل و التأخر و التخلف و غیر ذلك.
الشعر الاجتماعی الذی یعالج فیه الشاعرآلام شعبه والأمراض الاجتماعیة كالجهل والفقر والأمیة یدعو إلى تحریر المرأة وتربیة الأطفال ویكشف مضارّ بعض المفاسد الاجتماعیة كالقماروالفحشاء وما إلى ذلك و یتحدث كثیرا عن المسائل الوطنیة و العنایة والحنان على المظلومین والبؤساء والفقراء و فی هذا المجال یرید الشاعر ترقیة شعبه، إصلاح المفاسد وزینة الإنسان نفسه بالخصال الحمیدة و فضائل أخرى؛ لأن نتیجتها تآلف المجتمع والسعادة فی الحیاة و التآخی بین الناس.و یحاول رفع مستوى الناس الاجتماعی بمكافحة الجهل والأمیة ونشرالعلم وإثارة الرغبة فی التعلم و التحصیل ویرى أن الجهل سبب آفات مختلفة فی جمیع طبقات المجتمع وأنه أرض مستعدة لجمیع المفاسد و الشرور .
إذن تنبع آلام الشاعر من أجل القضایا الاجتماعیة السائدة فی المجتمع الذی یعیش فیه، تؤثر فی حدة تشاؤمه وأشعاره تتحدث عن تلك الأوضاع الفاسدة و تبین الخراب و الدمار فی مجتمعه فی أسلوب متشائم حزین الكلمات الرئیسیة: القضایا الاجتماعیة، الشعرالاجتماعی، المفاسدالاجتماعیة، إصلاح المفاسد.
التمهید
بعض الأحیان یشغل الشاعر بالبیئة التی یعیش فیها و آلامه نابعة من أجلها و الأوضاع السیاسیة و الاجتماعیة السائدة فی المجتمع الذی یعیش فیه تؤثر فی حدة تشاؤمه و أشعاره تتحدث عن تلك الأوضاع الفاسدة و تبین الخراب و الدمار فی مجتمعه فی أسلوب متشائم حزین و یحكی شعره عن عصبیته و التزامه بما یجری حوله و یبرهن ضیقه الشدید و السید"الكفراوی" یسمی هذا النوع من الشعراء بالثوار السلبیین (الكفراوی، محمد عبد العزیز، تاریخ الشعر العربی، ج٤،ص10٤).
الشاعر الیوم شاعر الجماهیر والمجتمع، إذن یجب علیه أن ینزل إلى مستوى الشعب والمجتمع ویخاطبهم بالمستوى السهل و بلغة یفهمونها ومهما یكن الموضوع خطیرا معقدا فاللغة التی یستعملها الشاعر سهلة و لو كانت فی أشد الموضوعات تعقیدا.
فتحت السیدة نازك الملائكة عیونها إلى الآفاق الوسیعة الإنسانیة و كانت شدیدة الحساسیة إزاء تموجات العالم الفكریة بصورة عامة و المجتمع العراقی بصورة خاصة وهذا التألم و الحزن كان الباعث على تشاؤم الشاعرة، إذن ألمها لیس ألما شخصیا بل:
سأحمل قیثارتی فی غد
و أبكی على شجن العالم (دیوان نازك الملائكة،ج1،ص9٦5)
و كل ما ترید، هو أن تجد سبیلا للإصلاح، هی تعلم جیدا بأن الشعر مرتبط بالعواطف والشعور و ینادی القلوب والأفئدة؛ لهذا السبب تأثیر الشعر أكثر وأعمق فتتمسك بهذه الوسیلة ربما تصلح المجتمع.
اعتمدت الشاعرة فی شعرها على أفكار وعواطف مستمدة من حاجات المجتمع و كثیرا ما كان الغرض فی نظم الأشعار غایة اجتماعیة و كانت متصلة بعصرها و لم تنفصل عنه و تعیش فی بیئة التی أوجدت فیها. قلبها الرقیق، حیاتها المؤلمة و الحزینة، اطلاعها على الشقاء المنتشر و المحن و المصائب فی طبقات الأمة المختلفة دافع إلى الشفقة و الحنان والاتصال بالمجتمع و هكذا كانت اجتماعیة و تحس برسالتها الاجتماعیة إحساسا خاصا و قامت بها مخلصة؛ لأنه لا بدّ للشاعر الذی یرى المسائل الاجتماعیة و یرید أن ینشد فیها، نظر دقیق إلى الحقیقة و الواقع لیرى الضعف والرخوة والركود و…فی المجتمع، لهذا السبب غشی على بصیرتها و نظرتها طبع متشائم؛ لأنها لم تر من المجتمع الذی كانت فیه إلا الكآبة الألیمة و مأساة الحیاة المؤلمة و سیطرت على عقائدها الشخصیة مسحة التشاؤم و لم یكن فی إمكانیتها أن تضع على هذا التشاؤم بلسم التفاؤل فی هذا الأوان.
فسدت أحوال الأمة خاصة فی الحرب العالمیة الثانیة و بعدها و امتد هذا الفساد إلى كل بیت و كوخ؛ حتى إلى كل قلب و فكر من متاعب و أزمات سیاسیة و اقتصادیة و اجتماعیة و ما إلیها. و تحس نازك الملائكة بآلام إنسانیة مرزئة متصلة بعواطفها و أحلامها الخاصة و قد تعرضت لكثیر من التجارب المریرة فی حیاتها نتیجة لأسفارها و تقلبها من الشرق و الغرب و تستغرق فی آلامها وتذوب فی بیئتها حتى تصیر جزءا منها و ترى الشعب فی نفسها و فی نفسها الشعب، حیث تعتقد بأن الإنسان إضافة عن وجوده الفردی مسؤول عن جمیع الناس و كل البشرو تسعى لتلمس جذور الإنسان الممتدة فی الواقع.
إن الظروف التی كان یعانیها المجتمع العراقی آنذاك و الأزمات و الظلمات التی تراكمت حولها و اسودت الدنیا فی عینها و تعقدت الدنیا شدیدا قد انتهت إلى المحنة فی نفسها و كانت منشأ هذا الحزن و الألم فی قلبها و تبدو علاماتها فیها.
إذن تشاؤمها لا ینبع من نفسها وحدها بل إنما ینبع من مجتمعها قبل كل شیء؛ لأن الفساد قد عم المجتمع؛ بما أنه كان فی الاحتلال الإنجلیزی و بعده كان فی انتدابه و هناك لا فرق بین الاحتلال و الانتداب و كان المجتمع العراقی فی حیاة البؤس و الشقاء و الیأس مما كان یتلاحق علیه من الكوارث و الفواجع و مما یجر إلى الحرمان و الجوع و تشرید الأطفال و النساء و ازدیاد المآسی و الأحزان.
إذن طبیعی بأن تسود الشعر روح التشاؤم خلال الحرب و یطفح بالحزن و الألم خاصة حدثت حروب داخلیة كثیرة فی المجتمع العراقی و الأهم منها الحرب العالمیة حیث زادت فی تشاؤمها؛ لإحساسها بآلام مجتمعها و شهدت حوادثها بأم عینها . و هی كشأن سائر الشعراء الملتزمین تشعر شعورا عمیقا بآلام الحیاة التی یحیاها وطنها و تعكسها محنته و ترى فساد الوطن دون الأمل و الرجاء فی تحقق آمالها والآخرین من أبناء الوطن . إذن الحالة الاجتماعیة بسبب المسائل المختلفة تستدعی شدة الألم و الیأس و قد أصبح المجتمع ملیئا بالخرافات المضرة دون حقائق نافعة و قد عنى بما لایعنیه و ترك ما یعنیه، فتشاؤمها مستمد من تشاؤم مجتمعها؛ لأن موجات الیأس و الحزن كثرت خاصة أیام الاحتلال و الانتداب على جمیع الشباب و النفوس؛ فتشاؤمها كان طبیعیا .
تصور الشاعرة المجتمع العراقی الذی كان یعانی من الآلام و الهموم فی هذه الحقبة من التاریخ أو فی هذا العصر الذی نظمت فیه شعرها . و لم یكن شعورها وفقا على خلجات نفسها و أحداث حیاتها فقط؛ فهی قد شاركت الشعب فی مصائبه و سمعت شكاوى المظلومین و الفقراء نالت الشاعرة بعض النواحی الاجتماعیة وعالجت مشاكل مجتمعها؛ مع أنها تعنی بذاتها و تتحدث عما فی نفسها، لكنها لا تغفل عن المجتمع الذی تعیش فیه؛ لأن نفسها تذوب فی المجتمع و ترى نفسها فیه؛ كأنها ذرة منها تعیش فی بقائه و تموت بموته.
تصور الشاعرة طفلة نائمة فی الشارع لیلا من أجل فقرها و أن البرد كیف ینهشها فترتعش من الرعد و تعبر عن ألمها،جوعها و فقرها فی قصیدة " النائمة فی الشارع" وتقول:
فی الكرّادة، فی لیلة أمطار و ریاحْ
و الظلمة سقف مُدّ و ستر لیس یزاح
فی منعطف الشارع، فی ركن مقرور
حرست ظلمة شرفة بیت مهجور
كان البرق یمر و یكشف جسم صبیّهْ
رقدت یلسعها سوط الریح الشتویهْ
رقدت فوق رخام الأرصفة الثلجیهْ
تُعول حول كراها ریح تشرینیهْ (نازك الملائكة، دیوان، ج1، ص9٦2).
أو تصف مشكلة إمرأة فی زقاق بغداد فی قصیدة " مرثیة إمرأة لا قیمة لها" أو عندما تبحث عن السعادة فی قصور الأغنیاء و تصف عیشهم فی البذخ و الترف و مشاكلهم الروحیة و تقارن حیاتهم و حیاة الفقراء فی قصیدة " القصر و الكوخ". و تصف مشاكل الریفیین بأن سكانه فقراء محرومون و یعیشون عیشة البؤس و العذاب ثم تصور راعیا صغیرا یأكله الذئب و تصف الثلوج التی تهبط طوال الشتاء و تحرم الفلاحین من استنبات الأرض و نتیجته انتشار الجوع والحزن بینهم و موت مواشیهم وتقول:
حدّثونی ما لی أراكم حزانى؟
كل راع فی وحشة و اكتآب
كل راع جهم الملامح لا
یشدو و لایزدهیه سحر الغاب
فهو عند الینبوع ینظر فی الظل
إلى الأفق شاحبا مصدوما
ممعنا فی الجمود و الصمت كالموتى
یناجی الفضاء یرعى الغیوما
لم تزل قربه على العشب النادی
عظام لكائن مقتول
هو ذاك الراعی الصغیر الذی
راح طعاما للذئب بین الحقول ( نازك الملائكة، دیوان، ج1، ص98).
و تصور هذه الآلام و الأزمات و المشاكل الاجتماعیة بصورة جیدة من أجل ارتوائها بتفكراتها الرومنسیة الطافحة التی تمتعت بها بألوانها المختلفة. و ألمها الحزین الذی اعتراها مع مرور الزمن و تعمقت جذوره فی أعماق حیاتها و وجودها، حیث یزید إیمانها بعبثیة الحیاة كلها و تعتقد أن الحیاة كلها ألم و إبهام و تعقید، لیس نفسیا فقط بل ألم إنسانی و ألم المجتمع البشری.
وفی هذا المنطلق نذكر شذرات من أشعارها:
تبكی الشاعرة على شجن العالم حینما ترى ركب الجیاع والحزانى:
و أبصرت عند ضفاف الشقاء
جموع الحزانى و ركب الجیاع
سأحمل قیثارتی فی غد
و أبكی علی شجن العالم ( نازك الملائكة، دیوان، ج1، ص9٦5).
أو عندما ترى بشرا جائعین فی القرى:
خیّبتها القرى و دجاها الحزین
إن فی أرضها بشرا جائعین
لم تجد عندهم غیر دمع سخین ( نازك الملائكة، دیوان، ج1، ص٤٤٦).
و لا یمكن لهم أن یفكروا فی العوالم العالیة لأنهم فی صراع مع الجوع دائما:
كیف یرقى الجیاع فی عالم الروح
و هم فی حبالة الجسم أسرى
هؤلاء الجیاع فی عزلة الحرمان
تمتد حولهم أسوار
لفّ أرواحهم حجاب كثیف
و انطوت فی عیونهم أسرار ( نازك الملائكة، دیوان، ج1،ص1٤٤).
و تصف القرى و ساكنیها و أكواخهم هكذا:
تلك أكواخهم حصیر و أحجار
و بؤس مخیم لا یزاح
تخجل الشمس أن تمر علیها
و یحید الضحى و یكبو الصباح
غرف رثّة المداخل و الجدران
سود تجول فیها الریاح
فی دجاها یعیش قوم جیاع
نضبت فی أیدیهم الأقداح
جیاع فی ظلمة الكوخ لم
تدر بأحزانهم عیون الصباح
یا دیارا سكانها الجوع و الحمى
خواء من الندى و الحنان ( نازك الملائكة، دیوان، ج1، ص39٤).
و تعتقد أن الإنسان لم یستطع أن یبید الفقر و الشقاء فی الحیاة:
هل غلبنا الشقاء و الفقر فی أرجاء
هذا الكون الطحین الذلیل
و الصغار العراة هل وجدوا مأوى
و دفئا عبر الشتاء الطویل
و الأذى و الشرور هل دحرتها
الحرب یا من حملتموها لظاها
أسفا لم یزل على الأرض من
یتخذ الكأس و المجون إلها
لم تزل فی الوجود أغنیة تقطر
حزنا على شفاه جیاع
فی هتافات لاجئین رمتهم
محنة الحرب للغنى و الضیاع ( نازك الملائكة، دیوان، ج1،ص390).
و تبكی على أشقیاء الأرض بقولها:
أو دعینی أبكی على أشقیاء
الأرض بین الحنین و الحرمان ( نازك الملائكة، دیوان، ج1،ص155).
و یشتد تشاؤمها عندما تشاهد صرخات الجیاع و دموعهم و شقاءهم:
اقلعی اقلعی بنا قد سئمنا
صرخات الجیاع فی كل شعب
قد رأینا الدموع فی كل عین
و شهدنا الشقاء فی كل قلب ( نازك الملائكة، دیوان، ج1،ص109)
أو عندما تشاهد الجوع و الفقر و عدم الرخاء، حیث تقول:
أین؟ ضاع الخیال و الحلم
الفاتن ضاع الجمال ضاع الرخاء
لیس إلا دنیا من الجوع و الفقر
علیها یعذب الأبریاء ( نازك الملائكة، دیوان، ج1،ص7٤).
تصف الشاعرة حالة الریفی أنه:
لیس تحت الصفصاف إلا بیوت
الطین و السقم و الطوى والبكاء ( نازك الملائكة، دیوان، ج1،ص109).
و تصرخ حینما تنظر إلى حالتهم فی الشتاء:
لیس یدری ما یفعل الجوع و الحزن
بأهل الأكواخ كل شتاء ( نازك الملائكة، دیوان، ج1، ص٦10).
و یكفی الأرض دمع البائسین و الأیتام:
حسب هذی الأرض الكئیبة دمع
البائسین الجیاع و الأیتام ( نازك الملائكة، دیوان، ج1،ص138).
ثم تخاطب الإنسان أنه لم یقدر أن یتغلب على الفقر والحرمان و تسأل عنه:
هل تغلبتم على الفقر و الأحزان
و السقم أیها الواهمونا ( نازك الملائكة، دیوان، ج1،ص59).
و تجیب نفسها عن هذا السؤال بأن الإنسان لم یقدر علیه:
لم تزل فی الوجود أغنیة الحزن
یغنی بها الضعاف الجیاع
لم یزل فی الوجود مرضى حیارى
أبدا تعتریهم الأوجاع (نازك الملائكة، دیوان، ج1،ص59).
و ترى أن الغنی یستثمر الفلاح الذی یعیش عیشة السوء، فی الحقیقة ترى فی واقع المجتمع الإنسان الحریص الجشع كل الحرص یظهر قدرته على الضعفاء:
فكنوز الغنی یجمعها الفلاح
فی عمره الشقی الكسیر
ذلك الكادح المعذب فی
القریة بین المحراث والناعور
فهو یلقی البذور و الترف
الهافئ یجنی و تشهد الأحزان
و یموت الفلاح جوعا لیفتر
لعینی ربّ القصور النعیم ( نازك الملائكة، دیوان، ج1،ص159).
تشاهد الشاعرة هذه القضایا و سوء الحالة الاجتماعیة فیشتد تشاؤمها ، حیث تملأ آهاتها الفضاء: طغت فی الفضاء آهاتنا الحیرى
تغنی رجاءنا المصروعا ( نازك الملائكة، دیوان، ج1،ص0٦1).
ربما یمكن أن نعتبر هذه القصیدة لها خیر وصف فی هذا المنطلق- القضایا الاجتماعیة-، عندما ترى طفلة نائمة جائعة على أرض الشارع فی الشتاء:
أیام طفولتها مرّت فی الأحزان
تشرید، جوع، أعوام من الحرمان
إحدى عشرة كانت حزنا لا ینطفئ
و الطفلة جوع أزلی تعب ظمأ
و لمن تشكو؟ لا أحد ینصت أو یعنی
و المجتمع البشری صریع رؤى و كؤوس
و الرحمة تبقى لفظا یقرأ فی القاموس
و ینام فی الشارع یبقون بلا مأوى
لا حمى تشفع عند الناس ولا شكوى
هذا الظلم المتوحش باسم المدنیة
باسم الإحساس ، فوا خجل الإنسانیة
( نازك الملائكة، دیوان، ج1،ص279).
أو عندما تشاهد امرأة فقیرة فی الشارع و تصف حالتها كیف تموت ؟ و یموت مثلها كثیرون من الناس الذین نسمیهم سواد الناس و تصور حالة أزقة بغداد و شوارعها كیف یسودها الفقر و الحرمان فی قصیدة" مرثیة إمرأة لا قیمة لها" ( نازك الملائكة، دیوان، ج1،ص273).
ذهبت و لم یشحب لها خد و لم ترجف شفاه
تسمع الأبواب قصة موتها تُروى و تُروى
لم ترتفع أستار نافذة تسیل أسى و شجوا
لتتابع التابوت بالتحدیق حتى لا تراه
إلا بقیة هیكل فی الدرب ترعشه الذِكَر
نبأ تعثر فی الدروب فلم یجد مأوى صداه
فأوى إلى النسیان فی بعض الحفر
یرثى كآبته القمر
و اللیل أسلم نفسه دون اهتمام للصباح
و أتى الضیاء بصوت بائعة الحلیب و بالصیام
بمُواء قطّ جائع لم تبق منه سوى عظام
بمشاجرات البائعین، و بالمرارة و الكفاح
بتراشق الصبیان بالأحجار فی عُرض الطریق
بمسارب الماء الملوّث فی الأزقه، بالریاح
تلهو بأبواب السطوح بلا رفیق
فی شبه نسیان عمیقْ
موضوعات وبلاگ: نازک الملائکة،
ارسال توسط كشاورز
بازدید : مرتبه
تاریخ : شنبه 22 اسفند 1388
الیوتوبیا فی شعر نازك الملائكة
٦بقلم فرهاد دیو سالار
المستخلص
راودت فكرة الیوتوبیا أو الطوباویة الكثیرین من الأدباء و الشعراء الذین یتمتعون بحسّ أخلاقی رفیع المستوى. و كان الحلم بمدینة فاضلة یعیش فیها الإنسان أحرارا متساوین أمام القانون -ولا یزال - حلما خصبا یستمد وجوده من وقائع شتى كغیاب العدالة، المكر، الخبث، الاحتیال، الظلم و الظلام الذی أحاط بالبشریة من كل ناحیة ردحا من الزمن .
كان افلاطون أول من أشارإلیها فی كتابه " الجمهوریة" و یعتقد أن الناس سواء فی كل شیء و بعده رسم الفارابی دنیاه المثالیة فی كتابه " المدینة الفاضلة" و یرى مساواة الناس أمام میزان العدل. والحالمون بذلك كثیرون من العباقرة أمثال القدیس اوغسطین، شیشرون، دانتی، فرنسیس بیكن و توماس مور و غیرهم.
فی هذه المقالة أتناول میزات الیوتوبیا فی شعر نازك الملائكة، عنایة بأنها كانت متشائمة شدیدة التشاؤم فی بدایة حیاتها الأدبیة. الیوتوبیا – توماس مور– مدینة فاضلة – الكلمات الرئیسیة: الطوباویة
المقدمة
یوتوبیا كلمة یونانیة معناها لا مكان أو المكان الذی لا وجود له. قد استقیت من الكلمتین الیونانییتین بمعنى" مكان" و الكلمة فی مجموعها تعنیtopos بمعنی "لا" و ou لیس فی مكان، لكنّه أسقط حرف ال- O و كتبت الكلمة باللاتینیة utopia الیوتوبیا مكان خیالی قصی جدا و هی دنیا مثالیة و بخاصة من حیث قوانینها و حكوماتها و أحوالها الاجتماعیة. و هی عالم یجوز تسمیته بالخیال أو صورة ماوراء العین، مكان یتحقق فیه التعاون الاجتماعی بصورة كاملة التحقیق لسعادة الأفراد.
حلم الإنسان منذ القدیم بمدینة مثالیة نموذجیة یأخذ كل فرد فیها حقّه و یؤدّی ما علیه من واجبات تجاه نفسه و تجاه الآخرین. مدینة بلا جوع و لا ظلم ولا فقر و مدینة القانون و العدالة، دولة مثالیة تتحقّق فیها السعادة لجمیع الناس و تمحو الشرور، فالناس فیها سواء فیما یملكون و یحصلون على ما یحتاجون إلیه حاجة حقیقیة، متساوون أمام میزان العدل، و هی مدینة المثل العلیا، مدینة العلم والمعرفة وكأنها تنادی الإنسان بالعودة الی فطرته الطاهرة.
حلم الإنسان منذ النشأة البشریة؛ فإنها تبحث عن النموذج المجتمعی الخیالی و المثالی، ذلك الذی یعوضها عن الفردوس المفقود الذی فیه یتحقق الكمال أو یقترب منه على الأقل و یتحرر من الشرور التی تعانی منها البشریة و هو أمر حسب أنه لا یوجد سوى فی ذهن الكاتب نفسه و خیاله قبل كل شیء.
كان أول من حلم بذلك الفیلسوف الیونانی " افلاطون " من خلال كتابه " الجمهوریة " ویرى فیه أن الناس سواء فی كل ما یكتسبون و یملكون و یحتاجون إلیه و بالروح نفسها رسم المعلم الثانی " الفارابی " دنیاه المثالیة من خلال كتابه " المدینة الفاضلة " حیث یعیش فیها الناس متساوین أمام المیزان میزان العدل. و استمرّ رسم الیوتوبیا فی خیالها الخصب من عباقرة الشعر و الأدب و الفلسفة مدى التاریخ .و مما یلفت النظر أن الكتابة عن یوتوبیا تطوّرت تطوّرا ملحوظا و برز تقدّمها فی العصر الكلاسیكی أی حوالی القرنین السادس والسابع عشر.
و من هؤلاء " توماس مور " فی كتابه " یوتوبیا " سنة 1516م الذی یتحدث فیه عن مدینة فاضلة و أعقبه بعد ذلك " توماس كامبانیلا " سنة 1623 م فی كتابه " مدینة الشمس " و بعده " فرنسیس بیكون " سنة 1627 م فی كتابه " اطلنطس الجدیدة " و أیضا " ایتین كابی " سنة 1840 م الذی سمّى مدینته المثالیة " إیكاریا " فی كتابه "رحلةإلی إیكاریا ".
وغیر هؤلاء كتب كثیرون أحلامهم عن مدنهم المتّصفة بسمات العدل و الحق و المساواة؛ ولكن عندما نمعن النظر نرى أن أمانیهم قد فشلت و كانت هذه شعارات التی یحاربها غالبیة المدّعین بها والمدافعین عنها بقدر ما التصقت فی أذهاننا بعض المدن الواقعیة التی خلدها الأدب و نراها كأثر أدبی بحت نقش رسم هذه المدن الخیالیة الفانتزیة على جدران ذاكرتنا بل نشعر أنّها مدن تنتمی إلى الخیال أكثر من انتمائها الی الواقع و غالبا لیست فی متناول الید.
والواقع أنّ التعبیر عن الیوتوبیا تخطّى مرحلة المعنى الأدبی الخیالی فأطلق على كل اصطلاح سیاسی أو احتمالات تتعلق بالعلوم والفنون فی مجملها؛ بید أنه یظلّ تصوّرا فلسفیا ینشدانسجام الإنسان مع نفسه و مع الآخرین فی عالمه الواسع. نشعر كلنا بالسرّ الموحود فی الزمان ولكنّنا غیر قادرین عن التعبیر عنه؛ فالزمن قدرنا، ألمنا و یأسنا وتجربه الإنسان بزمانیته هی تجربته الحزینة بزواله و انقضائه، فشكوى الإنسان من الزمان أزلیة و أغلب الظّنّ أنها ستبقى أبدیة. إنّ تجربة اللقاء بالمستقبل تثیر فی النفوس شعورا عجیبا، لیس من الضّروری أن یكون هذا المستقبل المتوقع خطیرا ولأن یحمل فی أحشائه و أمعائه النقمة أو النعمة؛ فالمهمّ أن یصبح حقیقة حیّة و هذا شعور لطیف لكلّ شخص أنّ فرصة الانتظار أحلى و أجمل من سعادة التحقیق.
و مهما كان صوت المستقبل للإنسان - لصالحه أو لطالحه، متوعّدا أو واعدا - لكن إشاراته دائما فی هالة إلهیة ولهذا كانت و ستبقى بالرهبة والجلال و یقف الإنسان منه موقف الحب والشوق كما یقف فی الماضی موقف الخشوع و الإشفاق. أمّا نازك الملائكة فشاعرة عربیة عراقیة من عمالقة الشعر الحدیث ومن روّاد الأوائل لحركة الشعر الحرّ . ولدت فی بغداد سنة 1923 م، درست الأدب العربیة فیها فسافرت إلى الولایات المتحده لدراسة الأدب الإنجلیزی و إكمال دراستها، درست الأدب المقارن بجامعة وسكونسن و حصلت على درجة الماجستیر سنة ٦195 م. ولها معرفة بالأدب الغربی وكانت الرومانسیة غالبة على شعرها و تولع بآثار الرومنظیقیین الإنجلیزیین مثل " شلی " و "كیتس ". و تحسّ بالقلق وتشعر بالحزن كشأن سائر الرومنسیین ممّا یجعلها الهروب إلى الطبیعة أو إلى نفسها والانطواء على ذاتها للتفتیش عنها؛ فهربت من الواقع و انطلقت إلى عالم الخیال الذی یمثل لها عالما مثالیا خاصا غیر محدود بزمان أو مكان و بحثت عن السعادة فیه؛ لجأت إلیه و عاشت فی كنفه.
تلجأ شاعرتنا إلى دائرة الأزمان و هی التی سمتها " یوتوبیا " منطقة یتعطّل فیها حكم الزمن و لكنّ الصفة الثابتة لها أنها أفق أزلی لا یدركها الفناء - كما یعتقد الدكتور شوقی ضیف - (فصول فی الشعر و نقده. ص 96).
ومما یلفت انتباهنا هنا أن الشاعرة استعملت " یوتوبیا " دلالة على مدینة شعریة خیالیة بدون وجود إلا فی أحلامها و طبعا لا علاقة لهذه المدینة بیوتوبیا التی تخیّلها الكاتب الإنكلیزی "توماس مور" و رسم فیها صورة سیاسیة إداریة للجزیرة المثلى كما یریدها قیاسا على "جمهوریة افلاطون " أو غیره.
أما من میزات هذا العالم فهی كما تصفها الشاعرة یكاد یكون خالیا عن الشرّ أو ینبغی أن یكون كذلك و تتذكره دائما فی حیاتها ومماتها و هناك لا یوجد أی قید یثقل علیها و القیود تذوب كلها و یفسح لها أن تفكر لتنطلق من الأسر، فهی تحبّ الهروب من مواجهة الواقع و الیوتوبیا تبدو لها مفارقة للواقع و كأنّها ترفض الواقع رفضا كلیا و قطعیا؛ لأنّها:
قد سئمتُ الواقعَ المرّ المملّا ولقد عدتُ خیالاً مُضمحلّا
فاتركینی بخیالی أتسلّى آه كاد الیأسُ یعرونی،لولا
أنّنی لُذتُ بأحلامِ السّماء وتَخیّرتُ خیالَ الشّعراء
( دیوان نازك الملائكة . ج 1. ص.599).
سئم الشیء و منه : ملّه. اضمحلّ الشیءُ : تلاشى و انحلّ . عرا ُ فلاناً أمر : ألمّ به. لاذَ ُ بالشیء : استتر به و التجأ إلیه ترى الشاعرة أن الواقع مرّ و مملّ فتبرّمت به، و بما أنها التجأت بأحلام السماء و تخیّرت لنفسها عالم الخیال و هو خیال الشعراء، هذا هو سبب خلاصها و إلا یلمّ بها الیأس و یثقل علیها.
تسارع الشاعرة لتهرب حیث لا علاقة لها بالزمان والمكان وهذا كلّه قید یغلّه ولكن فی یوتوبیا تذوب هذه القیود فتحسّ بشباب لایزول:
ویوتوبیا حُلمٌ فی دمی أموتُ و أحیا على ذكره
تخیّلتُه بلداً منْ عَبیر على أفق جرتُ فی سرّه
هنالك عبرَ فضاءٍ بعید تذوب الكواكب فی سحره
هنالك حیثُ تذوبُ القیود وینطلق الفكرُ من أسره
وحیثُ تنامُ عُیونُ الحَیاة هنالك َتمتدّ یوتوبیا
ویوتوبیا حَیثُ یَبقى الضّیاء ولاتغربُ الشّمْسُ أو تَغلَسُ
وحیثُ تَضیْعُ حُدودُ الزّمان وحیثُ الكَواكبُ لاتنْعَسُ
هناك الحَیاة امتدادُ الشّباب تفورُ بِنشْوتهِ الأنفُسُ
هناك یَظِلّ الّربیعُ رَبیعا یُظلّلُ سُكّانَ یوتوبیا
( دیوان .ج.2 ص. 40 ).
عبیر : أخلاط من الطیب، نكهة طیبة . الغَلَس : ظلمة آخر اللیل . نعس َ : فتر . فارت القدر: غلت وارتفعت ما فیها؛ فار ُ المسكُ : تضوّع و انتشر . النشوة : الرائحة، السكر أوّله تعتقد الشاعرة أن عالم الیوتوبیا كحلم اختلط فی دمها، تذكر هذا العالم فی محیاها و مماتها؛ و هی تصفها هكذا: بلد من عبیر، عالم لغز و سحر، تنصهر الكواكب و النجوم فی هذا السحر الموجود فی فضاء بعید، تذوب القیود، الفكر حرّ، الضیاء أبدیّ لأنّه لا زمان موجود ولا غروب للشمس ولاتفتر الكواكب ولاأثر للمشیب و الشباب سرمدیّ وتلتذّ الأنفس بهذه النشوة والفصل الوحید هناك هو الربیع الذی یظلّل سكّانه. وتعانق نازك الملائكة أمنیاتها الخیالیة أمنیات الطفولة فی هذا العالم حیث تقول:
وتَمرّ السّاعاتُ بی و أنا أبْ نِی خفایا مَدینةِ الأحْلام
أی یوتوبیا فقدْتُ و عَزّ الآ نَ إدراكُها على أیّامی
تلك یوتوبیا الطّفُولةِ لوْ تَر جعُ لو لمْ تكُنْ خیالَ مَنام
إیه تَلّ الرّمالِ ماذا تَرى أبْ قیْتَ لی منْ مَدیْنةِ الأحْلام
( دیوان .ج.1.ص.255).
عزّعلیّ الشیءُ: اشتدّ و صعب .، من الأضداد قوی و ضعف . ایه : اسم فعل للاستزادة من حدیث أو فعل . وتبنى الشاعرة فی هذا العالم خفایا مدینة الأحلام، و ترید أن تلجأ الی الماضی الجمیل بكلّ ما فیه و لاسیّما أیّام الطفولة و ترید أن تعیش فیها ولیس ذلك خیالا و تحسّ بالملل و الكآبة فی هذه الأیام التی تمرّ الساعات علیها بسرعة و لهذا ترید أن ترتبط بالماضی و ألا تنفصل عنه. وما زالت تردّد شكواها الدائمه من زوال الحیاة و انقضائها و لیس من المحتمل أن تتوقف هذه الشكوى ولا ینبغی لها كذلك أن تتوقف و تفارق الماضی و الحاضر و اتّجاهها حاسم للمستقبل و ظلّت تحلم بالمستقبل و تصوّره فی الیوتوبیا عندما تحسّ بضیاع الماضی و عبثیّة الحیاة و تحیرّها:
و مَرّتْ حَیاتی مرّتْ سُدى ً و لا شَیء یُطْفئ نارَ الحَنین
سُدى ً قدْعَبرْتُ صَحاری الوُجود سُدى ً قد جَررْتُ قیودَ السنین
یَطول ُ على قَلبی الاْنتظار و أغْرقُ فی بَحْرِ یأسٍ حَزین
أحاوِلُ أنْ أتعَزّى بشیء ٍ بغابٍ ، بوادٍ ، بظَلّة تین
دقائقَ ثُمّ أخیْبُ و أهْتِف لا شیءَ یُشْبِه یوتوبیا
( دیوان .ج.2 .ص.5٤ ).
أسدى الأمر :أهمله .ذهب كلامه سدى :باطلاً . تعّزى : تسلّى و تصبّر
خاب یخیبُ : لم یظفر بطلب، انقطع أمله
عندما تفشل فی محاولتها للبحث عن معنى للوجود الإنسانی و تؤمن بعبثیة الحیاة و مضت الحیاة باطلة وسدى و الزمان كلّه قیود تثقل علیها والهموم و الأحزان كأمواج البحر یغرقها فتنتظر دائما لتتخلّص من الكآبة الموجودة داخل نفسها و فی حیاتها - كانت الشاعرة فی هذا الأوان متشائمة أشدّ التشاؤم - وهذا كلّه ممّا یجعلها إلى الهروب، الهروب إلى الطبیعة لتتعزّى فیها بشیء، بغابة، بوادٍ، أو بظلّة تین لتستریح لدقائق.؛ فتصل إلى هذه النتیجة أنّ عالم الیوتوبیا، عالم الخیال شیء لا مثیل له. و ظلت تحلم بحالة مقبلة تبدو علیها الأشیاء فی صورة أكمل و أحیانا تبنى عالمها هذا بعیدا عن الناس حیث لا یسكن فیه أحد و خالٍ عن الإنسان و تبناه فی:
فَوقَ البِساط ِالسّفْح بینَ التّلالْ
فی المُنْحنى حیثُ تَموجُ الظّلالْ
تَحتَ امْتداد ِالغُصونْ
تفجّری بالجَمالْ
وَشَیّدیْ یوتوبیا فی الجبالْ
یوتوبیا منْ شَجَراتِ القِممْ
ومنْ خَریْرِ المیاهْ
یوتوبیا من َنَغمْ
(دیوان ج.2.ص.155).
شیَّدَ البناء : رَفعَه . القِمَم ج القمّة أعلى كلّ شیء . النَّغَم : التطریب فی الغناء و حسن الصوت .
ترید الشاعرة أن تصنع عالمها فی التلال فوق سفح الجبال ، بین الظّلال الموجودة تحت أغصان الأشجار الشاهقة و من الأنغام و الصوت الحسن الذی فی خریر المیاه.
و من میزات عالمها المثالی كما تصفه الشاعرة لنا هی:
وشَیّدیْ یُوتُوبِیا منْ قُلوبْ منْ كلّ قلبٍ لمْ تَطأه الحقودْ
ولمْ تُدنّسْهُ أكُفُّ الرّكودْ منْ كلّ قلبٍ شاعریّ عَمیقْ
لم َیتمرّغْ بخطایا الوجود ْ ومنْ كلّ قلبٍ لا یُطیقُ الجُمودْ
( دیوان .ج.2.ص.157).
أكفّ ج الكفّ الید أو الراحة مع الإصبع . أطاق الشیءَ : قدر علیه .
وطىء یطأ وطأً الشیءَ برِجْله: داسَه
.وتعتقد أنّ الیوتوبیا لابدّ أن تشید فی باطن الإنسان و فی قلبه، القلب الذی لیس له أیّ حقد و ركود، من قلب شاعریّ لم یرتكب أیَّ خطأ وهو عمیق ولیس سطحیا و لم یقدر الجمود علیه حتى یكون نابضا بحرارة للعالم البشری. نعم؛ للانسان أن یهرب من الحقیقة و الواقع المرّ الذی یفرض علیه الألم و الأسر و یعتصم بالخیال حیث یلاقی هناك عالم النقاء والطهر و العالم الذی یحبّه كما یرید؛ هذا شأن الرومنسی و من حیث تتّصل نازك إلى هذا المكتب، و فضلا عن ذلك من أجل انثویتها یتشدّد هذا الموضوع و تتّصل بعالم المثل حینما ترى قصور العقل الإنسانی عن إدراك كثیر من الألغاز و الأسرار الموجودة فی الحیاة و ماوراءها و فلسفة الكون أو عندما تجد نفسها فی محاصرة الأحزان تدفع بها إلى حالة من التأمل و المعاناة أو حین كل ما ترى فی المجتمع حولها یناقض الحیاة فتحسّ بخواء أعماقها العاطفیة و تحاول للبحث عن معنى للوجود الإنسانی و تؤمن بعبثیة الحیاة و أنّ الإنسان لعبة بین مخالب الأقدار و بید الفلك فی حیاة كلّها خیبة آمال و سقوط.
إذن لا غرو أن تبنى أمنیاتها و أحلامها فی عالم لایوجد مثل هذه القضایا و تبنى لنفسها العالم المثالی الذی تتخیّله و تحبّ أن تعیش فیه و تعتصم به؛ فتعشق الدجى و الظلام و ما هو إلّا الخیال الذی تلوذ به و تثور على الشمس التی هی رمز للحقیقة فی قصیدتها " ثورة على الشمس" و تهدیها إلى المتمرّدین:
یا شمسُ ، أما أنتِ ماذا؟ما الذی تَلْقاهُ فیك عَواطِفی و خَواطری؟
لا تَعْجبیْ أن كنْتُ عاشِقةَ الدّجَى یا ربّةَ الّلَّهبِ المُذیبِ الصّاهِر
یا منْ تُمزّقُ كُلّ َ حُلم ٍ مُشْرقٍ للْحالمینَ و كلّ طَیفٍ سَاحر
یا من ْ تُهدّم ُ ما تُشَیّده ُ الدّجَى و الصّمْت ُ فِی أعْماقِ قلْبِ الشّاعرِ
( دیوان .ج.1 ص.490).
اللَّهَب : حرّ النار ، لسان النار صَهر الشیءَ : أذابَه.
حلم : ما یراه النائم فی نومه ج.أحلام طیف : الخیال الطائف فی النوم.
بعد بناء عالمها المثالی ، غیر عالم الواقع الذی سئم العیش فیه ، تثور علیه؛ لأنّها تشاهد من حولها فی الحیا ة و فی المجتمع شرورا ومعاصی وآثاما فیكتئب قلبها و تهرب من الشمس التی هی رمز الحقیقة؛ لأنّها تبید حلمها المشرق و طیفها الساحر و تهدّم كلّ ما تشیّده الدّجى و الصمت فی أعماق قلب الشاعرة.
ومما لا بد أن یؤخذ بعین الاعتبار، أنِ الشاعرة كانت متشائمة شدیدة التشاؤم فی بدایة حیاتها الشعریة؛ لأنها كانت مفعمة باتجاهات الرومنسیة و غلب علیها التشاؤم المطلق و كانت تشعر بالضیق و الألم و لاترى غیر الأزمة و الشقاء فی الحیاة و أنّ الحیاة كلّها ألم و إبهام و تعقید؛ و لكن تدریجیاغیّرت نظرتها حول الموت و فلسفة الحیاة و بدأت تنظر إلى الحیاة بمنظار جدید فیه مسحة من التفاؤل لیكون بلسما لدائها و مرهما لشفائها و نرى هذا التغییر حتّی فی عنوان مطوّلتها من" مأساة الحیاة" إلى " أغنیة للإنسان " فی الواقع آراؤها المتشائمة قد زالت و حلّ محلّها الإیمان بالله و الاطمئنان إلى الحیاة و جوّ مأساة الحیاة تبدّد شیئا فشیئا؛ وقد عبرت عن تمسّكها بالحیاة فی هذه الحیاة الدنیا لأنّ حبّ الحیاة أمر لا ینفصل عن الحیاة نفسها و أنّ الإنسان یجد لذّة كبرى فی أن یحیاها مهما كان طبعها و صعدت من إحساسها بالیأس و العدم إلى قمّة الرجاء و الأمل و آمنت بأننا یجب أن نستسلم للقدر خاضعین و أنّ العالم یواصل سیرته حتى بدوننا و آمنت بأنّ الإنسان مهما یفكّر فی آلامه و آلام أبنائه و مواطنیه و المجهولات و الأسرار و الألغاز، فلكن یجب ألّا یعكس الیأس و القنوط و الألم فقط، بل یجب أن یكون للتفاؤل مكانه.
ومهما یتأمّل الإنسان فی هذه القضایا فلا بدّ ألّا ینصرف عن الحیاة لأنّه لم یجئ إلى الحیاة لیشقى و یصبّ الهموم على نفسه بل أتاها لیتنعّم بها و أن یكون مسلكها تجاه الحیاة و فلسفتها إیجابیّا و ینظر إلیها بمنظار التفاؤل و لتكن فلسفتها الابتسام دائما مادام حیّا و ینتهز فرصة الحیاة قبل أن تفلت من یده.
رسمت الشاعرة لنفسها هذا العالم الذی فرض على نفسها لتعیش فیه؛ لأن ّالعالم الواقع عالم ملیء بالأحزان و الآلام والحیاة فیه جافّة و باردة و لامعنى للعیش فیه و یجب استقبال الموت .و تنفر من كلّ شیء و تحسّ بالسآمة حتى فی التفكیر و البقاء. وإذا تطرّفنا الی أشعارها رأینا أنّ روح التشاؤم سرت فی نفسیتها، و فی نفسها نوع من الیأس و التشاؤم الذی قد تسرّب فی كلماتها و لغاتها .و قد آل بها المطاف أن تتضجّر من كل شیء موجود فی حیاة الواقع و تعیش فی الیوتوبیا.
المراجع والمصادر
1) احسان عباس ،فن الشعر، دار الثقافة، بیروت .1959 م.
2) احمد ملكی الطاهر، الشعر الحر، دار المعارف.
3) احمد ملكی الطاهر، فی الأدب المقارن، دار المعارف ،الطبعة الثانیة ،1992 م.
٤) سید حسینی رضا، مكتب های ادبی، انتشارات نگاه، چاپ یازدهم، 1376 ه.ش.
5) شفیعی كدكنی مخمد رضا، شعرای معاصر عرب، تهران، توس ،1359.ه.ش.
6) د.شوقی ضیف، فصول فی الشعر و نقده، دار المعارف بمصر.
7) العلمی الادریسی، رشید،.مقالة الیوتوبیا، بین الخیال المتعالی و تقدّم الإنسانیة
8) غنیمی هلال محمد، الرومانتیكیة، دار النهضة بمصر.
9) محمد فتوح احمد، الرمز و الرمزیة فی الشعر المعاصر.
10) مجلة الشعر، مجلة فصلیة مصریة العدد 1٤، ینایر 1986 م.
11) نازك الملائكة ،دیوان، دار العودة، بیروت، لبنان.
12) نازك الملائكة، قضایا الشعر المعاصر، دار العلم للملایین، الطبعة الثانیة، 1989 م.
موضوعات وبلاگ: نازک الملائکة،
ارسال توسط كشاورز
آخرین مطالب





